• Amused
  • Angry
  • Annoyed
  • Awesome
  • Bemused
  • Cocky
  • Cool
  • Crazy
  • Crying
  • Depressed
  • Down
  • Drunk
  • Embarrased
  • Enraged
  • Friendly
  • Geeky
  • Godly
  • Happy
  • Hateful
  • Hungry
  • Innocent
  • Meh
  • Piratey
  • Poorly
  • Sad
  • Secret
  • Shy
  • Sneaky
  • Tired
  • Wtf
  • النتائج 1 إلى 8 من 8

    الموضوع: كل شيء عن الدولة العباسية

    1. #1
      مشرف سابق
      This user has no status.
       
      I am:
      ----
       
      الصورة الرمزية DEATH MASTER
      تاريخ التسجيل
      Jul 2007
      الدولة
      IN MY CHAOS
      المشاركات
      10,151
      معلومات شكر المشاركات
      vBActivity - Stats
      Points
      0
      Level
      1
      vBActivity - Bars
      Lv. Percent
      0%
      الجنس:
      محل الأقـــامة:
      This is DEATH MASTER's Country Flag

      33 كل شيء عن الدولة العباسية

      شغلت الخلافة العباسية حيزًا كبيرًا من الزمن طال عدة قرون، وقد توسعت هذه الدولة توسعًا كبير، وضمت في أرجائها أعراقا وأجناسا شتى من البشر، ولكن الباحث في تاريخ هذه الدولة يواجه صعوبات كثيرة في دراسته، ولهذا أسباب، يجدر بنا الإطلاع عليها:
      أسباب صعوبة دراسة التاريخ العباسي:

      وصف المملكة الإسلامية حين استيلاء بني العباس:
      كانت المملكة الإسلامية تمتد من أقصى المشرق عند كاشغر إلى السوس الأقصى على شاطئ بحر الظلمات..
      وتمتد عرضًا من شاطئ بحر قزوين إلى أواخر بلاد النوبة، وهي مقسمة إلى أقسام كبرى، وكل قسم يشتمل على عدة ولايات، وها نحن أولاء نذكر هذه الأقسام وما فيها من الولايات:

      ـ الحجاز.
      ـ اليمن.
      ـ عمان.
      ـ هجر.
      وبهذه الجزيرة مكة وبها بيت الله الحرام والكعبة المقدسة التي جعلها الله قيامًا لناس وهي قبلة المسلمين كافة في صلاتهم، وبها طيبة: وهي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومبعث النور الإسلامي..
      أمة هذا القسم عربية محضة، تتكلم اللسان العربي إلا بصحار ـ قصبة عمان على شاطئ بحر الهند ـ فإن نداءهم وكلامهم بالفارسية وأكثر أهل عدن وجدة فرس إلا أن لغتهم عربية، ومذاهبهم السياسية: التشيع ببلاد اليمن، والخوارج بعمان وهجر، والسنة فيما عداهما..

      ـ الكوفة.
      ـ البصرة.
      ـ واسط.
      ـ المدائن.
      ـ حلوان.
      ـ سامراء.
      وهذا الإقليم كان يسمى في القديم: إقليم بابل، وهكذا كان اسمه في التقويم الأول عهد
      العباسيين، ولقد كان زهرة ملك العباسيين وأجمل بلدان الدنيا وأثراها وروافده الدجلة والفرات من أحسن أنهار الدنيا..
      وأمة هذا الإقليم نبطية، دخل عليها العرب في بلادها، فزاحموها وصارت كأنها لهم، ولذلك صارت لغة هذا إقليم عربية، وأصبح لغاتهم الكوفية لقربها من البادية وبعدهم عن النبط وأما البطائح فنبط، والذين نزلوا بهذا الإقليم من العرب أكثر من الذين نزلوا منهم بأي إقليم آخر ما عدا الشام والجزيرة، وقد كانوا بهذه الأقاليم الثلاثة قبل الإسلام، وكان بها منهم ملوك المناذرة بالعراق، والغساسنة بالشام، إلا أنهم لم يكونوا مستقلين بالملك، بل كانوا تحت رعاية الفرس والروم، فلما جاء الإسلام اتسق لهم الملك بالإقليمين، وكان الشام مهد الدولة الأموية، كما كان العراق مهد الدولة العباسية..

      ـ ديار ربيعة.
      ـ ديار مضر.
      ـ ديار بكر.
      وقد نزل العرب قبل الإسلام بهذا الإقليم،وكانت به قبائل شتى من جميع العدنانيين حتى سميت كورة بأسمائهم، ولذلك يعتبر إقليمًا عربيًا محضًا، لأن من كان به من الآشوريين وغيرهم درست آثارهم، وينتهي هذا الإقليم إلى حدود الروم وأرمينية..

      ـ قنسرين.
      ـ حمص.
      ـ دمشق.
      ـ الأردن.
      ـ فلسطين.
      ـ الشراة.
      وهذا الإقليم دخله العرب قبل الإسلام، وملكوا به، وزاحموا من كان به من الأمم القديمة..
      ولما جاء الإسلام، كان مهدًا عظيمًا من مهود الحضارة العربية الإسلامية، ولغة أهله عربية..
      وبهذا الإقليم: بيت المقدس، وهو ثالث المساجد المقدسة، بناه سليمان بن داود عليهما السلام حينما كان ملكًا على بني إسرائيل، ويعظمه جميع الأديان السماوية..

      ـ الجفار.
      ـ الحوف.
      ـ الريف.
      ـ إسكندرية.
      ـ مقدونيا.
      ـ الصعيد.
      ـ الواحات.
      وأمة هذا الإقليم كانت في القديم مصرية قبطية، ساكنها كثير من الأمم التي ملكتها كاليونان والرومان وغيرهم، وكان بالحوف بعض قبائل عربية تقيم فيها..
      وعندما جاء الإسلام جاءها كثير من العرب الفاتحين، فأقاموا في مدنها الكبرى، ثم جاءت قبائل كثيرة من قيس في عهد الدولة الأموية، وأقامت بالحوف (الشرقية)، ثم اختلطت هذه الأمة الفاتحة، بالمصريين تمام الاختلاط، فتزاوجوا حتى غلب على الجمهور اللسان العربي والدين الإسلامي وذلك بعد تملك الدولة العباسية..
      أما أول عهدها: فكان أكثر الفلاحين بالقرى أقباطًا لا يزالون على دينهم..

      ـ برقة..
      ـ إفريقية.
      ـ تاهرت.
      ـ سلجماسة.
      ـ فاس (السوس الأدنى).
      ـ السوس الأقصى.
      ـ الأندلس.
      1ـ دولة مترامية الأطراف فيها أقاليم عدة: 1ـ جزيرة العرب: وتشتمل على أربع كور جليلة: 2ـ إقليم العراق وبه ست كور: 3ـ إقليم الجزيرة: جزيرة أقور أو أثور أو أشور وهي ما بين دجلة والفرات، بها ثلاث كور: 4ـ إقليم الشام وبه ست كور: 5ـ إقليم مصر، وبه سبع كور على حسب التقويم القديم: 6ـ إقليم المغرب، وهو سبع كور:
      وهذا الإقليم كان يسكنه قبل الإسلام البربر، وساكنهم فيه كثير من الرومان والويز الذين ملكوا المغرب قبل الإسلام، فلما جاء الإسلام دخله العرب الفاتحون وزاحموا البربر، إلا أنهم لم يكثروهم لقتلهم، ولم يكثر العنصر العربي بها إلا بعد ذلك في منتصف القرن الخامس، فأمة هذا الإقليم الغالبة عليه لهذا العهد بربرية، واللسان الغالب هو اللسان البربري..

      ـ في الشرق، ويسمى جيحون أو أموداريا، ويسمى بما وراء النهر أو هيطل.
      ـ في الغرب، وهو ما كان غربي جيحون ويسمى خراسان.
      أولاً: ما وراء النهر: قال البشاري: "هذا الجانب أخصب بلاد الله تعالى وأكثرها خيرًا وفقهًا وعمرة، ورغبة في العلم، واستقامة في الدين، وأشد بأسً، وأغلظ معروفًا وضيافةً وتعظيمًا لمن يفهم"..
      وبهذا القسم ست كور:
      ـ فرغانة.
      ـ أسبيجاب.
      ـ الشاش.
      ـ أشروسنة.
      ـ الصغد.
      ـ بخارى.
      ثانيًا: خراسان، وبها تسع كور:
      ـ بلخ.
      ـ غزنين.
      ـ بست.
      ـ سجستان.
      ـ هراة.
      ـ جوزجانان.
      ـ مرو الشاهجان.
      ـ نيسابور.
      ـ قهستان.
      وهذا الإقليم من أعمر الأقاليم الإسلامية، وأهل خراسان منه هم الذين أقاموا الدولة العباسية وشيدوا صرحها، ومعظمهم كان شيعة لهم، أما أهل ما وراء النهر فجلهم من التركمان ولم يكن الإسلام قد شملهم لأول عهد العباسيين، وقد دخل العرب هذا الإقليم ولم يتجاوزوا النهر إلا في عهد الدولة الأموية، وقد كثرت فتوحاتهم فيما وراء النهر في عهد قتيبة بن مسلم الباهلي العامل من قبل الحجاج بن يوسف ولم تتغلب اللغة العربية على هذا الإقليم وما يأتي بعد من الأقاليم الفارسية، ولكن الدين الإسلامي شملهم فصار منهم أمة إسلامية قادرة، عمَّها العلم ـ ولا سيما الديني ـ ووجد منهم أفاضل الفقهاء من الشافعية والحنفية والمحدثين والعلماء في العلوم كافة..

      ـ قومس.
      ـ جرجان.
      ـ طبرستان.
      ـ الديلمان.
      ـ الخزر.
      7ـ إقليم المشرق، وهو إقليم ذو جانبين: 8ـ إقليم الديلم، وبه خمس كور:
      وهذا الإقليم لم يفشُ الإسلام به إلا في عهد الدولة العباسية، ولم يتأثر كثيرًا باللغة العربية..

      ـ أران.
      ـ أرمينية.
      ـ أذربيجان.
      وهذا الإقليم به كثير من الأجناس والألسنة، فيه الكرد والأرمن والفرس وغيرهم، ولم يفش الإسلام بهذه البلاد إلا في عهد الدولة العباسية، واللغة العربية به قليلة..

      ـ الري.
      ـ همذان.
      ـ أصفهان.

      ـ السوس، وهي تتاخم العراق والجبال.
      ـ جنديسابور.
      ـ تستر.
      ـ عسكر مكرم.
      ـ الأهواز.
      ـ الدورق.
      ـ رامهرمز.
      ولهذا الإقليم لسان خاص به يعرف باللسان الخوزي..

      ـ أرجان.
      ـ أردشيرخرة.
      ـ درابجراد.
      ـ شيراز.
      ـ سابور.
      ـ أصطخر.
      9ـ إقليم الرحاب، وهو ثلاث كور: 10ـ إقليم الجبال وبه ثلاث كور: 11ـ إقليم خوزستان، ويعرف بالأهواز وبه سبع كور، وهي: 12ـ إقليم فارس وبه ست كور:
      وبهذا الإقليم عدد عظيم من الأكراد وباسمه سميت البلاد الفارسية كلها..

      ـ بردسير.
      ـ نرماسير.
      ـ السيرجان.
      ـ بم.
      ـ جيرفت.

      ـ مكران.
      ـ طوران.
      ـ السند.
      ـ ويهند.
      ـ قنوج.
      فهذه أربعة عشر إقليمًا منها ستة عربية وثمانية أعجمية، والمراد بكونها عربية: تغلب اللسان العربي على أهلها، وإلا فأصل إقليم العرب هو جزيرتهم فحسب..
      وتشتمل هذه الأقاليم على ثلاث وثمانين كورة يجبي منها جميعها الخراج إلى حاضرة الدولة حيث يحمل منها ما بقي عن مصروفها، وذلك شيء عظيم..
      هذا هو الملك الطويل العريض الذي ورثه العباسيون بهمة شيعتهم من أهل خراسان، وليس عدد ولاة هذه الدولة بعدد الأقاليم التي بيناها، بل كان بعض الأقاليم فيه الواليان والثلاثة، وبعضها قد يضم إلى إقليم آخر حسب الأحوال.(1)
      13ـ إقليم كرمان، وبه خمس كور: 14ـ إقليم السند وبه خمس كور:



      الأحداث المعقدة والمتشابكة في التاريخ العباسي :

      في الواقع إن أحداث تاريخ دولة الخلافة العباسية معقدة، ومتشعبة ومتشابكة، وذات تكوينات سياسية متعددة، وقد شكلت دولة إسلامية مترامية الأطراف، تُعَدُّ امتدادًا لدولة الخلافة الأموية، تفاعلت عليها عناصر متعددة عربية وفارسية وتركية، وشهدت بنى اجتماعية وعنصرية متباينة، وتطورات سياسية واقتصادية واجتماعية مهمة، حددت مسيرتها ونهجها، وظل العامل الأبرز في صنع هذه الأحداث والتفاعلات العقيدة الإسلامية بفعل تأثيرها الجذري في المجتمع الإسلامي. (2)
      وترجع هذه الأحداث المعقدة والمتشابكة إلى:
      (أ)ـ العرقيات المؤثرة سواء عربية أو تركية أو فارسية بالإضافة إلى عرقيات أخرى..
      (ب)ـ المذاهب المختلفة سواء سنية أو شيعية، والشيعة مذاهب كثيرة متنوعة، وأحيانًا كان هناك خلاف بين المذاهب السنية..
      أولاً: العرقيات المؤثرة:
      بعد أن توقفت الفتوحات الإسلامية منذ أواخر العصر الأموي، انصرف الناس إلى الصراع الداخلي، حتى إذا نهض العباسيون بالأمر، واستقر لهم وخلد الناس إلى الراحة قليلاً استغل هذا الوضع كل من كان يخفي في نفسه شيئًا، وكان معظم هؤلاء المستغلين من المجوس حيث أظهروا التشيع وساروا مع أبناء جلدتهم من المسلمين الفرس وراء العباسيين حتى إذا نهضوا بالحكم تسلم بعض الفرس سلطات واسعة، فاستفاد المستغلون من العصبية، وعملوا على تهديم الإسلام، وظهرت بينهم حركات سنباذ والمسيلمة والرواندية والمقنعية والبابكية، بل وأصابع الاتهام تشير إلى داعية بني العباس الأول، أبي مسلم الخرساني، إذ نسبت بعض هذه الفرق نفسها له، أو طالبت بدمه، وإن كان هذا يبدو استغلالاً وإفادة من وضعه، ومن هنا بدأت العصبية تبزغ بقرونه..
      وكانت أرجاء الدولة الإسلامية متسعة وعدد السكان كبيرًا وخاصة في العاصمة، وقواعد الولايات، التي تضم أشتاتًا من الناس، وهذا يستدعي جندًا كثيرًا يوطِّد أركان السلطة، ويحفظ الأمن، ولما كان أهل البلاد يعيشون في حالة من الرخاء والرفاه فهم بعيدون عن حياة الجندية، وما دامت الفتوح الإسلامية قد توقفت، ولم يعد الجهاد على نطاق واسع كما كان، وإنما في أوقات محددة تقضيه الظروف ولهذا فإن السكان لا يرون ضرورة للانخراط في الحياة العسكرية، وكان الخليفة عندها مضطرًا لاستقدام جنود من مناطق لا تزال غير مترفة بعد، أو قد دانت بالإسلام منذ وقت قصير، أو يأتي بالأسرى والمماليك وينشئهم تنشئة عسكرية بعد أن يدخلوا في الإسلام، وقد جِيء بجند من الترك، وترقوا في الرتب حتى غدوا قادة ثم أصبح الأمر بيدهم يخلعون الخليفة إن شاءوا، ويعينون من أرادوا فضعفت هيبة الخلافة، وانخفضت مهابة السلطة. (3)
      ـ وقد تأثرت دولة الخلافة العباسية بذلك الصراع على النفوذ بين العرب والفرس والترك، وقوى نفوذ الفرس بفعل عدم قدرة الخلفاء المحافظة طويلاً على التوازن بين هذه الشعوب، فسيطروا على معظم المرافق، فكان منهم الوزراء والقادة المتسلطون بدءًا من عهد المنصور، حتى اضطر هارون الرشيد إلى نكبة وزرائه البرامكة، ثم رجحت كفتهم بعد انتصار المأمون على أخيه الأمين، وبلغ بنو سهل، وهم فرس، منزلة كبيرة في عهده، ورأى المعتصم أن يصطنع لنفسه عنصرًا جديدًا يعتمد عليه، فاتخذ من الأتراك بطانة وأداة، ووزراء، وقادة فقضى بذلك على النفوذ الفارسي..
      وبوفاة الواثق في عام (232هـ/ 847 م) ينتهي العصر العباسي الأول..
      وفقدت دولة الخلافة العباسية فعاليتها في العصر العباسي الثاني الذي ابتدأ في نفس العام، وذلك نتيجة لضعف لهيئة الحاكمة، مما أدى إلى إضعاف السلطة المركزية للدولة سياسيًا وإداريًا وماليًا وبالتالي أخذت الولايات تنفصل عنها.. لكن المباديء التي نادت بها الثورة، ظلت تؤتي ثمارها على الرغم من ضعف الخلافة وانتقلت الدولة من المركزية إلى اللامركزية في نظام الحكم، وقامت في الأطراف دول انفصالية ودخلت شعوب جديدة في المجتمع الإسلامي، تمكنت من الوصول إلى الحكم، ووقع الخلفاء تحت نفوذهم، مما أدى إلى تحجيم دورهم السياسي الفاعل، فبرز الأتراك على الساحة السياسية وقد حملوا عبء إدارة الدولة وتوارى الخليفة في الظل..
      وتحول مسار التاريخ السياسي، الذي لم يعد تأريخًا للخلافة، وإنما أضحت الشعوب الإسلامية هي التي تصنع هذا التاريخ وتوجهه، فقد برزت العنصريات في ظل شعار المساواة بروزًا للامركزية، و من الطبيعي في هذا الوضع الشاذ، أن تتجه جهود المؤرخين إلى تأريخ سياسات الشعوب الإسلامية كجماعات إقليمية تسعى إلى تنمية شخصيتها ومصالحها، وتقوية قبضتها على ما تسيطر عليه، بدلاً من الاتجاه إلى تأريخ أعمال الخلفاء..
      وتلاشت في هذا العصر، فكرة جمع العالم الإسلامي تحت قيادة سياسة واحدة، وتأرجحت علاقات الخلافة مع الدول الإقليمية بين العداء السافر حينًا والتعاون المثمر أحيانًا أخرى..
      وشكل العصر العباسي الثالث الذي ابتدأ في عام (334هـ/ 945م) ردَّه فعل مناهضة للنفوذ التركي الذي سيطر على مقدرات الخلافة في العصر العباسي الثاني، ومثل حركة فارسية ـ شيعية تزعمها بنو بويه الذين أسسوا دولاً انفصالية في فارس والأهواز وكرمان والري وأصفهان وهمذان، وتمكنوا من فرض هيمنتهم الفعلية وبسط سلطتهم على العراق حتى عظم نفوذ هذه الأسرة وسمي باسمها العصر العباسي الثالث..
      وقد حافظ البويهيون بعد تردد، على منصب الخلافة، لكنهم سيطروا على مقاليد الأمور، وتصرفوا بشكل مطلق، واستمرت مظاهر ضعف الخلفاء، وفقدان هيبتهم مسيطرة طيلة هذا العصر..
      وشكل العصر العباسي الرابع، الذي ابتدأ في عام (447هـ/ 1055م) ردَّه فعل مناهضة للنفوذ الشيعي، ويتشابه هذا العصر مع العصر السابق من حيث تركيز السلاجقة الذين حلوا محل البويهيين، على المشرق الإسلامي فبسطوا هيمنة فعلية على مقدرات الخلافة مع احترام شخص الخليفة ومركز الخلافة، ويختلفان من حيث المذهب الديني بفعل اعتناق السلاجقة المذهب السني الذي يعتبر الخليفة العباسي رئيسه الروحي..
      وتأرجحت علاقة الخلافة بهؤلاء السلاجقة بين التعاون المثمر والعداء السافر، خاصة في فترة تفكك وحدة السلاجقة، فمال الخلفاء إلى الانعتاق من الطوق السلجوقي، لكن الخلافة رأت نفسها عاجزة عن وضع حد للاضطرابات الناجمة عن تنازع الأسرة السلجوقية مما دفعها إلى الاستعانة بالخوارزميين للقضاء على السلاجقة، وأوقعها ذلك في نزاع مع القادمين الجدد أيضًا بفعل طمعهم في الهيمنة على اختصاصاتها..
      وحتى تتخلص من سيطرة الخوارزميين عمدت الخلافة إلى الاستعانة بعنصر جديد هو العنصر المغولي الذي تميز بقسوته ووحشيته وقد سقطت تحت ضرباته الموجعة في عام (656هـ/ 1258م). (4)
      ثانيًا: المذاهب المختلفة:
      كان لتعدد المذاهب واختلاف الفرق أثر سيئ وخطير على الإسلام والمسلمين، فالإسلام الموسوم بالسماحة، الداعي إلى السلام قد تخضبت أيدي أبنائه بدماء بعض نتيجة للخلافات المذهبية، وضيق الأفق الذي حَلَّ بهؤلاء المتعصبين لمذاهبهم، وانتهى الأمر في كثير من الأحيان ـ ولفترات طويلة من الزمان ـ إلى القتال الدامي الذي ترك رواسب كثيرة في نفوس المسلمين من أبناء الطوائف المختلفة..
      وقد بدأت دماء المسلمين تسيل أول الأمر على يد الخوارج، الذين رأوا أن الإسلام لا يتم إلا بالجهاد وقتل باقي المسلمين ممن لا يعتنقون مذهبهم، ومن بعد الخوارج قام القرامطة الذين قضوا مضجع العالم الإسلامي، وحل شرهم في كل بلد، وأسالوا الدماء في كل صعيد ووادٍ..
      هذه الآلآف من أرواح المسلمين التي أزهقت بسيوف الخوارج والقرامطة لم يكن سبب إزهاقها إلا الأفق الضيق والتعصب الأعمى، والإسلام من كل ذلك براء..
      ومع عجلة الزمان أخذ الخطر ينتشر من مكامنه وأخذ الصراع بين المذاهب المختلفة ـ بخاصة الشيعة والسنة ـ يحتال مكانًا ظاهرًا في حياة المسلمين، والغلبة للقوى صاحب السلطان من الطرفين، وهكذا نجد الشيعة حينًا معتدين غالبين، ثم ينتقل الأمر لم يكن مقصورًا على معسكري الشيعة والسنة بل كثيرًا ما وقع الخلاف بين أحزاب السنة أنفسهم..
      وإذا ما تتبعنا المصادمات والخلافات التي وقعت بين الشيعة والسنة، سواء أكان المعتدون هؤلاء أم أولئك، فإننا سنجد صفحات دامية سوداء لوثت أفق الحياة الإسلامية لبضعة قرون من الزمان..
      فرجل فاضل مثل أبي عبد الرحمن النسائي ـ وكان متشيعًا ـ يُسأَل في دمشق عن معاوية رضي الله عنه وفضائله فيرد ردًا به مساس بالخليفة الأموي، فإذا بالناس يدفعونه ويخرجونه من المسجد، ويدوسونه حتى يموت بسبب ذلك..
      وينشب في مصر في يوم عاشوراء سنة 350هـ خلاف بين الجنود السنة من أتراك وسوادنيين من جانب، والشيعة من جانب آخر، ويسير الجنود في الشوارع يسألون من يجدونه في الطريق: من خالك؟! فإذا لم يقل: معاوية يلقي من الضرب والأذى ما لا طاقة له به..
      وتقع فتن دامية أعوام 408هـ، 444هـ، 445هـ، 449هـ، ويجري قتال رهيب بين كل من الشيعة والسنة وتسيل الدماء أنهارًا، وتخرج نساء الشيعة ناشرات شعورهن حزنًا على من ماتوا من أزواجهن، ويلهبن عواطف العامة، فيشتد الأمر، وتشتعل الحرائق إلى أن تأتي على الأخضر واليابس لغير ما سبب إلا أن فريقًَا من المسلمين يخالف فريقًا آخر في الرأي..
      وفي مصر نقرأ في أحداث سنة 353هـ أن أحد كبار الشيعة يحبس لغير سبب فيموت في الحبس، فيحمل إلى قبره، ولكن يأبى التعصب الكريه أن يترك جثة الرجل تمر في أمان، بل يلتحم الجند بأصحاب الشيخ، وتقع بين الفريقين معارك دامية..
      على أن بعض الشيعة أنفسهم كانوا مسئولين عما يصيبهم من الأذى في بعض الأحيان لإظهار تعصبهم ضد الصحابة الكرام، ولعنهم جهارًا، الأمر الذي كان يثير عليهم جمهور المسلمين، ففي أحداث سنة 345هـ قامت فتنة كبيرة في أصبهان ـ وكان سكانها سنيين ـ لأن رجلاً من أهالي قم ـ وهم شيعة غلاة ـ قد سبَّ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فوقع كثيرٌ من القتلى، ونهبت أموال التجار من أهل "قم". (5)
      ويقال إن "قم" هذه كان يسكنها قوم من الغلاة هم "الغرابية" ومذهبهم أن المال كله للبنت، فلم ولى أمرهم قاض حكم للبنت بالنصف فهددوه دون قتل، وإنما يحكمون للبنت بكل المال تكريمًا للسيدة فاطمة الزهراء..
      على أن الشيعة لم يكونوا المعتدى عليهم بصفة دائمة فكثيرًا ما كانوا المعتدين، خصوصًا إذا كانت الأمور في يد دولة شيعية كالبويهيين أو الفاطميين، أو حيث يكثر تجمعهم فلم يكن إنسان يستطيع أن يذكر الصحابة بالخير في بعض الأزمنة في الكوفة، لأن مصيره يكون القتل السريع، ولذلك قيل: من أراد الشهادة فليدخل دار البطيخ بالكوفة وليقل: رحم الله عثمان..
      وكان في القيروان قاضٍ سنيٍّ اسمه أبو سعيد، فاستدعاه داعي الدعاة الفاطمي وطلب إليه أن يعتنق المذهب الشيعي فرفض القاضي قائلاً: لو نشرتني إلى اثنين ما فارقت مذهب مالك، فأمر به داعي الدعاة فقطع لسانه..
      وكان البويهيين لتعصبهم للتشيع يكرهون أهل السنة، وكثير ما أوقع معز الدولة البويهي الأذى بالخلفاء من قتل أو سمل عيونهم لا لشئ إلا أنهم سنيون..
      على أن أكثر ما حل بأهل السنة، من أذى كان على يد الشيعة من الفاطميين، فقد ضرب رجل من مصر وطيف به القاهرة لأنهم وجدوا عنده "الموطأ" للإمام مالك، وأمر الحاكم بأمر الله نائبه بدمشق بعقاب رجل مغربي ضرب وطيف به على حماره ونودي هذا جزاء من أحب أبا بكر وعمر، وبعد انتهاء الطواف ضربت عنقه..
      وقد بالغ الفاطميون في إيذاء أهل السنة، فعزلوا كل السنيين من المناصب الحكومية، وحبسوا قاضي القضاة لأنه رفض أن يعترف بإمامة على، وسبوا الصحابة والخلفاء الراشدين بكتابات منقوشة على جدران المساجد وفي الشوارع، ولعنوا أهل السنة على المنابر، إلى غير ذلك من أصناف الأذى التي أريق بسببها الدماء حينً، و حلَّ الأذى والتحقير مكان الدماء حينًا آخر..
      ولم يقف أمر الخلاف الدامي بين المسلمين على السنة والشيعة وحدهم، بل إنه جرى بين المعتزلة بمساعده بعض أهل السنة ممن رفضوا القول بخلق القرآن..
      ولعل أياديَ خفية كانت حريصة على إذكاء نار الفتنة بين المسلمين حتى بين أبناء الطائفة الواحدة، فقد جرت خلافات ومصادمات بين أهل السنة أنفسهم، ولقد كان الحنابلة (أنصار أحمد بن حنبل) على رأس المعتدين دائمًا، واشتهروا بالعنف في معاملة خصومهم من أبناء المذهب الشافعي، فقد ثاروا عليهم، وألحقوا بهم الاعتداء وأرادوا أن يجعلوا لأنفسهم مركزًا حصينًا ينقضون منه على خصومهم، فبنوا مسجدًا في بغداد جعلوا منه وكرًا للمشاغبة، واستعانوا بفريق من العميان مسلحين بالهروات كانوا يطلقونهم على الشوافع فيوسعونهم ضربًا حتى شارفوا على الموت..
      وبلغ الأمر بالحنابلة وعنف خصومتهم أن منعوا دفن ابن جرير الطبري، فاضطر أصحابه أن يدفنوه في داره ليلاً، فقد استعانوا بالعامة في ذلك، لا لشئ إلا أن الطبري لم يعترف بابن حنبل كفقيه واعتبره محدثًا ليس غير. (6)

      طال عهد العباسيين (132 ـ 656هـ) فوصل إلى ما يقرب من خمسة قرون وربع القرن، وضعفت أيامهم في آخرها إذ زاد ظهور العصبيات فقامت دول على أساسها، ولم يكن ثمة داعٍ لقيامها لولا فكرة العصبية التي حملتها، واللغة التي أحيتها من جديد؛ فظهرت الدولة السامانية، والغزنوية، والخوارزمية، ولا شك فإن الطموح السياسي كان أساسًا في نشأتها، ثم نما باسم العصبية لداومه، ودعم الشعب لها..
      كما انفصلت أجزاء عن الدولة رسميًا، وأعلنت عن قيام خلافة مستقلة فيها، فكانت الخلافة الأموية في الأندلس، والفاطمية في مصر وأجزاء من إفريقية، ولم تكن هذه الدول الإسلامية على تفاهم فيما بينها، بل على العكس كانت معاديةً بعضها لبعض، وكل منها على صلة بأعداء الثانية، فالعباسيون في بغداد يصادقون حكام الفرنجة خصوم الأمويين في الأندلس، هذا مع العلم أنه لا يوجد في دار الإسلام سوى خليفة واحد، والمسلمون جميعًا تضمهم دولة واحدة، وهذا يدل على ضعف الروح الإسلامية لدى المسلمين في ذلك العهد بالنسبة إلى ما كان عليه المسلمون الأوائل في الصدر الأول. (7)

      نتيجة الترجمة، واختلاط المسلمين ببيئات متنوعة، وثقافات مختلفة، نتجت تحليلات كثيرة مختلفة لنفس الحدث، مما أدى إلى بلبلة فكرية كبيرة فهذا يمدح في شخصية، وآخر يذم في نفس الشخصية، وهذا يصف رجلاً بالفكر المتنور المتحرر وآخر يصف نفس الرجل بالإلحاد والزندقة وهكذا..
      فإذا نظرنا إلى أفكار المعتزلة بصفة عامة وجدناهم أكثر الفرق الإسلامية أخذًا بلباب الفلسفة اليونانية والانتفاع بها، فلا نكاد نقرأ لواحد من أئمتهم حتى نلمس ظلال الفلسفة اليونانية متمشية في جنبات أفكاره، لعل هذه الفلسفة كانت أوضح ما تكون عند أبي الهذيل العلاف، وإبراهيم النظام، والجاحظ..
      ومن أهم المسائل التي نادى بها المعتزلة "مسألة الاختيار" مما دفع كثير من المسلمين إلى مناصبتهم العداء، فنسبوا إليهم أنهم متأثرون فيها بمذهب زرادشت، وذهب البعض إلى تسميتهم "بمجوس الأمة الإسلامية"..
      وظهر على أيدي المعتزلة بعض القضايا الخطيرة مثل "قضية خلق القرآن"، وتبني بعض الخلفاء العباسيين هذه القضية وعملوا على نشرها بين الأمة الإسلامية أمثال الخليفة المأمون، والمعتصم، والواثق. (8)
      فلذلك نظر المعتزلة إلى هؤلاء الخلفاء باعتبارهم أصحاب فكر متنور ومتحرر، أما أهل السنة فقد وصفوهم بالإلحاد والزندقة..

      ـ الشيعة (الطالبيين).
      ـ المستشرقين.
      ـ المستغربين.
      (أ)ـ الشيعة (الطالبيون):
      لقد لعب الشيعة في تشويه تاريخ بني العباس الدور نفسه الذي لعبوه في تشويه صفحات بني أمية بالاشتراك مع العباسيين خصوم بني أمية السياسيين، وحكام العصر الذي دُوِّنَ فيه التاريخ، ذلك أن آل البيت الذين كانت الدعوة باسمهم، وعلى أساسها انفرط عقد بني أمية قد انفرد من بينهم بنو العباس الذين استأثروا وحدهم بالسلطة دون بني عمومتهم من أبناء أبي طالب، وأزاحوهم من وجهم، بل ومن جانبهم...الأمر الذي جعل أبناء أبي طالب يحقدون على بني العباس، وينازعونهم الأمر، ويعملون على تشويه سمعتهم وبالتالي تاريخهم. (9)
      ينظر المسلمون إلى آل البيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرة احترام وتقدير، وكان لهذه النظرة أثر كبير في الحياة السياسية عامة، وينحصر آل البيت في أبناء أبي طالب عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أسلموا وهم: علي، وجعفر، وعقيل، رضي الله عنهم، وفي آل العباس عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي أسلم مع أخيه الحمزة رضي الله عنهما من بين أعمام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن حمزة سيد الشهداء لم يعقب، ولم يشمل آل البيت في أبناء أعمام رسول الله صلى الله عليه وسلم من الزبير، والحارث، وأبي لهب، حيث جاء الإسلام هؤلاء الأبناء متأخرًا، وربما انحصر آل البيت في أبناء علي رضي الله عنه، من زوجه فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث انقطع عقب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا منها، هذا إضافة إلى قرابة علي، وسابقته في الإسلام، وجهاده أعداء الله، وإصهاره لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى رأى بعض المسلمين في هذا سببًا في أحقيته بالخلافة، وأحقية أبنائه من بعده، رغم ما في هذا القول من مجانبة عن تعاليم الإسلام، لأن الخلافة ليست وراثية، وإنما لها شروط يفرضها الصلاح والتقوى والقوة في الحق، وتحق لأي مسلم تتوفر فيه الشروط...
      وعندما قامت الدعوة العباسية على "الرضا من آل محمد" ظن أبناء علي رضي الله عنه أن لهم في الدعوة نصيبًا، فلما قام العباسيون بالأمر، واستأثروا بالحكم، وقف شيعة أبناء علي موقفًا معاديًا للعباسيين وقاموا يعملون ضدهم، فمن جانب ثاروا ضدهم، واستمرت حركاتهم، ومن جانب آخر اتهموهم بالظلم، ورموهم بالمفاسد، وأشاعوا الدعايات ضدهم، والسخرية منهم ومن تصرفاتهم، وبالمقابل فقد لاحق العباسيون خصومهم السياسيين من شيعة أبناء علي رضي الله عنه وشددوا عليهم، واضطهدوهم، ونكَّلوا بزعماء ثوراتهم كي يلقوا بينهم الرعب، وأحيانًا حاولوا استرضاء بعضهم اتقاءً وخوفًا من حركاتهم، فتقوقع الشيعة على أنفسهم، بعد أن أصابهم ما أصابهم؛ وجعلوا لأنفسهم عقيدة خاصة بهم اختلفت عن الإسلام إذ جعلوا لأئمتهم العصمة، وعَدُّوهم مخصصين من عند الله، ونسبوا لهم التأويل والمعرفة دون سواهم، وطعنوا في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونسبوا هذا كله إلى أعلام المسلمين من آل البيت فدوَّنوا كتبًا ونسبوها لسابقين مثل: نهج البلاغة الذي نُسِبَ لسيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كما أوجدوا فقهًا خاصًا ونسبوه لجعفر الصادق رحمه الله وهكذا..
      وأشاعوا الكذب على الخلفاء العباسيين وخاصة الأقوياء منهم والصالحين أمثال: هارون الرشيد الذي كان قويًا، ولننظر إلى بعض هذه الافتراءات التي يبدو فيها الاختراع مباشرة، أخرج السلفي في الطيوريات بسنده عن ابن المبارك قال: لما أفضت الخلافة إلى الرشيد وقعت في نفسه جارية من جواري المهدي، فراودها عن نفسها، فقالت: لا أصلح لك، إن أباك قد طاف بي، فشُغِفَ بها، فأرسل إلى أبي يوسف، فسأله: أعندك في هذا شئ؟ فقال: يا أمير المؤمنين أو كلما ادَّعت أَمَةٌ شيئًا ينبغي أن تصدق، لا تصدقها فإنها ليست مأمونة، قال ابن المبارك: فلم أدرِ ممن أعجب من هذا الذي وضع يده في دماء المسلمين وأموالهم يتحرج على حرم أبيه، أم بهذه الأمة التي رغبت بنفسها عن أمير المؤمنين، أم من هذا فقيه الأرض وقاضيه! قال: اهتك حرمة أبيك، واقصد شهوك، وصيِّرْه في رقبتي، وذكروا أشياء عن الرشيد وأبي نواس يندَي لها الجبين، وأبو نواس لم يَرَ الرشيد، ولم يدخل عليه، وذكروا أشياء أكثر من ذلك عن صلة أبي نواس بزوج الرشيد زبيدة بنت جعفر بن المنصور، فقالوا: إن أبا نواس دخل مرة قصر الخليفة فرأى الرشيد نائمًا مغطى فاستلقى فوقه، فرفع الرشيد رأسه ونهره، وقال: ما هذا يا أبا نواس؟ فقال: معذرة يا أمير المؤمنين فقط ظننتك السيدة زبيدة ـ والله ..
      ويتهمون الأمين بكثرة شربه الخمر، ثم نراهم يصفونه بأنه أراد قتل أبي نواس عندما انتهى إليه أنه يشربها.. (10) إلى غير ذلك من هذه القصص المكذوبة التي ألفوها وملأوا بها كتب التاريخ..
      فإذا كان الخلفاء بهذا اللهو المفرط، وهذا المجون الواسع فمن الذي كان يسوس أمور البلاد، ويذود عنها، ويرسل الجيوش، وينطلق أمامها أحيانًا، وأحيانًا أخرى ينطلق الأمراء من أبناء الخليفة، وإخوته وأبناء عمومته، والذين من المفروض حسب هذه الروايات أن يكونوا مثل إمامهم..
      وإذا كان الخلفاء على هذه الصورة المدونة في التاريخ فمن الذي شاد هذه الحضارة لعظيمة التي نفتخر بها بين أمم الأرض، وهي في أعلى مستو مما شادته الأمم الأخرى.. أهكذا جاءت ودون تعب، ومن غير جهد، أم أقامها غير أسلافنا ثم نسبت إليهم..
      حقيقة إن الذين شادوا حضارتنا رجال عظماء، ولكن التاريخ الذي دُوِّنَ بأيدٍ مغرضةٍ قد حَطَّ من شأنهم كثيرًا..
      وإن توارِي كثيرٍ من الطالبيين واختفائهم قد سهل ادعاء كثير من الرجالات النسب الهاشمي، وبسبب حب المسلمين لآل البيت فإن كثيرًا من الطماعين في السلطة نسبوا أنفسهم لآل البيت حتى يلتف الناس حولهم ثم يقوموا بحركات ضد الدولة، ومن هذه الحركات كانت فتنة الزنج، ودعوة العُبَيْدِيين الفاطميين وبعض القرامطة، والفرق الباطنية، حتى اختلط الأمر على كثير من المؤرخين. (11)
      (ب)ـ المستشرقون:
      إذا نظرنا في كتب المستشرقين التي تبحث في العصر العباسي الأول وجدناها تعطي أبشع صورة لذلك العصر، بل إن أغلب التشويه الذي نراه عند الباحثين العرب والمسلمين مقتبس عنهم، وما هو إلا ترديد ونشر ونقل لآراء المستشرقين الذين تتلمذوا لهم ولمصادرهم وكتبهم ومناهجهم، وصدقوا ما شاع من موضوعية المستشرقين..
      وقد دخل النقص والخطأ على تلك الدراسات الغربية من عدة وجوه منها:
      ـ أولاً:
      الاستجابة الناقصة للحادثة التاريخية وتفسيرها، وعن ذلك يحدثنا الأستاذ / سيد قطب ويقرر على الإنسان الذي يريد فهم حادثة أو تفسيرها: "أن يفتح روحه وفكره وحسه للحادثة، أو يستجيب لوقوعها في مداركه ولا يرفض شيئًا من استجاباته لها إلا بعد تحرج وتمحيص ونقد، فأما إذا كان يتلقاها بادئ ذي بدء وهو معطل الروح أو الفكر أو الحس ـ عن عمد أو غير عمد ـ فإن هذا التعطيل المتعمد أو غير المتعمد، يحرمه استجابة معينة للحادثة التاريخية هذه الاستجابة الناقصة هي أول ظاهرة تتسم بها البحوث الغربية عن الموضوعات الإسلامية، وذلك أن هناك عنصرًا ينقص الطبيعة الغربية ـ بصفة عامة ـ لإدراك الحياة الشرقية بصفة عامة والحياة الإسلامية على وجه الخصوص.. عنصر الروحية الغيبية وبخاصة في العصور الحديثة بعد غلبة النظريات المادية، والطريقة التجريبية على وجه أخص وكلمات كانت هذه الموضوعات الإسلامية ذات صلة وثيقة بالفترة الأولى من حياة الإسلام كان نقص الاستجابة إليها أكبر في العقلية الغربية الحديثة.. هذا النقص يُعَدُّ عيبًا في منهج العمل التاريخي ذاته، وليس مجرد خطأ جزئي في تفسير حادثة أو تصوير حالة، ومن ثم فالمنهج الأوروبي في البحث يسبب تعطيل أحد عناصر الاستجابة سواء كان ذلك ناشئًا عن الطبيعة الغربية ذاتها وملابسات حياتها البيئية التاريخية، أو ناشئًا عن تعمد المؤرخ الأوروبي تعطيل هذا العنصر، استجابة لمنهج معين في الدراسة، هذا المنهج غير صالح لتناول الحياة الإسلامية بل لتناول الحياة الشرقية على وجه العموم، ولكن عدم الصلاحية يتجلى في جانب الدراسات الإسلامية أوضح وأقوى..
      ومن هنا ندرك الخطأ الذي وقع فيه الأستاذ/ ريسلر عند تفسيره للفتوحات حيث يقول: "إذا كانت هذه الغزوات الحربية قد استجابت للغرائز العريقة في القدم لرجال تعودوا أن يقاتل بعضهم بعضً، وإذا كان هؤلاء الرجال قد كفوا عن القيام بهذه اللعبة على أرضهم الخاصة، فإن هذا يفسر لنا أسباب انتشار فتوحاتهم كما يبرر كذلك وفرة هجماتهم وعنفه...."، وهذا ينافي واقع الفتوحات التي اشتهرت بسموها ورفعتها وغايتها النبيلة، فما انطلقت تلك الفتوحات إلا تنفيذًا لغرض الجهاد، وتوطيدًا للدعوة إلى الإسلام، وأما الاستجابة للغرائز، وتنفيذ الرغبات والشهوات فأمور حاربها الإسلام وأمر بكبح جماحها. (12)
      ـ ثانيًا:
      ومما أدخل النقص في الدراسات الغربية تلك النظرة إلى الأحداث والوقائع من زاوية رؤية معينة، صبغوا ولونوا بها تاريخنا وحضارتنا وعن ذلك يقول الأستاذ/ سيد قطب: "إنه لا يخفي أن كل امريء يختلف شكله باختلاف زاوية الرؤية، وكذلك الشأن في الأحداث والوقائع، والأوروبي بطبيعته، ميال إلى اعتبار أوروبا هي محور العالم، فهي نقطة الرصد في نظرة، ومن هذه الزاوية ينظر إلى الحياة والناس والأحداث ومن هنا تتخذ في نظره أشكالاً معينة ليس هومن يملك الجزم بأنها أصح الأشكال، وهو يدركها في هذه الأوضاع ويفسرها ويحكم عليها كما يراها، وإذا كان بديهيًا أن أوروبا لم تكن هي محور العالم في كل عصور التاريخ، وكان الأوربي لا يملك اليوم أن يتخلص من وهم وضعها الحاضر حين ينظر الى الماضي.. أدركنا مدى انحراف الزاوية التي ينظر بها الأوروبي للحياة الإسلامية التاريخية، ومدى أخطاء الرؤية التي يُضطر إليها اضطراراً، ومدى أخطاء التفسير والحكم الناشئة من هذه الرؤية المعينة".
      فالأوروبي ـ مثلاً ـ ينظر إلى الفتاة المسلمة بنفس نظرته إلى الفتاة الأوروبية فيقول أحدهم عن تعليم البنات المسلمات: "يقوم تعليم البنات على تلقينهن تربية دينية قويمة، وعلى تعويدهن الصلاة وجعلهن في وقت مبكر صالحات للأعمال المنزلية، وبعد سنوات أيضًا، يعلمن قرض الشعر، والفنون الزخرفية والموسيقى والرقص في المدارس المخصصة لذوي اليسار في المجتمع الإسلامي.."، فكما أن الفتاة الأوروبية تتعلم الرقص والموسيقى ـ ولا يثلب ذلك فيها ـ فكذلك الفتاة المسلمة في نظره بالرغم من الخلاف الكبير بين الحالتين: فالرقص والموسيقى محرمان في الإسلام ويثلبان في شرف الفتاة المسلمة..
      ـ ثالثًا:
      التعمد في تشويه الأخبار، وافتعال الأكاذيب، ووضع الافتراءات ومسخ التاريخ والحضارة الإسلامية مسخًا، وهذا التعمد بسبب العداء الموجود بين الصليبية والإسلام، والصراع بين الاستعماروالشرق، وبسبب نوايا الاستعمار الخبيثة ، ولأن هذه الطريقة في الدراسة ترسخ في أذهان الجيل المعاصر أنه ليس له أمجاد، وليس له تاريخ مشرف، وأنها تساعد على نشأة جيل لا يكن لأمته سوى البغض والاحتقار، ولا شك أن مثل هذا الجيل يملك الاستعداد التام لتغريب شخصيته..
      وهذا ما حصل فعلاً لأننا نحن الأمة الإسلامية إنما ننظر الآن إلى أنفسنا وإلى سوانا بعدسة صنعتها أيد أجنبية عنا، أجنبية عن عقيدتنا وتاريخنا، أجنبية عن مشاعرنا وإدراكنا، أجنبية عن فهمنا للأمور وإحساسنا بالحياة وتقديرنا للأشياء ثم هي بعد ذلك كله ـ مغرضة في الغالب ـ تبغي لنا الشر لا الخير؛ لأن مطامحها ومطامعها ومصالحها الخاصة وأهدافها القومية كلها تدفع بها دفعًالأن تبغي لنا الشر؛ لأن خيرنا لا يتفق مع خيره، ولأن مصالحنا تعطل مصالحها..
      ولذا فقد أصبحنا ندرس في مدارسنا ومعاهدنا على وجه الخصوص تاريخًا إسلاميًا مشوهًا وتاريخًا أوروبيًا مضخمًا، لا عن مجرد خطأ غير مقصود، ولكن عن نية مبيتة من الاستعمار الغربي الذي يهمه ألا نجد في تاريخنا ما نعتز به، وأن نرى أوروبا على العكس هي صاحبة الدور الأول في التاريخ الإنساني فإذا يئسنا من ماضينا واستعرضنا دورنا في الحياة البشرية، وامتلأت نفوسنا مع ذلك إعجابًا بالدور الذي قامت به أوروب، وإكبارًا للرجل الأبيض.. سَهُلَ قيادتنا على الاستعمار.. وذلت رقابنا للمستعمرين..
      وما أكثر الحوادث المفتعلة، والحقائق المزيفة، والأخبار الكاذبة الموضوعة التي نجدها في كتب المستشرقين التي لا تحصى، والأمثلة على ذلك كثيرة فعلى سبيل المثال ما كتبه "جاك. س.ريسلر" في كتابه "الحضارة العربية" تحت عنوان "البغاء" حيث يقول: "الدين من حيث المبدأ يحرم البغاء، لكن الدولة كانت تأذن به وتنظر إليه على أنه مصدر للدخل..."..
      فهو لم يُشِرْ إلى المصدر الذي أخذ عنه هذا الخبر، وهذا يثبت الوضع والدس لأنه كان يتكلم عن الدولة الإسلامية في القرون الأولى، وحالها معلوم، ولم يقل أحد بوجود مثل هذا، بل إن الحدود بقيت مطبقة إلى قرننا الحاضر، فكيف تبيح تلك الدولة البغاء بالحجة الواهية التي ذكرها ومع الأسف الشديد وبالرغم من كل هذا يقول المترجم في تقديمه الكتاب: "ولا ريب أن المؤلف قد أنصف الحضارة العربية وأبرز مكانتها ودروها الكبير في تاريخ الإنسانية، وكيف تأثرت شتى الحضارات بها؛ نظرًا لأصالتها وعمقها وشموله، وسعة آفاقها الرحبة وذلك كله بطريقة موضوعية، وتحليل دقيق، وتركيز رائع على الجوانب المضيئة فيها.."..
      وهكذا نرى البلاء الذي حل بأهل الإسلام متمثلاً في الاقتداء بالغربيين والثقة المتناهية بهم، ومدحهم وإطرائهم حتى في المواطن التي يستحقون فيها كل الذم. (13)
      (ج)ـ المستغربون:
      المستغربون هم أحد عناصر الهدم والتشويه في التاريخ الإسلامي، فقد كان الاستعمار حريصًا على طمس معالم التاريخ الإسلامي بتشويه صفحاته، ومحو الصورة لناصعة من أذهان المسلمين..
      فالجامعات الأوروبية وجهت تيار السياسة إلى خدمة الرغبات الاستعمارية، ثم انتقلت العدوى الفكرية إلى البلاد الإسلامية عن طريق المبعوثين الشرقيين إلى جامعات أوروبا، وصارت البرامج التعليمية وسيلة لإبعاد الشباب الإسلامي عن تاريخه وماضيه، وستارًا سميكًا على كل ما يرفع من شأن الإسلام، سواء في رجاله أو في تعاليمه..
      ثم دعموا أساليبهم الاستعمارية الموصلة إلى أهدافهم، فلجأ العلماء المستشرقون إلى تحريف الحقائق، وتزييف الوقائع الإسلامية وانتهزوا فرصة إقبال الشباب الإسلامي على مُؤَلَّفاتهم وجامعاتهم فسمموا أفكارهم، وهونوا عليهم عزة دينهم، وطعنوا في الإسلام ورجالاته وصوروهم لهؤلاء الطلاب في صورة تافهة..
      وما زالوا بكثير منهم، حتى انخدع بما سُمَّ، وآمن بما قرأ، فكانوا أبواقًا تنعق بما سمعت من خصوم دينهم ووطنهم، وأسندت إليهم مراكز التوجيه العلمي في دور التعليم الإسلامي، فنشروا السموم التي شربوها هناك من أوروبا، واستهانوا بأمجاد أسلافهم العرب، وحفظوا لكل شخصية مثالية ما يحط من قدرها،ويسقطها في نظر كل دارس لها..
      وأخذ كُتَّابهم ـ وصنائعُ الاستعمار الذين تخرجوا في مدارسهم وجامعاتهم ينشرون ويكتبون ما انطوت عليه صدورهم من الحقد على هذا الإسلام وأصحابه..
      وهكذا يعاني الإسلام من خصومه إلى الآن، أساليب جديدة تمليها الكراهية، ويدفع إليها الخوف من أن يصبح الإسلام قوة تعيد أيامه الأولى، فلا تستطيع قوة في الأرض أن تقف في سبيله.(14)
      3ـ الدول الانفصالية الكبرى: 4-ظهور المدارس الفكرية المختلفة والمتباينة: 5ـ تشويه التاريخ العباسي عن طريق:

      الشيعة والسلطة:

      لقد استغل كل طامح للسلطة حب آل البيت بل محبة أبناء أبي طالب خاصة فأظهر التشيع لهم، وحاول تحقيق مآربه من وراء ذلك؛ لذلك ظهرت فرق كثيرة حملت المظهر الشيعي، وسلكت مسلكًا فيه كل بعد عن الإسلام، وتحت هذا المظهر قامت حركة الزنج في جنوبي العراق، وعليه قامت القرامطة، والنصيرية والإسماعيلية والحمدانيون، ثم قامت الدولة العبيدية (الفاطمية) ومنها نشأ الدروز، هذا بالإضافة إلى الفرقة الإمامية (الاثنا عشرية) التي بدأت تصوغ أفكارًا لها، وتبلورها، ثم تنسبها للعصور التي خلت، وللرجال الذين مضوا، وما هم كذلك، واختلط الأمر على المؤرِّخين المحدَثين، وظنوا أن هذه الأفكار قد نشأت منذ صدر الإسلام، وحمّلوها عظماء رجال ذلك العهد أمثال علي زين العابدين بن الحسين وابنه زيد وحفيده جعفر الصادق، وشاع ذلك، وما جاء القرن الرابع الهجري إلا ومُدَّعُو التشيع يسيطرون على أكثر أرجاء الدولة الإسلامية ولم يعملوا على وحدة صفوفهم؛ ذلك لأنهم لم يكونوا فرقة واحدة، ولم يحملوا فكرًا واحدً، بل ولا هدفًا واحدًا، وإنما لكل إمارة أو دولة رقعة من الأرض تحكمها، الأمر الذي يدل على أنهم رجال طامعون، وأصحاب مصالح وغايات اتخذوا من التشيع وسيلة لهم للسيطرة على الحكم،وتحقيق أغراضهم من وراء ذلك؛ فقد سيطر القرامطة على الجزيرة العربية كلها باستثناء منطقة عسير، ووصلوا إلى الشام، وطرقوا أبواب مصر، وحكم الفاطميون شمالي إفريقية، ثم أخضعوا مصر وجعلوها قاعدة ملكهم، وأخضع الحمدانيون شمالي بلاد الشام، وسيطر البويهيون على الدولة العباسية، ومع ادعائهم جميعًا للشيعة إلا أن دولهم بقيت متفرقة، بل كثيرًا ما اقتتلت وتناحرت، فقد وقف الفاطميون في وجه القرامطة، وصدُّوهم عن مصر، وقاتل البويهيون الحمدانيين. (15)


      حركة الزنج: (255 ـ 270هـ/ 869 ـ 883م):

      ـ طبيعة الحركة وأهدافها:
      قامت حركة الزنج في عام 255 هـ، وأنهكت دولة الخلافة العباسية قبل أن تقضي عليها، وكان عماد هذه الحركة في باديء الأمر بعض العرب المغامرين من المهالبة والهمدانيين وغيرهم، أما الفئات التي شاركت فيها فهي متنوعة: الزنج، أهل القرى، العرب الضعفاء، عشائر عربية ثائرة على السلطة..
      أما فيما يتعلق بالشخصية التي قادت هذا الجمع، فهو علي بن محمد الفارسي الأصل، وهو شخصية محيرة فعلاً حيث يلاقي الباحث صعوبات جمة في معرفة نسبه، وذلك بفعل تقلباته السريعة، تبعًا للظروف التي كان يمر بها، واتصف بأنه رجل طموح وموهوب..
      ويبدو أن حياته كانت غير طبيعية فقد بدأها كشاعر في بلاط الخليفة بسامراء، ثم حاول القيام بحركة ضد النظام في البحرين للوصول إلى الحكم، إلا أنه أخفق في تحقيق مبتغاه، فسلك نهجًا جديدًا، وظهر كقائد ديني ومتنبيء، فادعى نسبًا علويًا (16) محاولاً أن يستثمر ما للشيعة من عطف وتأييد بين الناس، وقد أحلَّه أتباعه من أنفسهم محل النبي حتى جُبِي له الخراج..
      ويبدو أن جماعة كثيرة العدد في البحرين قد تنكرت له، مما دفعه إلى مغادرتها إلى البادية ليستقطب الأعراب، وادعى فيها النسب الشيعي على أنه يحيى بن عمر أبو الحسين، فالتف حوله بعض الأعراب استغلهم بإعادة السيطرة على البحرين، إلا أنه هزم وفر إلى البصرة..
      ووقف أثناء إقامته القصيرة فيها على أوضاعها الداخلية السياسية والاجتماعية حيث كان المجتمع البصري منقسمًا على نفسه، فحاول أن يستغل هذه الخلافات لصالحه إلا أنه فشل، وفي الوقت نفسه رأى في حياة العبيد فيها الذين يعملون في المستنقعات المجاورة فرصة لتحقيق طموحاته لكنه طُرِدَ منها فذهب إلى بغداد، وفي بغداد استنبط نسبًا علويًا جديدًا فانتسب إلى أحمد بن عيسى بن زيد، ثم حاول الوثوب إلى السلطة مستغلاً الأوضاع المضطربة في حاضرة الخلافة، ولكنه لم يتمكن من ذلك بفعل إحكام الأتراك قبضتهم على الوضع، فعاد إلى البصرة في عام 255هـ ليتزعم حركة ثورية مدعيًا أن الله أرسله لتحرير العبيد وإنقاذهم مما كانوا يعانونه من بؤس كما ادعى العلم بالغيب، وانتحل النبوة..
      والواقع أن فكرة المهدي المنتظر رافقت علي بن محمد في جميع مراحل حياته السياسية؛ فاستغلها بذكاء، وهو بادعائه المهدية، كان يضرب على وتر حساس في نفوذ جماعة العلويين الذين برح بهم الشقاء، فكانوا يأملون في ظهور مهدي منقذ يزيل عنهم الغمة، ويفرج عن أيامهم كربتها، وركز كثيرًا على عراقة أصله وكتبها على نقوده وسمي نفسه "المهدي علي بن محمد" المنقذ..
      وجهر علي بن محمد في إحدى مراحل حياته بمذهب الخوارج الذين يلائم مبدأهم ميل أصحابه الشورية، فحارب من أجل العدالة الاجتماعية والمساواة، وكتب شعاراته على الرايات باللونين الأخضر والأحمر وهما لون العلويين ولون الخوارج..
      لقد تعارضت أفكار علي بن محمد عن الخلافة مع مفهوم الشيعة لها التي تؤكد على الوراثة، وتبنى رأي الخوارج القائم على الشورى، مما نفَّر منه الأعراب البسطاء، وعرب البصرة والأهواز وواسط والمناطق المحيطة بها، كما رفض قرمط أن يرتبط معه بعوامل دينية، أما شدته وقسوته تجاه أعدائه فقد جعلته خارجيًا متطرفً، يُضَاف إلى ذلك أنه عامل أسرى الحرب معاملة الرقيق، ووعد أتباعه بأنه سيملكهم المنازل والعبيد، وهذا يعني تحويل حياة الزنج من أرقاء إلى ملاك للعبيد.
      والواضح أن هذا التناقض في عقيدة الحركة يفرغها من أي صبغة عقائدية، ويجعلها حركة مسلحة ضد النظام ليس إل، كما يجعل من قائدها رجلاً مغامرًا طموحًا إلى السلطة..(17)
      دوافع الاستجابة لهذه الحركة:
      تعددت دوافع الاستجابة لهذه الحركة ما بين سياسية، واقتصادية واجتماعية:
      الدوافع السياسية:
      بسبب تردي أوضاع الخلافة، نتيجة تصاعد نفوذ الأتراك إلى جانب صراع خفي بين المترفين والعبيد وجد متنفسًا له في دعوة علي بن محمد..
      الدوافع الاقتصادية:
      نتيجة الأوضاع المالية المتدهورة وظاهرة التكوين الطبقي داخل المجتمع الإسلامي من طبقة ثرية إلى طبقة تجار فالطبقة العامة العاملة..
      واتسعت الهوة مع مرور الزمن بين هؤلاء وبين الطبقة الإقطاعية، وبلغ التناقض الاجتماعي مداه، مما كان دافعًا للاستجابة لنداء الثورة الذي أطلقه علي بن محمد..
      الدوافع الاجتماعية:
      بفعل نمط حياة فئات العبيد التي كانت تعيش في ظروف قاسية وسيئة من خلال عملها في تجفيف المستنقعات وإزالة السباخ (18) عن الأراضي، ثم نقل الملح إلى حيث يعرض ويباع، لقاء وجبة طعام، فأرادت هذه الفئات التخلص من هذا العمل الشاق ومن ضنك العيش..
      وقد سيطر علي بن محمد خلال عشرة أعوام (255 ـ 265هـ) على رقعة واسعة تمتد بين الأهواز وواسط، وهدد بغداد، عندئذ عهد الخليفة المعتمد إلى أخيه أبي أحمد الموفق طلحة بمحاربته؛ فاصطدم بمجموع الزنج وقتل علي بن محمد، واستسلم من بقى من أتباعه..
      وبإخماد الثورة، أُسْدِلَ الستار على هذه الحركة التي قضَّت مضاجع الخلافة لعباسية، وكلفتها الكثير من الجهد والأموال والأرواح والتي دامت أكثر من أربعة عشر عامًا (255ـ 270هـ) (19)
      حركة الزنج في الميزان:
      لقد انطلقت حركة الزنج من واقع الألم والاضطهاد الاجتماعي والاقتصادي بين مستنقعات البصرة وسهولها، وكانت بدايتها ناجحة انسجمت فيها أهدافها مع أفعالها لكن النزعة الفوضوية التي طبعتها وهي في قمة مواجهتها أدت إلى تقلص أبعادها الاجتماعية، وقد زاد من تلك النزعة افتقارها إلى برنامج ثوري يصوغ تطلعات وأهداف القائمين بها، ويوضح العلاقة بين القيادة والأتباع، كما يلاحظ أن رجالها استهدفوا الانتقام لا الإصلاح، والانقلاب الاجتماعي لا التقويم، وأن قائدها لم يستطع أن يحرر ذاته من مسألة فكرة الزعامة القرشية، بالإضافة إلى أن أطرها الثورية كانت محلية ومحدودة ولم تكن لديها تطلعات شاملة، وندرك من هنا عدم نجاح علي بن محمد في اكتساب قطاعات كبيرة من المجتمع العراقي كالفلاحين وكبار الملاك والتجار والحرفيين، وحتى القرامطة، فأصبح العبيد بمفردهم ضعفاء رغم عددهم الكبير..
      ومن جهة ثانية فإن سرعة الأحداث، وتصميم العباسيين على القضاء عليها، لم يعطيا قائدها مهلة لتنظيم صفوف قواته،وتمكنه من بناء مجتمع مستقر ذي أنظمة خاصة لذلك كان من الطبيعي أن تفقد هذه الحركة طابعها الإنساني والثوري مما دفعها إلى نهايتها المحتومة،لكن قاعدتها الثورية التي تشتت استطاعت أن تكون إحدى الدعائم الأساسية التي دفعت الحركة القرمطية إلى الظهور فيما بعد(20)


      الزيدية:

      حفل العصر العباسي بكثير من الحركات السياسية والدينية التي كان لها أثر بعيد في تاريخ هذا العصر، والعصور اللاحقة، فقد قام الشيعة بحركات تمخض عنها انفصال كثير من أجزاء الدولة، وانتشار المبادئ الشيعية، خاصة الإسماعيلية والقرامطة، وتكللت جهود الإسماعيلية بقيام الدولة الفاطمية في بلاد المغرب إلى جانب قيام الدولة العلوية الزيدية في طبرستان..
      والواقع أن عهد المتوكل تميز بالتضييق على الشيعة عامة، وقد تأثر هذا الخليفة بآراء وزيره عبيد الله بن خاقان الذي اشتهر بكراهيته لهذه الفئة..
      وقام الزيدية في عهد المستعين بعدة حركات ضد السلطة المركزية لعل أبرزها خروج يحيى بن عمر بن يحيى بن حسين بن زيد في الكوفة ويبدو أن لخروجه علاقة مباشرة بتحسين أوضاعه المادية..
      وجمع يحيى حوله عددًا من الأعراب وجماعة من سكان الكوفة ودخل هذه المدينة بعد أن هاجمها ودعا فيها إلى الرضا من آل محمد لكن حركته لم يكتب لها النجاح، إذا اصطدم به القائد العباسي الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم بن مصعب، وتغلب عليه، وقُتِلَ يحيى في المعركة..
      أما الحركة الزيدية الأخرى التي تركت أثرًا فكانت خروج الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل في نواحي طبرستان عام (250هـ/ 846م) وكان سوء تصرف الولاة العباسيين في تلك المنطقة، السبب الأبرز لخروجه، مما دفع السكان إلى الارتماء في أحضان الطالبيين، وبايعوه كما بايعه رؤساء الديلم، ولقب نفسه "داعي الخلق إلى الحق"، أو "الداعي الكبير" وتمكن خلال ثلاثة أعوام من الاستيلاء على جميع طبرستان وقسمًا مهمًا من الديلم والري، وأخذ الطالبيون يتقاطرون عليه من الحجاز والشام والعراق، بعد أن ذاع صيته واشتدت شوكته..(21)


      الإسماعيلية:

      في الوقت الذي كانت حركة الزنج تُحْتَضَر ظهرت دعوة الإسماعيلية التي يعود تاريخ حضورها على المسرح السياسي إلى أواخر عهد الدولة الأموية عندما انضم عدد كبير من الزيدية إلى طائفة الإمامية من أنصار جعفر الصادق، وبعد وفاته انقسمت الشيعة الإمامية إلى قسمين بفعل اختلاف الرأي في كيفية تحديد الحق الوراثي لاختيار الإمام: وهما الإمامية الموسوية، وقد أُطلق عليها فيما بعد:الاثنا عشرية، اعتقدوا بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق وهو عندهم الإمام السابع، والإمامية الإسماعيلية الذين اعتقدوا بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق وهو أكبر أولاد أبيه، ومع أن وفاته حصلت في حياة والده، فقد حول أتباعه الإمامة إلى ابنه محمد المستور، وهو عندهم الإمام السابع، ومن ثم أطلق على هذه الطائفة اسم السبعية لتميزهم عن الاثنى عشرية..
      ومن أشهر نواب الأئمة الإسماعيلية الذين عملوا على نشر المذهب وترأسوا الدعوة ميمون القداح (22) الذي وضع أسس المذهب الإسماعيلي ممهدًا السبيل لابنه عبد الله الذي أقام في سلمية من أعمال حماة في بلاد الشام، وانتشر دعاته في المناطق المضطربة لاستغلال تذمر بعض قطاعات من الناس من الإدارة العباسية..
      انتظمت الدعوة منذ الثلث الأخير من القرن التاسع الميلادي في بلاد اليمن والعراق، والراجح أن الدعوة إلى هذا المذهب ظهرت عقب وفاة الحسن العسكري وهو الحادي عشر من أئمة الشيعة الاثني عشرية في عام (260هـ/ 874م)..
      تعرض الإسماعيليون للاضطهاد على أيدي السلطة؛ فاضطروا إلى الاعتصام في مواطن نائية ومنيعة يصعب على العباسيين اقتحامها، كما نشروا دعوتهم سرًا، واجتهدوا لاستقطاب الأتباع منطلقين من سلمية إلى كافة البقاع الإسلامية، لكن ركون الحركة الإسماعيلية في تلك الفترة إلى العمل السري، لم يمنعها من ممارسة العمل السياسي، فقد كانت تترجم أفكارها السرية في مضايقة الدولة كلما سمحت لها الظروف.. (23)


      القرامطة:

      توجهت الدعوة الإسماعيلية إلى كافة طبقات المجتمع، لكن التجاوب كان متفاوتًا في حين وجد الفرس فيها أسلوبًا للتعبير عن كراهيتهم للعرب، وهكذا أصبحت الدعوة الإسماعيلية، حركة ثورية كبيرة، تضم اتجاهات مختلفة لعل أبرزها:
      ـ الاتجاه الاجتماعي: لإقامة العدالة الاجتماعية..
      ـ الاتجاه الشيعي: الذي شكلت المباديء الشيعية هدفه الأسمى.
      ـ الاتجاه العنصري الفارسي: الذي أدرك مناصروه أهمية تحقيق المباديء المزدكية..
      لكن جمعت هذه الاتجاهات غاية واحدة هي حُلْمُ الخلافة، وقد نتج عن اختلاف الأهداف استحالة اندماج الميول المتعددة بشكل كامل، وهذا يفسر لنا السبب في تطور مراحل هذه الدعوة التي اتخذت طابعًا مختلفًا أو حتى متناقضًا، فقد نشأت عن المذهب الإسماعيلي قوتان كبيرتان هددتا دولة الخلافة العباسية، إحداهما الحركة القرمطية التي ضايقت العباسيين، وهددتهم في عقر دارهم، والأخرى هي الدولة العبيدية، التي انطلقت من سلمية وقامت في بلاد المغرب..
      ظهرت الحركة القرمطية في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري وهي استمرار للدعوة الإسماعيلية رغم الأطوار العصبية التي مرت بها العلاقة بين الحركة الأم (الإسماعيلية) والحركة الناشئة (القرمطية) ووصولها إلى حد المواجهة المسلحة، ولدى العودة إلى المصادر الإسماعيلية، نراها تنظر إلى القرامطة نظرة فئة تمردت على قيادتها وانشقت عنها..
      نشأت الحركة في سواد العراق في عام (261هـ/ 875م) في عهد الخليفة المعتمد، ثم انتقلت إلى بلاد الشام والبحرين واليمن وذلك لظروف سياسية واقتصادية واجتماعية هي نفسها التي قامت في ظلها حركة الزنج، والراجح أن الاتجاه الاجتماعي ـ الاقتصادي قد غلب على اتجاهها الديني بالرغم من أن دعاتها كانوا متطرفين في آرائهم الدينية المتعلقة بالشريعة الإسلامية.. (24)
      ويعتبر حمدان بن الأشعث المعروف بقُرْمُط، وهو من أهل الكوفة أحد دعاة القرامطة الأوائل، وقامت دعوته في أعقاب القضاء على حركة الزنج، واتجهت إلى أولئك الذين نجوا في المناطق التي عمت فيها الحركة المذكورة، فصادفت رواجًا كبيرًا في صفوف الأعراب -الذين يتوقون للغنائم- وفلاحي السواد والطبقات الفقيرة، وسمي أتباعه بـ "القرامطة" نسبه إليه..
      ثم حدث أن خبت الحركة في العراق بفعل الاختلاف الذي حصل بين قيادتها والقيادة الإسماعيلية، وآلت قيادتها إلى زكرويه بن مهرويه الفارسي وهو أحد تلاميذ حمدان، الذي نقل نشاطه إلى بلاد الشام، وامتد إلى بادية السماوة..
      وأخذ ابناه يحيى بن زكرويه الملقب بصاحب الناقة، وحسين بن زكرويه الملقب بذي الشامة أو صاحب الخال، على التوالي مهمة نشرها، وتلقب كل منهما بأمير المؤمنين، فهاجما المدن والقرى وأثارا القلق والهلع في بلاد الشام قبل أن تقضي الدولة عليهما في عامي (290و 291هـ/ 903 ـ 904م)..
      وقام زكرويه لينتقم لمقتل ابنيه، لكنه قتل في عام (294هـ/ 907م) وانتهى بمقتله أمر القرامطة في بلاد الشام..
      وتقترن الحركة القرمطية في البحرين باسم أبي سعيد الجنَّابي الفارسي وابنه أبي طاهر، وقد بسط الأول هيمنة فعلية على هجر والأحساء والقطيف وسائر البحرين وأنشأ دولة مستقلة عاصمتها المؤمنية، وقُتِلَ في عام (301هـ/ 914م)، فتسلم ابنه أبو طاهر سليمان رئاسة الدعوة، وتابع سياسة العنف بأساليب بالغة الخطورة؛ فعانت البصرة والكوفة من غاراته الوحشية، كما أغار على قوافل الحجاج، وهاجم مكة في عام (317هـ/ 929م)، فنهب أموال الحجاج وقتلهم في المسجد الحرام، واقتلع الحجر الأسود من الكعبة، واحتجزه لعدة أعوام (25) مع ما يمثل ذلك من تحد كبير لشعور المسلمين وقد ندَّد خصومه من أهل السنة، وحلفاؤه من الإسماعيليين والعبيديين بأعماله..
      ويبدو أن هناك عاملين دفعا بالقرامطة إلى انتحاء هذا المنحى الديني والاقتصادي..
      فمن الناحية الدينية حاول القائمون على الحركة باعتبارهم يمثلون فرقة باطنية غالية، إيجاد عقيدة جديدة توفق بين الإسلام والعقائد القديمة، فهم لم يعترفوا بالإسلام كدين، رغم تظاهرهم بذلك، بل أدخلوا عليه عقائد الحلول والتناسخ وقدسية الأئمة..
      أما من الناحية الاقتصادية، فيبدو أن القرامطة أرادوا إيقاف الحج ومهاجمة القوافل التجارية نظرًا للمنافع المادية الناتجة عنه، كما أن هجماتهم التي نفذوها على البصرة كانت تهدف إلى بَثِّ الفوضى وعدم الاستقرار فيها لتحويل تجارتها إلى موانيء الخليج التي يسيطرون عليها بعد أن رفض الخليفة طلبًا لأبي طاهر أن يتنازل عن الأهواز والبصرة، بالإضافة إلى الهيمنة على تجارة الهند البحرية وصناعة خوزستان..
      ومهما يكن من أمر فقد فقدت الحركة القرمطية في البحرين، تماسكها بعد وفاة أبي طاهر في عام (332هـ/ 942م) بفعل الصراع على الزعامة، بالرغم من أن الدولة القرمطية استمرت حتى عام (469هـ/ 1076م) وسط تيارات معادية أوجدها تعصبهم الديني المتطرف..(26)


      قيام الدولة العبيدية الفاطمية:

      أرسل الحسين بن حوشب، داعي الإسماعيلية في اليمن أبا عبد الله الشيعي إلى بلاد المغرب في عام (288هـ/ 901م) لنشر الدعوة في هذه البلاد، بعد وفاة داعييِّ الإسماعيلية فيها وهما: الحلواني وأبو سفيان، ونجح أبو عبد الله هذا في استقطاب جماعة من حجاج كتامة، وصحبهم إلى بلاد المغرب حيث بثَّ دعوته بين الناس، وقوى أمره بما التف حوله من الأتباع واستولى على القيروان في عام (296هـ/ 909م) وأزال دولة الأغالبة، ثم أرسل إلى عبيد الله المهدي في سلمية يدعوه للحضر إلى إفريقية لتسلم الأمر، رحب عبيد الله بالدعوة، فترك سليمة وتوجه إلى المغرب..
      فوصل إليها في عام (297هـ/ 910م) حيث بويع له بالخلافة، وتلقب بالمهدي أمير المؤمنين واضعًا بذلك الأساس الذي قامت عليه دولة الخلافة العبيدية..(27)
      التاريخ العباسي مظلوم:
      التاريخ العباسي مظلوم ليس فقط بسبب التشويه، ولكن لأن التركيز كان على الجانب السياسي فقط، وأهمل الحديث عن جوانب الحياة الأخرى، والتي كانت حضارية في كثير من الأوقات كالجوانب العلمية والاجتماعية والاقتصادية..
      وهذا الإهمال لهذه الجوانب كان عن عمد أحيانًا، وكان عن جهل أحيانًا أخرى، وكان للاعتماد على مصادر المشوهين للتاريخ في أحيان ثالثة..


      الأسباب التي أدت إلى تشويه التاريخ العباسي:

      ـ أولاً: الاعتماد على مجرد النقل، والتسليم بصحة الروايات، والجمع من غير مناقشة للمجموع..
      من أمثلة ذلك ما ذكره بعض الرواة من معاقرة الخلفاء العباسيين ـ وخصوصًا الرشيد ـ للخمر، وما اتهم به القاضي يحيى بن أكثم من معاقرة للخمر واشتغال بالغلمان، ومما علل به بعضهم تنكيل الرشيد بالبرامكة، وقصة العباسة أخته في ذلك، وما ورد ـ أيضًا ـ من حديث الزنبيل الذي تعلق به المأمون، وسبب زواجه ببوران بنت الحسن بن سهل..
      فهذه أخبار كاذبة تناقلتها الرواة دون تحليل أو تدقيق، وقد رد ابن خلدون عن بعض هذه المغالطات في مقدمته..
      ـ ثانيًا: الجهل بالمصادر، والجهل بمهج المصنفين فيها واقتطاع الخبر أو جزء منه دون إتمامه، ودون الرجوع إلى مقدمة الكتاب..
      وهذا سب لصيق بما قبله، ومتمم له وموضح، فإن الثقة التي منحها الدارسون ـ خصوصًا أهل عصرنا ـ لبعض المصنفات القديمة وعدم الاطلاع على مقدمة الكتاب التي تحتوي ـ في الغالب ـ على منهج المصنف فيه، قد أوقع الكثير منهم في الخطأ والخلط لأنهم أخذوا الروايات على أنها حقائق مُسلَّم بها، وخاصة عند نقلهم عن المؤرخين القدماء، الذين اشتهروا بالصدق والأمانة، ولو أنهم رجعوا إلى كلام هؤلاء المؤرخين لعلموا علم اليقين أن تلك الروايات فيها ما هو حق وصحيح وفيها ما هو غير ذلك، ويؤيد ذلك ما ذكره الطبري في مقدمة كتابه "تاريخ الرسل والملوك"..
      يخاطب من أراد القراءة فيه حيث يقول: "..... فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكر قارئه، أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجهًا في الصحة، ولا معنى في الحقيقة فليعلم أنه لم يؤتَ في ذلك من قبلنا، وإنما أتى من قبل بعض ناقليه إلينا، وإنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدى إلينا"..
      ونحوًا من ذلك يقول ياقوت في معجم البلدان: "..... لقد ذكرت أشياء كثيرة تأباها العقول، وتنفر عنها طباع من له محصول؛ لبعدها عن العادات المألوفة وتنافرها عن المشاهدات المعروفة، وإن كان لا يستعظم شئ مع قدرة الخالق وحيل المخلوق وأنا مرتاب بها نافر عنها، متبرئ إلى قارئها من صمتها لأنني كتبتها حرصًا على إحراز الفوائد....."..
      ومن المثالين السابقين يتبين لنا الخطر الكامن في التسليم عند النقل عن هذه الكتب، ولأن مثل هذه الكتب الأمهات تتكون من مجلدات عديدة وضخمة فإن الدارسين ـ في الغالب ـ يرجعون إلى الأجزاء والصفحات التي يحتاجون إليها فقط في بحثهم عن موضوع معين دون الرجوع إلى المقدمة، أو معرفة منهج المصنف في كتابه..
      فإذا كان هذا حال المصنفين الأثبات، والمؤرخين العظام الثقات، فكيف بمن دونهم؟ وكيف بأهل الأهواء والبدع والضلالات؟ وكيف بأهل المجون والشهوات؟ لا شك أنهم في أعلى مراتب التزييف والدجل، إن كانوا معتمد فيما ذكروا من الدس، وإلا فهم في أحط مراتب العلم والمعرفة..
      فلا يصح أن نصور عصرًا من عصور تاريخنا المجيد بنقل ما كتبه أو قاله أولئك الجهال، ولا أن نتبين روح العصر العباسي ـ مثلاً ـ من كتب المجون والضلال ككتاب الأغاني مثلاً..
      وإن كثيرًا من الباحثين إذا أراد استجلاء صورة واضحة لعصر من العصور هرع إلى تلك لكتب ونقل عنها الغث والثمين..
      ولا ننكر أن كتاب الأغاني فذٌّ في فنه، ووحيد في جنسه، إلا أننا يجب ألا نعتمد في كل ما يذكر، لأنه لم يؤلف إلا على أنه كتاب للأغاني والألحان والشعر، ثم زاد فيه مصنفه التراجم والحكايات، وكثيرًا من الأخبار الواهية، والروايات المزيفة، والأساطير والخرافات..
      إذاً على القارئ والباحث عند النقل أن يكون متثبتًا من صحة الرواية، وذا نظر سديد يميز به الروايات، وصاحب خبرة وعلم بالمصنفات والمصنفين الذين يأخذ عنهم، وبمنهجهم في مصنفاتهم، وما قصدوا إليه من خلال رواية تلك الأخبار، وإلا فسيكون الخطأ والزلل والضلال حليفه، وسيغرق بحثه ومؤلفاته بأخبار وروايات خاطئة يختلط فيها الحق بالباطل، والهدى بالضلال، والصدق بالكذب..(28)
      ـ ثالثًا: ميول المدونين والرواة والمصنفين إلى جمع المعلومات وتصنيف الكتب في باب معين كالزهد أو المجون أو اللغة أو غير ذلك، وربما جمعوا تلك الأبواب في مصنف واحد فإذا ما تناولها أهل اللذات المحرمة والانهماك في المجون، فحتمًا سيحفلون بما يشبع رغباتهم، ويسد نهمهم، وينسجم مع ميلهم، ويتركون ما فيها من جوانب أخرى لا تهمهم هذا إذا لم يزيدوا عليها من مغامراتهم وبطولاتهم، وعن ذلك يقول ابن خلدون: "وأمثال هذه الحكايات كثيرة وفي كتب المؤرخين معروفة إنما يبعث على وضعها والحديث بها الانهماك في اللذات المحرمة، وهتك قناع المُخَدَّارَت(الشريفات في خدورهنَّ)، ويتعللون بالتأسي بالقوم فيما يأتونه من طاعة لذاتهم..."..
      وهذه الرغبات والميول تجعل كل واحد يصنف ويؤلف فيما يرغب فيه ويميل إليه، فإن كان زاهدًا جمع أخبار الزهد والزهاد والصالحين والعباد، وكأننا لا نرى من خلال ما جمعه غير الزهد والصلاح، وإن كان فقيهًا ملأ صفحاته بأخبار الفقهاء ومسائل الفقه في جده وهزله، ولا غرابة في أن يفعل غيرهم من أهل البدع والأهواء والضلال وأصحاب المجون والخلعاء والعابثون، كل يصبغ العصر بصبغته، ويصوره بالصورة التي يريدها.. (29)
      وعندما ابتعد الناس عن الإسلام، تناقلوا في مجالسهم تلك الكتب والروايات والقصص التي تصور ما يناسبهم من اللهو والعبث، واهتموا بتلك الأخبار فجمعوها ورتبوها، وصنفوا في مختلف ألوان اللهو كتبًا للتسلية والأنس جمعوا فيها الأخبار الغريبة، والحكايات الطريفة والقصص الماجنة، والأدب المكشوف، والغزل الخليع..
      وما أن جاء عصرنا حتى شاعت فيه التصورات المستوردة عن الإسلام ودولته، حتى إن كثيرًا من أبنائه نصبوا أنفسهم محامين يدافعون عن تلك النظريات التي خلطت السم بالدسم، فشوهت صورة العصر، وذلك لأنهم تبنوا هذه الأفكار والنظريات التي وضعها أعداؤن، واتخذوها على أنها حقائق مسلمة لا يمكن ردها أو مناقشتها خصوصًا ما ورد منها عن أولئك المستشرقين الذين اتخذهم أهل عصرنا أساتذة، وشاع عنهم ـ زورًا ـ أنهم موضوعيون في دراساتهم، ويعلم الله أنهم والموضوعية على طرفي نقيض، لتصوراتهم الخاطئة عن دولة الإسلام وروحه..(30)
      ـ رابعًا: التعصب لمذهب أو لجنس أو لملة أو لمدينة أو لدين أو غير ذلك وقد أثر هذا التعصب تأثيرًا بالغًا في حركة وضع الأخبار، وتزييف الروايات، والطعن في الجانب الآخر ومحاولة تشويهه، والحط من منزلته، ووصفه بالدناءة والانحطاط..
      وإذا كان هؤلاء الوضاع المتعصبون لا يتورعون عن الوضع في الحديث الشريف، والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كذب جزاؤه النار فإن حركة الوضع في غير ذلك أشد وأقوى..
      وإذا ورد الوضع في الحديث الشريف حتى من بعض أهل الدين والصلاح ـ بحجة الدفاع عن الإسلام أو الترغيب فيه ـ فإننا نستطيع أن نتبين جرأة الآخرين من أهل العصبيات والأهواء، على الوضع في غير الحديث، وعلى هذا الأساس نتمكن من تفسير التشويه الذي لحق بالعرب مثلاً من قِبَلِ الشعوبية، والتشويه الذي لحق العباسيين من قبل الشيعة وغيرهم، والذي لحق الأمويين من قبل العلويين، والذين لحق الأمين من قبل أتباع المأمون، فكل يحاول ـ ما أمكنه ـ أن يفتعل القصص، ويؤلف الحكايات التي تثلب عدوه، وتضع من قيمته، ولما كانوا يعدون التدين مكرمة، ويعدون من أسمى الفضائل التخلق بأخلاق الإسلام، والاشتغال بالعلم والعمل الصالح، والابتعاد عن اللهو والعبث، لذلك كانوا إذا أرادوا أن يحطوا شخصًا وصفوه بالتحلل من الدين والأخلاق، ورموه باللهو والمجون والمعاقرة، ووسموه بالعبث بالغلمان فضلاً عن الجواري طوال الليل ونصيبًا وافرًا من النهار..
      ومن ذلك مثلاً ما نراه في الشعر في ذلك العصر، حيث وجدنا فريقين من الشعراء: فريقًا علويًا وآخر عباسيًا، وكل يحتج لحزبه بهذا الفن، فمن العلويين السيد الحميري من مخضرمي الدولتين شيعيًا غاليًا كثير الشعر جيده، ودعبل الخزاعي ـ الذي ـ كان يحادُّ العباسيين، ويهجو خلفاءهم هجاءً مقذعًا مرًا لم يسلم من لسانه أحد من الخلفاء ولا الوزراء ولا الولاة، هجا الرشيد والمأمون والمعتصم، ومدح العلويين بقصائد كثيرة، وديك الجن الحمصي، والعكوك من أبناء الشيعة الخراسانية من أهل بغداد..
      ولما كان الخلفاء في منعة وقوة، ولم يتمكن أحد من أعدائهم أن ينال منهم علنًا، عمد أعداؤهم إلى ما يسمى"بحرب الشائعات" في السر والخفاء، ويصور لنا ذلك ما قاله قاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد الهمداني المتوفي سنة 415هـ: انظر إلى الشعر أو الذين هجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش وغيرهم، ومن الكتب التي وضعها الملاحدة وطبقات الزنادقة.. فإنهم وضعوها في أيام بني العباس وفي وسط الإسلام وسلطانه، والمسلمون أكثر مما كانوا إذ ذاك، وأشد ما كانو، ولهم القهر والغلبة والعزة، والذين وضعوا هذه الكتب أذل ما كانوا، وإنما الواحد بعد الواحد من هؤلاء يضع كتابه خفيًا وهو خائف يترقب ذلك عن أهله وولده، ولا يطلع عليه إلا الواحد بعد الواحد، ممن هو في مثل حاله من الخوف والذل والقهر، ثم ينتشر ذلك في أدنى مدة ويظهر على أن يباع في أسواق المسلمين..
      وعلى هذا الأساس يمكن أن نفسر الروايات والأخبار والمصنفات الكثيرة، التي أظهرت الخلفاء بمظهر الفساد والترف، واللهو والمجون ويوضح ذلك أتم توضيح أن أغلب تلك الروايات قد ورد مقطوعًا وبصيغ الشك والضعف مثل: روى وقيل وحكى.. والراوي والقائل من القصاصين الذين يطرفون العامة بغرائبهم، أو من المعارضين الذين يبتغون الانتقام لحزبهم المهزوم.. (31)
      أمثلة من تشويه التاريخ العباسي:

      فقد كتب أحد الكتاب المحدثين وهو محمود إسماعيل، صاحب كتاب "الحركات السرية في الإسلام ـ رؤية عصرية"..
      نظرة الكاتب لحركة القرامطة:
      فقد كتب هذا الرجل في مقالاته وأبحاثه الفريدة يثبت أن هذه الحركات السرية التي كانت تعمل على تحطيم الإسلام هي حركات تقدمية، تحررية مستنيرة..
      فقد كتب ـ عفا الله عنا وعنه ـ كتابًا يدرسه لطلابه جاء فيه": القرامطة تجربة رائدة في الاشتراكية"، وتحت هذا العنوان جعل "داعيتهم عبدان".. ليس داعيًا مشهورًا، تفانى في نشر الدعوة وحسب، بل صاحب مدرسة ورائد جماعة فكرية، ظلت مخلصة لآرائه بعد مماته، ونقل عن الفهرست لابن النديم أنه أَلَّف في المذهب عشرة كتب قيِّمة (أضاف لها وصف قيِّمة من عنده) ثم قال في الصفحة نفسها: "ولكن شيئًا من تراث تلك المدرسة لم يصل إلينا، ومن ثم فكل ما يعول عليه دراسة القرامطة مستمد من المصادر السنية والشيعية فقط، وهي معادية للقرامطة على طول الخط.. وهذا الاتفاق والإجماع لا يمكن أن يتخذ بحال ذريعة للتسليم بصحة ما أورده مؤرخو الشيعة والسنة عن القرامطة إذ ينطوي على افتراءات واتهامات باطلة.. فالمعقول أن هذا الإجماع مدعاة للشك أكثر منه قرينة على اليقين"..
      ثم غمز علماء الأمة جميعًا قائلاً: "إنهم ينتمون إلى طبقة أهل القلم التي تدين بوضعها المتفوق لإنعامات وهبات الحكام، وبديهي أن ينظر هؤلاء وأولئك باستعلاء لحركة قوامها المستضعفون من العمال والفلاحين"..
      وراح الكاتب (البحاثة) يكشف عن عظمة القرامطة، وما أدوه من دور في التاريخ الإسلامي، داعيًا لنا أن نقف على عبقرية ذلك العمل السري الذي أقام تلك الدولة لتظل شوكة في جنبي الخلافتين العباسية والفاطمية ما ينيف على قرن من الزمان"..
      وهو يرى أن القرامطة أهل صلاح وتقي ينقطعون للصلاة والعبادة..
      وأن داعيتهم زكرويه القرمطي عظم قدره في أعين الناس، وصارت له مرتبة في الفقه والدين، وأن حمدان قرمط ـ زعيم الحركة ـ عرف بالزهد والتعبد..
      فحركة القرامطة عنده كانت ثورة اجتماعية باسم الدين، وليست حركة مروق"..
      أما جرائمهم وسفكهم الدماء، وقطعهم الطرق، وترويعهم الآمنين، وفتكهم بحجاج بيت الله الحرام الآمنين، وفظائعهم التي تقشعر لهولها الأبدان، من تدمير للبلاد، وحرق للزروع، وطمر للآبار وعيون المياه، بالجثث، وعظام الضحايا وجماجم... كل ذلك عند الكاتب مغفور للقرامطة..
      العدوان على الكعبة المشرفة والحجر الأسود:
      كان الأَوْلى بالمؤلف البحَّاثة الأكاديمي أن يتجاوز عن ذكر هذا الجُرم البشع، ولا يعرب عن رأيه فيه، فعسى ألا يطوف بذهن القارئ، ولكنه (بأسلوبه العلمي ومنطقه الأكاديمي) يقول بالحرف الواحد: "والمؤرخون يتحاملون على القرامطة، ويصمون حروبهم بالوحشية والميل الشديد لسفك الدم، ويتخذون من حادثة هجومهم على مكة، ونقل الحجر الأسود إلى البحرين ذريعة لمزيد من التحامل، ومن (المحقق) أن هذه الحادثة كانت لها دوافعها السياسية، ولم تعبر عن ميل طبيعي لدى القرامطة في السلب والابتزاز، أو عن رغبة في إهدار المقدسات الإسلامية"..
      ثم يقول مؤنبًا كتاب عصرنا: "والواقع أن المعاصرين (يقصد للقرامطة) لم ينظروا إلى هذا الحادث باعتباره حادثًا جللاً، كما فعل اللاحقون فقد انتهكت حرمة الكعبة مرتين، وضربت بالمجانيق في العصر الأموي، كما كان المتصوفة -آنئذٍ- يعتبرون الحجر الأسود وتقديسه ضربًا من الوثنية..
      ولذلك وجب على الدارسين التخفيف من غلوائهم، ولنظر إلى هذا الحادث على أنه أمر طبيعي أملته طبيعة العصر وظروفه السياسية" . هـ بنص حروفه..
      أسمعتم؟ إن العدوان على الحرم ونزع الحجر الأسود أمر طبيعي أيها الرجعيون فخففوا من غلوائكم!!! (32)
      ويمضي الكاتب في تزييفه للحقائق، وتأويلاته الفاسدة قائلاً: "أجمع مؤرخو السنة والشيعة على اتهام القرامطة بإبطال التكاليف الشرعية؛ فذكر "الملطي": أنهم يزعمون أن الصلاة والزكاة والصيام ولحج وسائر الفرائض نافلة لا فرض، كما قال "البغدادي": وزعموا أن من عرف العبادة، سقط عنه فرضها، وفي الاتجاه نفسه نجد الغزالي يقول: "ترك القرامطة تأدية العبادات"... هـ بنص حروفه ص111
      هكذا يوهم القاريء بالحيدة العلمية وأنه يذكر الآراء المخالفة لرأيه من مراجعها الأصلية، ويعزوها إلى أماكنها من الصفحات والأجزاء قبل أن يناقشها ويردها، فلننظر كيف كان رده لهذا الإجماع من المؤرخين!!
      قال: "ونحن نرى أن تلك فرية لا أساس لها من الصحة، وإليك القرائن فالغزالي نفسه ذكر أن الداعي القرمطي كان يشترط على المستجيب للدعوة أن يحج إلى بيت الله ثلاثين حجة إن أخلَّ بواجباته، والطبري ذكر: أن القرامطة كانوا لا يغتسلون من الجنابة، وإنما اكتفوا بوضوء الصلاة لإزالتها، وفي موضع آخر روى: "أن أحد كبار الملاك ضاق ذرعًا بفلاح قرمطي يعمل في ضياعه لحرصه على أداء الصلاة، والمقريزي الشيعي أورد أن الداعي "زكرويه" القرمطي عظم قدره في أعين الناس، وصارت له مرتبة في الفقه والدين، وأن حمدان بن الأشعث ـ زعيم الحركة ـ عُرِفَ بالزهد والتعبد، وكان أنصاره يسمون أنفسهم "المؤمنون" بالله، والناصرون لدينه، والمصلحون في الأرض، هذه النصوص وغيرها تبطل الزعم بأن القرامطة دعوا إلى هدم أركان الشريعة والتنصل من العبادات...هـ بنصه بالحرف الواحد وبدون أي تلخيص..
      هكذا بهذه النصوص يدفع إجماع المؤرخين على أن القرامطة دعوا إلى هدم أركان الشريعة والتنصل من العبادات.. (33)
      وسنضع الآن نص كلام الطبري الذي أشار إليه (الأستاذ الدكتور المؤرخ)، أمام القارئ ونترك له الحكم، جاء في الطبري ما نصه: "وفيها أي في سنة 278هـ وردت الأخبار بحركة قوم يعرفون بالقرامطة بسواد الكوفة..فكان ابتداء أمرهم قدوم رجل من ناحية خوزستان إلى سواد الكوفة يظهر الزهد والتقشف، وسيف الخوص (ينسجه) ويأكل من كسبه، ويكثر الصلاة فأقام على ذلك مدة، فكان إذا قعد إليه إنسان ذاكره أمر الدين، وزهده في الدنيا، وأعلمه أن الصلاة المفترضة على الناس خمسون صلاة في كل يوم وليلة، حتى فشا ذلك عنه بموضعه، وكان للهيضم بن العلاء العجلي في تلك الناحية ضياع؛ فوقف على تقصير آكرته (الذين يعملون في مزرعته) في العمارة (تعمير الأرض وإصلاحها، فسأل عن ذلك فأخبر أن إنسانًا طرأ عليهم، فأظهر لهم مذهبًا من الدين، وأعلمهم أن الذي افترضه الله عليهم خمسون صلاة في اليوم والليلة، فقد شغلوا بها عن أعمالهم، فوجه في طلبه، فأخذ وجِيء به إليه، فسأله عن أمره فأخبره بقصته، فحلف أن يقتله فأمر به فحبس....".
      هذا ما ذكره الطبري وهو يتحدث عن بدء أمر القرامطة، ثم قال في الموضع الآخر الذي اقتبس من: "..فقدم قوم من الكوفة فرفعوا إلى السلطان أمر القرامطة، وأنهم قد أحدثوا دينًا غير الإسلام، وأنهم يرون السيف على أمة محمد، إلا من بايعهم على دينهم.. وأنهم جاؤوا بكتاب فيه: "... بسم الله الرحمن الرحيم: يقول الفرج بن عثمان، داعية إلى المسيح، وهو عيسى، وهو من قرية يقال لها (نصرانة) وهو الكلمة، وهو المهدي، وهو أحمد بن محمد بن الحنيفة، وهو جبريل، وذكر أن المسيح تصوَّر له في جسم إنسان، وقال له: إنك الداعية، وإنك الحجة، وإنك الناقة، وإنك الدابة، وإنك روح القدس، وإنك يحيى بن زكريا، وعرَّفه أن الصلاة أربع ركعات: ركعتان قبل طلوع الشمس، وركعتان قبل غروبها، وأن الأذان في كل صلاة أن يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، مرتين، أشهد أن آدم رسول الله، أشهد أن نوحًا رسول الله، أشهد أن إبراهيم رسول الله، أشهد أن موسى رسول الله، وأشهد أن عيسى رسول الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، وأشهد أن أحمد بن الحنيفة رسول الله، وأن يقرأ في كل ركعة الاستفتاح، وهي من المنزل على أحمد بن محمد بن الحنيفة، والقبلة إلى بيت المقدس، والحج إلى بيت المقدس، ويوم الجمعة يوم الاثنين لا يُعمل فيه شئ والسورة (الحمد لله بكلمته، وتعالى باسمه، المتخذ لأوليائه بأوليائه، قل إن الأهلة مواقيت للناس، ظاهرها ليُعلم عدد السنين والحساب والشهور والأيام، وباطُنها أوليائي الذين عرَّفوا عبادي سبيلي، اتقونِ يا أولي الألباب، وأنا الذي لا أسأل عما أفعل وأنا العليم الحكيم....".
      ثم يركع ويقول في ركوعه: سبحان ربي رب العزة وتعالى عما يصف الظالمون!
      يقول لها مرتين، فإذا سجد قال: الله أعلى، الله أعلى، الله أعظم، الله أعظم، ومن شرائعه: الصوم يومان في السنة وهما المهرجان والنيروز، وأن النبيذ حرام والخمر حلال، ولا غسل من جنابة إلا الوضوء كوضوء الصلاة، وأن من حاربه وجب قتله ومن لم يحاربه ممن خالفه أخذت منه الجزية.. (34)
      هذا ما ورد في الطبري في الموضعين الذين أشار إليهما المؤلف، فما ذكره الطبري عن القرامطة: عند كل من يعرف القراءة والكتابة هو بنص الطبري:
      ـ أحدثوا دينا غير الإسلام.
      ـ لهم كتاب غير القرآن.
      ـ صلاتهم غير صلاتنا (مرتين في اليوم).
      ـ حجهم إلى بيت المقدس.
      ـ يرون السيف على أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
      ـ لهم نبي غير نبينا صلى الله عليه وسلم.
      ـ قبلتهم إلى بيت المقدس.
      ـ عيدهم الأسبوعي يوم الاثنين وليس الجمعة.
      ـ صومهم يومان في السنة (يوم المهرجان ويوم النيروز) وهما من أعياد المجوس.
      ـ الخمر حلال.
      ـ لا يتطهر من الجنابة.
      ـ من قاوم مذهبهم وجب قتله.
      هذا ما جاء به القرامطة، وهذا هو دينهم، وهذا ما قرأه الأستاذ الدكتور في الطبري قطعًا، فهل يقرأ هذا الكلام عاقل، ثم يحدثنا عن صلاح القرامطة، وورعهم، وصدق دينهم، وأن أعداءهم من كتاب السلاطين كذبوا عليهم وادعوا عليهم افتراءات واتهامات باطلة؟؟
      نلاحظ ما يلي:
      أنه قدَّم وأخر في كلام الطبري، فعكس الترتيب الذي ورد عليه الكلام.
      أنه يرتب على هذا إظهار الطبري بمظهر المتناقض مع نفسه حيث يقول: إنهم أبطلوا التكاليف الشرعية، فهم لا يتطهرون من الجنابة، ثم يعود فيقول: إن أحد كبار الملاك ضاق ذرعًا بفلاح قرمطي يعمل ضياع لحرصه على أداء الصلاة.. (35)

      من كتب التضليل والعداوة للتاريخ الإسلامي (دائرة المعارف الإسلامية): شارك في كتابتها عدد كبير من المستشرقين الصليبيين المختلفين لغةً ومذهبًا وقومية، وفي مثل هذه المؤسسات الهادفة إلى تشويه الإسلام تجد فيها اليهودي والنصراني معًَا، والكاثوليكي والبروتستانتي، والألماني والإنجليزي والفرنسي والأمريكي، والهولندي والبلجيكي وغيرهم، ذُكِرَ منهم ثلاثة وستون مستشرقًا في موقف يؤكد قوة التعاون والترابط بين الصليبيين واليهود في محاربة الإسلام وأهله حربًا حضارية وإعلامية وعسكرية.
      وقد صدرت دائرة المعارف الإسلامية بعدة لغات بعد أن دسَّ بها عتاة المستشرقين كل سمومهم وملئوها بشبهاتهم ضد الإسلام وما يتعلق به، ومن المؤسف أنها أصبحت مرجعًا لكثير من المثقفين المعاصرين، الذين يعدونها حُجَّة لا تقبل الرد، مما يؤكد الجهل المتأصل عندهم بالثقافة الإسلامية، وعقدة النقص المصابين بها بعد تفريطهم بهويتهم الإسلامية والاعتزاز بها.. (36)
      بعض الصليبيين العرب ودورهم في تزوير التاريخ:
      جو رجي حبيب زيدان:
      1ـ الانتقاء المغرض.. 2ـ التأويل الفاسد.. 3ـ السم في العسل:
      من أصل لبناني، ولد في بيروت 1861م هرب إلى مصر بعد أحداث في لبنان، ومن هناك صاحب الحملة الإنجليزية التي هاجمت السودان مترجمًا لها..
      وهو أحد كبار عتاة التخريب والتضليل الثقافي في الأمة العربية الإسلامية، ساعده على ذلك تأسيس أكبر دار للطباعة والنشر والتوزيع في الوطن العربي عام 1892م سمّاها دار الهلال، ولم يسمّا دار الصليب لكي يتمكن من تسريب أفكاره بين الأجيال العربية والإسلامية دون أن يتشكك فيه أحد، فتمكن من الوصول إلى المناهج والمدارس، فدسَّ السم في الدسم من خلال أفكاره وكتبه التي تتستر بالأسماء العربية، قام بعدة رحلات إلى بلاد مختلفة أشهرها إنجلترا، توفي عام 1914م، له عدد من المؤلفات التاريخية منها: تاريخ مصر الحديث، تاريخ التمدن الإسلامي، تاريخ آداب اللغة العربية، تاريخ العرب قبل الإسلام، تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر، أنساب العرب القدماء، تاريخ الماسونية، رحلة جورجي زيدان إلى أوروبا عام 1912م، التاريخ العام منذ بدء الخليقة إلى هذه الأيام، تاريخ إنجلترا منذ نشأتها إلى هذه الأيام، تاريخ اليونان والرومان، في كل كتابات جورجي زيدان تزييف استشراقي علماني، وفحيح صليبي على التاريخ الإسلامي سلَّط فيه الأضواء على بعض الجوانب منها على سبيل المثال لا الحصر ـ طمس الجوانب المضيئة عند هارون الرشيد ودفاعه عن الأمة ـ وحبه للعلم والعلماء، وعبادته وشغفه بالجهاد والحج وفعل الخير.(37)


      مراجع من المشاركة الاولى الى التاسعة


      المراجع

      (1) الشيخ محمد الخضري: الدولة العباسية ص 34 - 42
      (2) د. طقوش: تاريخ الدولة العباسية ص 7
      (3) محمود شاكر: التاريخ الإسلامي، الدولة العباسية ص 6 - 8
      (4) د. طقوش: تاريخ الدولة العباسية ص 9 - 11
      (5) د. مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب ص 519 - 521
      (6) المرجع السابق ص 522، 523
      (7) محمود شاكر: التاريخ الإسلامي، الدولة العباسية ص 7.
      (8) د. مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب ص 502 - 405.
      (9) محمود شاكر: الدولة العباسية جـ 5 ص 5.
      (10) محمود شاكر: التاريخ الإسلامي، الدولة العباسية ص 12 - 18.
      (11) المرجع السابق ص 20.
      (12) د. مؤيد فاضل ملّا رشيد: شبهات حول العصر العباسي الأول ص 47 - 49.
      (13) المرجع السابق ص 49 - 53.
      (14) د. إبراهيم شعوط: أباطيل جب أن تُمحى من التاريخ ص 51، 52.
      (15) محمود شاكر: التاريخ الإسلامي، الدولة العباسية ص 5، 6.
      (16) ادعى أنه علي بن محمد بن حسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب.
      (17) د. طقوش: تاريخ الدولة العباسية ص 172 - 175.
      (18) السباخ: هو الطبقة الملحية المتسربة من مياه الخليج العربي.
      (19) د. طقوش: تاريخ الدولة العباسية ص 175 - 178 وانظر له أيضًا: التاريخ الإسلامي الوجيز ص 177، 178.
      (20) د. طقوش: تاريخ الدولة العباسية ص 179
      (21) المرجع السابق ص 179 - 180.
      (22) هو ميمون القداح بن ديصان وهو رجل فارسي ثنوي المذهب أظهر الإسلام.
      (23) المرجع السابق ص 180 - 182.
      (24) استندت فكرة الإسماعلية على فكرة الباطنية، بمعنى أن لكل ظاهر باطنًا فآيات القرآن الكريم ظاهرها يعطي معنى وباطنها يعطي معنى آخر يختلف كليًا عن المعنى الظاهري، وأن الإمام العلوي وريث النبوة والمطلع على الأسرار الإلهية، وهو وحده الذي يستطيع أن يؤول آيات القرآن.
      (25) أعاد القرامطة الحجر الأسود إلى مكة في عام 339 هـ بعد أن بقي في حوزتهم 22 سنة.
      (26) المرجع السابق ص 182 - 185.
      (27) المرجع السابق ص 185.
      (28) د. مؤيد فاضل ملا رشيد: شبهات حول العصر العباسي الأول ص 25 - 32.
      (29) ومن أمثلة تلك الكتب: الزهد والرقائق لعبد الله بن المبارك، وحلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الأصفهاني، والزهد للمعافي بن عمران الموصلي، والزهد للإمام أحمد بن حنبل... وغيرهم كثير.
      (30) د. مؤيد فاضل ملا رشيد: شبهات حول العصر العباسي الأول ص 32 - 35.
      (31) المرجع السابق ص 36 - 39.
      (32) د. عبد العظيم محمود الديب: نحو رؤية جديدة للتاريخ الإسلامي ص 65 - 69.
      (33) المرجع السابق ص 70، 71.
      (34) المرجع السابق ص 71 - 73.
      (35) المرجع السابق ص 74، 75.
      (36) د. حامد محمد الخليفة: الموقف من التاريخ الإسلامي وتأصيل الهوية ص 318.
      (37) المرجع السابق ص 328، 332، 333.


      لماذا قامت الدولة العباسية:


      مقدمة:

      لم يكن قيام الدولة العباسية مجرد تسليم السلطة من خليفة إلى آخر، أو انتقال الحكم من الأمويين إلى العباسيين في حكم الجماعة الإسلامية، بل يُعَدُّ هذا الحدث تطورًا محوريًا وخطيرًا في خط سير الأمة الإسلامية..
      وقد حاول المؤرخون كشف مكنونات هذا التحول وتفسيره منطلقين من مفاهيم مختلفة، فقد رأى فيه بعضهم:




      ومن هنا نشأت فكرة الوصية، ولُقِّبَ عليٌّ رضي الله عنه بالوصي يريدون أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى لعلي بالخلافة من بعده، وهكذا كلُّ إمام وصيُّ من قبله..
      وعندما قامت الدولة العباسية لم يَرُقْ للعلويين أن يظفر العباسيون بالخلافة دونهم، واعتبروا أن العباسيين خدعوهم إذ لولا اتحادهم معهم ضد الأمويين لما مهد الطريق أمامهم إلى الخلافة..(1)

      1ـ ثورة الفرس على الحكم العربي. 2ـ في حين علَّلَه بعضُهم بأنه مجرد ثورة على حكم بني أمية لإزاحتهم عن الحكم وإحلال العباسيين مكانهم.. 3ـ وقال فريق آخر بحتمية هذا التحول نتيجة التطورات التي شهدها العالم الإسلامي خلال القرن الأول الهجري.. 4ـ ويرى فريق آخر بأنه اجتهاد فقهي خاطيء، فالشيعة يقولون بأولوية آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بالخلافة، وأحق آل البيت هو عليٌّ كرم الله وجهه، وأن عليًا رضي الله عنه هو الذي عينه صلوات الله وسلامه عليه بنصوص ينقلونها، ويؤولونها على مقتضى مذهبهم، لا يعرفها جهابذةُ أهل السنة، ولا نَقَلَةُ الشريعة، هذا في مذهبهم الفاسد.. 5ـ ويرى البعض بأنها حركة شيعية في ثوب سني، والصواب أنها هذه الأسباب جميعًا..
      وأرى ان السبب ماتم ذكره في رقم 3 والله أعلم ,,


      الثورة الخراسانية (عرب ـ فرس ـ أتراك):

      قامت الفتوحات الإسلامية الأولى على سواعد العرب، وقد استقر أعداد من الفاتحين في المناطق التي دخلوها، بل إن قبائل وبطونًا كاملة قد استقرت في جهة معينة نتيجة وجود كثيرين من الفاتحين من أبنائها، وأما وجودهم في مراكز القيادة فهذا أمر طبيعي بصفتهم الفاتحين، وحيث الخلفاء من العرب، ويعتمدون على من يعرفون، وكما حدث هذا عند الأمويين حدث عند العباسيين..
      وقد كانت العصبية بين القيسية واليمينية العربيتين أشد بكثير من العصبية بين العرب والفرس، وإن الخلاف بين الشاميين والحجازيين في الأندلس كان أشد مما هو بين العرب والبربر.
      وعندما قامت الدعوة العباسية اتخذت من الكوفة مركزًا لها بصفة أن أنصار آل البيت فيها كثيرون، ومنها يمكن التوجه نحو خراسان والاتصال فيها بسهولة ويسر، ثم إن الدعاة والإمام قد رأوا ضرورة التركيز على الدعوة في خراسان لا لأنها مركز ثقل بالنسبة إلى الفرس أو إلى الترك، وإنما لقيام الصراع على أشده بين القيسية واليمنية من العرب حيث يمكن الإفادة من هذا الصراع وكسب العناصر المحايدة التي ضاقت ذرعًا به، أو كسب اليمنية التي تشكل أكثرية المجموع العربية هناك، والتي تعادي والي خراسان نصر بن سيار الذي يعتمد على القيسية ويتعصب لها، وقد وجد الدعاة العباسيون -فعلاً- آذانًا مصغية في خراسان، وتمكنوا من النشاط حتى تم لهم الأمر، ولم تكن خراسان لتختلف عن غيرها من الأمصار الإسلامية..
      وهناك نقطة يمكن أن نلاحظها وهي أن سكان خراسان ليسوا من الفُرس، وإنما هم من الأتراك، ومعروف أن حاضرتها كانت مدينة مرو، وهي ضمن بلاد التركمان التي تخضع اليوم للروس، وأن خراسان التي كانت تشمل ما يقع الآن في شمال بلاد الأفغان، وتشمل شرقي إيران، وبلاد التركمان، إن هذا المناطق تضم اليوم سكانًا من الترك بأكثريتهم، وكذا كانت يومذاك، وإن ضمت -إضافة إلى ذلك- مجموعاتٍ من الفُرْسِ من السكان الأصليين ومجموعات من العرب والفرس جاؤوا فاتحين واستقروا فيها،إلا أن ارتباط قيام الدعوة العباسية بخراسان، وارتباط تلك الدولة في أذهاننا بالفُرس قد جعلنا نتصور دائمًا سكان خراسان من الفرس، وهو الأمر المفهوم لدى أكثرية الناس، وقامت عصبية على الوهم ضد الفرس، هذا بالإضافة إلى أن الرجل الذي قامت الدولة على كاهله، أبو مسلم الخراساني، قد نُسِبَ إلى خراسان، والواقع أنه ليس من خراسان وإنما من فارس كما أن هذا إنما هو اسم حركي، فاسمه إبراهيم بن عثمان..
      قامت الدولة العباسية نتيجة التخطيط والسرية على أيدي سكان خراسان سواء كانوا عربًا أم فرسًا أم تُركًا، وشكل طبيعي أن يحصل هؤلاء على مراكز كبيرة ومناصب عالية في الدولة، وكان من جملة هؤلاء أعداد من الفرس ـ مع أنهم أقل من غيرهم ـ ما داموا يشكلون جزءًا من السكان، وبرز منهم فئة، وظن بعضهم أن الدولة أصبحت لهم ما دام منهم كبير القادة وهو أبو مسلم الخراساني، ثم لم يلبث أن حدث نزاع بينهم وبين الخلفاء العباسيين الذين لا يريدون أن يستأثر غيرهم بالسلطة سواء أكان عربيًا أم فارسيًا أم تركيً، وكما تخلصوا من أبي مسلم الخراساني فإنهم قد تخلصوا أيضًا من عبد الله بن علي بن العباس الهاشمي عم الخليفة، وقائد الدولة، بل إن الخليفة المنصور قد ضرب أحدهما بالآخر، فلماذا ركزّ أصحاب العصبيات على أبي مسلم وأغفلوا التخلص من عبد الله بن علي ؟
      فكلاهما صاحب أطماع بغض النظر عن فارسية الأول وعربية الثاني..
      إن النزاع الذي حصل بين العرب والفرس في العصر العباسي الأول ـ على زعمهم،ولم يحدث نزاعٌ- ليس هو بالمعنى العصبي القومي الذي عرفته البلدان الإسلامية في أيامها الأخيرة نتيجة العدوي التي انتقلت إليها من أوروبا، وإذا سلطنا الأضواء على ذلك الصراع بين العرب والفرس فلماذا نغفل الخلاف بين القيسية واليمنية ؟ وعندما نعلم أن اليمنية وقفت مع الفرس تقاوم الأمويين الذين يدعمون القيسية، عرفنا أن النزاع لم يكن قوميًا وإنما لتحقيق الأطماع والمصالح، وهو ما حدث تمامًا من خلاف بين الشاميين والحجازيين في الأندلس..
      وإن النزاع الذي حدث بين التجمعات في العصر العباسي الأول إنما هو تكتلات لتحقيق أغراض قبل أن يكون عصبية قومية، فقد بقى عدد من الفرس بجانب الخلفاء العباسيين بعد أن ضربوا أبا مسلم الخراساني، والبرامكة وغيرهم، وقام بعضهم بضرب فرسٍ آخرين، إن القومية العلمانية الحديثة هي التي ركزت على ذلك التعصب، وزادت فيه، وأعطته تلك الصفة ووصفت العصر العباسي بنزعة خاصة، إن هذه الصفة وتلك النزعة لم تكونا معروفتين يومذاك أبدًا..(2)
      وأرى أنه بالرغم من خطورة الفتنة الكبرى التي كانت بين الصحابة إلا أنها كانت أرحم بكثير من الفتنة التي صاحبت قيام الدولة العباسية وذلك بسبب:
      ـ انتهاء جيل الصحابة.
      ـ أن الصحابة كانوا مجتهدين؛ فمنهم من أصاب ومنهم من أخطأ ولكل أجره..ولكن هنا كانت الدنيا إلى حد كبير محركة لأطراف كثيرة في الصراع...(3)


      خصائص عامة للعصر العباسي:

      إيجابيات:

      لقد أرسل صلاح الدين الأيوبي في المشرق إلى يعقوب بن يوسف الموحدي في المغرب، يطلب دعمه لمحاربة الصليبيين، فجهز المنصور يعقوب بن يوسف ثمانين ومائة سفينة، وحال دون وصول الصليبيين لقتال صلاح الدين، وبرهن ابن خلدون بذلك على تفوق ملوك المغرب على ملوك المشرق في إنشاء الأساطيل الجهادية، كما يجب ألا ننسى أن الخلافة العباسية والعبيدية قد عملت كلاهما على قتال الصليبيين -في بعض الفترات- رغم ما بينهما من عداء.. (4)

      كان لنمو البحرية الإسلامية في المحيط الهندي أثر عظيم في التجارة، فقد أتاح هذا النمو لتجارة الهند أن تدخل أسواق العراق بطمأنينة، كما أتاح للثقافة الهندية أن تواكب التجارة، وقد أدى تفاهم العباسيين مع ملوك الفرنجة إلى إتاحة لفرصة لتجارتهم أن تمتد إلى غربي أوروبا وشمالها الغربي..(5)

      ـ الترجمة:
      قام عبد الله بن المقفع (ت 142هـ) بأول نقْل في الدولة العباسية؛ فقد نقل عددًا من كتب السلوك إلى اللغة العربية، ووضع كتاب كليلة ودمنة بالاستناد إلى قصص فارسية وهندية، ومنذ عهد أبي جعفر المنصور (ت158هـ) أصبح النقل في رعاية الدولة..
      وفي زمن هارون الرشيد أصبح التعريب عملاً منظمًا، وممن قام به يوحنا بن ماسويه، وسَلَمٌ أمين مكتبة "بيت الحكمة"، والحجاج بن مطر..
      وفي عصر المأمون (عصر الازدهار العلمي) أصبحت بغداد أعظم منارة للعلم والمعرفة في العصور الوسطى، وكان التعريب من كل اللغات، وقُدِّمَ لكل مترجم قبالة كل كتاب عرَّبه، زنته ذهبًا..
      وعندما انتصر المأمون على تيوفيل ملك الروم سنة 215هـ، علم بأن اليونان كانوا قد جمعوا كتب الفلسفة من المكتبات، وألقوا بها في السراديب، عندما انتشرت النصرانية في بلادهم، فطلب المأمون من تيوفيل أن يعطيه هذه الكتب مكان الغرامة التي كان قد فرضها عليه، فقبل تيوفيل بذلك، وعَدَّه كسبًا كبيرًا له، أما المأمون فعَدَّ ذلك نعمة عظيمة له..
      ومن المترجمين في هذه الفترة، شيخ المترجمين حنين بن إسحاق، وثابت بن قرة، والحجاج بن مطر.. (6)
      سلبيات:

      كان يزيد بن هبيرة ـ أحد ولاة بني أمية ـ متحصنًا في واسط؛ فأرسل أبو سلمة الخلال جيشًا بقيادة الحسن بن قحطبة حاصره فيها، وجرت مناوشات بين الطرفين لم تسفر عن نتيجة؛ مما دفع أبا العباس أن يرسل أخاه أبا جعفر ليقود حصار واسط بنفسه، وعندما أتى ابنَ هبيرة خبرُ مقتل مروان الثاني طلب الصلح، وجرت مفاوضات بين الطرفين أسفرت عن منح ابن هبيرة وأنصاره الأمان، وبعث أبو جعفر بكتاب الأمان إلى الخليفة الذي استشار أبا مسلم في ذلك، وبناء على نصيحة هذا الأخير، أمر أبو العباس أخاه أبا جعفر بقتل ابن هبيرة وعدد من أصحابه، وبقتل ابن هبيرة تمت تصفية الجيوب الأموية..(7)

      لقد تراجع النشاط الحربي والجهادي الكبير الذي شهده العصر الأموي على الجبهة الغربية في عالم البحر المتوسط، ونظر العباسيون إلى شواطئه على أنها حدود، ونهايات لدولتهم، ينبغي الدفاع عنها لا الهجوم منها.. ونتيجة لهذا التراجع تولت الإمارات الإسلامية في المغرب والأندلس مسئولية الدفاع عن الحوض الغربي لهذا البحر..(8)

      لقد اهتم العباسيون بالمشرق على حساب المغرب، ومن ثم نُقِلت العاصمة من دمشق إلى بغداد لتكون قريبة من المشرق مركز الثورة العباسية، ثم لأن الشام كانت موالية للأمويين..
      كما نتج عن انتقال العاصمة، والابتعاد عن الاهتمام بالشئون الغربية أن ضعف النفوذ العباسي في المغرب الإسلامي مما أدى إلى انفصال تلك الأطراف الغربية عن السلطة المركزية، فاستقلت الأندلس على يد عبد الرحمن الداخل الأموي، وانفصل المغرب الأقصى على يد الأدارسة العلويين، واستقل بنو رستم الخوارج الأباضية بالمغرب الأوسط، واكتفى العباسيون بإقامة دولة حاجزة موالية لهم في المغرب الأدنى هي دولة الأغالبة..

      لقد تأثر العباسيون ببعض العادات والتقاليد الفارسية، حيث وجدت طريقة خاصة للتسليم على الخليفة مثل: الانحناء، وتقبيل الأرض، أو ذيل الثوب، وقد خالف العباسيون بذلك الروح الإسلامية العربية التي ظللت حياة الأمويين..
      وتأثرت حياة الخلفاء، وأساليبهم في العمل وطريقتهم في الحكم بالأساليب الفارسية، وطغت على نظمهم الإدارية تقاليد الديوان الفارسي، كما شهد بلاطهم قيام الخدم والجواري..
      من التأثيرات الفارسية التي دخلت العصر العباسي، منصب الوزارة، وأضحى للوزير من حيث المظهر والاختصاص والتسمية طابع جديد لم يكن من قبل، ويُلاحظ أن معظم الوزراء العباسيين كانوا من أسر فارسية، كالبرامكة، وبني سهل، وبني طاهر، وبني خاقان وغيرهم، واتبع الوزراء والكتاب ورجال الدولة التقاليد الفارسية القديمة في العمل والمراسلات..(9)

      كان لتعدد المذاهب واختلاف الفرق أثر سييء على الإسلام والمسلمين، فقد حدث الصراع بين أهل السنة والشيعة أو بين الشيعة وبعضهم البعض، وأحيانًا خلاف بين المذاهب السنية، وبسبب هذا التعصب الأعمى، وضيق الأفق أزهقت أرواح الآلاف من أبناء الأمة الإسلامية، والإسلام من كل ذلك براء..

      فظهرت قضايا خطيرة مثل: خلق القرآن وغيرها، وظهرت فرق متعددة كالمعتزلة والمرجئة والجهمية وغيرهم..



      لقد تجزأت الدولة الإسلامية في وقت مبكر في العصر العباسي، ولم تفلح محاولات الخلفاء العباسيين في إعادة الوحدة إلى الدولة الإسلامية، فقد قامت الدولة الأموية في الأندلس، وكذلك قامت دولتان للخوارج في المغرب الأوسط حوالي 140هـ إحداهما للأباضيين في "تاهرت"، والأخرى للصفرية في "سجلماسة"، وقامت دولة الأدراسة عام 172هـ في المغرب الأقصى، وتأسست دولة الأغالبة في المغرب الأدنى عام 184هـ، ولكنها بقيت تتبع العباسيين، واستمرت إمارة عباسية أو ولاية تتبع بغداد ولكنها وراثية في ولاتها..
      كما قامت الدولة السامانية الفارسية ومقرها سمرقند، والدولة الغزنوية التركية في غزنة، والدولة الطولونية والإخشيدية في مصر، والدولة الحمدانية في الموصل وحلب، ودولة المرابطين ودولة الموحدين في المغرب، وفي اليمن دولة بني زياد في زبيد، ودولة بني نجاح في زبيد أيضًا، ودولة الصليحيين في صنعاء، ودولة بني زريع في عدن، والدولة الغورية في الهند، والدولة الخوارزمية في بلاد ما وراء النهر، وغيرها من الدول..
      ووجود هذه الدويلات يرجع إلى الضعف الذي أصاب الدولة العباسية، وإن وجود الدويلات قد زاد في الضعف أو هو سبب من أسبابه..(12)

      لقد أسرع بعض أمراء المسلمين، فقد جاء "بدر الدين لؤلؤ" أمير الموصل ليتحالف مع "هولاكو"، كما تحالف سلطانا السلاجقة وهما "كيكاوس الثاني و"قلج أرسلان الرابع " مع هولاكو ـ أيضًا ـ أما السلطان "الناصر يوسف" أمير حلب ودمشق فقد أرسل ابنه "العزيز" إلى هولاكو..لا ليقدم فروض الطاعة فقط، بل ليبقى في جيشه كأحد أمرائه، وكذلك جاء "الأشرف الأيوبي" أمير حمص ليقدم ولاءه لزعيم التتار..(13)
      لم يكن قيام دولة الخلافة العباسية مجرد بيعة خليفة دون آخر، أو انتقال الأمر من الأمويين إلى العباسيين في حكم المسلمين، ويعتبر هذا الحدث أكثر من مجرد تغيير في الأسرة الحاكمة، لقد كانت الثورة العباسية، وما نتج عنها من تغيير جذري في المجتمع الإسلامي نقطة تحول مهمة وفاصلة في هذا المجتمع، لازمته طوال العصر العباسي الأول..
      وقد ثبت أن التنظيم العقدي في فترة التحضير للثورة ينم عن عبقرية فذة في الإعداد والترتيب، لقد وضع العباسيون الأوائل نهجًا في التنظيم السري أضحى مثالاً يُحتذَى طبقته بعض الدول التي قامت في كَنَفِ الخلافة العباسية كالفاطميين، بالإضافة إلى الحركات السرية التي قامت في بلاد المسلمين كالقرامطة، ويقوم هذا التنظيم على السرية المطلقة وقد انتهج العباسيون الأوائل هذا الأسلوب السري على أثر الكوارث التي حلَّت بآل البيت طيلة العصر الأموي، وما عمدت إليه الدولة الأموية من القضاء على الحركات العلوية وعلى زعمائها بشكل خاص بحيث لا تقوم لهم بعد ذلك قائمة..
      وتقوم الدعوة السرية حول إمام من آل البيت يدير دفَّة هذه الحركات السرية، ويرعى هذه التنظيمات، ويوجه النقباء والدعاة ويقودهم، وقد آلتِ الإمامة في هذا التنظيم السري إلى بني العباس في فترة مرحلية بالغة الأهمية..(14)
      وأدرك الإمام محمد بن علي العباسي (118 ـ 125هـ) الذي آلت إليه الدعوة العباسية، والذي سعى لنيل الخلافة، أن نقل حق الإمامة من بيت إلى بيت آخر لابد أن يسبقه إعداد الأفكار وتهيئة النفوس لتقبل الوضع الجديد، لذلك التزم جانب الحيطة والحذر حين طلب من أتباعه دعوة الناس إلى ولاية آل البيت دون تسمية أحد..
      ومن مقره في الحميمة أخذ ينظم الدعوة، ويدير شؤونها ويرسل الدعاة والنقباء إلى الجهات الملائمة وأهمها خراسان، وذلك عن طريق شبكة سرية متعددة الحلقات حملت اسم "دعوة آل البيت" آخذًا بعين الاعتبار الحرص على إخفاء أطماعه نحو الخلافة، ولا ريب في أن ذلك قد خدع الكثيرين من مؤيدي الدعوة إذ ظنوا أنهم يعملون لذرية علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
      ـ وتجلت مقدرته في وضع هيكلية التنظيم السري الذي قام على الشعارات الدعائية من اختيار مركز الدعوة وشعاراتها والأمصار التي تنطلق منها، وتحديد مقر الدعاة ومهنتهم، وطريقة التعامل مع الناس..
      فمن حيث مركز الدعوة، فقد اختار الحميمة بفعل موقعها الجغرافي على خط القوافل التجارية وطريق الحج من جهة، كما أنها تقع بعيدًا عن المسرح السياسي..
      من حيث الشعار فإنه نادى بشعار المساواة، والدعوة إلى الرضا من آل محمد، والإصلاح، وقد أسهم هذا الشعار في نجاح الدعوة عن طريق:


      ومن حيث الأمصار التي تنطلق منها الدعوة، فإن محمد بن علي أمر الدعاة بالتركيز على خراسان، فقد شعر بتأزم الوضع فيها واقترابه من الانفجار بفعل الصراعات القبلية وتذمر الموالي، فرأى أن مرو، وهي قصبة خراسان هي المكان الملائم لاستقطاب الأنصار لجيش الثورة؛ فأثبت بذلك أنه كان على تفهم تام للأوضاع السياسية، وتوزيع الولاءات السياسية في الأقاليم الإسلامية..
      ومن حيث تحديد مقر الدعاة، فقد اتخذ الإمام العباسي الكوفة، المعروفة بالولاء لآل البيت وهي تصلح لأن تكون حلقة الوصل بين الهاشمية في الحميمة، وميدان المعركة في مرو، بفعل جوها الموالي للثورة، والمناهض للأمويين..
      وقد أشار محمد بن علي على دعاته أنه يتعاطوا مهنة التجارة لإخفاء هدفهم الدعائي عن السلطة، كما أوصاهم بنشر الدعوة بالحكمة..
      وهكذا توفر للدعوة العباسية القيادة الفذة والدعاة المخلصون، والبيئة الصالحة..(15)
      1ـ التعاون في مواجهة الأخطار الخارجية: 2ـ نمو البحرية الإسلامية في المحيط الهندي: 3ـ النشاط العلمي: الملحوظ في العلوم الشرعية والحياتية.. 1ـ عدم الوفاء بالعهد: 2ـ تراجع النشاط الحربي والجهادي بصفة عامة، وفي الغرب والبحر المتوسط بصفة خاصة: 3ـ الاهتمام بأجزاء من العالم الإسلامي دون أجزاء: 4ـ التأثر بالعادات والتقاليد الفارسية: 5ـ الخلافات المذهبية: 6ـ دخول أفكار غريبة على المنهج الإسلامي: سواء عن طريق الترجمة ومعرفة المسلمين بالفلسفة اليونانية، أو عن طريق الفرس.. 7ـ احتجاب الخلفاء عن العامة وظهور الحرس: وبرغم أن هذا كان ضروريًا لكثرة الفتن و حوادث القتل فإنني أرى أنه كان مبالغًا فيه في كثير من الأحيان...(10) 8ـ اعتماد الخلفاء في العصر العباسي على نظرية "الحق الإلهي المقدس": وهذه النظرية كانت سائدة بين الفرس، وأصبت عقيدة آمن بها المسلمون في العصر العباسي..(11) 9ـ ظهور الدول المستقلة وكثرتها في العصر العباسي: 10ـ تعاون بعض المسلمين مع أعداء الأمة ضد المسلمين: 1ـ اندماج الشعوب التي أسلمت في الدولة الإسلامية.. 2ـ ضمان تكتل الطالبيين وراء الدعوة..

      أطوار الدعوة العباسية:

      مرت الدعوة العباسية بطورين مهمين:
      ـ الطور الأول:
      يبدأ هذا الطور في مستهل القرن الثاني للهجرة، وينتهي بانضمام أبي مسلم الخراساني إلى الدعوة،ويغطي الفترة الزمنية بين عامي _100ـ128هـ/ 718ـ 746م)..
      وقد تميزت الدعوة في هذا الطور، بالسرية التامة وخلوها من أساليب العنف، في الوقت الذي كانت فيه دولة الخلافة الأموية متماسكة..
      نظَّم الدعوة في العراق ثلاث دعاة هم: ميسرة العبدي، وهو مولى لعلي بن عبد الله بن العباس، وبكير بن ماهان ويعتبر أهم دعاة العراق، وأبو سلمة الخلاّل الذي قاد الدعوة في الأعوام الخمسة الأخيرة قبل تسلم بني العباس السلطة..
      أما في خراسان فقد قامت الدعوة على أكتاف جماعة من الدعاة أشهرهم أبو عكرمة السراج (مولى ابن عباس)، ومحمد بن خنيس، وحيان العطار، وكثير الكوفي، وخداش البلخي، ونقيب النقباء سليمان بن كثير الخزاعي..
      وقد علمت السلطات الحاكمة بأمر الدعوة فطاردت الدعاة وقتلت بعضهم، كما أن بعضهم الآخر راح ضحية تطرفه كخداش البلخي..
      وأحدث الإمام محمد بن علي العباسي تغييرًا استراتيجيًا مهمًا في فحوى الدعوة حين خصصها لنفسه، وكشف ذلك لدعاته، على أن يبقى هذا الأمر وقفًا عليهم فقط دون العامة..
      وتوفي الإمام محمد في عام (125هـ/ 743م) بعد أن قطعت الدعوة شوطًا بعيدًا وقد أوصى بالإمامة من بعده لابنه إبراهيم..
      ـ الطور الثاني:
      يبدأ هذا الطور بانضمام أبي مسلم الخراساني إلى الدعوة العباسية واستمر حتى عام (132هـ/ 750م) وهو العام الذي سقطت فيه دولة الخلافة الأموية، وقامت دولة الخلافة العباسية..
      تعرضت الدعوة العباسية بعد وفاة الإمام محمد بن علي إلى الاهتزاز بفعل قيام حركات شيعية مستقلة عنها، في خراسان فخشي الإمام إبراهيم أن يفلت زمام الأمور من يده، وتكتسح هذه الحركات دعوته، لذلك قام ليعيد طاعة الخراسانيين العرب بشكل خاص، واستطاع بنفوذه الشخصي أن يستميل زعيمهم سليمان بن كثير الخزاعي الذي تمكن من إعادة التلاحم بين الجماعة الخراسانية، وبين الرئاسة في الحميمة..
      وقد تميزت الدعوة في هذا الطور باستعمال القوة لتحقيق هدفها؛ فبعد اتساع خلاياها، وتعمُّق جذورُها في المجتمع الخراساني، أضحى لابد لها من رئيس على درجة عالية من الكفاءة والمقدرة يشرف على شؤونه، ويعد الخطط للتحركات المقبلة..
      عرض إبراهيم الإمام القيادة على نقيب النقباء سليمان بن كثير، وكان شيخًا مسنًا فاعتذر عن قبولها، ثم عرضها على إبراهيم بن سلمة فاعتذر أيضًا، عندئِذٍ اتخذ الخطوة الحاسمة واختار أبا مسلم الخراساني ممثلاً له في خراسان، فقلَّده الأمر وأرسله هناك..
      كان اختيار أبي مسلم خطوة موفقة وفاتحة مرحلة جديدة في استنهاض حياة الدعوة بفعل أن مولى يدير دفة الأمور في خراسان ذات النفوذ الفارسي الواضح، والمضطربة قَبَليًا، أجدر بالثقة من عربي حر، وتدل الرسالة التي بعث بها الإمام إليه عندما ولاه الشروع للعمل في خراسان، أن استمالة العرب اليمانية هو حجر الأساس ومفتاح النصر، فاستقامت أمور العباسيين في خراسان نتيجة جهوده السياسية والعسكرية، واستطاع هذا الرجل بما تمتع به من كفاءات أن يصبح الداعية العباسي، المتحكم في الشرق كله بعد أن اكتسب ثقة سليمان بن كثير..
      هذا وقد حفلت الأعوام الأربعة الأخيرة من حياة دولة الخلافة الأموية (129ـ 132هـ/746ـ 750م) بتطورات سريعة شكلت جذور الحياة العباسية، وتجلت فيها مظاهر ضعف العنصر العربي بشكل عام، بفعل ما ساده من نزاعات وانقسامات حادة، وبرز خلالها ضعف الأمويين بشكل خاص، وشهدت عمليات تصفية النظام الأموي وظهرت القوة الجديدة من بين ركام المعارك على مرحلتين: مرحلة أبي مسلم الخراساني، ومرحلة قحطبة بن شبيب، وانتهت بقيام دولة الخلافة العباسية..(16)
      أبو مسلم الخراساني:
      ترجح الروايات التاريخية الأصل الفارسي لأبي مسلم فهو مولى فارسي واسمه الحقيقي "بهزوان" تلقى أصول الدعوة في الكوفة؛ فاسترعى انتباه الدعاة فيها فقدموه إلى الإمام إبراهيم الذي لمس فيه ذكاء خارقًا وإرادة قوية، فأيقن أنه الشخصية التي يمكن الاعتماد عليها.. (17)
      نزل أبو مسلم فور وصوله إلى خراسان في بلخ، ونال بعد فترة قصيرة ثقة سليمان بن كثير، ثم أخذ يدير الأمور بحكمة ودهاء، فراح يتنقل في قرى الشرق يحث أهلها على الالتفاف حول الدعوة، وقد أصاب نجاحًا كبيرًا في ذلك، فاستقطب الموالي بما صور لهم من فساد الحكم الأموي، وأثارهم بما كانوا يعانونه من ظلم في ظله، ووعدهم بأنه سيجعلهم سادة، وسيملكهم الأرض كما نجح في استمالة الدهاقنة وأهل الريف بتقريبه بين العقيدة الإسلامية والمعتقدات الشعبية، خاصة فيما يتعلق بمذهب تناسخ الأرواح، ثم استقطب القبائل العربية اليمنية وانضم إليه أهل التقادم المعروفين بمعارضتهم للنظام الأموي..
      بعد أن اطمأن أبو مسلم إلى ما وصلت إليه الدعوة من القوة والانتشار، رفع تقريرًا بذلك إلى القيادة في الحميمة، ومن جهتهأخذ الإمام إبراهيم بن محمد زمام المبادرة؛ فحدد تاريخ بدء التحرك آخذًا بعين الاعتبار الظروف الداخلية لقوة الدعوة، والظروف الداخلية المتردية لدولة الخلافة الأموية..
      وفعلاً أُعلِنت الثورةُ في خراسان يوم الخميس في الخامس والعشرين من شهر رمضان عام (129هـ/ 747م) على يد سليمان بن كثير، فالتفت شيعة العباسيين حول أبي مسلم، وقد اتخذوا السواد شعارًا في ملابسهم وألويتهم؛ ولذا عرفوا بالمسوِّدة..
      وأقيمت في يوم عيد الفطر في سفيذنج أول صلاة لأنصار العباسيين فانكشف أمرهم، وكان لابد من الصدام مع القوات الأموية لتحديد الموقفين السياسي والعسكري..
      وقد وجدت على الساحة الخراسانية أربع قوى متنافسة هي:
      ـ قوة الدولة الأموية متمثلة في والي خراسان نصر بن سيار..
      ـ قوة اليمنية وربيعة بزعامة جديع الكرماني..
      ـ قوة الخوارج الحرورية بزعامة شيبان الحروري..
      ـ قوة الثورة العباسية بقيادة أبي مسلم الخراساني..
      فعمد أبو مسلم إلى أسلوب المزج بين السياسة والقوة العسكرية بهدف التفريق بين القوى الخراسانية، ودفعها إلى الاصطدام حتى لا تتحد كلماتها، ويقوى أمرها مما يشكل خطرًا على الدعوة العباسية، فنجح بدهائه في الإبقاء على العداء بين الوالي الأموي على خراسان نصر بن سيار وخصومه، وتعاون مع جديع الكرماني ثم مع ابنه علي بعد ذلك، وشيبان الحروري للإطاحة بالأمويين ثم زرع بذور الشقاق بين الوالي الأموي وزعماء القبائل، وتخلص أخيرًا من شيبان الحروري وابني الكرماني علي وعثمان..
      وهكذا تحرك أبو مسلم على كافة جبهات القوى السياسية، ونجح في قطف ثمار جهوده بالقضاء على خصومه والتفرد بحكم خراسان وفرَّ نصر بن سيار إلى نيسابور..
      وعمد الزعيم الخراساني يعد أن ثبت أقدامه في المناطق التي سيطر عليها إلى التخلص من الزعماء البارزين الذين اعتبرهم منافسين له على الزعامة؛ فقتل سليمان بن كثير الخزاعي نقيب النقباء كما قتل ابنه محمدًا (18)، وتخلص من عدد من أنصار الثورة الذين شاركوه في العمل السياسي والعسكري..
      وخلا بذلك الجو لأبي مسلم،وأصبح الحاكم الأوحد لبلاد المشرق واتخذ لنفسه لقب "أمير آل محمد" وهذا يعني أنه اعتبر نفسه أكثر من مجرد والٍ على مقاطعة..
      تجلت خلال خرب خراسان قدرات أبي مسلم العسكرية والسياسية وإدارية، تلك القدرات التي تجمعت لهذا الوالي والتي جعلته من بين أعظم القادة العباسيين..
      وأصبح هذا الرجل -بعد أن تقرب من سكان البلاد المحليين أمل الموالي الذين تطلعوا إليه، وتوسموا فيه القدرة على رد اعتبارهم- مقدمة لظهور البرامكة والطاهريين والبويهيين، واضعًا بذلك أسس الدولة الخراسانية.. (19)
      قحطبة بن شبيب:
      ما كادت الثورة العباسية تستقر في خراسان، وتتهيأ القيادة فيها لتسديد لضربة الأخيرة لنصر بن سيار، المتقهقر إلى نيسابور، ومعه أنصاره من العرب من قبائل تميم وبكر وقيس حتى نُقِلَت قيادة العمليات العسكرية من أبي مسلم إلى قحطبة بن شبيب الطائي بأمر من الإمام إبراهيم بن محمد..
      ويبدو أن القيادة العليا في الحميمة تطلعت إلى ما وراء خراسان من أحداث، ورأت ألا يتجاوز أبو مسلم هذه المنطقة وأن العمليات العسكرية في المناطق العربية لابد أن تُسنَد إلى قيادة عربية..
      سيطر قحطبة على طوس ونيسابور، وأدرك نصر من جانبه استحالة المقاومة واستعادة السلطة؛ فهرب من نيسابور إلى الري..
      ذُعِرَت الحكومة المركزية في دمشق من هذه التطورات السريعة في خراسان؛ فأرسلت الجيش تلوَ الجيش للقضاء على قوة الثورة، إلا أنها فشلت في مهمتها؛ فاستسلمت المدن مثل أصفهان ونهاوند وغيرهما وأضحت الطريق إلى العراق مفتوحة أمام جيش الثورة،ومات نصر بالري في جو الهزيمة القاتم دون أن يكسب معركة، وفقد الأمويون بموته قائدًا كبيرًا يقودهم في هذا الصراع الدامي مما أثَّر على قضيتهم تأثيرًا سلبيًا..
      واندفع قحطبة بجيشه نحو الكوفة في جو الانتصارات، في الوقت الذي كان فيه يزيد بن هبيرة الوالي الأموي على العراق يتحرك نحوه فجرت بينهما معركة انتهت بانتصار قحطبة، وتقهقر ابن هبيرة إلى واسط وتحصن بها لكن قحطبة لم يعش ليرى النتيجة النهائية، فقد غرق وهو يعبر النهر، وخلفه ابنه الحسن في زحفه الظافر ودخل الكوفة في الرابع عشر من شهر المحرم عام 132هـ/ 749م، واعترف بأبي سلمة الخلال رئيس دعاة العراق وزيرًا لآل محمد، وقد أضحى صاحب السلطة الفعلية..
      وبهذا تقرر مصير العراق وكان استقرار الثورة في هذا البلد بعد المشرق كسبًا عظيمًا بحيث أضحى من الممكن أن تظهر الدعوة، وأن يعرف الخراسانيون إمامهم من آل محمد..(20)


      قيام دولة الخلافة العباسية:

      بعد سيطرة أنصار الثورة على الوضع في العراق، حان الوقت لاختيار الشخص من آل محمد الذي أعلنت الثورة باسمه، وكان اسم إبراهيم الإمام هو الشائع، لكن هذا التداول كُشِفَ عنه الغطاء، وسهل لبني أمية اكتشاف الصلة بينه وبين الثورة، لذلك قبض عليه مروان الثاني، وسجنه في حرَّان ثم قتله (عام 132هـ/ 749م) وتؤكد الروايات أن الإمام إبراهيم نعى نفسه إلى أهل بيته أثناء القبض عليه، وأوصى إلى أخيه أبي العباس عبد الله بن محمد، وجعله الخليفة بعده، وأمرهم بالمسير معه إلى الكوفة، وأخبر أصحابه قبل موته بهذا الاختيار..
      وعندما وصل آل العباس إلى الكوفة، بعد دخول جيش الثورة إليها أنزلهم أبو سلمة الخلال في دار الوليد بن سعد مولى بني هاشم، وأمرهم بالاختفاء، وكتم أمرهم عن جميع القادة والشيعة نحوًا من أربعين ليلة، ورفض أن يدفع لهم نفقات الانتقال..
      وكتب في الوقت نفسه إلى زعماء آل البيت من بني علي بن أبي طالب يعرض عليهم إمارة المؤمنين بشروط محددة، والراجح أنه عزم على تحويل الأمر إلى آل علي عندما بلغه خبر موت الإمام إبراهيم بن محمد لكن هؤلاء اعتذروا عن قبول الدعوة..
      ولنا أن نتساءل: ما مبررات أبي سلمة في تحويل الخلافة إلى بيت عليِّ بن أبي طالب ؟ وما الشروط التي وضعها لتسليمهم هذا المنصب؟..
      يبدو أن وزير آل محمد لم يأخذ وصية الإمام إبراهيم لأخيه أبي العباس مأخذ الجد، أو على أقل فإنه لم يَرَ أن أبا العباس هو أصلح الهاشميين لتولي إمارة المؤمنين..
      لكن مما لا شك فيه أن هذا الرجل كان واقعًا تحت ضغط الأحداث السياسية متعددة الاتجاهات، وكان أشهرها الاتجاه العلوي، والاتجاه الخراساني، والاتجاه القومي الفارسي المقنع، فكان عليه أن يختار شخصًا مقبولاً من كافة الأطراف، خاصة وقد بدا الفرق واضحًا في وجهات النظر بين الاتجاهين الأولين بشأن صلاحياته..(21)
      ويفهم من تحوله إلى آل علي أنه استنتج من خلال الظروف السياسية المحيطة به، من توقعاته للمستقبل أنه قد لا يحقق تطلعاته السياسية في ظل الحكم العباسي، ويبدو أنه كان يمثل بعض الزعماء الخراسانيين الفُرس، ذوي الاتجاه القومي المقنع، فأراد أن يحول الأمر إلى الطالبيين بحيث يكون له الفضل في نقل السلطة إليهم طمعًا في تحقيق أهدافه المتمثلة في إحياء الأماني القومية الفارسية..
      ونتيجة لهذا الاختلاف في النظرة السياسية والعقدية ظل أبو سلمة زهَاءَ شهرين منهمكًا في البحث عن الرضا من آل محمد يكون مقبولاً من الجميع من جهة، ويرضى بهذا المنصب على شروط الخراسانية التي جعلت من الصعب وربما من المستحيل وجود الشخص الذي يقبل بهذا العرض من جهة أخرى؛ لذلك كان رفض زعماء آل البيت يصب في هذا الاتجاه..
      وأخيرًا فرضت الخراسانية مرشحها العباسي، أبا العباس عبد الله بن محمد أميرًا للمؤمنين، فبويع له بالخلافة يوم الجمعة (الثاني عشر من شهر ربيع الآخر عام (132هـ/749م) والجدير بالذكر في هذا المقام أن تاريخ خلافته يبدأ بعد مقتل مروان الثاني آخر الخلفاء الأمويين في شهر ذي الحجة عام 132هـ/ 750م وهو تاريخ قيام دولة الخلافة العباسية..
      ولم يكن أمام أبي سلمة الذي تم الأمر دون علمه إلا أن يقبل بالأمر الواقع مبررًا موقفه بقوله: "إني إنما كنت أدبر استقامة الأمر"..
      ويبدو أن أبا مسلم قد استُشِير في الأمر قبل حدوثه فوافق عليه بدليل أن مندوبه السياسي أبا الجهم قام بنشاط ملحوظ في اختيار أبي العباس..(22)


      الصراع في فترة القيام الأولى:

      صراع داخلي: أخطره (انفصال الأندلس):
      كانت الأندلس الولاية الأشد تأثرًا بانتقال الخلافة من الأمويين إلى العباسيين، فقد عانت من فوضى الصراعات العنصرية والإقليمية خلال مرحلة غياب السلطة المركزية التي استمرت بين عامي (124ـ138هـ/742ـ756م) ونشبت الحروب الداخلية بين القيسيين واليمنيين وهَزَمَت المضريةُ اليمنيةَ في شقندة الواقعة أمام قرطبة في عام 13هـ/ 748م..
      وسقطت أثناء ذلك دولة الخلافة الأموية على أيدي العباسيين في عام 132هـ/ 750م، وأخذ الولاة العباسيون يتتبعون الأمويين ويقتلونهم، إلا أن أميرًا أمويًا استطاع النجاة من مطاردة هؤلاء هو عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، فيمَّمَ وجهه شطر المغرب..
      اتصف عبد الرحمن بالطموح فعزم على تأسيس دولة له في المغرب إلا أنه اصطدم بمعارضة والي إفريقية عبد الرحمن بن حبيب الفهري؛ فاتجهت أنظاره نحو الأندلس التي كانت أوضاعها مضطربة حيث وجد في هذا الإقليم الفرصة الأكثر منالاً من المغرب، وقد رحب اليمنيون بتأييد الأمير الأموي للتحرر من قيود القيسيين الثقيلة، والأخذ بثأر قتلاهم في وقعة شقندة، وبات أنصار الأمير الأموي يمتلكون من المعطيات ما شجعهم على دعوته فعبر المضيق في شهر ربيع الثاني عام 138هـ/ 755م، ونزل ضيفًا على أبي عثمان في حصن طرشة..
      كان حاكم الأندلس آنذاك يوسف بن عبد الرحمن الفهري، لكن السلطة الفعلية كانت في يد الزعيم القيسي الصميل بن حاتم، وقد أدرك الزعيمان مدى الخطر الذي يشكله عبور الأمير الأموي على أوضاعهما، خاصة وأنه حاز على ثقة فئة كبيرة من المجتمع الأندلسي؛ لذلك قررا التصدي له لإرغامه إما على العودة أو الخضوع لهما..
      فالتقى عبد الرحمن بقوات الصميل والفهري عند المسارة في شهر ذي الحجة عام 138هـ/ 756م، وانتصر عليها، ودخل قرطبة حيث صلَّى بالناس صلاة الجمعة في مسجدها الكبير، وخطب فيهم معلنًا قيام دولته الجديدة، واضطُرَّ كل من الصميل والفهري للفرار..
      وهكذا استطاع هذا الأمير الأموي الطريد أن يحيي من جديد دولة الخلافة الأموية التي سقطت في الشرق، وأن يجعل من الأندلس دولة مستقلة، وأول ولاية اقتطعت من دولة الخلافة العباسية..
      وقد واجهت عبد الرحمن الداخل في بداية حكمه مشكلتان:
      الأولى: قيام حركات ارتدادية من جانب الصميل والفهري، وقد أخمدها وانتهت بمقتل الزعيمين المذكورين..
      الثانية: محاولات الخلافة العباسية القضاء على الدولة الناشئة، واستعادة سيادتها على الأندلس بعد أن ساءها أن يقتطع الأمويون جزءًا من دولة الخلافة الإسلامية..
      فعمل أبو جعفر المنصور على استغلال الأوضاع القلقة التي كان عبد الرحمن الداخل لا يزال يعاني منها، واتصل سرًا بأحد الزعماء العرب ويدعي العلاء بن المغيث الجذامي فحثَّه على التخلص من خصمه ووعده بإمارة البلاد، وبعثه بلواء الدولة العباسية، وبسجل تعيينه على الأندلس..
      وبعد نحو عام من الاتصالات والتحضيرات، أعلن العلاء ثورته على النظام الأموي في عام 47هـ/ 764م، ورفع أعلام العباسيين السوداء، لكن الأمير الأموي تمكن من القضاء على ثورته، وقتله مع عدد من رجاله وبعث برؤوسهم إلى المنصور الذي أدرك أنه أمام أمير قوي ربما يفوقه دهاءً وعنادًا، وكان فشل هذه المحاولة كافيًا لإقناعه بالعدول عن مشروع استعادة الأندلس، ولم يمنعه عداؤه لعبد الرحمن من الإعجاب به ولقبه بـ "صقر قريش"..(31)
      إبراهيم بن الأغلب وولاية إفريقية:
      سادت الاضطرابات إفريقية اعتبارًا من عام (171هـ/ 787م) بفعل خروج الخوارج وقادة الجند والبربر؛ فأرسل الرشيد هرثمة بن أعين واليًا على إفريقية وأمره بقمع الانتفاضات وتوطيد الأمن، فنجح في مهمته ودخل القيروان وأمَّن الناس..
      ويبدو أن الخلافات بين الفئات الإسلامية المتعددة كانت واسعة فتجددت القلاقل، ولم يتمكن هرثمة من رأب الصدع؛ فعزله الخليفة بناء على طلبه في عام (180هـ/ 796م) كما لم يتمكن الولاة الذين جاءوا من بعده من السيطرة على الموقف، فاستغل إبراهيم بن الأغلب عامل إقليم الزاب ـ في الجزائر اليوم ـ هذه الأوضاع القلقة وطلب من الخليفة توليته على إفريقية ووعده بتهدئة الوضع، فاستجاب الخليفة لطلب عامله وعهد إليه بالولاية على إفريقية في عام (184هـ/ 800م) ونجح إبراهيم في تحقيق الاستقرار متبعًا في ذلك سياسة معتدلة، وازدهرت إفريقية في عهده وشهدت حركة عمرانية واسعة ونشاطًا اقتصاديًا كبيرًا، وقد مهد إبراهيم هذا لقيام دولة الأغالبة التي ما لبث أن استقلت عن الإدارة المركزية في بغداد، واتخذت القيروان حاضرة لها..(32)
      صراع خارجي: مع الدولة البيزنطية:
      استفادت الدولة البيزنطية من الاضطرابات التي سادت الدولة الإسلامية؛ نتيجة انتقال الخلافة من الأمويين إلى العباسيين، ونقل العاصمة من دمشق، فهاجمت المناطق الشمالية للدولة الإسلامية، ونجح الإمبراطور قسطنطين الخامس في توسعة حدود بلاده، بعيدًا نحو الشرق، عندما أغار على مناطق الثغور الشامية والجَزَرِيَّة واستولى على مدنها وقلاعها..
      وقاد الإمبراطور في عام (133هـ/ 751م) حملة إلى منطقة الحدود مع أرمينيا، واستولى على حصن ثيودو سيبوليس (أرضروم)، ولم يتمكن الجيش العباسي الذي كان يقوده مخلد بن مقاتل بن حكيم من الصمود..
      وتابع الإمبراطور اجتياحه للمنطقة، وسيطر على حصن كماخ على نهر الفرات بعد مقاومة، وهاجم الثغور الجزرية ودمر تحصينات الفرات، واستولى على الحدث وملطية وقلوذية وخرَّب حصن سميساط..
      ويبدو أن قسطنطين الخامس هذا قد هدف من اجتياحه للمنطقة تدمير مراكز الإمدادات وقواعد الانطلاق الإسلامية للحد من اندفاع المسلمين إلى داخل الحدود البيزنطية؛ بفعل أنه أدرك استحالة الدفاع عن هذه المناطق في حال استقرار البيزنطيين فيها نظرًا لبعدها عن العاصمة، لذلك أمر بهدمها وتخريبها، فهدد بذلك نظام الثغور الإسلامي..
      والواقع أن الدولة البيزنطية قد اطمأنت إلى أن النشاط الإسلامي، رغم كثافته لن يؤثر على أمنها مثلما كان الحال في عهد دولة الخلافة الأموية وبالرغم من ذلك فقد أقامت نظامًا دفاعيًا ثابتًا بأن جعلت مناطق الحدود المواجهة للمسلمين مناطق عسكرية دائمة تمركزت فيها قوات عسكرية..
      كان رد فعل الإسلامي محدودًا في باديء الأمر، ثم أخذ يقوي تدريجيًا وظهرت حركة الاستجابة بالرد على الهجمات البيزنطية مع اقتراب استقرار أوضاع الخلافة، فاستؤنفت حركة الصوائف والشواتي..
      ففي عام 134هـ/ 752م أرسل أبو العباس صائفتين إلى ملطية، الأولى بقيادة عميه صالح وعيسى ابني علي فخرَّبا سورها، والثانية بقيادة محمد بن النصر بن بريم الحميري الذي دخل حصن طوانة، كما وجه في نهاية هذا العام غارة بحرية إلى صقلية وسردينيا بقيادة عبد الله بن حبيب الفهري..
      ويبدو أن أبا العباس هدف إلى بعثرة القوة البيزنطية وتشتيتها لتخفيف الضغط العسكري عن الجبهات العسكرية..
      وحرص الخليفة على استعادة ما استولى عليه البيزنطيون مثل: أرضروم، وترميم ما خربوه مثل: ملطية، كما برهن وصول البحرية الإسلامية إلى الجزر، على استمرار النشاط البحري، فكلَّفَ واليه على الشام، وهو عمه عبد الله بن علي في عام 136هـ/ 753م، بتجهيز حملة إلى آسيا الصغرى، تجمعت الحملة في دابق شمال حلب استعدادًا للانطلاق إلا أن وفاة الخليفة في تلك السنة جعلت عبد الله بن علي يجحم عن قيادته، وأظهره مطامعه في السيطرة على الخلافة..
      وبشكل عام يمكن وصف المناوشات العسكرية بين الطرفين في ذلك الوقت بحرب الحدود..(33)


      مشاكل مصاحبة منذ القيام:

      العِرْقِيَّات:
      بعد أن فتح المسلمون بلاد فارس دان أهلها بالإسلام، وأقول: أهلها أي: غالبية أهلها، ولم يكن هذا الدخول واحدًا لدى جميع السكان إذ كان بعضهم صادقًا بإيمانه، وكان بعضهم دون ذلك، فإن كان بعض الفرس أسلم عن قناعة فإن ذلك لا يمنع من وجود أشخاص دخلوا في الإسلام تقية عندما رأوا دخول الناس في دين الله، أو خوفًا من السيف، وقد أظهروا الإسلام وأبطنوا المجوسية، ديانة فارس القديمة، ومنهم من اكتفى بذلك، ومنهم من عمل ضد الإسلام وحاربه تحت ظله فإن الذين كانوا سدنة النار، وأفادوا من مهنتهم، وضاعت عليهن الفائدة بمجيء الإسلام كرهوه، وحقدوا عليه، وكذا من كان مستفيدًا من السلطة سواء أكان من رجالها ممن أنصارهم، فهؤلاء لم يريدوا أن يفهموا الإسلام، بل لم يرغبوا في بحث الأمر مطلقًا، وإنما نظروا إليه من زاويتهم الخاصة ومما استقر في أذهانهم سابقًا؛ لذا فهم أعداء الإسلام،وإن أظهروه رسميًا، وبقوا على ذلك، وفي كل أمة وفي كل شعب يمكن أن توجد عناصر من هذا النوع..
      هؤلاء الذين أظهروا الإسلام من الفرس وبقوا على مجوسيتهم وإن كانوا قلة إلا أنهم استفادوا من العصبية، ومن طرف آخر نلاحظ العصبية عند العرب ـ ومع الأسف ـ فإن دعاتها بدلاً من أن يتحدثوا عن هؤلاء المتعصبين من الفرس وعقيدتهم الفاسدة التي جمعتهم، وحقدهم على الإسلام، والأدوار الخطيرة التي قاموا بها؛ فإنهم قد قابلوهم بعصبية أشد منها فاتهموا الفرس جميعا، وجعلوا معاداتهم للعرب والإسلام أساسًا لكل عمل، وفسروا كل تصرف لهم بذلك..
      عَمَّمَ دعاة العصبية العربية هذا الاتجاه على الفرس جميعًا الأمر الذي جعل العصبية الفارسية تنمو، واستطاع المتعصبون من الفرس أن يدخلوا إلى كثير من الحركات التي تعادي الإسلام، ذلك أن عددًا من الفرس قد بقيت عندهم خلفية جاهلية وهي أن الحاكم له صفة القدسية وينتقل الحكم بالوارثة؛ فأظهروا التشيع لأن الشيعة قالوا بضرورة انتقال الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبنائه من فاطمة رضي الله عنها من بعده، ويمكن ملاحظة أن نسل الحسين بن علي بن أبي طالب قد انحصر بولده علي زين العابدين بن الحسين والذي أمه "سلافة" بنت ملك الفرس يزدجرد وبذا فقد اتصل نسل ملوك الفرس بأحد أعلام آل البيت، وهكذا فإن أئمة الشيعة التي دونت قد حُصِرَت بنسل علي زين العابدين بن الحسين..
      وكان من هؤلاء الذين أظهروا التشيع الحركات الباطنية والذين ادَّعَوا النسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحركات بعض المتصوفين الذين ادعوا القيام بأعمال خارجة عن سنن الكون، وكان لهم شطحات وشطحات،وكما قال بعضهم بالحلول، ووحدة الوجود ورفع بعضهم التكاليف عن أتباعه ومن وراء ذلك كله العمل على تهديم الدين..(34)
      وفي الختام يمكن القول: إن الفرس كانت لهم يد طولى في الدولة العباسية.. لماذا ؟
      ـ لأن مساحات شاسعة في الدولة الإسلامية كانت قبل الفتح الإسلامي تحت حكم الفرس ـ مملكة كانت تحكم نصف العالم ـ ومع ضعف الاتصالات والمواصلات كانت السيطرة عليهم صعبة فالفرس في هذه الأماكن (إيران وما حولها) كان انتماؤهم خليطًا من الإسلام والفارسية، ومن الإسلام كانوا يأخذون غالبًا المذهب الشيعي، فأدى هذا إلى الصورة المعقدة من وجود نوع من التنافس والمجابهة بين العربية السنية والفارسية الشيعية، وعلى الرغم من وجود بعض المنافقين من الفرس الذين أظهروا الإسلام، وأبطنوا المجوسية إلا أن ذلك لا يمنع من وجود كثير من المسلمين الأفاضل وهم من أصل فارسي، حيث كان انتماؤهم للإسلام واضحً، ومن هؤلاء الأفاضل البخاري ومسلم والترمذي، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وأبو حنيفة والليث بن سعد.. وغيرهم كثير.. (35)
      السلطة العسكرية والوزراء بدءًا من أبي مسلم الخرساني، وفي كثير من العصور وبخاصة الأولى:
      من المعلوم أن الجند إذا أُعْطُوا الحكم استأثروا وتفردوا به، واستبدوا، وطغوا وظلمو، فالجند إنما وجدوا للقتال، والقائد لا يملك طاعة جنده إلا أيام الجهاد، وقتال أعداء الله، أما أن يستخدم جمعهم لتحقيق أغراضه، وقتال أمرائهم وتغيير الأوضاع فهذا أمر لا تستقيم معه الحياة الاجتماعية، وإن كان هذا لا يمنع من وجود قادة عسكريين على درجة من القوة والصلاح، ولكن لا يلبث الأمر بعدهم أن يعود إلى سابق عهده، فإن الحاكم الطاغية الذي يفرض سلطانه بالقوة قد يعطي الحكم هيبة أو سمعة خارجية مدة من الزمن، ولكن الوضع ينهار بعده مباشرة؛ لأن النفوس تكون قد ضعفت، واعتادت على الذل الذي ذاقته وقت الطغيان، ومنعت حرية الفكر، فإن الأرض لا تحرر من الظلم بمجموع لا يملكون الحرية، والفكر لا ينتشر على أيدي أناس لا يملكون حرية فكر، والطغيان يسلب الناس الحرية فيجعلهم عبيدًا، ويسلبهم حرية الفكر ليتمكن من السيطرة عليهم، ولهذا تحرص الدول التي تعادي الإسلام أن تحاربه بحكام طغاة من الجند، وتجعل من الجيش مرتزقة مهما تقووا بالسلاح والعتاد إلا أن خسارة معركة واحدة تجعل الهزائم تتوالى عليه إذ تنخفض المعنويات مباشرة..
      هؤلاء الجند الذين سيطروا على الدولة العباسية قد أضعفوا أمرها، واستبدوا بحكمها وكانوا سببًا في متاعبها رغم أن دعاة العصبية قد عَدُّوا هذا الضعف نتيجة سيطرة عناصر من غير العرب، ولكن طغيان الجند لا يختلف بين شعب وآخر، فطغيان العرب كطغيان غيرهم والنتائج واحدة، وما من مرة حكم الجند من أي عنصر كانوا إلا وتأخرت البلاد، وتلا حكمَهم تراجعٌ مفاجيء..(36)
      سيطرة الجند على مقدرات الدولة:
      لم يكن هناك جند دائمون أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم وإنما يُهْرَعُ المسلمون للانخراط في صفوف الجيش المنطلق للجهاد كلما دعا الداعي..
      وحرص عمر الفاروق رضي الله عنه ألا يختلط المجاهدون (الجند) بسكان المدن كي لا يخلدوا إلى الراحة، ويميلوا إلى الدعة، فأمر أن يقيموا في معسكرات خاصة بعيدة عن المدن، ونشأت نتيجة ذلك مدن البصرة، والكوفة والفسطاط، ولعلنا نرى اليوم أثر الجند في المدن عندما يختلطون بالأهالي وما ينتج عنه من تعدي الجند وغطرسة الضباط وأثر ذلك على الناحية الأمنية..
      ولم يختلف الأمر كثيرًا في العهد الأموي والعصر العباسي الأول عما كان عليه في صدر الإسلام، ما دامت توجد فتوحات أو غزوات، على الأقل، وما دام الخلفاء أقوياء وللحكم هيبة، فلمَّا توقفت الفتوحات وقلَّ الغزو، وضعف الخلفاء، وذهبت هيبة السلطة اختلف الأمر تمامًا، إذ لم يعد هناك جندٌ للجهاد، وبدأت حركات التمرد تحدث، ولم يجد المسلمون دائمًا ضرورة للتطوع في سبيل القضاء عليها حتى يلزموا إلزامًا، كما أن السكان قد مالوا إلى الرخاء بسبب كثرة الأموال التي وردت عليهم، وقيام الرقيق بشؤونهم وأعمالهم؛ لذا كان على الخليفة أن يجد له جندًا يساعدونه على تنفيذ أوامره، ويكونون له سيفًا على حركات التمرد، ومن تسوِّل له نفسه العصيان، ولم يكن هؤلاء من العرب أو من الفرس لأن كليهما قد عاش حياة الترف، الأمر الذي اضطر معه الخليفة إلى إيجاد هؤلاء الجند من الترك الذين كانت بلادهم قد فُتِحت أجزاء منه، ولا تزال مناطق واسعة منها في أواسط آسيا تعيش على الوثنية فيأتي منها الرقيق ويجلب الأسرى حيث تقوم بعض الغزوات فيأخذ الخليفة أعدادًا من هؤلاء الأسرى أو الأرقاء ممن يجد فيهم ملامح النباهة وعناصر الذكاء، ويربيهم تربية عسكرية ويستعين بهم، وكثر عدد هؤلاء الجند مع الزمن، وقوي نفوذهم لأنهم أصبحوا عصا الحاكم التي يضرب بها خصومه، وأصبح مركز قادتهم عظيمًا لأنهم وحدهم يستطيعون أن يوطدوا الأمن، ويخضعوا أية قوة مهما علت، ثم غلبوا على أمر الخليفة نفسه حتى قتلوا الخليفة المتوكل على الله عام 247هـ، وأصبح الخلفاء بعدئذٍ ألعوبةً بأيديهم يعزلون من شاؤوا، ويقتلون من شاؤوا ويمثلون بمن شاؤوا، واستمر ذلك حتى جاء البويهيون فسيطروا على السلطة كعسكريين، وكذلك أتى السلاجقة بعدهم، ولم يختلفوا عنهم من حيث الصفة..
      هؤلاء الجند أمرهم واحد سواء أكانوا عربًا أم فُرْسًا أم تُركًا لأنهم عسكريون، فالأمر ليس مقتصرًا على جنس أو خاصًا به، فالجندي الذي رُبِّيَ تربيةً عسكرية، وعاش مع السيف والرمح، وتعامل معهما، غير الذي يسوس الأمور، ويدبِّر الشؤون: يلين لشخص، ويقسو على آخر، ويستعمل الحكمة، ويضع كل شئ في موضعه، والجندي الذي يعيش في الثكنات ويكون على أهبة القتال في كل وقت، ويخوض غمار المعارك حسب الأوامر التي تُعطى إليه غير الذي يحيا بين أهله، يخطط للمعركة من وجهة نظر سياسية، ويبحث في النتائج وما تؤدي إليه..
      وإن الذي يحيا حياة قاسية قد يحقد على أولئك الذين يعيشون حياة المترفين فيعمل ضدهم، ويحاول أن يسلبهم ذلك، فإذا تم له سار على ما كانوا عليه، وهذا ما يكون من العسكريين في كل وقت، وهذا التسلط العسكري على الحكم العباسي في عصره الثاني هو الذي أضعف الدولة لا لأن هؤلاء العسكريين ينتمون إلى شعب غير الشعب العربي كما يدعى دعاة العصبية العربية..
      وعندما خضعت الدولة للعسكريين وسيطر الجند على مقدراتها بدأ أمرها يضعف، وشأنها ينحط، وهذا الأمر دائم، وقد يكتسب مع سيطرة العسكريين بعض الدعاية الخارجية والهيبة المصطنعة، ولكنه أمر ظاهري ولا يلبث أن ينهار بعد زوال حكم الطاغية أو مع أول معركة، وإن كانت صغيرة لأن الشعب الذي أُذِلَّ لا يمكن أن يُقاتَل به، والفرد الذي جُوِّعَ لا يمكنه أن يتحرك ويضحي تنفيذًا لأوامر الذين جوعوه.
      ونلاحظ في العصر الحديث أنه عندما ما تعجز الدول الكبرى عن تحقيق أهدافها في بعض الدول الضعيفة لعزة شعبها وأنفته، فإن تلك الدول تعمل على إخضاع تلك الشعوب بحكومات عسكرية تنفذ أغراض الدول الكبرى، ولا يجرؤ أحد على الوقوف في وجهها ويضع العسكريون الأمور في غير موضعها، ويذلون الشعب ويفقرونه، كي يخضع لهم، ويسكت عن تصرفاتهم وتضعف الروح المعنوية، وتعجز الأمة عن تحقيق أي نصر والقيام بأي أمر، وهذا ما تريده الدول الكبرى التي تستطيع بعدها أن تحقق كل ما تشاء دون أية مقاومة، مع أن دعاية السلطة قد تكون قوية ولكن بالكلام والإعلام..(37)


      طريقة قيام الدولة العباسية حملت في طياتها بذور الهلكة والضعف والتفكك:


      ميراث الدم ورّثه الخلفاء الواحد تلو الآخر، وهذا أورث كراهية في قلوب الشعوب للحكام وللسلطة العسكرية..

      لقد كانت هذه الدعوة سببًا في قيام كل الدول العنصرية بعد ذلك كالبرامكة والطاهرية والبويهيين..
      (نفس طريقة الإنجليز واليهود في فك الدولة العثمانية، وذلك بتكوين عرقيات عربية وتركية وكردية وغيرها)..

      حيث ضخمت جدًا من حجم الشيعة على غير الحقيقة مما جعلهم في وضع العداوة مع أهل السنة خاصة مع عقيدتهم الفاسدة التي استحلوا بها سب الصحابة الكرام والطعن فيهم.
      ـ المزج بين التشيع والمجوسية ويتضح ذلك من:
      قدسية الإمام وعدم شرعية خروج الإمام من بيت معين (مثل نظام الأكاسرة)..(38)
      ففي السنوات العشر التي سبقت الفتح الإسلامي للدولة الفارسية تعاقب على الملك اثنا عشر ملكًا بين رجل وامرأة وصبي صغير ومغتصب من غير بيت الملك (39) وهم:












      فقد كان الأكاسرة يصرون على عدم خروج الكسروية من بيت الحكم حتى لو حكم طفل أو حكمت امرأة..
      أما في الدولة الأموية فلم يكن الأمر كذلك حتى مع نظام التوريث لأن الأمويين لم يدعوا عدم شرعية خروج الخلافة من بيت بني أمية..
      ـ حَصْرُ الأئمة في ولد علي زين العابدين بالذات..(كانت أمه فارسية)...
      لكن العجيب هو استمرار الدولة العباسية أكثر من 500 عام مع وجود هذه القلاقل الضخمة. فلماذا ؟
      لأن:
      1ـ القيام الدموي: 2ـ الدعوة العنصرية في خراسان: 3ـ الدعوة الطائفية لآل البيت كانت وسيلة لتعميق الشرخ بين السنة والشيعة: 1ـ ملك أنو شروان ثمانيًا وأربعين سنة وقتل مزدك الزنديق وأتباعه وجماعة من المانوية، وغلب على اليمن وانتزعها من الحبشة، وفي زمانه وُلِدَ عبد الله أبو النبي، ثم ولد النبي في آخر أيامه ثم مات.. 3ـ ثم ملك أبرويز بن هرمز ثم غلبه على الملك بهرام جوبين من غير أهل بيت الملك، ثم عاد أبرويز إلى الملك وملك ثمانيًا وثلاثين سنة وتزوج شيرين المغنية، وبنى لها القصر المعروف بقصر شيرين. 4ـ ثم ملك بعده ابنه شيرويه تغلبًا على أبيه ثمانية أشهر. 5ـ ثم ملك بعده ابنه أردشير سنة وستة أشهر. 6ـ ثم ملك بعده شهرايران من غير بيت الملك، ثم قُتِل. 7ـ وملك بعده بوران بنت أبرويز سنة وأربعة أشهر.. 8ـ ثم ملك بعدها خشنشده من بني عم أبرويز أقل من شهر. 9ـ ثم ملك بعده أزرميدخت بنت أبرويز أقل من شهر، ثم قُتِلت. 10ـ وملك بعدها كسرى بن مهر خشنش ثم قتلوه بعد أيام. 11ـ ثم ملك بعده فرخ زادخسرو من أولاد أنو شروان وملك ستة أشهر وقتلوه. 12ـ ثم ملك يزدجرد وهو آخرهم.. 2ـ وملك بعده ابنه هرمز نحو ثلاثة عشرة سنة ونصف..
      ـ الإسلام فيه قيام ذاتي.
      ـ الشعوب فيها الفطرة السليمة التي كفلت لها الاستمرار حتى مع فساد بعض الحكام..
      ـ حفظ دور العلماء في قيادة الأمة، وحفاظ هؤلاء العلماء على كرامتهم وكرامة العلم؛ فجهروا بكلمة الحق، ولم يخشوا في الله لومة لائم رغم تعرُّض بعضهم للأذى. (40)


      مراجع وتعليقات من مشاركة رقم 11 الى مشاركة رقم 18 :


      (1) د. طقوش: تاريخ الدولة العباسية ص 7 . وانظر أيضًا د. أبو زيد شلبي: تاريخ الحضارة الإسلامية ص 323 - 326 .

      (2) محمود شاكر: التاريخ الإسلامي الدولة العباسية ص 27 - 30 .
      (3) د. راغب السرجاني.
      (4) ابن خلدون: العبر جـ 6 ص 495 ، وانظر أيضًا محمود شاكر: الدولة العباسية جـ 6 ص 22 .
      (5) د. طقوش: تاريخ الدولة العباسية، ص 31 .
      (6) د. شوقي أبو خليل: الحضارة العربية الإسلامية، ص 443 ، 444.
      (7) ابن كثير: البداية والنهاية جـ10 ص 60، 61 ، وانظر أيضًا د. طقوش: تاريخ الدولة العباسية ص 40.
      (8) د. طقوش: تاريخ الدولة العباسية ص 30، 31 .
      (9) المرجع السابق: ص 31 ، 32 .
      (10) د. راغب السرجاني.
      (11) د. إبراهيم أيوب: التاريخ العباسي السياسي والحضاري ص 204 .
      (12) محمود شاكر: الدولة العباسية، جـ 1 ص 16 - 23 .
      (13) د. راغب السرجاني: قصة التتار من البداية إلى عين جالوت ص 111 ، 112 .
      (14) يذكر العباسيون قصةً يفسرون بها حقهم الشرعي بالخلافة وهي أن أبا هاشم زعيم الشيعة الكيسانية قصد دمشق بناءً على دعوة من الخليفة سليمان بن عبد الملك فبرّه ووصله، ثم رأى من فصاحته وعلمه ورئاسته ما حسده عليه، فتخوف منه مدركًا أن الشيعة هم الحزب المنافس لبني أمية، فدس له السم، وشعر أبو هاشم بالسم يجري في جسمه فأدرك أنه ميت، وكان بالقرب من بلدة الحميمة، فعرج عليها، واجتمع بعلي بن عبد الله العباسي، فأخبره بأنه هالك وأوصى إليه، وتنازل له عن حقه في الإمامة، وسلمه زمام الدعوة الكيسانية، وأمدّه باسم داعي دعاته في الكوفة ومن يليه من الدعاة، كما سلمه رسائل يقدمها إليهم، وعلى أساس هذا التنازل ورث علي بن عبد الله العباسي وابنه محمد من بعده جميع الخطط والدعاية السرية التي كانت للشيعة الكيسانية، هذا وينكر عدد من المؤرخين هذه الرواية ولا يعتقدون بصحتها.
      (15) د. طقوش: تاريخ الدولة العباسية ص 18 - 20 .
      (16) المرجع السابق: ص 21 - 24 .
      (17) المرجع السابق: هامش 3 ص 23 .
      (18) الجدير بالذكر أن حادثة قتل سلمان بن كثير تمت دون العودة إلى الخليفة أو أخذ راي الأمير أبي جعفر الذي كان موجودًا آنذاك في خراسان.
      (19) د. طقوش: تاريخ الدولة العباسية ص 24 - 26.
      (20) المرجع السابق: ص 26، 27 .
      (21) طلب الطالبيون أن يكون الإمام نفسه هو أمير المؤمنين، وهذا يعني أن يكون الحاكم ذا سلطة دينية وسياسية في وقت واحد، أما وجهة النظر الخراسانية فتتضمن وجوب التغيير الجذري في هيكلية النظام السياسي السابق بحيث يتمتع أمير المؤمنين بسلطات دينية محدودة فقط دونما سلطات سياسية زمنية.
      (22) د. طقوش: تاريخ الدولة العباسية ص 28 - 30 .
      (23) من المعروف أن البيت العباسي احتل مكانة متميزة حتى عن البيوت العربية الأخرى، واعتبر العباسيون أن زواج العباسية من غير عباسي يعتبر زواجًا غير متكافيء ، ولذلك حرصوا على عدم تزويج بناتهم من أحد خارج أبناء بيتهم.
      (24) د. طقوش: تاريخ الدولة العباسية ص 49 - 53 . وانظر له أيضًا التاريخ الإسلامي الوجيز ص 152 ، 153 .
      (25) الشلو: الجسد وهو المراد هنا، والشلو: العضو جمعه أشلاء.
      (26) ماء بجبل أحد قتل عنده حمزة بن عبد المطلب ودفن.
      (27) هو إبراهيم الإمام بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس.
      (28) د. حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام جـ 2 ص 73 - 75 .
      (29) يبدو أن محمدًا استند إلى مقررات المؤتمر الذي عقد بالأبواء في أواخر عهد الدولة الأبوية الذي دعا غليه والده عبد الله بن الحسن وحضره وجوه الطالبيين والعباسيين، وكان الهدف منه ترشيح النفس الزكية للخلافة.
      (30) د. طقوش: تاريخ الدولة العباسية ص ص 56 - 60 .
      (31) المرجع السابق ص 62 - 64 .
      (32) المرجع السابق ص 95 .
      (33) المرجع السابق ص 42 - 44 .
      (34) محمود شاكر: الدولة العباسية جـ 5 ص 24 - 26 .
      (35) د. راغب السرجاني.
      (36) محمود شاكر: التاريخ الإسلامي، الدولة العباسية جـ 1 م 5 ص 9، 10 .
      (37) المرجع السابق: م 5 جـ 1 ص 21 - 23.
      (38) د. راغب السرجاني.
      (39) د. أبو زيد شلبي: تاريخ الحضارة الإسلامية، ص 18 .
      (40) د. راغب السرجاني.


      مقدمة

      التعريف بأبي العباس السفاح 132ـ 136هـ:
      هو عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، ولد بالحميمة من الشراة في الأردن عام 105هـ.
      توفي والده محمد بن علي عام 125هـ بالحميمة، وهو الذي بدأ بالدعوة العباسية، وكان السفاح قد ناهز العشرين من العمر، وعرف الكثير من الدعوة وأسرارها، وعهد والده من بعده لابنه إبراهيم (أخي السفاح) الذي عرف فيما بعد بالإمام، وقد عمل على نجاح الدعوة فقوي أمره؛ فأظهر نفسه في الموسم فعرف، كما وقع كتابٌ وجَّهَه إلى أبي مسلم الخراساني في يد مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية؛ فأرسل إلى واليه على دمشق، فبعث من أخذه إلى حران (1) (قاعدة مروان) فسجن هناك، وكان قد أوصى من بعده لأخيه السفاح، وأمره أن يسير بأهله إلى الكوفة وذلك عام 129هـ.
      سار السفاح من الحميمة باتجاه الكوفة عن طريق دومة الجندل (2) ومعه من أهله ثلاثة عشر رجلاً هم أعمامه وأخواه، وأبناء إخوته وأبناء عمه..
      وفي الكوفة بُويِع له بالخلافة يوم الجمعة الثاني عشر من شهر ربيع الآخر عام 132هـ..
      وألقى أبو العباس على عادة الخلفاء لدى انتخابهم خطبة في مسجد الكوفة أوضح فيها الهدف الذي من أجله قامت الثورة العباسية وندد بالأمويين الذين وصفهم بمغتصبي الخلافة، ووعد الكوفيين الذين ساندوا الثورة، بزيادة أعطياتهم. (3)
      ولم ينس أن يذكرهم بأنه:"السفاح المبيح، والثائر المبير".. (4)


      عبد الله أبو جعفر المنصور 136هـ ـ 158هـ

      التعريف به:
      هو عبد الله بن محمد بن علي العباسي، أبو جعفر المنصور، ولد في الحميمة عام 95هـ، وأمه أم ولد تدعى سلامة، ترعرع في وسط المجتمع الهاشمي، وطلب العلم وهو شاب من مظانة وتفقه في الدين، ونال قسطًا من علم الحديث، فنشأ أديبًا فصيحًا ملمًا بسِيَر الملوك..
      انتقل أبو جعفر مع أخيه وأهله من الحميمة إلى الكوفة، وعندما أفضت الخلافة إلى أخيه أبي العباس، كان ساعده الأشد في تدبير أمور الخلافة، فولاه الجزيرة وأرمينيا وأذربيجان، ووجهه إلى خراسان لأخذ البيعة له، كما عهد إليه من بعده..
      توفي السفاح، وأبو جعفر في الحجاز أميرًا على الحج، فأخذ له البيعة ابن أخيه عيسى بن موسى في الأنبار، وكتب إليه بذلك..
      اتصف المنصور بالشدة والبأس، واليقظة والحزم والصلاح والاهتمام بمصالح الرعية، كَرِهَ سفك الدماء إلا بالحق، وعرف بالثبات عند الشدائد، ولا شك أن هذه الصفة كانت من أبرز الصفات التي كفلت له النجاح..
      الأوضاع الداخلية في عهد المنصور:
      عصيان عبد الله بن علي:
      تولى أبو جعفر المنصور الخلافة ولم تكن قد توطدت دعائمها بعد، وقد خشي من منافسة عمه عبد الله بن علي الذي كان يطلب الخلافة، كما انتابه الخوف من تعاظم نفوذ أبي مسلم الخراساني، ومن خروج بني عمه آل علي بن أبي طالب على حكمه فكيف واجه المنصور هذه المشاكل الثلاث؟
      الواضح أن الخليفة كان يجمع الجرأة وبُعد الهمة والمكر والدهاء، فعزم على ضرب أعدائه بعضهم ببعض، حتى تخلو له الساحة السياسية..
      كان لعبد الله بن علي رؤية خاصة في مشكلة الحكم، فهو بالإضافة إلى طمعه بالخلافة، فإنه انزعج من ابني أخيه أبي العباس وأبي جعفر بفعل ميلهم الشديد للفرس..
      وكان أبو جعفر على حقٍّ حين خشي من طموحات عمه الذي خرج غازيًا البيزنطيين في عهد أبي العباس على رأس جيش ضم عددًا كبيرًا من العرب، وعندما وصل إلى دلوك بنواحي حلب، علم بوفاة السفاح وبيعة المنصور، فتوقف عن الزحف، ورحل إلى حران حيث اجتمع بأركان حربه، وتقرر ترشيح نفسه للخلافة فبايعه الجند، ومن ثم راح يزحف متجهًا نحو الجزيرة.
      وهكذا استخدم عبد الله هذا الجيش الذي أعد أساسًا لغزو البيزنطيين لتحقيق أطماعه في الخلافة، مدعًيا أن أبا العباس أقامه وليًا لعهده حينما أرسله لقتال مروان الثاني..
      تصرف المنصور تجاه هذا الخطر تصرفًا حكيمًا، دلَّ على أنه لا يحكِّم العواطف في القضايا الأساسية، فندب أبا مسلم لقتاله رغم حقده عليه، مظهرًا بذلك براعة سياسية، لضرب أعدائه بعضهم ببعض، بالإضافة إلى أنه كان يأمل باستقطاب الخراسانيين في جيش عمه عن طريق حاكم خراسان الذي أبدى استعدادًا للتصدي لحركة التمرد..
      وتمكن أبو مسلم بدهائه السياسي والعسكري من التغلب على عبد الله بن علي في معركة جرت بينهما قرب نصيبين في منطقة الجزيرة، وفر عبد الله بعد هزيمته إلى البصرة ملتجئًا إلى أخيه سليمان بن علي، وظل متواريًا عنده إلى أن علم المنصور بذلك فأرسل يطلبه، وأعطاه من الأمان ما وثق به، وعندما جاءه قبض عليه وسجنه، وذلك عام 139هـ وظل مسجونًا حتى عام 147هـ حين قتله المنصور.. (10)
      كما نجح أبو جعفر المنصور في القضاء على أبي مسلم عام 137هـ، والطالبيين الخارجين عليه عام 145هـ (محمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم) وقد سبق الحديث عن هذه الحركات..
      الأوضاع الخارجية في عهد المنصور:
      العلاقة مع البيزنطيين:
      اتسمت الحروب بين المسلمين والبيزنطيين في عهد المنصور بالمهادنة إذ لم تتعد المناوشات الحدودية المحدودة وذلك يعود إلى اهتمام العباسيين بتدعيم مركزهم الداخلي.. بالمقابل كان اهتمام الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الخامس منصبًا على التجهيزات لحرب البلغار في البلقان من جهة، ومشكلة عبادة الأيقونات من جهة أخرى..
      حيال هذا الواقع، كان الخليفة العباسي يتطلع إلى إعادة بناء ما تهدم من حصون، وثغور مستغلاً الهدوء النسبي المتوقع..
      والواضح أن المنصور اتبع تجاه الدولة البيزنطية، السياسة التي تتفق مع الوضع الهجومي الذي نفذه الإمبراطور البيزنطي، وهي محاولة إيقاف الهجوم عن طريق إعادة تحصين الثغور، وترميم المخربة منها وإعادة بناء المهدمة، ثم تنظيم وسائل الدفاع عنها، والجدير بالذكر أن مناطق الثغور كانت تنقسم إلى قسمين:
      الأولى: منطقة الثغور الجَزَرِيَّة، وهي التي خصصت للدفاع عن الجزيرة أي شماليها، ومن أهم حصونها ملطية، المصيصة، ومرعش..
      الثانية: منطقة الثغور الشامية، وتقع غربي الثغور الجزرية، وقد خصصت للدفاع عن بلاد الشام، ومن أهم حصونها طرسوس وأذنة وعين زربة..
      لقد حصن المنصور هذه المناطق وخصصها بحكم إداري مستقل وحشد فيها آلاف المقاتلين والمرابطين، ومنحهم الإقطاعات، والمزارع وبني لهم البيوت والإصطبلات، وأنفق عليهم الأموال، ووضع لهم نظامًا عسكريًا ينفذونه..
      هذا وقد امتازت منطقة الثغور الشامية بأن الحملات التي كانت تخرج منها برية وبحرية في آنٍ واحد، وقد أدت أساطيل مصر والشام دورًا مشتركًا مهمًا انطلاقًا من هذه المنطقة..
      وبهذا النظام الثغري استطاع المنصور أن يضع حدًا لمطامع البيزنطيين.. (11)
      بناء مدينة بغداد:
      كان من بين أهم الأعمال التي قام بها الخليفة أبو جعفر المنصور،وتركت أثرها في مستقبل الدولة الخلافة العباسية، بناؤه مدينة بغداد والواقع أن تاريخ هذه المدينة باعتبارها قاعدة من القواعد الإسلامية يسير جنبًا إلى جنب مع قيام دولة الخلافة العباسية وسقوطها، وقد ظل العباسيون قبل ذلك ثلاثة عشر عامًا منذ وصولهم إلى الحكم دون عاصمة لملكهم حتى بنوا بغداد..
      لقد أدرك المنصور المخاطر التي أحاطت بدولته الناشئة، والتي تهدف إلى تقويض حكم الأسرة العباسية، لذا عمد إلى البحث عن مكان يكون ملائمًَا لعاصمة جديدة تكون تعبيرًا عن سيادة أسرته فاختار موضعًا عند التقاء نهر الصراة بنهر دجلة وأقام فيه مدينة بغداد..
      واسم بغداد مشتق على الأرجح من صيغة فارسية مركبة من كلمتين هما "باغ" و"داد" تعني عطية الله، وذكر المؤرخون والجغرافيون العرب عدة اشتقاقات لهذا الاسم، وسماها المنصور "مدينة السلام" تيمنًا بجنة الخلد، أو لأن وادي دجلة كان يقال له: وادي السلام، وكان هذا هو الاسم الرسمي الذي يذكر في الوثائق وعلى المسكوكات والأوزان..
      وقد شرع المنصور في بناء عاصمته عام 145هـ، وقد استغرق بناؤها أربعة أعوام تقريبًا انتهى عام 149هـ..
      ويعتبر المخطَّط الذي نفذه المنصور مبتكرًا، فقد جعل المدينة مستديرة تحيط بها أسوار مزدوجة تؤلف حلقتين متتابعتين، وهذا اتجاه جديد في فن بناء المدن الإسلامية، ويبدو أنه قد تأثر ببناء بعض المدن الفارسية القديمة مثل: همذان..
      شيدت مدينة بغداد على شكل حصن كبير وتألفت من ثلاثة عناصر معمارية هي: التحصينات، الأسوار الخارجية، ثم المنطقة السكنية الداخلية، وضم وسط المدينة قصر الخليفة والجامع وقصور أولاده ودواوين الحكومة، ولم يكن يُسمح لأحد بركوب الخيل أو غيرها من الدواب داخل المدينة الداخلية إلا للخليفة، وإن من يريد القصر عليه الترجل عند مداخل المدينة الداخلية، ويسير على الأقدام باستثناء المهدي، وداود بن علي عم المنصور الذي سمح له بأن يحمل في محفة نظرًا لمرضه..
      وعندما فرغ المنصور من بناء بغداد أقطع أهل بيته وأعيان دولته قطائع من الأرض بجوار الأبواب خارج مدينته، ومنح جنوده الأرباض ليبنوا عليها دورهم، وذلك رغبة في تخفيف الضغط عن المدينة من جهة، ومكافأة لهم على ما قدموه من الخدمات الجليلة من جهة أخرى، وسرعان ما عمرت القطائع وازدحمت بالسكان، وأضحت كل قطيعة تعرف باسم الرجل أو الطائفة التي تسكنها..
      ويظهر الأثر الفارسي في تخطيط المدينة، إذ فُصِل الخليفةُ عن الرعية، وجُعِل له مقامٌ سامٍ يصعب الوصول إليه،كما أن ضخامة القصر والإيوان تظهر روعة الملك، ثم إن فكرة الاستدارة، وحصر بيوت السكان في أحياء منفصلة، يمكن غلقها ليلاً وحراستها بصورة دقيقة، يشير إلى السلطة المطلقة المتأثرة بالفرس والتي تتعارض مع سماحة الإسلام وما عُرِف عن الأمويين..
      وبنى المنصور في عام 151هـ مدينة الرصافة أو بغداد الشرقية لابنه المهدي على الجانب الشرقي من دجلة مقابل مدينة بغداد الغربية، وقد عرفت باسم "عسكر المهدي"، وتعود الأسباب الاستراتيجية لتبرز من جديد في بنائها حيث وضع المهدي جنده فيها ليكون من في خارج مدينة المنصور عونًا في قمع الاضطرابات التي قد تنشب داخلها، ويبدو أن الخليفة أدرك أنه لن يكون آمنًا كل الأمن على نفسه بإقامته في بغداد، وجهزت الرصافة بسور وميدان وبستان وأجرى عليها الماء وربط بين المدينتين بثلاثة جسور على نهر دجلة، ومنح القواد فيها القطائع، وسرعان ما عمرت الرصافة حتى قاربت بغداد في الاتساع، وانتهى بناء الرصافة في عام 159هـ في عهد الخليفة المهدي.. (12)
      ولاية العهد:
      من الأحداث المؤثرة التي وقعت في عهد المنصور خلعه لابن أخيه عيسى بن موسى من ولاية العهد، وأخذه البيعة لابنه المهدي، بالرغم من أن هذا الأول كان قد أنفذ له ملكه أكثر من مرة، ويبدو أن الخليفة فكر في خلع ابن أخيه في بداية عهده، فيذكر الطبري أنه أوفد عيسى بن موسى لمحاربة العلويين وفي نيته أن يتخلص إما من ولي عهده ليحوِّل الخلافة إلى ابنه المهدي، أو من محمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم، وقال: ".لا أبالي أيهما قتل صاحبه"..
      لكن كبار رجال الدولة كانوا قد أقسموا في حياة السفاح على بيعة عيسى بن موسى، ولم يكن من السهل عليهم نقضها، ولم يكن ثمة مناص لتحللهم منها إلا بحمل عيسى بن موسى على الانسحاب طوعًا والتخلي عن ولاية العهد، ويبدو أنه لم يكن راغبًا في ذلك مما دفع المنصور إلى استعمال وسائل الترغيب والترهيب التي أدت بدورها إلى اضطراره إلى خلع نفسه، ومبايعة المهدي في عام 147هـ، وأضحت ولاية العهد للمهدي أولاً ثم لعيسى بن موسى من بعده..
      وأسرع المنصور فحمل الناس على بيعة المهدي، وأوصاه بوصية تكشف عن السياسة الرشيدة التي يجب عليه تطبيقها تجاه رعيته فحثه على الرأفة بهم، والسهر على راحتهم، وبسط العدل بينهم، والتقرب إلى الله بحسن السيرة وإجلال أهل العلم والدين، وعمارة الأرض وتخفيف الخراج، ونشر الإسلام والجهاد في سبيل إعلاء كلمته..
      وفي عام 158هـ تُوُفي المنصور، وهو في طريقه لأداء فريضة الحج... (13)


      هارون الرشيد170هـ ـ 193هـ


      التعريف به:

      هو أمير المؤمنين هارون الرشيد بن المهدي محمد بن المنصور أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، أبو محمد، ويقال: أبو جعفر، وأمه الخيزران أم ولد، بويع له بالخلافة بعد موت أخيه موسى الهادي سنة 170هـ بعهد من أبيه المهدي..
      روى الحديث عن أبيه وجده، وحدث عن المبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اتقوا النار ولو بشق تمرة"..
      وقد غزا الصائفة في حياة أبيه مرارًا، وعقد الهدنة بين المسلمين والروم بعد محاصرته القسطنطينية، وقد لقي المسلمون من ذلك جهدًا جهيدًا وخوفًا شديدًا، وكان الصلح مع امرأة ليون وهي الملقبة "بأغسطة" على حمل كثير تبذله للمسلمين في كل عام، ففرح المسلمون بذلك، وكان هذا هو الذي حدا بأبيه إلى البيعة له بعد أخيه في سنة 166هـ، ثم لما أفضت إليه الخلافة في سنة 170هـ كان من أحسن الناس سيرة، وأكثرهم غزوًا وحجًا... (14)
      ولهذا قال فيه أبو المعالي الكلابي:
      فمن يطلب لقاءك أو يرده فبالحرمين أو أقصى الثغور
      ففي أرض العدو على طمر وفي أرض الترفه فوق كور
      وما حز الثغور سواك خلق من المتخلفين على الأمور (15)
      كان الرشيد يصلي في كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق لدنيا إلا أن تعرض له عِلَّة، وكان يتصدق من صلب ماله في كل يوم بألف درهم بعد زكاته، وكان إذا حجَّ حج معه مائة من الفقهاء وأبنائهم، وإذا لم يحج أحجَّ ثلاثمائة رجل بالنفقة السابغة والكسوة الباهرة... (16)
      كان يحب التشبه بجده أبي جعفر المنصور إلا في العطاء، فإنه لم ير خليفة قبله كان أعطى منه للمال ثم المأمون من بعده، وكان لا يضيع عنده إحسان محسن، ولا يؤخر ذلك في أول ما يجب ثوابه، وكان يحب العلم وأهله، ويعظم حرمات الإسلام، ويبغض المراء في الدين، والكلام في معارضة النص ويقول: هو شيء لا نتيجة له وبالحري ألا يكون فيه ثواب..
      وبلغه عن بشر المريسي القول بخلق القرآن، فقال: لئن ظفرت به لأضربنَّ عنقه، كما قتل الرشيد رجلاً آخر قال بخلق القرآن، وحدثه أبو معاوية يومًا عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بحديث احتجاج آدم وموسى، فقال عَمُّ الرشيد: أين التقيا يا أبا معاوية؟ فغضب الرشيد من ذلك غضبًا شديدًا، وقال: أتعترض على الحديث؟ عليَّ بالنطع (17) والسيف، فأحضر ذلك فقام الناس يشفعون فيه؛ فقال الرشيد: هذه زندقة ثم أمر بسجنه، وأقسم أن لا يخرج حتى يخبرني من ألقى إليه هذا، فأقسم عمه بالأيمان المغلظة ما قال هذا له أحد، وإنما كانت هذه الكلمة بادرة مني، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه منها؛ فأطلقه... (18)
      وقد قال له بعض أهل العلم يومًا: يا أمير المؤمنين انظر هؤلاء الذين يحبون أبا بكر وعمر، ويقدمونهما فأكرمهم بعز سلطانك، فقال الرشيد: أولست كذلك؟! أنا والله أحبهم، وأحب من يحبهم، وأعاقب من يبغضهما..
      دخل عليه ابن السماك يومًا؛ فاستسقى الرشيد فأُتِيَ بقُلة فيها ماء مبرد، ثم قال لابن السماك: عظني، فقال: يا أمير المؤمنين !!
      بكم كنت مشتريًا هذه الشربة لو مُنِعْتَها؟ فقال: نصف ملكي، فقال: اشرب هنيئًا، فلما شرب قال: أرأيت لو منعت خروجها من بدنك بكم كنت تشتري ذلك؟ قال: بنصف ملكي الآخر، فقال: إن ملكًا قيمة نصفه شربة ماء، وقيمة نصفه الآخر بولة، لخليق أن لا يُتَنَافس فيه.. فبكى هارون الرشيد.. (19)
      كان الرشيد يحب المديح ولا سيما من شاعر فصيح ويشتريه بالثمن الغالي، فقد ذكر أن مروان بن أبي حفصة دخل عليه ذات يوم فأنشده شعره الذي يقول فيه:
      وسُدت بهارون الثغور فأحكمت\\\ به من أمور المسـلمين المرائـــرُ
      وما انفك معقودًا بنصر لـواؤه\\\ له عسكر عنه تُشَظَّى العسـاكـرُ
      وكل ملوك الروم أعطـاه جزية \\\على الرغم قسرًا عن يدٍ وهو صاغرُ
      إلى آخر الأبيات، فأعطاه خمسة آلاف دينار، وكساه خلعته، وأمر له بعشرة من رقيق الروم، وحمله على برذون من خاص مراكبه. (20)
      تعظيمه لأهل العلم:
      لقد كان الرشيد معظمًا لأهل العلم محبًا لهم، فقد روى أبو معاوية الضرير قائلاً: ما ذكرتُ عنده ـ أي الرشيد ـ حديثًا إلا قال صلى الله عليه وسلم على سيدي، وإذا سمع فيه موعظة بكى حتى يبلَّ الثرى، وأكلت عنده يومًا، ثم قمت لأغسل يدي فصبَّ علي الماء وأنا لا أراه، ثم قال: يا أبا معاوية أتدري من يصب عليك الماء؟ قلت: لا.. قال: يصب عليك أمير المؤمنين قال أبو معاوية: فدعوت له، فقال: إنما أردت تعظيم العلم. (21)
      الأوضاع الداخلية في عهد الرشيد:
      العلاقة مع الطالبيين:
      أراد الرشيد في مستهل حكمه أن يستميل الطالبيين عن طريق الرفق بهم بعد سياسة الهادي العنيفة تجاههم، فمال إلى التساهل، والتعاطف معهم، وبذل لهم الأمان، ورفع الحَجْر عمَّن كان منهم في بغداد، وأعادهم إلى المدينة باستثناء العباس بن الحسن بن عبد الله، وعزل والي المدينة الذي اضطهدهم. (22)
      لكن الطالبيين لم يُعدِّلوا اعتقادهم الراسخ بأحقيتهم بالخلافة ولم يتوقفوا عن النضال في سبيل الوصول إليها، ومن أجل ذلك لم يدم الصفاء بين الجانبين العباسي والعلوي، وعاد الصراع عنيفًا بينهما..
      وكانت موقعة "فخ" بعيدة الأثر، فقد نجا منها اثنان من زعماء الطالبيين هما: إدريس بن عبد الله بن الحسن، وقد ذهب إلى إفريقية، وأخوه يحيى الذي يمم وجهه شطر بلاد الديلم في المشرق..
      أما إدريس فقد استقر في إقليم طنجة بالمغرب الأقصى، وحظي بالتفاف البربر حوله، وأقام لنفسه دولة مستقلة هي دولة الأدارسة، وهي أول دولة طالبية تنفصل عن جسم الخلافة العباسية..
      لقد هددت هذه الدولة النفوذ العباسي في شمالي إفريقية؛ لذلك قرر الرشيد القضاء عليها، ولكنه تردد في إرسال جيش بفعل بُعْدِ المسافة، وخشيته من امتداد نفوذ إدريس إلى مصر وبلاد الشام إن هو تغلب على الجيش العباسي، وبالتالي القضاء على دولة الخلافة العباسية..
      فلجأ عندئذ إلى الحيلة ليتخلص من إدريس، ووقع اختياره على رجل مشهور بالدهاء هو سليمان بن جرير المعروف بالشماخ، فاستخدمه لاغتياله، وفعلاً تمكن هذا الرجل من قتل إدريس بالسم في عام 177هـ..
      ولكن موته لم يقضِ على دولة الأدارسة فقد كان متزوج من أمة بربرية، حملت منه فانتظر أتباعه حتى وضعت، وكان مولودًا ذكرًا فأسموه إدريس، ولما بلغ الحادية عشرة من عمره ولاه البربر أمورهم وبايعوه بالخلافة، وأصبح المؤسس الحقيقي لدولة الأدارسة في المغرب..
      وعندما ازداد خطر هذه الدولة أقطع الرشيد إبراهيم بن الأغلب ولاية إفريقية ليقف في وجهها. (23)
      وأما يحيى فقد اشتدت شوكته في بلاد الديلم، وقوي أمره بمن التف حوله من الأتباع، ثم أعلن خروجه في عام 176هـ (24) وبذلك هدد يحيى دولة الخلافة العباسية وأقلق بال الرشيد، ومما أعطى حركته قوة، بُعْدَ المنطقة التي خرج فيها عن بغداد، ومناعتها الطبيعية..
      واستقر رأي الخليفة على القضاء على حركة يحيى، فندب الفضل بن يحيى البرمكي لهذه الغاية الذي نجح في استمالته، بعد أن انفضَّ أتباعه من حوله، فمال إلى الصلح على أن يكتب له الرشيد أمانًا بخطه على نسخة يبعث بها إليه، فكتب الفضل بذلك إلى الرشيد؛ فسره وعظم موقعه عنده وكتب أمانًا ليحيى بن عبد الله أشهد عليه الفقهاء والقضاة وجِلَّة بني هاشم ومشايخهم، واستقبله الرشيد في بغداد.. (25)
      ويبدو أن الخليفة لم يطمئن إلى نوايا يحيى، وأدت الحاشية دورًا في إفساد العلاقة بينهما، فوضعه تحت رقابة الفضل بن يحيى وقد أثر يحيى عليه حتى أطلقه بدون علم الخليفة وذهب إلى الحجاز، ثم بلغ الرشيد أن يحيى يدعو إلى نفسه في الحجاز، فوافق ذلك ما كان في نفسه، فقبض عليه وسجنه ثم قتله..
      وكان الرشيد يراقب تحركات الطالبيين في الحجاز، فعلم بالتفاف الناس حول الإمام موسى الكاظم بن جعفر، وأنهم يحملون إليه خُمْسَ أموالهم، وهذا يعني أنهم يعتقدون بإمامته، فقبض عليه وسجنه، وتوفي عام 183هـ، والراجح أنه قُتِل..
      حركة الخوارج:
      لم يكن الاضطراب الذي ساد بعض أجزاء دولة الخلافة العباسية ناشئًا عن حركات الطالبيين وحدهم، بل وُجِدَ فريقٌ من المسلمين أنكر على الخلفاء العباسيين استبدادهم، وخروجهم على الأحكام الشرعية، وهؤلاء هم الخوارج الذين نشطوا في عهد الرشيد في منطقة الجزيرة في عام 178هـ، بقيادة طريف الشاري وبسطوا هيمنة فعلية على أرمينيا وأذربيجان، وهددوا السواد في العراق على نهر ديالي، ووصلوا إلى حلوان..
      اهتم الرشيد بأمر هذه الجماعة فأرسل قوة عسكرية في عام 179هـ، بقيادة يزيد بن مزيد الشيباني اصطدمت بها في حديثة الفرات على بعد فراسخ من الأنبار، وقضت عليها وعلى زعيمها. (26)
      الاضطرابات في أفريقية:
      سادت الاضطرابات في أإفريقية اعتبارًا من عام 171هـ بفعل خروج الخوارج وقادة الجند والبربر، فأرسل الرشيد هرثمة بن أعيَن واليًا على إفريقية، وأمره بقمع الانتفاضات وتوطيد الأمن، فنجح في مهمته، ودخل القيروان وأمَّن الناس..
      ويبدو أن الخلافات بين الفئات الإسلامية المتعددة كانت واسعة فتجددت القلاقل، ولم يتمكن هرثمة من رأب الصدع، فعزله الخليفة بناء على طلبه عام 180هـ، كما لم يتمكن الولاة الذين جاؤوا من بعده من السيطرة على الموقف فاستغل إبراهيم بن الأغلب عامل إقليم الزاب (في الجزائر اليوم) هذه الأوضاع القلقة، وطلب من الخليفة توليته على إفريقية، ووعده بتهدئة الوضع..
      استجاب الخليفة لطلب عامله وعهد إليه بالولاية على أفريقية عام 184هـ، ونجح إبراهيم في تحقيق الاستقرار متبعًا في ذلك سياسة معتدلة، وازدهرت إفريقية في عهده، وشهدت حركة عمرانية واسعة ونشاطًا اقتصاديًا كبيرًا، وقد مهَّد إبراهيم هذا لقيام دولة الأغالبة التي ما لبثت أن استقلت عن الإدارة المركزية في بغداد واتخذت القيروان حاضرة لها.. (27)
      الاضطرابات في المشرق:
      أطلق الرشيد يد عماله على الأقاليم ولم يتهمهم في تصرفاتهم فاشتاط بعضهم،
      وحجَّ الرشيد في عام (186هـ/ 802م) واصطحب معه ولديه لتنفيذ ما اتفق عليه.. فأخذ العهد عليهما بألا يتدخلا في شؤون بعضهما البعض، وفي شؤون أخيهما المؤتمن.. وعلَّق نسخة من العهد في فناء الكعبة ليزيد في قدسيته وليؤكد تنفيذه..
      خرج الرشيد من بغداد في عام (193هـ/ 808م) قاصدًا خراسان لوضع حَدٍّ لثورة رافع بن الليث، واستخلف ابنه محمد الأمين على بغداد، واصطحب معه ابنه عبد الله المأمون، وكان الرشيد يشكو من عِلَّة في بطنه ويرتدي حزامًا من حرير لتسكين الألم، ولما وصل إلى طوس في شهر صفر، اشتدت عليه العلة حتى عجز عن القيام..
      وتوفي ليلة السبت لثلاث خلون من شهر جمُادَى الآخرة 193هـ/ شهر آذار عام 809م..


      شبهات حول الخليفة العباسي هارون الرشيد:

      عندما نقرأ في تاريخ القادة والزعماء الأوروبيين، وأصحاب الإمبراطوريات والممالك، لا نجد أحدًا من المؤرخين يلقى بالاً للسيرة الشخصية، أو يُعْنَى بتفاصيلها لواحد من الملوك أو الأباطرة، فلا يحكم على الرجل إلا بما قام من أعمال عامة تضر بالدولة أو ترفع من شأنها..
      أما التاريخ الإسلامي فإننا نرى العجب في العناية بالسير الخاصة والأخلاق الشخصية المحضة للأعلام البارزين في تاريخ المسلمين، حيث يدخلون معهم في حجرة نومهم، ويتبعونهم في مجالسهم الخاصة ليسردوا من أخبارهم التي تستمد ـ غالبًا ـ من محض الخيال الذي يشتهي الحط من شأن تلك الشخصيات، أو من طريق الخدم الذين لا يُعتمد على أخبارهم، لأن أخبارهم لا تعدوا أن تكون أخبار آحاد، دفعتهم أغراض خاصة للتوسع في هذه الشائعات الكاذبة..
      ومن هذا النوع ما ذكروه عن الخليفة العباسي هارون الرشيد، قالوا: إنه كان يتعاطى الخمر، ويسكر مع الندماء، وأبرزوه ـ على صفحات التاريخ ـ في صورة العِرْبيد الذي لا يفيق، وأفاضوا في الحديث عن وصف مجالس اللهو والمجون التي كانت تُعقد في قصره إلى طلوع الشمس حتى التصقت قصة ألف ليلة وليلة بحياة الرشيد..
      دفع الشبهة:
      فإذا كان الفتى ابن بيئته، فإننا نجد أن الرشيد وُلِد، وتربى في بيت يحرص أهله على التقيد بأحكام الشريعة الإسلامية، حيث كان جده أبو جعفر المنصور من كبار فقهاء عصره، وكان أبوه محمد المهدي من أشد الخلفاء طاعة لرجال الدين، وأعنفهم على الزنادقة والمارقين، أما أساتذته فإنه درس على أيدي كبار الشيوخ الذين عرفوا بالورع والتقوى، أمثال: علي بن حمزة الكسائي أحد شيوخ القراءات السبع، وإمام أئمة أهل الكوفة في اللغة والنحو والأخبار، كما جالس ـ في شبابه ـ فقهاء عصره، الذين منهم: أبو يوسف القاضي صاحب الإمام أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، وغيرهما من العلماء والقضاة، وظل على صلة وثيقة بهم حتى آخر أيامه..
      وعلى الرغم من أن المصادر الموثوق بها من كتب التاريخ أبرزت جانب الصلاح والتقوى لهارون الرشيد، إلا أن بعض هذه المصادر اعتمدت على الروايات المدسوسة التي تغض من كرامة الرشيد، وتحط من قدره..
      ولننظر مثلاً إلى قول إمام من أئمة المؤرخين المسلمين ألا وهو ابن خلدون حيث قال بعد ما ذكر حديث المفترين على الرشيد: "وأين هذا من حاله وقيامه بما يجب لمنصب الخلافة من الدين والعدالة، وما كان عليه من صحبة العلماء والأولياء، ومحاورته للفضيل بن عياض، و ابن السماك، والعمري، ومكاتبته لسفيان الثوري وبكاؤه من مواعظهم، ودعاؤه بمكة في طوافه، وما كان عليه من المحافظة على أوقات الصلاة، وشهود صلاة الصبح لأول وقتها"..
      ثم يقول: حكى الطبري وغيره أنه كان يصلي في كل يوم مائة ركعة نافلة، وكان يغزو عامًا ويحج عامًا..
      أما ابن الأثير فإنه ينقل المناقضات والأخبار المتضاربة عن الرشيد فيقول في مجونه عندما تحدث عن نكبة البرامكة، كما أنه كان لا يصبر عن جعفر بن يحيى البرمكي، كما أنه كان لايصبر عن أخته عباسة بنت المهدي، وكان يحضرهما إذا جلس للشراب"..
      بينما يذكر في مكان آخر هذه العبارة: "كان الرشيد يصلي كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا إلا من مرض، وكان يتصدق من صلب ماله كل يوم بألف درهم بعد زكاته، وكان إذا حج أحج ثلاثمائة رجل بالنفقة السابغة والكسوة الظاهرة، وكان يحب الشعر والشعراء، ويميل إلى أهل الأدب والفقه، ويكره المراء في الدين"..
      ويستمر ابن الأثير يقدم الأدلة على تقوى الرشيد وورعه فيقول: "إن الرشيد اعتمر في شهر رمضان وعاد إلى المدينة عام 179هـ وأقام بها إلى وقت الحج، وحج بالناس ومشى من مكة إلى منى ثم منها إلى عرفات، وشهد المشاعر كلها ماشيًا على قدميه"... (28)
      ومن المتناقضات العجيبة في كتب التاريخ أيضًا ما ذكره ابن طباطبا الشيعي في كتابه "الفخري في الآداب السلطانية" حيث قال: "إن الرشيد لما أراد أن يقتل جعفر بن يحيى البرمكي أرسل إليه مسرورًا الخادم ليقتله، فلما دخل مسرور على جعفر، وأخبره بأمر الرشيد، وقع على قدميه، وقال له: عَاوِدْ أمير المؤمنين، فإن الشراب قد حمله على ذلك"..
      وهذا القول واضح في الدلالة على أن الرشيد كان يشرب الخمر..
      ولكننا نرى بعد ذلك بصفحة واحدة قولاً آخر عن ابن طباطبا يناقض قوله السابق حيث قال: "إن الرشيد كان قد أقام الحدَّ على ابنه المأمون في جارية وُجِدَ معها... أو في خمر شربه"..
      فتأمل معي أيها القارئ الكريم ما بين الروايتين من التناقض: إذ كيف يبيح الرشيد لنفسه شرب الخمر، ثم يقيم الحد على ابنه في شربها؟!
      المستشرقون ينصفون الرشيد:
      في الوقت الذي يتناقض فيه المؤرخون العرب في أمر الرشيد، ولا يقطعون برأي في الحكم عليه، نجد أحد المستشرقين لم يطاوعه قلمه ليخوض فيما خاض فيه المؤرخون المسلمون بالنسبة لهارون الرشيد وترفَّع ـ بعقله وعلمه ـ عن الهوى النازل عن مستوى الشرفاء..
      هذا المستشرق هو: ل.أ. سيدبو في كتابه "تاريخ العرب العام" حيث قال في الرشيد ما يأتي: "وكان الرشيد ـ وهو المتدين المتصدق ـ قائمًا بجميع الفروض، كأشد المسلمين إيمانًا، وكان لصفات الرشيد العالية، أبلغ الأثر في العرب، ولا يزال مجد الرشيد يتألق في سماء المشرق بأسطع نور". (29)
      شهادة الفضيل بن عياض لهارون الرشيد:
      وتلك شهادة عالم ناسك من أهل الورع والتقوى كان معاصرًا للرشيد، نقلها أبو المحاسن في كتابه"النجوم الزاهرة" حيث قال: "قال عبد الرازق بن همام: كنت يومًا مع الفضيل بن عياض بمكة، فمَرَّ هارون الرشيد، فقال الفضيل: الناس يكرهون هذا، وما في الأرض أعز عليَّ منه "لو مات لرأيت أمورًا عظامًا"..
      ويذكر السيوطي: أن الرشيد كان من عادته في كل حجة يحجها، أن يوزع أموالاً طائلة وصدقات عظيمة على سكان الحرمين الشريفين وفقراء الحجيج.. ثم يقول: "ولم يسبقه في مثل هذا خليفة قبله، وربما كان السبب في عنايته بالحج واهتمامه بالترفيه عن أهل مكة المكرمة والمدينة المنورة، أنه قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام قبل توليته الخلافة؛ فقال له: إن هذا الأمر صائر إليك، فاغزُ، وحِجَّ، ووَسِّعْ على أهل الحرمين"..
      مظاهر تدين الرشيد:
      لم يكن التدين في سلوك الرشيد صلاة يظهر بها أمام الناس، أو حجًا يباهي به في كل موسم أو صدقات يعلنها ليمدحه رجال الدين.
      وإنما كان الوازع الديني يقظًا في سر الرشيد وعلانيته، ويتمثل ذلك في تصرفاته وحرصه على سيطرة الدين في المجتمع الإسلامي بالصور الآتية:

      فقد كان ـ لشدة تمسكه بالدين ـ يكره المراء والجدل فيه ويقول: "إن الجدال في الدين شيء لا فائدة فيه.. وبالأحرى لا ثواب فيه"..
      وسمع أن رجلاً يقول بخلق القرآن، فأحضره وسأله عما قيل عنه؛ فاعترف الرجل برأيه في القرآن بأنه مخلوق؛ فضرب عنقه في الحال"..
      ولقد وصل كرهه للجدل في الدين حدًا جعله يفهم أن كثرة المناقشة في المسائل الدينية تسبب التشويش والخلط عند البسطاء من العامة، فتفتح عليهم طرق الانحراف بالدين عن وجه الصواب..
      بل وصل به الأمر إلى وضع العلماء الذين عُرِفُوا بالجدل في السجن حتى لا ينشروا البلبلة والتردد في المسائل الدينية..

      ظل الرشيد يحول بين علماء الكلام وبين عامة الناس حتى تبين له أنه في حاجة إلى مثل هؤلاء العلماء للدفاع عن الدين بتفوقهم في الجدل، وقدرتهم على إقامة الحجة، وقد ظهرت له هذه الحقيقة بسبب القصة الآتية: وهي أن أحد ملوك السند طلب من الرشيد أن يبعث إليه من يناظره في الدين الإسلامي ليرى فيه رأيه، فبعث إليه الرشيد أحد القضاة، وجرت بين هذا القاضي وبين رئيس علماء السند مناظرة أمام الملك، حيث سأل كبير علماء السند قاضي المسلمين قائلاً: أخبرني عن معبودك: هل هو القادر؟ قال القاضي: نعم، قال السندي: قادر على أن يخلق مثله؟ فامتنع القاضي عن الإجابة، وقال: هذه المسألة من علم الكلام وهو بدعة، وأصحابنا ينكرونه فاتجه السندي للملك، وقال له: قد كنت أعلمتُك دينهم، فكتب ملك السند بذلك إلى الرشيد فغضب غضبًا شديدًا، وقال: أليس لهذا الدين من يناضل عنه؟! فقالت الحاشية: بلى يا أمير المؤمنين هم الذين نهيتهم عن الجدل فيه، وألقيت جماعة مهم في السجن؛ فقال: أحضروهم، فلما حضروا سألهم: ما تقولون في هذه المسألة؟ فقال أحدهم: هذا السؤال محال لأن المخلوق لا يكون إلا محدثًا، والمحدث لا يكون مثل القديم، فقد استحال أن يقال: يقدر أن يخلق مثله أو لا يقدر، كما استحال أن يقال: يقدر أن يكون عاجزًا أو جاهلاً، فاختار الرشيد أحد هؤلاء العلماء فأرسله إلى ملك السند، ثم أطلق سراح العلماء المسجونين، واختار من بينهم حاشيته وفي مقدمتهم "ثمامة بن الأشرس"..

      يروي ابن قتيبة أن الرشيد ـ عندما حج في عام 174هـ ـ حضر مجلسه في المدينة الإمام مالك بن أنس، وقال له: "إن أباك يا أمير المؤمنين بعث إليّ في هذا المجلس، كما بعثت إليّ، وحدثته بما حدثتك به من شأن أهل المدينة، وما يصبرون عليه من البلاء وشدة الزماة وغلاء الأسعار، صبرًا على ذلك واختيارًا لجوار الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فقال الرشيد: ذلك أبي وأنا ولده، وسوف أفعل ما فعل، وأمر في الحال لأهل المدينة بعشرة أبيات مال، وهو ما كان أمر لهم به أبوه، ثم قال الرشيد للإمام مالك: ما تقول في منبر الرسول صلى الله عليه وسلم هذا، فإني أريد أن أنزع ما زاد فيه معاوية بن أبي سفيان وأرده إلى الثلاث درجات التي كانت على عهد رسول الله؟ فقال مالك: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإنما هو من عود ضعيف قد تخرمته المسامير، وقد ذهب أكثره، ومع هذا يا أمير المؤمنين فإنك لو أعدته إلى ثلاث درجات لم آمن عليه أن ينتقل من المدينة، إذ قد يأتي بعدك أحد فيقول: أو يقال له: ينبغي لمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون معك حيث كنت، فإنما المنبر للخليفة؛ فيُنقَل ـ كما نقل من المدينة ـ كل ما كان بها من آثار النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه ما تُرِك له بها نعلٌ ولا شعرٌ، ولا فراش، ولا عِصِي ولا قدح ولا شئ مما له هنا من آثار..
      فأطاعه الرشيد وانتهى عن تغيير منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم..

      خصوم الرشيد وأصدقاؤه اتفقوا على أنه كان أرقَّ الخلفاء وجهًا وأكثرهم حياءً، وأخشعهم قلبًا، وأغزرهم دمعًا عند سماع الموعظة الحسنة وكثيرًا ما كان يسمع بواعظ زاهد فيعمل على اللقاء معه فيرسل إليه، فإن لم يحضر ذهب إليه بنفسه ليسمع منه ما يبكيه بين يديه؛ من ذلك ذهابه إلى زاهد عصره الفضيل بن عياض. (30)
      لماذا كان الرشيد يبكي عند كل موعظة؟
      كان الرشيد يبكي عند كل موعظة بسبب:
      ـ تأثره بالموعظة المخلصة التي تنبع من قلب رجل مخلص أو عالم زاهد..
      ـ لعل الرشيد وقد كانت الدنيا كلها بين يديه كان يأخذ حظه مها ويندفع في استمتاعه بها، اندفاع أمثاله من أصحاب الملك والسلطان، ثم ينازعه بعد ذلك شعوره الديني، ويستيقظ ضميره فيداخله الخوف من الله ويتوقع العقاب العاجل فيتراجع عن زخارف الدنيا، ويتذكر ما وقر في نفسه من تتبعه لحياة الزاهدين، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتمثل الدنيا بمتاعها الفاني، فيخشى أن يضيع عليه المتاع الباقي في الآخرة، وهنا يطلب خاصته أن يحضروا أحد الزهاد من العلماء المعروفين ليعيد إليه شعوره المبدد ويعطيه شحنة من الإيمان بالله، ويفتح له أبواب الرجوع إلى الله، فحين يحضر إليه من يثق به من أهل الصلاح والتقوى يقول له: عظني، فيعظه بمنطق سليم، وبيان عذب، وديباجة رقيقة، فيخشع قلبه، ويمتليء صدره بالإيمان، وتدمع عيناه؛ فترتاح بعد ذلك نفسه..

      يروي أبو معاوية الضرير، محمد بن حازم فيقول: كنت أجالس الرشيد وأروي له، الأحاديث فما ذكرت أمامه كلمة "النبي صلى الله عليه وسلم" إلا سمعته يقول: صلى الله على سيدي رسول الله..
      كما ذكر ابن كثير أيضًا أنه يروي في خطبته الأحاديث النبوية بأسانيدها، وأن عددًا من الناس أخذوا عنه تلك الأحاديث، أمثال سليمان الهاشمي، ونباتة بن عمرو وغيرهما..
      ولعل هذا يبدو غريبًا عند من يعرف أن الرشيد لم تسعفه الظروف بنصيب وافر من العلم في صغره، بسبب انشغاله بالغزو والجهاد، وتولى بعض شئون الإدارة من بداية نشأته، ولكن نزعته الشديدة إلى تحصيل العلم ورغبته الملحة في الاستزادة من المعرفة، كانت تدعوه إلى انتهاز الفرص للقراءة والمطالعة ومجالسة العلماء، وسؤالهم عن كل ما يخفي عليه جعلته يكتسب ثروة كبيرة من الثقافة العامة..
      ولم يقف عند هذا الحد من حرصه على بلوغ الغاية المرجوة من العلم في خلافته، بل زادت عنايته بمجالسة العلماء، وشعر بلذة شديدة في سماع مناقشة العلماء والفقهاء، وارتياحه إلى إشارات الزُّهَّاد والنُّسَّاك؛ فدعاه كل ذلك إلى أن يعقد في قصره ندوات يحضرها أقطاب العمل وأهل الورع، فكانت تلك المجالس والندوات أشبه بمدرسة تلقَّى فيها الرشيد قدرًا وافرًا من الثقافة والمعرفة تناسب مع ما عرف به عصره من النهضة الحضارية التي بلغت أَوْجَ عزها في مختلف المجالات. (31)
      يتضح مما سبق أن الرواة الذين تحدثوا عن مجون الرشيد وفسقه، هم بأنفسهم رواة تعبده وتهجده فكيف جاز في أذهانهم أن حياة امريء مسئول تتسع لهذين اللونين من الحياة مع وضوح الأدلة على تقواه، وظهورها لكل ذي عينين؟!!
      أما لون حياته الآخر ـ وهو حياته الشخصية بعيدًا عن الناس ـ فكان سرًا لا يعلمه أحد، ومن هنا ـ ومن هذا الباب ـ يسهل الافتراء على أي إنسان ما دام الافتراء لا يحتاج إلى بينة..
      ويقول الدكتور شَعْوَط: ويغلب علي الظن أن الذي تولى كبر هذا الدس في حياة الرشيد هم جماعة الشيعة الذين كانوا حريصين على تلويث تاريخ الشخصيات العظيمة من العباسيين حتى يتقربوا إلى العلويين وآل البيت..
      كما أن هناك طائفة أخرى من الشعوبيين الفرس، الذين أصابتهم نكبة البرامكة بالحرمان من النفوذ والعطاء، فأخذوا يتقولون على الرشيد ما لم يقله، وينسبون إليه ما لم يفعله من الأمور التي تزري به، وتطمس محاسنه من صفحات التاريخ. (32)
      1ـ كراهيته لعلماء الكلام: 2ـ انقياده للصواب كلما تبين له وجه الحق: 3ـ حرصه على تراث المدينة وبره بأهلها: 4ـ بكاؤه عند الموعظة الحسنة: 5ـ شدة حبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإتقانه لرواية الحديث:

      أبو موسى محمد الأمين 193 – 198 – هـ /809 – 813 مـ:

      التعريف به:
      هو محمد الأمين بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن المنصور، أبو موسي الهاشمي العباسي وأمه أم جعفر زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، وُلِدَ بالرصافة عام ( 170 هـ / 786 م2) بويع له بالخلافة بعد وفاة والده الرشيد وبعهد منه. اشتهر بحسن الأدب، وكان عالما بالشعر، فصيح اللسان لكن غلب عليه الهوى واللعب وضعف الشخصية، وتأدَّب على الكسائي وقرأ عليه القرآن.اشتُهِرَ بحبه لأصحابه وعطفه عليهم، ولكنه فشل كقائد وكحاكم.
      أسباب النزاع بين الأمين والمأمون:
      ترجع جذور النزاع بين الأخوين الأمين والمأمون إلى ثلاثة أسباب هي: مشكلة ولاية العهد – الصراع العنصري العربي والفارسي – أطماع الحاشية.
      مشكلة ولاية العهد:
      تعتبر هذه المشكلة أحد أقوى الأسباب بفعل الطموح إلى السلطان، والعوامل النفسية التى انتابت الأمين تجاه أخويه، فكان الباديء بنقض بنود العهد، واتخذ عدة خطوات كانت كفيلة بتفجير الوضع، منها: محاولاته في بادئ الأمر، بسط نفوذه على ولايات أخويه، ثم تقديم ابنه موسى عليهما في البيعة.
      في الوقت الذي كتب فيه والده العهد عليه وعلى أخيه المأمون وعلقه في فناء الكعبة، نوى الأمين الغدر. إذ عندما طلب منه جعفر البرمكي أن يحلف بعدم نقض البيعة أجابه إلى ذلك: " خذلني اللهُ إن خذلتُه " ورددها ثلاث مرات. ولما خرج قال للفضل بن الربيع "يا أبا العباس، كنت أحلف وأنا أنوي الغدر "
      تصريحات الأمين حين عزم على خلع المأمون ومبايعة ابنه موسى إذ قال ليحيي بن سليم الذي استشاره في هذا الأمر، وحاول أن يثنيه عن عزمه " إن رأي الرشيد كان فلتة شبهها عليه جعفر بن يحيي بسحره واستماله بِرُقَاه، فغرس لنا غرسا مكروها لا ينفعنا ما نحن فيه إلا بقطعه، ولا تستقيم لنا الأمور إلا باجتثاثه والراحة منه،وقال للفضل بن الربيع يوما: " ويلك يا فضل، لا حياة مع بقاء عبد الله وتعرضه، ولابد من خلعه.."
      نستنتج من ذلك أن نية الغدر كانت موجودة عند الأمين، ومبيتة في نفسه منذ اللحظة الأولى، التى عين فيها والده أخاه المأمون وليًّا للعهد من بعده، وهذه المشكلة،هي التى فجرت النزاع بين الأخوين، وقد كان ما بينهما متباعدا في حياة أبيهما،فلما مات لم يُرِدْ أحدهما الآخر، أما المأمون فظل قابعا فى خراسان لم يبرحها، وأما الأمين فقد خشي عاقبة هذا الاعتكاف، فكان طبيعيا أن تسوء ظنون الأخوين أحدهما بالآخر.
      صراع الحزبين العربي والفارسي:
      أخذت ملامح الدور السياسي الذي أداه كل من الفضل بن سهل كاتب المأمون ومدبره الذي مثل العنصرية الفارسية في الإدارة العباسية، والفضل بن الربيع الذي مثَّل التطلعات العربية، تظهر بشكلها المحدد في الفترة التي سبقت وفاة الرشيد مباشرة.
      فأخذ الأول، مدفوعا بنزعته العنصرية، وخشيته من وفاة الرشيد بعد تفاقم مرضه يسعى ليضمن حق المأمون في الخلافة، ويحميه من استبداد أخيه وحاشيته، ولعل أول خطوة أقدم عليها لتحقيق آماله أنه أقنع المأمون بمرافقة والده إلى خُرَاسان ليلتمس فيها الأنصار، وليبعده عن سطوة الأمين وحزبه.
      وانكشفت نوايا كل من الطرفين بعد وفاة الرشيد، وظهر التناقض بينهما واضحًا في وجهات النظر السياسية، وكان الرشيد، لدى اشتداد المرض عليه، قد جدَّد البيعة للمأمون بعد الأمين.. ولما علم الأمين بشدة مرض والده أرسل بكرا بن المعتمر إلى خراسان ومعه كتب ظاهرها عيادة والده، وباطنها أمر إلى القوم بالعودة إلى بغداد مع الأعتدة.
      ولم يتردد الفضل بن الربيع وكان على نفقات الرشيد وتدبير أموره، في العودة بالعسكر والأعتدة بعد وفاته، ولم يُعَرِّج على المأمون، ولم يلتفت إليه بالرغم من محاولة هذا الأخير مناشدته ومن معه بعدم المغادرة، وذكرهم بالعهود والمواثيق التى أخذها الرشيد عليهم، وقد ضايق ذلك المأمون فعلا وآلمه، وشعر بعدم صفاء نية الأمين تجاهه.
      والواقع أن النصر الذي أحرزه العنصر العربي في تغلبه على البرامكة، وسعيه الدائم لكسب مزيد من تأكيد النفوذ والسلطان ’ قد لا يتحقق إلا في ظل خليفة كالأمين وذلك ما دفع الفضل بن الربيع لإلقاء ثقله خلفه معتبرا أن هذه فرصته لكسب جولة أخرى من الصراع.
      أما ابن سهل فقد رفض طلب الأمين، ولطَّف الأمر للمأمون، فخاطبه قائلا: "نَازِلٌ في أخوالك، وبيعتك في أعناقهم؛ فاصبر قليلا وأنا أضمن لك الخلافة.
      ولاشك بأن ابن سهل هذا بتشجيعه المأمون على البقاء في خراسان، ومساندته ورفضه طلب الأمين بالعودة الى بغداد كان مدفوعا بمطامع عنصرية، وأخرى شخصية وقد أوضح لأبي محمد اليزيدي أنه خدمه "ليحوز طابع هذا، يشير إلى الخاتم، في الشرق والغرب، لهذا خدمته، ولهذا صحبته " والحقيقة أن ابن سهل الذي كان يسعى لإيصال صاحبه إلى منصب الخلافة، أملا بأن تكون (مرو) عاصمةً لهذه الخلافة بدلا من بغداد، وأن تعود لخراسان عظمتها، وأدى دورًا بارزًا في تكتيل الخراسانية خلف قضيته، وقد رفضت هذه أن تعود إلى الظل بعد نكبة البرامكة؛ فوقفت بشدة خلف المأمون متمسكة به، فكان هو الإمام الذي التفت حوله الخراسانية الجديدة.
      وهذكا اتخذت قضية النزاع بُعدا شعوبيا بين العرب والفرس، وراح يوجه الأحداثَ أشخاصٌ يتعصبون لأحد الفريقين، فظاهر العرب الأمين، وأخذ الفرس بيد ابن أختهم المأمون يشدون أزره.
      جـ - أطماع الحاشية:
      وقفت حاشية الأمين، خاصة الفضل بن الربيع وعلى بن عيسي بن ماهان، وراءه بقوة ودفعاه إلى نكث العهد، في حين كانت الدلائل تشير إلى ميله للوفاء لأخويه رغم تصريحاته السابقة، ونصحه الفضل بن الربيع بأن يستدعي أخاه المأمون إلى بغداد حتى يظفر به كرهينة، ويفضل بيته وبين جنده، تمهيدا لخلعه وصرف ولاية العهد من بعده إلى ابنه موسى.
      ومن جهته، فقد وقف الفضل بن سهل خلف المأمون، وأوعز إليه بالاعتذار عن الذهاب إلى بغداد بحجة أن أمور خراسان تستدعي بقاءه فيها.
      وهكذا أدى تدخل رجال الحاشية إلى تأجيج النزاع الذي وصل إلى حد عدم العودة عن الصدام.
      مراحل النزاع بين الأمين والمأمون:
      مَرَّ النزاع بين الأمين و المأمون بمرحلتين: مرحلة المفاوضات السلمية التى انتهت في عام (195 هـ/ 811 م) ومرحلة الحسم العسكري التي انتهت بمقتل الأمين في عام (198 هـ / 813 م )
      مرحلة المفاوضات:
      اتخذ النزاع، في باديء الأمر، شكل سفارات ومراسلات متبادلة بين الأخوين حول قضية ولاية العهد، والصلاحيات الخاصة بالخليفة. ونهج الأمين السلوك السياسي المخادع لاستمالة أخيه، واستقطاب حاشيته وفي نيته عزله من ولاية العهد.
      ومن جهته، فقد تصرف المأمون بشكل يبعث الطمأنينة في نفس أخيه، فبعث إليه بمراسلات تعظمه، وأهدى إليه هدايا كثيرة من طرف خراسان.
      ثم حدث أن انتزع الأمين من أخيه المؤتمن كل ما بيده، واستقدمه إلى بغداد، وكتب في الوقت نفسه إلى جميع العمال بالدعاء لابنه موسي بالإمرة بعد الدعاء له وللمأمون وللقاسم، ولما سمع المأمون بذلك، أدرك أن الأمين ينوي تغيير العهد فقطع البريد عنه، وأسقط اسمه من الطرز.
      ومضى الأمين في تودده دون أن يظهر نواياه؛ فكتب إلى المأمون يستدعيه إلى بغداد لحاجته إليه في تسيير شؤون الدولة، وفي نيته الغدر به.
      ويبدو أن المأمون مال إلى إجابة طلب أخيه وكاد أن ينخدع، لولا تحذير وزيره الفضل بن سهل له، ونصحه بالاعتذار عن تلبية الدعوة، والعمل على تقوية جيشه، وتوطيد مركزه في خراسان.
      لم ييأس الأمين من محاولاته الإيقاع بأخيه المأمون، وقرر تجريده تدريجيًّا من كل ما بيده؛ فكتب إليه يطلب منه أن يتخلَّى له عن بعض كور خراسان سَمَّاها له، وأنه عازم على تعيين موظف من قِبَلِه على البريد ليكتب إليه بخبرها باعتباره خليفة للمسلمين، ويستطيع التصرف في أمور خراسان كما تقضي المصلحة العامة.
      استشار المأمون شيعته في طلب أخيه؛ فأشاروا عليه جميعا بإجابته، باستثناء الفضل بن سهل الذي رفض العرض، فوافقه المأمون وكتب إلى أخيه بذلك، ورسم هذا الوزير الفارسي للمأمون السياسة التي يجب عليه اتباعها وهي:
      -الاعتصام في خراسان، لأن الخراسانية لن ينقضوا بيعتهم له بحكم قرابتهم له.
      -انتهاج سياسة دينية رزينة.
      -الاهتمام شخصيا بأمور الدولة ورد المظالم.
      فأحبه الناس، والتفوا حوله.
      نتيجة لهذا الجفاء، اشتد التوتر بين الأخوين، وأُغلِقَتِ الحدودُ بينهم، واتخذ المأمون بعض الاحتياطات لقطع الطريق على الدعاية التى راح يبثها الأمين ضده لاستماله أهل خراسان، فأقام حراسة مشددة على طول الطريق بين العراق وخراسان، وأعطى الأوامر باعتقال المشبوهين الذين يفدون من العراق.
      أوشكت دولة الخلافة العباسية أن تنقسم إلى قسمين ينازع كل منهما الآخر، القسم الغربي حيث مدينة بغداد وعلى رأسه الأمين تسانده العرب وعلى رأس قواته القائد العربي على بن عيسي بن ماهان، والقسم الشرقي أى خراسان والولايات الشرقية حيث يقيم المأمون في مدينة مرو بمساندة الفرس، وعلى رأس قواته طاهر بن الحسين.
      وتفاقم النزاع بمرور الأيام، وفشل الأمين في حمل أخيه المأمون على التنازل عن ولاية العهد لصالح ابنه موسي، مما دفعه إلى خلعه في عام (195هـ، وجلب كتابي العهد من فناء الكعبة وحرقهم، بالرغم من تحذير بعض بطانته.
      أغضب هذا التصرف الخراسانيين، وغيرهم من أهالي الأمصار، فقاموا فى وجهه، واشتعلت الاضطرابات، وأضحى التحول إلى النزاع المسلح أمرا محتم، وأخذ كل طرف يستعد له.
      مرحلة الحسم العسكري:
      سيَّر الأمين جيشا بقيادة علي بن عيسى بن ماهان، والي خراسان السابق لقتال أخيه، تقدم إلى الري حيث كان جيش المأمون، بقيادة طاهر بن الحسين بانتظاره، والتحم الجيشان في رحى معركة قاسية، أسفرت عن انتصار جيش المأمون، ومقتل علي بن عيسى ولم تكد أنباء النصر تصل إلى مقر المأمون في مرو، حتى بايع الناسُ المأمونَ بالخلافة.
      والواقع أن الأمين أخطأ تقديره الموقف السياسي والعسكري، أو غُرِّرَ به لتعيين علي بن عيسى على رأس قواته؛ لأن هذا التعيين كان قاضيًا على الأمل في استمالة الخراسانيين، نظرا لكراهيتهم له مما أثار حميتهم؛ فاستماتوا بالقتال.
      ويبدو أن الأهواء الشخصية أدَّت دورًا في هذا الأختيار. فعلي كان يطمع في العودة إلى منصبه القديم، كحاكم لولاية خراسان، وربما عمد الأمين إلى إغاظة سكانها فولاه القيادة نكاية بهم. والراجح أن أحد عيون الفضل بن سهل، وهو العباس بن موسى هو الذي أشار على الأمين أن يؤمِّر عليا ليثير حمية الخراسانيين على القتال،
      أثارت أنباء هزيمة جيش الأمين الفزع في بغداد مما دفع الخليفة إلى تجهيز جيش آخر، وأرسله إلى خراسان بقيادة عبد الرحمن بن جبلة الأنباري، للتصدى لزحف طاهر.
      ووقعت المعركة الثانية بين القوتين في همذان، وانتصر فيها جيش المأمون أيض، وسيطر طاهر على المدينة، ثم واصل زحفه باتجاه بغداد يرافقه هرثمة بن أعين، ولما وصلها، ضرب عليها حصارًا مركزًا، فدبت فيها الفوضى، وشهدت شوارعها اصطدامات داخلية بين مؤيدي الطرفين، وتمكنت قوة خراسانية من دخولها وأسرت الأمين، وأعلنت خلعه، لكن العناصر العربية قامت بهجوم مضاد وتمكنت من إطلاق سراحه، وأخرجت الخراسانية من المدينة.
      ونتيجة لضغط الحصار، خارت قوة الأمين، بعدما انهارت معنويات جنده وانتهت المقاومة، ودخل طاهر المدينة عنوة، ووجد الخليفة نفسه أمام أحد الخيارين إما القيام بمحاولة أخيرة لاختراق صفوف الخراسانية، وإما الاستسلام وطلب الأمان، ولما لم يكن معه من الرجال ما يساعده على المقاومة، فقد فضل الاستسلام للقائد هرثمة بن أعين، وقد اختاره بسبب قوة طاهر، ولكن هذا الأخير كمن له في النهر، وقبض عليه وسجنه، ثم اقتحم عليه سجنه عددٌ من الجنود الخراسانية وقتلوه، وكان ذلك في الخامس والعشرين من شهر المحرم عام 198هـ، وسيطر طاهر على بغداد وأَمَّنَ أهله، وانتهت بذلك خلافة الأمين.


      أبو جعفر عبد الله المأمون198-218هـ/813-833م :

      التعريف به:
      هو عبد الله المأمون ابن هارون الرشيد القرشي الهاشمي، أبو جعفر، أمير المؤمنين، وأمه أم ولد يُقال لها: مراجل الباذغيسية. وُلِدَ عام(170هـ/786م)، ولاه والده العهد وهو في سن الثالثة عشرة من عمره. بُويِع له بالخلافة في عام(198هـ/813م)، وكان بالري، وقدم بغداد في عام(204هـ/819م).
      اشتهر المأمون بصفات ميزته عن سائر الخلفاء العباسيين منها: ميله إلى العفو، وكراهيته للانتقام، وكرمه الذي فاق كرم كافة الخلفاء العباسيين، وقوة حُجَّة الإقناع لديه. كان حاضر البديهة، سريع الجواب. أديبً، يعرف جيد الشِّع من رديئه. ويحب سماع الغناء.


      أبو إسحق محمد المعتصم 218 – 227 هـ / 833 – 841 م

      التعريف به:
      هو أمير المؤمنين أبو إسحق محمد المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور العباسي، يقال له (المثمن) لأنه ثامن ولد العباس، وثامن الخلفاء من ذريته، ولأنه تمكن من إحراز ثماني فتوحات، وأقام في الخلافة ثماني سنوات وثمانية أشهر وثمانية أيام، وأنه ولد سنة ثمانين ومائة في شعبان وهو الشهر الثامن من السنة،وأنه توفي وله من العمر ثمانية وأربعون عامً، وأنه خلَّف ثمانية بنين وثماني بنات، كان أُمِّيًّا لا يحسن الكتابة، إلا أنه يوصف بأنه جندي شجاع، مُدرَّب في الحرب، كما يوصف بقوته الجسمية. بويع بالخلافة، يوم مات أخوه المأمون بطرسوس، وقد سعى بعض الأمراء إلى تولية العباس بن المأمون، لكن هذا الأخير أسرع بمبايعة عمه احتراما لوصية والده وتسكينا للجند.
      حكم المعتصم الدولة العباسية حكما استبداديًّا، مقرونا بشيء من العطف وحسن التدبير،وتميز بالشجاعة والإقدام وشدة البأس والمهابة، و أولع بالعمارة والزراعة، وكرس وقته لتشييد القصور و تخطيط الحدائق والبساتين.
      الأوضاع الداخلية في عهد المعتصم:
      الحركات الطالبية :
      لم تكن سياسة المعتصم نحو الطالبيين أقل شدة من سياسة الخلفاء العباسيين اللذين حكموا قبله باستثناء المأمون، وقد خرج في عهده محمد بن القاسم بن علي الزيدي في عام ( (219 هـ /834م ) ) بالطالقان، فالتف حوله كثير من سكان كور خراسان. ولكن حركته لم تكن منظمة، ولم تشكل خطرا جديا على حكم المعتصم، الذي أمر قائده عبد الله بن طاهر، أمير خراسان، بالتصدى له، وتمكن هذا القائد من هزيمته، وقبض عليه، وأرسله إلى سامراء حيث سجن فيها، إلا أنه فَرَّ من سجنه بمساعدة رجال من شيعته، وتوارى أيام المعتصم و الواثق ثم أُخِذَ في أيام المتوكل، فسُجِن ومات في سجنه.
      ويبدو ان عوامل إخفاء حركته رغم إنتشارها، تعود إلى ثلاثة عوامل:
      -قوة الدولة العباسية في عهد المعتصم.
      -اعتقاد محمد بن القاسم بارآء الزيدية والجارودية التى لم نكن تُرضِي كثيرا من الزيديين، خاصة زيدية الكوفة، بالأضافة إلى بعض الشيعة الإمامية للشيعة الزيدية من أتباع أبي الجارود.
      -اعتقاد محمد بن القاسم بآراء المعتزلة
      وتوفي في عهد المعتصم في عام (220 هـ / 835م) محمد الجوَّاد بن على الرضاء تاسع أئمة الشيعة الإمامية الاثنى عشرية، وقد اطمأن المعتصم لهذه الوفاة، بعد أن خشي أن ينافسه على الحكم، ويطالبه بتولى الخلافة،على اعتبارات أولاده من سلالة المأمون من زوجته أم الفضل.
      حركة الزط :
      من المصاعب التى واجهت المعتصم وأثقلت كاهله أثناء خلافته، حركه الزط الذين تمكنوا من السيطرة على طريق البصرة، وهددوا مرافق الدولة، وفرضوا المكوس على السفن، وحالوا دون وصول الإمدادات إلى بغداد، فوجَّه إليهم قائده عجيف بن عنبسة فى عام ( 219 هـ / 834 م) لصدهم في البطيحة، وشدد عليهم، حتى طلبوا الأمان
      القضاء على حركة بابك:
      كان المعتصم عند حسن الظن به، فقد صعد حربه ضد البابية حتى قضى على حركتهم فى عام (( 223هـ /835 م)) فقد ركز جهوده - بعد استقرار الوضع الداخلي- على حرب بابك، وأرسل الحملة تلو الحملة ضده، ومن جهة أخرى فقد تفاقم خطر بابك بعد ان دخلت أذربيجان فى حوزته، فنشر الرعب فى المنطقة الممتدة حتى إيران في عام (218 هـ /833/م)
      وعين المعتصم، في عام (220 هـ / 835 م) أعظم قادته وهو الأفشين حيدربن كاوس أميرا على الجبال، وأمره بقتال بابك، تميز هذا القائد بالحذر والخبرة الشديدة بالمسالك الجبلية. فاتبع خطة عسكرية مرنة تستند على التقدم البطئ. فعسكر في برزند من نواحي تفليس، وضبط الحصون و الطرق فيما بينه وبين أردبيل، ووزع جنده على مختلف القلاع والمواقع، وكان المعتصم يمده بالامدادات والمؤن، ونفقات الجند باستمرار، ورَتَّب البريد، ومهَّد الطرقات لتأمين المواصلات والاتصالات بسرعة وسلام حتى أضحى تبادل الرسائل بين سامراء ومعسكر الأفشين يستغرق مدة أربعة أيام أو أقل، كما استعمل الحمام الزاجل لنقل الأخبار لأول مرة في هذه الحرب، وكان يشرف على سير المعارك من سامراء، ويضع الخطط العسكرية بنفسه.
      وبذلك أضحى للمسلمين سلسلة من الحصون المتماسكة في مواجهة بابك، ولجأ الأفشين إلى استعمال الأسلوب التجسسي كى يضعف خصمه، ويطلع علي خططه؛ فكان يستقطب من يظفر به من جواسيس؛ فيضاعف لهم العطاء، ويسخرهم في التجسس له.
      أدرك بابك على الفور أنه يواجه هذه المرة قائدا محنكا، وحتى يخفف الضغط عن قواته فى أذربيجان، ناشد الإمبراطور البيزنطي ثيوفيل أن يهاجم الأراضي الإسلامية، ووعده بأن يعتنق النصرانية.
      نتيجة هذا الاحتقان كان لابد أن يقع صدام بين الجانبين بعد هذه الاستعدادات العسكرية،فأصدر الخليفة أوامره إلى الأفشين ببدء العمليات العسكرية، وحدد له مدينة (البذ) كأول هدف عسكري بعد اضطرار بابك إلى التحصُّن فيها إثر معركة أرشق.
      لم يتسرع الأفشين فى تقدمه نحو البذ، وأخذ يزحف متأنيًا حتى وصلها وضرب عليها حصار مركزا، واتخذ من مدينة روذ الروذ معسكرا جديدا لقواته، وحاول بابك في غضون ذلك استمالته لكنه لم ينجح، وبقي الأفشين محاصرًا البذ حتى تمكن من دخولها يوم الجمعة في ( العاشر من رمضان عام 222 هـ / آب عام 837 )
      هرب بابك، بعد سقوط البذ. إلى أرمينيا؛ فكتب الأفشين إلى ملوكها وأمرائها بسد الطرق عليه، وتذكر المصادر أن البطريق سهل بن سنباط تعرَّف على مكان اختبائه؛ فأمنه؛ ثم غدر به وسلمه إلى الأفشين.
      وجِيء ببابك إلى سامراء في (شهر صفر عام 223 هـ / شهر كانون الثاني عام 838 م ) ومعه أخوه عبد الله وكان يوم وصوله يوما مشهودا؛ فقد ألبسه الجند ثيابه الأرجوانية، ووضعوه على ظهر فيل، وطافوا به في شوارعه، وعندما أضحي في مجلس الخليفة نزع عنه الجند ماكان يلبس، ثم قطعوا يديه ورجليه، وراحوا يغرزون سيوفهم ببطء في جسده، متجنبين إصابته بمقتل ليطيلوا أمد عذابه، وأخيرًا قطعوا رأسه وأرسله الخليفة إلى بغداد حيث عُرِضَ على الناس، بينما صُلِبت جثته وعرضت في سامراء، وصلب معه أخوه عبد الله، فانتهت بذلك هذه الحركة التي شغلت جانبا من اهتمامات الخلافة منذ عهد المأمون.
      حركة المازيار:
      ماكادت دولة الخلافة العباسية تتحلص من الأخطار التى كانت تمثلها حركة بابك الخزمي في المناطق الواقعة إلى الغرب من بحر قزوين، حتى واجهتها حركة فارسية أخرى، تمثلت في حركة المازيار بن قارن آخر الأمراء القاريانيين بطبرستان، الذي اتخذ من موطنه مسرحا لنشاطه الثوري المعادي للدولة.
      اعتنق المازيار الإسلام وتسمى باسم محمد، وولاه المأمون على طبرستان ورويان ودنباوند، ولقبه الأصبهذ.
      ويبدو أنه كان ذا نزعات استقلالية؛ فأراد الانفصال عن جسم الدولة فاستغل الخصومة بين الطاهريين - الذين كان يكرههم، وبين الأفشين الطامع في ولاية خراسان ليرفع راية الثورة، وكان هذا الأخير قد كاتب المازيار وشجعه على إعلان العصيان على حكمهم، آملا أن لا يتمكن هؤلاء من إخضاعه، فيتخذ- عندئذ- ذلك ذريعةً لانتزاع خراسان منهم.
      لكن هذه العلاقة بين الأفشين والمازيار لم تكن بهذه السطحية وأن الصلة التى جمعت الرجلين بعيدة الغور عميقة الجذور، فقد اعترف المازيار بأن الأفشين حرضه على الخروج والعصيان لمذهب اجتمعوا عليه، ودين اتفقوا عليه من مذاهب الثنوية والمجوس كما كان المازيار يكاتب بايك، ويعرض عليه المساعدة، والراجح أنه كان على مذهب الخرمية، ذلك المذهب الذي أضحي يمثل ثورة الوعي الفارسي ضد سلطان العباسيين وضد المجتمع الذي أقاموه، وأن الدوافع التى حركت بابك، هى التى حملته على العصيان خاصة،إذا علمنا أنه كان حديث عهد بالإسلام، أي أن هذه الدوافع كانت مزيجا من الدوافع السياسية والعنصرية والدينية.
      وتدل التدابير التى نفذها المازيار بعد إعلان حركته، على نزعة الخرمية الإشتراكية إذ أراد مصادرة الأراضي من الملاك، وتوزيعها على الفلاحين، ولهذه النزعة معنى سياسي إلى جانب المعنى الاقتصادي خاصة إذا علمنا أن قسما كبيرا من الملاك كانوا من العرب ومواليهم؛ لذلك أمر المازيار عامله على سرخستان بإن يجمع مائتين وستين من أبناء القادة ويسلمهم إلى الفلاحين ليقتلوهم باعتبارهم أناسا يشكلون خطرً، كما أغرى هؤلاء بقتل أرباب الضِياع، وأباح لهم منازلهم وحُرمهم، في محاولة تهدف إلى ضم قوى الطبقات العامة ودفعها للتخلص من السلطان العربي.
      وقد وقف الخليفة على أهداف هذه الثورة، حين ضبط عبد الله بن طاهر رسالة من الأفشين إلى المازيار، وبعد أن حصل هو على الرسائل الأخرى من المازيار نفسه.
      والواقع أن هذه الحركة ولدت ميتة؛ ذلك أن توقيت إعلانها فى عام (224 هـ / 839 م ) لم يكن مناسبا، فقد كانت دولة الخلافة العباسية آنذاك فى وضع مستقر، وعلى درجه عالية من القوة ’ وذلك بعد أن تخلصت من العديد من الحركات المعادية التى قامت في وجهه، وبالتالى فإن القضاء على حركة المازيار لم يكلفها الكثير من الجهد، أما نهاية المازيار فقد كانت شبيهة بنهاية بايك حيث قتله الخليفة، ثم صلبه إلى جانب بابك.
      ظهور العنصر التركي:
      بويع للمعتصم بالخلافة في ظل ظروف من الصراع العنيف بين العرب من ناحية، والفرس الذين حظوا بعطف المأمون خلال السنوات الأولى من خلافته من ناحية أخرى، واختلال في التوازنات بين العناصر التى تكونت منها الدولة العباسية، فقد ساءت العلاقات بين العباسيين والخراسانيين منذ انتقال المأمون من مرو، وظهر أثر ذلك في القضاء على بنى سهل، وقيام الحركات المناهضة للدولة ذات الخلفيات الفارسية وبالتالى استحالة التوفيق بين تطلعات الخراسانيين ومصالح العباسيين، وبدأت ثقة المعتصم بالفرس تضعف.
      ومن جهة أخرى، لم يركن المعتصم إلى العنصر العربي، ولم يثق بالعرب نظرا لكثرة تقلبهم، واضطرابهم، وقيامهم ضد الخلفاء، بالإضافة إلى أن هؤلاء فقدوا كثيرا من مقومات قوتهم السياسية، والعسكرية فأصبحوا أقل خطورة وأعف شأنا.
      وحملت هذه المعطيات المعتصم على ان يوكل أمر سلامته الشخصية إلى فرقة من العنصر التركى وقد توافقت طباعه النفسية وصفاته الجسدية من حيث القوة والشجاعة ومتانة الجسم، مع صفات أخواله الأتراك كأُمَّةٍ عنيفة محاربة شديدة البأس، وأضحى لهذا العنصر أثر كبير في الحياة السياسية والاجتماعية بالرغم من أن الاتراك لم يكونوا أهل حضارة عريقة وأصبح الحرس التركي يمثل دعامة من دعائم الخلافة أيام حكمه.
      والواقع أن الأتراك نفذوا إلى المجتمع الإسلامي منذ العهد الأموي على إثر الفتوحات الإسلامية لبلاد ما وراء النهر، لكن لم يكن لهم أى تأثير سياسي فى المجتمع الإسلامي إلا أن هؤلاء وقد يظهرون على مسرج الأحداث في بغداد ظهوراواضحا منذ عهد المأمون الذي استخدمهم في الجيش ليحقق نوعا من التوازن بين العنصرين العربي والفارسي.
      وتلقف المعتصم هذه العصبية الجديدة النامية لإستغلال مواهبها العسكرية للحفاظ على دولته و الإبقاء على خلافته، في ظل الصراع العربي – الفارسي فاستخدم الأتراك في الجيش على نطاق واسع، وجعلهم تحت إمرة قادة منهم، مسددا بذلك ضربة عنيفة للقادة والجند العرب، ولسياسة المنصور التقليدية التى كانت تستهدف حفظ التوازن في الجيش بين الفرق الأعجمية، والفرق العربية
      أما مصادر هؤلاء الأتراك، فقد جلبهم المعتصم من أقاليم ما وراء النهر، مثل: سمرقند وفرغانة وأشروسنة والشاش وخوارزم، وكان ذلك إما عن طريق النخاسة، أي الشراء، و إما عن طريق الأسر في الحروب، وإما عن طريق الهدايا التى كان يؤديها ولاة هذه الأقاليم على شكل رقيق إلى الخليفة، ومن ثم أصبحت بلاد ما وراء النهر مصدرا مهما للرقيق الترك.
      ومكَّن المعتصم للأتراك فى الأرض، فقربهم إليه، وخصَّهم بالنفوذ، وقلَّ دهم قيادة الجيوش، وجعل لهم مركزا في مجال السياسة، وأسكنهم سامراء التى بناها خصيصا لهم، ومن جهة ثانية حرم العرب مما كان لهم من قيادة الجيوش، ثم أسقط أسماءهم من الدواوين، وقطع أعطياتهم.
      كان لسياسة المعتصم هذه نتائج آنِيَّة وبعيدة:
      فمن حيث النتائج الآنية، فقد أغضبت هذه السياسة العرب، فانتفضوا على حكم المعتصم، كما دبروا مؤامرة لاغتياله بزعامة عجيف بن عنبسة والعباس بن المأمون لكن المؤامرة فشلت، وكانت ردة فعل المعتصم أن تخلص من العباس فى الوقت الذي توفي فيه عجيف، ثم أقصى العرب والفرس تدريجي، وأسقطهم من ديوان العطاء.
      ومن حيث النتائج البعيدة، فقد تسببت هذه السياسة بحدوث أضرار بالغة وخطيرة على دولة الخلافة العباسية، إذ خرجت بها عن مسارها العربي- الفارسي، وأدت إلى إضعاف سلطة الخليفة، وربما كان نشوء الدول الانفصالية فى مختلف أرجاء الدولة اعتبارا من العصر العباسي الثاني، أحد هذه النتائج لكنها لم تظهر بوضوح في عهد المعتصم، وسوف تنجلى فيما بعد، منذ مقتل المتوكل فى عام (247هـ / 861 م )
      القضاء على الأفشين:
      استغل بعض القادة الاتراك فى الدولة العباسية، مناصبهم القيادية ونفوذهم في البلاط ليحققوا طموحاتهم بالانفصال عن الدولة. وكان من بين هؤلاء الذين تمتعوا بنزعات استقلالية، القائد التركي الأفشين الذي أراد تأسيس دولة انفصالية له في أشروسنة؛ فراح يمهد طريق الوصول إلى هدفه بالخطوات التالية:
      حاول استقطاب السكان حتى ينفضوا عن الوالى العباسي ويلتفوا حول دعوته.
      حاول إزاحة والي خراسان عبد الله بن طاهر الذي وقف في وجهه.
      حرض كلا من المازيار ومنكجور الفرغاني بالثورة على حكم المعتصم.
      فشل الأفشين في تحقيق هدفه، بعد أن انكشفت مؤامراته، فتغيرت سياسة الخليفة تجاهه، وأدرك من جانبه هذا التغير؛ مما دفعه إلى التفكير بالتخلص من الخليفة نفسه، ولكن قُبِضَ عليه وحاكمه المعتصم، لكن محضر المحاكمة لم يُشِرْ إلى المؤامرة، وإنما هي مجموعة تهم أُرِيدَ بها إثباتُ أن الأفشين لم يعتنق الإسلام حقيقة، ولا يزال يتعصب للمجوسية، ويسعى للقضاء على دولة الخلافة العباسية ولعل هدف المعتصم، كان منع تسرب النفرة والشك إلى القادة الأتراك الآخرين، وتوفي الأفشين في سجنه في عام 226 هـ / 841 م)
      العلاقات الخارجية في عهد المعتصم:
      العلاقة مع البيزنطيين:
      توقف القتال بين المسلمين والبيزنطيين في السنوات الأولى لخلافة المعتصم، نتيجة انهماك الخلافة في القضاء على ثورة بابك الخرمي، وفي المقابل فقد انصرف الإمبراطور البيزنطي ثيوفيل إلى التخطيط لاستعادة جزيرة صقلية من أيدى المسلمين، فشهدت مناطق الحدود هدوءا يكاد يكون تاما، إلا أنه ماكاد يمضى على خلافة المعتصم أربعة أعوام حتى رأى ثيوفيل أن يعود إلى قتال المسلمين على الحدود الشرقية لإمبراطوريته، وقد شجعه على ذلك نجاح المفاوضات التى أجراها مع بابك الذي وعده باعتناق المسيحية مقابل مساعدته في قتالهم، وظنًّا منه أن باستطاعته إحراز نصر عسكري عليهم؛ فأغار على منطقة أعالي الفرات ليؤمن اتصالا مع الخرمية في أرمينيا وأذربيجان، واستولى في طريقه على زبطرة مسقط رأس والدة الخليفة وأَسَرَ من فيها من المسلمين ومثَّل بهم وسبى المسلمات، كما هاجم سميساط وملطية وأحرقها. اعتبر المعتصم هذه الغارة البيزنطية تحديًا شخصيا له قبل أن تكون تحديا للخلافة العباسية، فقبل التحدى وعزم على أن يثأر لزبطرة، فما كاد ينتهى من إخماد ثورة بابك الخرمي، فى عام (223 هـ /838 م ) حتى أعد جيشا كثيفا بهدف توجيه ضربة قاصمة للإمبراطورية، تقضى بدورها على هيبة الإمبراطور، فخرج هو على رأس هذا الجيش متجها صوب عمورية مسقط رأس أسرة ثيوفيل، عازمًا على تدميرها، والجدير بالذكر أن الاستيلاء على عمورية يُعتَبر خطوة للوصول إلى القسطنطينية.
      غادر الخليفة سامراء وهو على تعبئة، وجعل أنقرة أول هدف للحملة، فعين أشناس التركي قائدا للمقدمة، وإيتاخ قائدا للميمنة، وجعفر بن دينار على الميسرة، وعجيف بن عنبسة على القلب، وشارك الأفشين فى حملة على رأس فرقة عسكرية وكتب على ألوية الجيش وتروسه " عمورية " وقرر دخول الأراضي البيزنطية من ثلاثة محاور، فتوجه جيش الشرق بقيادة الأفشين نحو مدينة سروج ليدخل الأراضي البيزنطية في يوم محدد عن طريق درب الحدث، أما جيش الغرب بقيادة أشناس فكان عليه أن يتقدم عبر جبال طوروس إلى مدينة الصفصاف الواقعة قرب قلعة لؤلؤة على أن يلتقي بجيش الشرق في سهل أنقرة. وقاد الخليفة القسم الثالث من الجيش وزحف مباشرة نحو أنقرة، ورسم الخليفة خطته التكتيكية على أن تجتمع الأقسام الثلاثة عند سهل أنقرة لمهاجمة المدينة.
      وغادر القسطنطينية فى هذه الأثناء الإمبراطور البيزنطي ثيوفيل بعدما علم بما وضعه الخليفة من خطط عن أنقرة وعمورية، وتوقف في دوريليوم على بعد ثلاثة أيام من عمورية، وأمر بتحصين هذه الأخيرة، وبعث الإمدادات إليها، أما الخطة القتالية التى وضعها فكانت تقضى بمهاجمة القوات الإسلامية أثناء زحفها نحو الشمال باتجاه أنقرة، ومن أجل ذلك عسكر على نهر هاليس، واستعد لعبوره ليفاجيء المسلمين ظنا منه بأنه هذه القوات سوف تجتاز درب كيليكيا في طريقها إلى أنقرة، ولم يكن يعلم شيئًا عن جيش الأفشين.
      ثم حدث أن أصدر الخليفة أوامره بالتوقف ريثما يستطلع أخبار الجيش البيزنطي، وبعث برسالة إلى أشناس -وكان وقتئذ قد بلغ مرج الأسقف القريبة من لؤلؤة- يبلغه بتطورات الموقف العسكري، ويأمره بالتوقف حتى توافيه الساقة لأنها تحمل العتاد الحربي.
      ويبدوا أن ثيوفيل علم بتقدم جيش الشرق بقيادة الأفشين فغير خطته،واضطر أن يقسم جيشه إلى قسمين: تَرَأَّس هو القسم الأول ليواجه الأفشين، في حين ترك القسم الثاني من الجيش للتصدي لجيش الخليفة حتى يمنعه من التقدم، محاولا بذلك منع التقاء الجيشين الإسلاميين.
      ولما وقف المعتصم على خطة ثيوفيل أراد أن ينذر الأفشين بمسير الإمبراطور إليه، لكن الأفشين كان قد توغَّل في آسيا الصغرى، فلم يبلغه أى كتاب، أما أشناس فقد تابع زحفه باتجاه أنقرة وسار الخليفة وراءه، بينهما مسيرة يوم واحد دون أن يعلما شيئا عن مصير الأفشين.
      وفي الوقت الذي كان فيه جيش الخليفة يقترب من أنقرة كان الأفشين يجتاز سيواس إلى توقات، فتحتم عليه، عند ذلك أن يشتبك في معركة مع الأمبراطور.ابتدأت المعركة في ساعات الصباح الأولى من يوم الخامس والعشرين من ( شهر شعبان عام 223 هـ تموز عام 838 م) وعلى الرغم من ان البيزنطيين أحرزوا نصرا أوليًّا إلا أن فرسان المسلمين حولوا الموقف من الهزيمة إلى النصر، ووقع الاضطراب في صفوف البيزنطيين عندما شاع خبر أن الإمبراطور لقى مصرعه و المعركة دائرة؛ فانهزم البيزنطيون وهربوا لا يلوون على شيء، وترك الإمبراطور ساحة المعركة بعد قليل من العناء وسار حتى بلغ مدينة خليوكومن، شمالى أماسيا حيث جمع فلول جيشه الهارب، وعاد إلى معسكره على نهر هاليس، وأرسل أحد خصيانه إلى أنقرة للدفاع عنه، لكنه وصل بعد فوات الأوان؛ ذلك أنه حدث أن اجتمعت الجيوش الإسلامية المتفرقة في سهل أنقرة وأنزلوا بالمدينة الخراب والدمار.
      لم يَسَعْ ثيوفيل بعد هزيمته وسقوط أنقرة، إلا أن يرسل إلى المعتصم يطلب الصلح معتذرا عن مذابح زبطرة، ومتعهدا بإعادة بنائه، وإعادة السكان إليه، وإطلاق سراح من عنده من الأسرى المسلمين، إلا أن الخليفة رفض عرض الصلح،وتابع زحفه باتجاه عمورية، أما ثيوفيل فقد توجه نحو دوريليوم منتظرا ما سوف يحلُّ بعمورية من المصير المحتوم.
      وتقدم الخليفة باتجاه عمورية بعد تدمير أنقرة؛ فوصلها في سبعة أيام وشرع في حصارها،وعلى الرغم من مناعتها وحصانتها إلا انها استسلمت في السابع عشر من (شهر رمضان عام 223 هـ / 838 م) بعد أسبوعين من الحصار؛ فأسر المسلمون كثيرا من أهلها وغنموا غنائم وفيرة، وهدم المعتصم أسوراها،وأمر بالمقابل بترميم زبطرة وتحصينها.
      كشفت حملة المعتصم عن ضعف الإمبراطورية البيزنطية، مما شجع الخليفة على مواصلة زحفه باتجاه القسطنطينية، التى باتت الطريق إليها مفتوحة، إلا أنه اضطر للعودة إلى العراق لأنه كشف مؤامرة دبرها الجند لصالح العباس.
      وفي مطلق الأحوال تبقى حملة المعتصم إلى بلاد البيزنطيين مميزة عن الحملات السابقة التى كانت تستهدف الأطراف، فعمورية تقع بعيدا في جوف آسيا الصغرى،إذ اعتبرها الطبرى " من أعظم ما يُقصَد له من بلاد الروم "
      وما ترتب علي غزو المعتصم من كوارث في آسيا الصغرى، وما جرى من تقدم مسلمي إفريقية في جزيرة صقلية،وما ألحقه المسلمون في جزيرة كريت بالإمبراطورية من هزائم، كل ذلك أقنع ثيوفيل بأن الإمبراطورية عاجزة عن مواجهة قوة المسلمين المتزايدة، فمال إلى الصلح.
      وأخيرا تقررت الهدنة بين الطرفين في عام (227 هـ / 842 م). ثم حدث أن توفي كلٌّ من المعتصم وثيوفيل في العام نفسه، فتولى الخلافة الواثق، في حين تولى عرش الإمبراطورية البيزنطية ميخائيل الثالث بوصاية والدته تيودورا.
      وفاة المعتصم:
      احتجم المعتصم في اليوم الأول من (شهر محرم عام 227 هـ / شهر تشرين الأول عام 841 م ) فأصيب عقب ذلك بالمرض الذي قضى عليه لثماني ليالٍ مضت من شهر ربيع الأول أواخر شهر كانون الأول من العام الميلادى المذكور، وكان قد ولى عهده ابنه هارون، ولم يشرك معه في الولاية أحد.


      أبو جعفر هارون الواثق 227 -232 هـ / 841 -847 م

      التعريف به:
      هو هارون بن المعتصم، ويكنى أبا جعفر، أمه أم ولد تدعى قراطيس، بويع له بالخلافة بعهد من والده المعتصم في اليوم الذي توفي فيه هذا الأخير، يوم الأربعاء لثماني ليالٍ مضت من شهر ربيع الأول.
      اشتهر الواثق برجاحه العقل، وبحسن التصرف السياسي في عهد والده مما دفع أباه إلى الاعتماد عليه أثناء غيابه عنمقر الخلافة، ثم ولاه عهده، أولع بالعلم والأدب،كان شاعرا له شعر حسن وأجزل العطاء للشعراء الذين زخر بهم عصره، وقد أفرد في قصره مجلسا للمناقشات الفكرية مقتديًا في ذلك بالمأمون وكان يقال له: "المأمون الصغير "،واقتدى بأبيه فى الاعتماد على العنصر التركي؛ فأحَلَّ الأتراك في المناصب القيادية محل العرب.
      الأوضاع الداخلية فى عهد الواثق:
      يعتبر عهد الواثق فترة انتقال بين عصرين مختلفين من عصور دولة الخلافة العباسية، وشهد في كثير من مظاهره ما كان سائدا في عهد المأمون وعصر والده المعتصم.
      تصدى الواثق، فى بداية عهده، لحركات الأعراب من بنى سليم وغيرهم من البدو الذين عاثوا فسادا في جهات المدينة، وفرض الأمن على الطرقات التجارية في شمالي الجزيرة العربية.
      اعتنق الواثق عقيدة المعتزلة المتعلقة بخلق القرآن، وانتهج سياسة والده في الانتصار لها ومساندتها، وتشدد في فرض آرائه الدينية على الناس مما أدى إلى بروز حركة تذمر من قبل العامَّة والفقهاء، فتآمر عليه أهلُ بغداد، وتنادَوا إلى عزله، ويبدو أنه تراجع عن عقيدته قبل موته.
      اعترى إدارة الواثق الضعف والتحكم من قِبَل الولاة والبطانة، وتفشَّت الرشوة فى عهده وكثر الفساد، انتهج هذا الخليفة سياسة التشدد تجاه عماله وكُتَّابه مقتفيا أثر جده الرشيد، وتبنى قوله المشهور "...... إنما العاجز من لا يستبد " فنكَّب بكُتَّابه، وانتزع الأموال منهم متهما إياهم بالإثراء على حساب الدولة.
      تمتع ولاة الأقاليم في عهد الواثق بنفوذ كبير، فقد حكم عبد الله بن طاهر بن الحسين خراسان وطبرستان وكرمان حُكْمًا يكاد يكون مستقلا، وأسند الخليفة إلى قائده التركي أشناس حكم الجزيرة والشام والمغرب ومصر، كما ولى إيتاخ التركي خراسان والسند و كوردجلة.
      وفاة الواثق:
      دام اعتلاء الواثق لسُدَّة الخلافة العباسية أقل من ست سنوات وتوفي، بمرض الاستسقاء لست بقين من (شهر ذى الحجة عام 232 هـ / شهر آب عام 847 م ) دون أن يولي على العهد أحدا بعده، وسُئِلَ أثناءَ مرضه ودُنُوِّ أجله، أن يوصي بالخلافة لولده، فرفض وقال: " لا أتحمل أمركم حيًّا وميِّتًا " ويشكل عهده نهاية العصر العباسي الأول. (33)


      من مميزات العصر العباسي الأول:

      سيطرة شبه كاملة للفرس على الجهازين العسكري والإداري:
      عندما قامت الخلافة العباسية كان للفُرس اليد العليا في قيامها وخاصة الخراسانيين، وقد سنحت الفرصة لهؤلاء للاستئثار بالسلطة وتولي الحكم، وساعد على ذلك شدة ميل العباسيين إلى الفرس، وإيثارهم بالمناصب المدنية والعسكرية، وقد أثار ذلك كراهية العرب بتقريب الفرس إليهم، لذا لا نعجب من انصراف العرب عن العباسيين، فقد دَبَّ في نفوسهم دبيبُ الكراهية لهم وللفرس الذي استأثروا بالسلطة دونهم، لممالأة العباسيين لهم واعتمادهم على ولائهم، فقامت الفتن والثورات في البلاد الإسلامية..
      وكان من أثر ذلك الميل الذي أبداه العباسيون نحو الفرس وتلك الرعاية التي حاطوهم بها أن أصبح نظام الحكم عند العباسيين مماثلاً لما كان عليه في بلاد الفرس أيام آل ساسان، قال "بالمر" في كتابه "هارون الرشيد": "ولما كان العباسيون يدينون بقيام دولتهم للنفوذ الفارسي كان طبيعيًا أن تسيطر الآراء الفارسية؛ ولهذا نجد وزيرًا من أصل فارسي على رأس الحكومة، كما نجد أيضًا أن الخلافة تدار بنفس النظام الذي كانت تدار به إمبراطورية آل ساسان"..
      كما اتخذ الخلفاء الموالي من الخراسانيين حرسًا لهم لاعتمادهم على ولائهم وإخلاصهم، واستبد هؤلاء الخلفاء بالسلطة وتسلطوا على أرواح الرعية كما كان يفعل ملوك آل ساسان من قبل، وظهرت الأزياء الفارسية في البلاط العباسي..
      وطبيعي أن يميل العباسيون إلى الفرس، الذين ساعدوهم على تأسيس دولتهم، وقاموا في وجه أعدائهم الأمويين، وإن مثل هذا الميل إلى الفرس، وتلك الكراهة التي أضمرها العباسيون للأمويين لتتمثل في تلك الخطب التي ألقاها داود بن علي وأبو جعفر المنصور وغيرهما يشيدون فيها بمآثر الفرس وما بذلوه من جهود في سبيل قيام الدولة العباسية.. (34)
      على أن الفرس على الرغم مما أظهره العباسيون من ميل ظاهر نحوهم حتى آثروهم على العرب فأسندوا إليهم مناصب الدولة مدنية كانت أو عسكرية، وعلى الرغم من تأثر العباسيين بهم في اقتباس نظم الحكم عنهم، والاقتداء بهم في مظاهر البلاط، وفي اللباس وفي الاحتفال بالأعياد والمواسم، على الرغم من هذا كله كانوا لا يقنعون بما نالوه من عطف وميل، وما وصلوا إليه من نفوذ وسلطان؛ فعملوا على التخلص من العباسيين وتحويل الخلافة إلى العلويين، خاصةً وإن ميل الفرس إلى العلويين قديم يرجع إلى أيام الحسين بن علي..
      ولا غرو فقد شايع الفرس العلويين لما كانوا يعتقدونه من أنهم وحدهم يملكون حق حمل التاج لكونهم وارثي آل ساسان من جهة أمهم "شهربانوه" ابنة يزدجرد الثالث آخر ملوك هذه الأسرة، ولأنهم الأئمة رؤساء الدين حقًا، وذلك يتفق مع معتقداتهم الدينية، إذ كانوا ينظرون إلى ملوكهم نظرة تقديس وإكبار، ويعتقدون أنهم ظل الله في الأرض، كما كانوا يعتقدون أن العلويين، وبخاصة أبناء الحسين بن علي يمثلون حق النبوة والملك، لأنهم من سلالة النبي صلى الله عليه وسلم وآل ساسان وهذا يفسر لنا سبب ميل الفرس إلى العلويين وعملهم على تحويل الخلافة إليهم، وقد اضطلع بهذا الأمر أحد زعماء الفرس وهو أبو سلمة الخلال..
      فيحكي لنا التاريخ أن السفاح عندما بُويِع بالخلافة استوزر أبا سلمة على كره منه لمكانته من الخراسانيين، وهم عصب الدولة ومصدر قوتها، ولقبه "وزير آل محمد" إلا أن هذا كله لم يكن مصدره حُسْن النية من جانب السفاح إذ خاف على نفسه إن هو قتله أن يقوم أهل خراسان ليثأروا له، فعمل على أن يتم هذا الأمر على يد أبي مسلم، وكتب إليه مع أخيه المنصور كتابًا يخبره فيه: أن أبا سلمة يعمل على تحويل الخلافة إلى العلويين وعَهِد له بمعاقبته، وباطن الكتاب يُشْعِرُ بتصويب قتله، فأرسل أبو مسلم رجالاً من أهل خراسان فقتلوه، وتخلص منه السفاح وأبو مسلم الذي كان يكرهه ويحقد عليه مقامه، وبذلك هيَّأ أبو مسلم سبيل قتله بنفسه، فقد عوَّل السفاح على التخلص منه إلا أن منيته حالت دون ذلك..
      ولكن ميل الفرس إلى العلويين لم يخمد بقتل أبي سلمة الخلال فقد كانوا يناصرون كل علوي يعمل على الخروج على العباسيين، ومن الأمثلة التي تؤيد هذا الرأي محاولة جعفر بن يحيى البرمكي تخليص يحيى بن عبد الله العلوي في عهد هارون الرشيد، وما قام به الفضل بن سهل وزير المأمون في خراسان من تحويل الخلافة من العباسيين إلى العلويين، حيث حمل المأمون على أن يولي عهده عليًّا الرضا، وأن يتخذ الخضرة شعار العلويين بدل السواد شعار العباسيين شعارًا رسميًا لدولته... (35)
      الوزارة:
      عندما انتقلت الخلافة إلى العباسيين، اتخذوا نظم الحكم عن الفرس ومنها الوزارة، وكان أول وزير للعباسيين أبا سلمة الخلال، لكن معالمها لم تتحدد في عهده، ولأن الدعوة العباسية قد قامت على أيدي الفرس وبمساعدتهم فمن الطبيعي أن يكون وزراء العصر العباسي الأول من الأعاجم مثل: البرامكة وبني سهل وعلى أيدي هؤلاء اكتسبت الوزرة شكلها النهائي في أواخر العصر العباسي الأول وكان الوزير في أيام العباسيين:
      ـ ساعد الخليفة الأيمن.
      ـ نائبًا عنه في حكم البلاد.
      ـ يعين الولاة.
      ـ يشرف على الضرائب.
      ـ يجمع في شخصه السلطتين: المدنية والحربية.
      ـ صاحب المشورة التي يسترشد بها الخليفة.
      وكان الوزراء في العصر العباسي الأول يتجنبون تسمية نفسهم باسم "وزير" على الرغم من قيامهم بأعمال الوزارة ومهامهم، فإليهم يرجع الفضل في ضبط أمور الدولة، ونشر لواء الأمن والعدل بين الرعية، ومَرَدُّ ذلك إلى تخوف الوزراء من الخلفاء بعد أن لقي البعض منهم حتفه على أيديهم، ولكن هذا لم يمنع الوزراء من الإقبال على اكتساب الألقاب المنسوبة إلى الدولة مثلاً:
      عماد الدولة، وعز الدولة، وركن الدولة..
      وكانت الوزارة أيام العباسيين ضعيفة أمام قوة الخلافة، قوية كلما ضعفت الخلافة؛ لذا تطرق الفساد إلى منصب الوزارة في عهد الخليفة المقتدر (295ـ320هـ) لاتباعه سياسة خرقاء في تعيين وزرائه وعزلهم، حتى تقلَّد الوزارة في عهده اثنا عشر وزيرًا، عُزِل بعضُهم أكثر من مرة، وكان لضعف الوزراء في ذلك العصر وازدياد نفوذ القواد أن ضاعت هيبة الوزارة فلم يبق للوزراء شيء من النفوذ؛ فاقتصرت وظيفتهم على الحضور إلى دار الخلافة في أيام المواكب مُرتَدِين السواد متقلدين السيوف والمناطق وغيرها من شعارات الوزارة، وأصبح تعيين الوزراء وعزلهم بيد أمير الأمراء الذي هيمن على شئون الخلافة والوزارة والدولة جميعً، وبخاصة في عصر البويهيين والسلاجقة. (36)
      الكُتَّاب:
      اتسعت الدولة العربية الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين وضمت شعوبًا وطوائف عديدة من الناس، فكان لابُدَّ لهذه الدولة من أن ينشأ فيها جهاز وظيفي يتولى أعمال الكتابة التي يوجهها الخليفة إلى الوزير أو القضاة والولاة في الأقاليم، وتسجيل الرسائل الواردة من الولاة والقضاة إلى الخلافة، وكذلك في سائر الدواوين كانت هناك الحاجة إلى من يتولى الأعمال الكتابية فيها..
      وفي العصر الأموي والعصر العباسي استمرت تلك الحاجة إلى مجموعة من الموظفين أو الكتاب للقيام بالأعمال الكتابية خاصة في العصر العباسي الأول بعدما تعددت الدواوين لمساعدة الوزير في أعماله الواسعة، وللإشراف على هذه الدواوين المختلفة وإدارة شؤونها فاقتضى طبقًا لذلك أن يكون لكل وزير كاتب أوكتَّاب يساعدونه، وأن يكون لكل والٍ من ولاة الأقاليم ورجال الدولة كاتب أو أكثر..
      ويرأس جماعة الكتاب الوزير، وأحيانًا كثيرة كان بعض الكتاب يتدرجون في الرقي إلى أن يتولوا الوزارة معتمدين على كفايتهم الكتابية وبلاغة أقلامهم..
      وتولى الأعمال الكتابية في الخلافة العباسية الفرس، لأن الفرس كانت لهم القدرة الفائقة في الكتابة، بينما كان العرب يفخرون بالسيف لا بالقلم، لذا نجد كثيرًا من الكتاب في العصر العباسي يحذون حذوَ أجدادهم الفرس، حتى في مظهرهم الخارجي، وكان لامتلاك بعض الكتاب ثقافةً أوسعَ من ثقافة غيرهم، ودائرة معارفهم الواسعة، ودرايتهم بأحوال الناس الاجتماعية، وتقاليدهم الكبيرة الفضل في سيطرة الفُرس على ميدان الكتابة، هذا فضلاً عن إن إجادتهم عملهم كان يتطلب دراية في اللغة والأدب وعلوم الدين والفلسفة والتاريخ والجغرافيا، إلى جوانب كثيرة قد تعرض في مسائل للخليفة أو الوزير أو الوالي..
      ولما كانت الأعمال الكتابية مهمة وخطيرة يجب على من يتولاها أن يتحلى بأخلاق حميدة وثقافة واسعة ودقيقة، فقد تعددت الكتب التي أُلِّفَتْ لجماعة الكُتَّاب بصفة خاصة فأَلَّف ابنُ قتيبة كتابًا اسمه "أدب الكاتب" أوضح فيه الكثير من ألوان المعرفة التي اعتقد "ابن قتيبة" أن الكاتب بحاجة إليها، كما أَلَّف "أبو بكر الصولي" كتاب "أدب الكاتب" توسَّع فيه في شرح أمور كثيرة لم يعرض لها ابن قتيبة، ونصح "عبد الحميد الكاتب" الكتاب فقال:"فنافسوا معشرَ الكتَّاب في صنوف العلم والأدب، وتفقهوا في الدين، وابدأوا بعلم كتاب الله عز وجل والفرائض، ثم العربية فإنها ثقافة ألسنتكم، وأجيدوا الخط فإنه حلية كتبكم، وارووا الأشعار، واعرفوا غريبها ومعانيها، وأيام العرب والعجم وأحاديثها وسيرها، فإن ذلك معين لكم على ما تسعون إليه، ولا يضعفن نظركم في الحساب فإن قوام كتاب الخراج منكم"..
      تنوع الكتَّاب تبعًا لتنوع الدواوين في ذلك العصر، فكان منهم كتاب الرسائل وكتاب الخراج وكتاب الجند وكتاب الشرطة وكتاب القاضي، وقد كان صاحب ديوان الرسائل الكاتب الأهم والأعلى شأنًا من غيره إذ كان عليه إذاعة المراسيم وإبراءات وتحرير الرسائل السياسية، وختمها بخاتم الخلافة بعد اعتمادها من الخليفة، ومراجعة الرسائل الرسمية ووضعها في صيغتها النهائية، وكانت مهمة كاتب الرسائل تشبه وزارة الخارجية اليوم..
      فكان يتولى مكاتبة الملوك والأمراء عن الخليفة، بأسلوب عذب بليغ؛ لذا روعي في الكاتب رصانة الأسلوب وسعة العلم فضلاً عن عراقة الأصل. (37)
      وقد زَخَرَ العصر العباسي الأول بطائفة من الكتاب لم يسمح الدهر بمثلهم، فقد اشتُهِرَ يحيى بن خالد البرمكي، والفضل بن الربيع في عهد هارون الرشيد، واشتهر الفضل والحسن ابنا سهل وأحمد بن يوسف في عهد المأمون، واشتهر محمد بن عبد الملك الزيات والحسن بن وهب وأحمد بن المدبر في عهد المعتصم والواثق. (38)
      الحركة العلمية في العصر العباسي الأول:
      اشتغال الموالي بالعلم:
      مما يسترعي نظر الباحث في تاريخ الثقافة الإسلامية أن السواد الأعظم من الذين اشتغلوا بالعلم كانوا من الموالي، وخاصة الفرس وكانت اللغة العربية هي الوسيلة الوحيدة للتفاهم بين المسلمين إلى أن أزال المغول الخلافة العباسية من بغداد في القرن السابع الهجري، وفي ذلك يقول "ابن خلدون" في "مقدمته" عند كلامه على "أن حملة العلم في الإسلام أكثرهم من العجم": "من الغريب الواقع أن حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم العجم، لا من العلوم الشرعية، ولا من العلوم العقلية، إلا في القليل النادر، وإن كان منهم العربي في نسبته، فهو أعجمي في لغته ومرباه ومشيخته مع أن الملة عربية، وصاحب شريعتها عربي..."
      ثم ذكر "ابن خلدون" بعض مشاهير "اللغة العربية" أمثال: سيبويه والفارسي والزَّجَّاج في علم النحو،وهم عجم في أنسابهم.
      ويتحدث الأستاذ "نيكلسون" عن النهضة الثقافية في العصر العباسي قائلا:"وكان لانبساط رقعة الدولة العباسية ووفرة ثروتها، ورواج تجارتها أثر كبير في إنشاء نهضة ثقافية لم يشهدها الشرق من قبل، حتى لقد بدا أن الناس جميعًا من الخليفة إلى أقل الأفراد عامة شأنًا غدوا فجأة طلابا للعلم أو على الأقل أنصارًا للأدب، وفي عهد الدولة العباسية كان الناس يجوبون ثلاث قارات سعيًا إلى موارد العلم والعرفان؛ ليعودوا إلى بلادهم كالنحل يحملون الشهد إلى جموع التلاميذ المتلهفين، ثم يصنفون بفضل ما بذلوه من جهد متصل هذه المصنفات التي هي أشبه شيء بدوائر للمعارف، والتي كان لها أكبر الفضل في إيصال هذه العلوم الحديثة إلينا بصورة لم تكن متوقعةً من قبل" (39)
      هذا في الشرق الإسلامي في العصر العباسي الأول، أما في الغرب فقد نافست قرطبة بغداد والبصرة والكوفة ودمشق والفسطاط فأصبحت حاضرة الأندلس سُوقًا نافقة للعلم وكعبةً لرجال الأدب، حتى جذبت مساجدُها الأوروبيين الذين وفدوا إليها لأخذ العلم من مناهله والتزود من الثقافة الإسلامية، ومن ثم ظهرت فيها طائفة من العلماء والشعراء والأدباء والفلاسفة والمترجمين والفقهاء وغيرهم..
      كان عهد الحكم الأول (180ـ206هـ) وعبد الرحمن الأوسط (206ـ238هـ) فترة هدوء سياسي لم يقع فيها من الأحداث السياسية ما يستحق الذكر وقد ساعد هذا الهدوء على بدء نهضة علمية، ولا سيما في عهد عبد الرحمن الأوسط الذي يُعتَبر عهدُه عهدَ يُسرٍ ورخاء وازدهار ثقافي، وذلك عن طريق تأثير الشرق الإسلامي في العصر العباسي..
      وكان عبد الرحمن الأوسط نصيرًا للعلوم والفنون، أولع بالفلك والتنجيم، وأحاط نفسه بنخبة من علماء الفلك وأَدَرَّ عليهم الأرزاق والمنح..
      وقد بعث في بداية عهده عباس بن نصيح إلى الشرق الإسلامي لينقل إليه الكتب التي استحوذ عليها العباسيون، وكان هذا الأميرُ الأمويُّ مولعًا بمطالعة كتب الطب والفلسفة القديمة..
      وانتقل كثيرٌ من التراث اليوناني والفارسي إلى قرطبة بفضل جهود عبد الرحمن الأوسط، وبذل الحكم المستنصر حتى قبل أن يُجْعَل على عرش الخلافة الأموية سنة 350هـ، جهودًا بعيدة الأثر في توجيه الدراسة الأندلسية في ميدان العلوم والطب. (40)
      تقسيم العلوم:
      لقد ميز كُتَّابُ المسلمين بين العلوم التي تتصل بالقرآن الكريم وبين العلوم التي أخذها العرب عن غيرهم من الأمم ويُطلَق على الأولى: العلوم النقلية أو الشرعية، وعلى الثانية: العلوم العقلية أو الحكمية، ويطلق عليها أحيانًا علوم العجم،أو العلوم القديمة..
      وتشمل العلوم النقلية: علم التفسير وعلم القراءات، وعلم الحديث، والفقه، وعلم الكلام، والنحو واللغة، والبيان، والأدب..
      وتشمل العلوم العقلية: الفلسفة، والهندسة، وعلم النجوم، والموسيقى والطب والكيمياء، والتاريخ، والجغرافيا..
      وفي العصر العباسي الأول اشتغل الناس بالعلوم الدينية، وظهر المتكلمون، وتكلم الناس في مسألة خلق القرآن، وتدخل الخليفة المأمون في ذلك؛ فأوجد مجالس للمناظرة بين العلماء في حضرته، ولهذا عاب الناس عليه تدخله في الأمور الدينية، كما عابوا عليه تفضيله علي بن أبي طالب على سائر الخلفاء الراشدين، وذهب البعض إلى أن المأمون أراد بعقد هذه المجالس إزالة الخلاف بين المتناظرين في المسائل الدينية، وتثبيت عقائد من زاغوا عن الدين، وبذلك تتفق كلمة الأمة في المسائل الدينية التي كانت مصدر ضعفهم، وكان "المأمون" يميل إلى الأخذ بمذهب المعتزلة؛ لأنه أكثر حرية واعتمادًا على العقل، فقرب أتباع هذا المذهب إليه؛ ومن ثم أصبحوا ذوي نفوذ كبير في قصر الخلافة..
      وفي هذا العصر ظهر نوعان من العلماء: الأول: هم الذين يغلب على ثقافتهم النقل والاستيعاب ويُسَمَّوْن أهلَ علم، والثاني: هم الذين يغلب على ثقافتهم الابتداع والاستنباط، ويسمون أهل عقل، وقد ذكر "ابن خلكان" في كتابه "وفيات الأعيان": أن الخليل بن أحمد اجتمع بابن المقفع وتحدثا في شتى المسائل؛ فلما افترقا قيل للخليل: كيف رأيت ابن المقفع؟ فقال: رأيت رجلا علمه أكثر من عقله، وقيل لابن المقفع: كيف رأيت الخليل؟ قال: رأيت رجلاً عقله أكثر من علمه..
      وليس من شك في أن ابن المقفع قد غلب على ثقافته النقل والترجمة والتأثر بآراء غيره من العلماء، على حين قد غلب على ثقافة الخليل الابتكار الذين يتجلى من هذه الحقيقة، وهي أنه أول من فرَّع قواعد النحو، وأول من صنَّف المعاجم، وأول من تكلم في علم العروض، فالأول إذًا ذو علم، والثاني ذو عقل. (41)
      (أ)ـ العلوم النقلية (الشرعية):

      ومن العلوم التي اشتغل بها العباسيون علم القراءات، ويعتبر المرحلة الأولى لتفسير القرآن، وتتركز النواة التي بدأ بها هذا العلم في القرآن نفسه، وفي نصوصه نفسها، وبعبارة أخرى في قراءاته، ففي هذه الأشكال المختلفة نستطيع أن نرى أول محاولة للتفسير، ويرجع السبب في ظهور بعض هذه القراءات إلى خاصية الخط العربي، إذ أن الرسم الواحد للكلمة الواحدة قُرِيء بأشكال مختلفة تبعًا للنقط فوق الحروف أو تحتها..
      وقد وجدت سبعة طرق في القراءات، تمثل كل طريقة منها مدرسة معترف بها ترجع قراءتها إلى إمام ترتبط باسمه وتستند على أحاديث موثوق بها، وعليها يُقتصَر في قراءة المصحف ويعتبرها هارون بن موسى البصري اليهودي الأصل (المتوفى بين سنتي 170و180هـ) مولى الأزد، أول من حاول نقد القراءات المختلفة، وبحث وجوه النظر التي تقوم عليها، ونقد الأسانيد التي تسند إليها نقدًا قويًا، وعلى الرغم من أنه كان قدريًا معتزليًا، قدره البخاري ومسلم، ووثقه يحيى بن معين، ويرجع أغلب الاختلافات في القراءات إلى رجال موثوق بهم ممن عاشوا في القرن الأول كابن عباس وعائشة، وعثمان صاحب القراءة وابنه أبان، وإلى قُرَّاء معترف بهم، كعبد الله بن مسعود، وأُبيّ بن كعب، وهؤلاء قد أثنى عليهم التابعون وغيرهم..
      ومن أشهر أصحاب القراءات في العصر العباسي الأول يحيى بن الحارث الذماري المتوفى سنة 145هـ، وحمزة بن حبيب الزيات المتوفي سنة 156هـ، وأبو عبد الرحمن المقريء المتوفي سنة 213هـ، وخلف بن هشام البزاز المتوفى سنة 229هـ..

      اتجه المفسرون في تفسير القرآن اتجاهين: يعرف أولهما باسم التفسير بالمأثور: وهو ما أُثِر عن الرسول صلى الله عليه وسلم وكبار الصحابة رضوان الله عليهم، ويعرف ثانيهم باسم التفسير بالرأي: وهو ما كان يعتمد على العقل أكثر من اعتماده على النقل، ومن أشهر مفسري هذا النوع المعتزلة والباطنية..
      على أن النوع الأول من التفسير وهو التفسير بالمأثور قد اتسع على مر الزمن بما أدخل عليه من آراء أهل الكتاب الذين دخلوا في الإسلام والذين كانت لهم آراء أخذوها عن التوراة والإنجيل مثل: كعب الأحبار اليهودي، وعبد الله بن سلام،، وابن جريج، ولقد كان إسلام هؤلاء فوق التهمة والكذب، ورفعوا إلى درجة أهل العلم الموثوق بهم..
      ولما كان الحديث يشغل كل عناية المسلمين في صدر الإسلام اعتُبر التفسير جزءًا من الحديث أو فرعًا من فروعه، حتى إن التفسير في ذلك العهد كان تفسيرًا لآيات مبعثرة غير مرتبة حسب ترتيب السور والآيات، إلا تفسير ابن عباس، ولو أن كثيرين يشككون في نسبته إليه..
      أما الطريقة المنظمة في تفسير القرآن فإنها لم تحدث إلا في العصر العباسي، فقد روى "ابن النديم" في "الفهرست": "أن عمر بن بكير كان من أصحاب الفرَّاء صاحب كتاب (معاني القرآن) المتوفى سنة207ه، وكان منقطعًا إلى الحسن بن سهل؛ فكتب إلى الفرَّاء: إن الأمير الحسن بن سهل ربما سألني عن الشيء بعد الشيء من القرآن فلا يحضرني فيه جواب، فإن رأيت أن تجمع لي أصولاً، أو تجعل في ذلك كتابًا أرجع إليه فعلت، فقال الفراء لأصحابه: اجتمعوا حتى أملي عليكم كتابًا في القرآن، وجعل لهم يومًا، فلما خرج إليهم وكان في المسجد رجل يؤذن ويقرأ بالناس في الصلاة، فالتفت إليه الفراء فقال له: اقرأ، وبدأ بفاتحة الكتاب ففسرها، ثم استوفى الكتاب كله، فيقرأ الرجل، ويفسر الفراء، فقال أبو العباس: لم يعمل أحد قبله مثله، ولا أحسب أن أحدًا يزيد عليه"..
      ولا شك أن الفراء قد فسر القرآن حسب ترتيب الآيات، وأنه فسره بهذه الطريقة التي رسمها لنفسه في أربعة أجزاء..
      ومن المفسرين المشهورين أيضًا مقاتل بن سليمان الأزدي، المتوفى سنة 150هـ، وقد تأثر بتفسير التوراة الذي أخذه عن اليهود، حتى أن الإمام أبا حنيفة قد اتهمه بالكذب، أما الشافعي فقال عنه: الناس كلهم عيال على ثلاثة:
      على مقاتل في التفسير، وعلى زهير بن أبي سلمى في الشعر، وعلى أبي حنيفة في الكلام"، ويروي عنه أيضًا أنه قال:"من أحب التفسير فعليه بمقاتل"..
      على أن هذه التفاسير قد ضاعت، ولم يصل إلينا شيء منها إلا عن ابن جرير الطبري المتوفى سنة 310هـ في تفسيره المشهور الذي قال عنه أبو حامد الأسفراييني: "لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصِّل كتاب تفسير محمد بن جرير الطبري لم يكن ذلك كثيرًا"..
      ويمتاز الطبري في تفسيره بتحري الدقة في النقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين، ومعارضته أصحاب الرأي المستقلين في التفكير، لأنهم كثيرًا ما يتبعون هواهم..
      كما امتاز العصر العباسي الأول بوجود جماعة من المعتزلة )الذين يقدمون عقولهم على الشرع) الذين لم يتقيدوا بالتفسير بالمأثور، وإنما كانوا يعتمدون في دعم آرائهم على العقل، وقد بذلوا جهدًا عظيمًا لدحض آراء معارضيهم بتفسير بعض الآيات القرآنية تفسيرًا يتفق مع مبادئهم العقلية..
      ومن أشهر تفاسير المعتزلة تفسير أبي بكر الأصم (ت 240هـ)، وتفسير ابن جرو الأسدي (ت 387هـ) وقد قيل: إنه كتب في تفسير البسملة نحو 120 وجهًا..
      ومن ذلك نرى أن القرآن الكريم قد أصبح منبعًا لكثير من العلوم التي اشتغل بها المسلمون في العصر العباسي، فعلماء النحو اتخذوا منه مادة خصبة يعتمدون عليها في استنباط قواعد اللغة العربية، كما ساعد "الإعراب" على تفسير القرآن وكشف غوامض بعض الآيات القرآنية، حتى لقد وضع علماؤهم كالكسائي والمبرد والفراء وخلف النحوي كتبًا أطلقوا عليها "معاني القرآن"، كما اعتمد الفقهاء في آرائهم الفقهية على القرآن أساسًا للتدليل على صحة ما ذهبوا إليه، وأَلَّفوا في المذاهب المختلفة كتبًا سموها "أحكام القرآن" ومن هؤلاء الشافعي وأبو بكر الرازي، أضف إلى ذلك ما كتبه المؤرخون من تفسير الآيات القرآنية التاريخية من حيث صلتها بتاريخ الأمم الأخرى، وغير خافٍ أن القرآن الكريم من أهم المصادر التاريخية على الإطلاق؛ لأنه أقدمها وأصدقها وأوسعها مجالاً. (42)

      ومن أهم مصادر التشريع الإسلامي "الحديث" وهو ما أُثِرَ عن النبي صلى الله عيه وسلم من قول أو فعل أو تقرير لشيء رآه، ويأتي في الأهمية بعد القرآن الكريم. (43)
      وكانت دراسة علوم القرآن الكريم باعثًا قويًا على ظهور علوم الحديث الشريف، وذلك لأنه يفصل ما أجمله القرآن الكريم، ويفسر ما يصعب على الناس فهمه، فقد شرح الحديث الكثير من الآيات القرآنية، ولم يُدوَّن الحديث الشريف تدوينًا شاملاً منظمًا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي عهد صدر الإسلام، ويُروَى أن الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم نهى عن تدوين الحديث حتى لا يختلط بالقرآن الكريم حيث قال: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"..
      وقد ظهرت بدايات تدوين الحديث الشريف في عهد الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز الذي كلف بعض من يثق بهم من علماء الحديث بجمعها، فقال لأبي بكر بن محمد بن حزم (ت120هـ) عندما كلفه بهذه المهمة ما نصه: "انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سنة ماضية، أو حديث عمرة فاكتبه، فإني خشيت دروس العلم، وذهاب أهله"..
      فكتب الأحاديث في دفاتر، وأُرْسِلَتْ منها نسخ إلى أنحاء الدولة الإسلامية. (44)
      حتى إذا جاء القرن الثاني للهجرة أخذ المسلمون يدونون الأحاديث النبوية، وأتاحوا الفرصة لظهور طائفة من أئمة الحديث الذين ظهروا في العصر العباسي، واشتهر منهم سفيان الثوري (ت161هـ) ـ أمير المؤمنين في الحديث ـ وله من الكتب "الجامع الكبير" و"الجامع الصغير" كلاهما في الحديث. (45)
      والإمام مالك بن أنس (ت 179هـ) أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، وجَّه إليه الرشيد العباسي ليأتيه فيحدثه، فقال: العلم يُؤتَى، فقصد الرشيد منزله واستند إلى الجدار، فقال مالك: يا أمير المؤمنين من إجلال رسول الله إجلال العلم، فجلس بين يديه فحدثه، من مؤلفاته كتاب "الموطأ". (46)
      وسفيان بن عيينة (ت 198هـ) كان حافظًا ثقة، واسع العلم، قال عنه الشافعي: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز، له كتاب "الجامع" في الحديث. (47)
      والإمام أحمد بن حنبل (ت241هـ) صاحب كتاب "المسند" الذي اشتمل على أربعين ألف حديث تكرر فيها عشرة آلاف، ويعد هذا الكتاب من الكتب المعتمدة في علم الحديث..
      وشهد علم الحديث في القرن الثالث الهجري نشاطًا كبيرًا عندما اتسعت حركة الجمع، واستقر نقد الحديث للتمييز بين الصحيح والضعيف، وجمعت الأحاديث في كتب خاصة، وأفردت عن الشروح الفقهية فظهرت المصنفات الصحيحة وأشهرها صحيح البخاري (ت256هـ) وصحيح مسلم (ت261هـ) وسنن ابن ماجة (ت273هـ) وسنن أبي داود (ت273هـ) وجامع الترمذي (ت279هـ)، وتسمى هذه الكتب (بالصحاح الستة) وأشهرها توثيقًا صحيحا البخاري ومسلم. (48)

      كان اختلاف أئمة الفقه في بعض النصوص الفقهية، واستنباط الأحكام منها قد أدى إلى تعدد المذاهب الفقهية، واشتهر من هذه المذاهب أربعة هي: مذهب مالك إمام أهل الحجاز، وزعيم الفقهاء الذين يأخذون بطريقة أهل الحديث، ومذهب أبي حنيفة إمام أهل العراق، وزعيم الفقهاء الذين يأخذون بطريقة الرأي والقياس، ومذهب الشافعي وكان يسير أولاً على طريقة أهل الحجاز، ثم جعل مذهبه وسطًَا بين الطريقتين، ومذهب أحمد بن حنبل، وكان من كبار المحدثين، واختص هو وأصحابه بالمذهب الحنبلي الذي يبعد عن الاجتهاد مما أدى إلى قلة عدد المتمسكين بمذهبه..
      ومن ثم ظهرت في ميدان الفقه مدرستان: مدرسة أهل الحديث في المدينة وعلى رأسها الإمام مالك الذي كان يأخذ بمبدأ التوسع في النقل عن السنة، ومدرسة أهل الرأي في العراق وعلى رأسها الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت بالكوفة سن 80هـ، ومات ببغداد سنة 150هـ، وقيل: إنه حج وهو في السادسة عشرة من عمره مع أبيه، وشهد عبد الله بن الحارث أحد الصحابة يحدث بما سمع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روى أيضًا أنه سمع مالك بن أنس، وكان أبو حنيفة بجانب اشتغاله بالعلم يحترف التجارة؛ فيبيع الخز، ويجلس في الأسواق مما أكسبه خبرة عظيمة، وجعله يعرف حقيقة ما يجري في الأسواق من معاملات الناس في البيع والشراء..
      وقد تعلم أبو حنيفة الفقه في مدرسة الكوفة، وأخذ عن عطاء بن أبي رباح، وهشام بن عروة، ونافع مولى عبد الله بن عمر، ولكنه أخذ أكثر علمه عن أستاذه حماد بن أبي سليمان الأشعري، وكان أبو حنيفة يتشدد في قبول الحديث، ويتحرَّى عنه وعن رجاله.
      ولم يصل إلينا أي كتاب في الفقه لأبي حنيفة، إلا أن ابن النديم ذكر من بين كتبه كتاب الفقه الأكبر ـ وهو في العقائد ـ ورسالته إلى البُستي، وكتاب الرد على القدرية، والعلم برًا وبحرًا شرقًا وغربًا بعدًا وقربًا..
      ومن تلاميذ أبي حنيفة الليث بن سعد الذي تولى قضاء مصر، وقد قيل إن أبا جعفر المنصور اجتمع به في بيت المقدس، وأنه قال لما خرج لوداعه، أعجبني ما رأيت من شدة عقلك، والحمد لله الذي جعل في رعيتي مثلك، وقد ذكر ابن خلكان: أن دخل الليث خمسة آلاف دينار في السنة، وأنه كان يوزعها على أهل العلم استغناء منه وتورعًا..
      ومن فقهاء ذك العصر مالك بن أنس الذي قضى حياته بالمدينة المنورة، روى أنه أخذ قراءة القرآن عن نافع بن أبي نعيم، وأخذ العلم عن ربيعة الرأي، وسمع الحديث من كثير من شيوخ المدينة كابن شهاب الزهري، ونافع مولى عبد الله بن عمر، وروى عنه الأوزاعي..
      وكان مالك أول من كتب في العلوم الدينية في العصر العباسي، وكتابه (الموطأ) أول كتاب ظهر في الفقه الإسلامي، ومن كتبه "المدونة" وهي مجموعة رسائل من فقه مالك، جمعها تلاميذه أسد بن الفرات النيسابوري، وتشتمل على نحو ست وثلاثين ألف مسألة، وكان مالك يعتمد على الحديث كثيرًا لأن بيئته الحجازية كنت تزخر بالعلماء والمحدثين الذين تلقوا الحديث عن الصحابة رضوان الله عليهم وورثوا من السنة ما لم يتح لغيرهم من أهل الأمصار الإسلامية الأخرى..
      وقد دخل مذهب مالك الأندلس في عهد الحكم الأول (180ـ206هـ) وقد قبل الأمير الأموي هذا المذهب لأنه يحرر بلاده من تأثير العباسيين الأدبي، وانتشر هذا المذهب في المغرب في الوقت نفسه، بذلك اتجهت الدراسات الفقهية نحو مذهب مالك، وقد نشأ عن دخول مذهب مالك في المغرب والأندلس مدرسة دينية طبقت شهرتها العالم الإسلامي الغربي، وظهر من بين علمائها: عبد الملك بن حبيب صاحب "الواضحة"، وعيسى بن دينار، وزياد بن عبد الرحمن..
      وممن اشتهر بالفقه من تلاميذ مالك محمد بن الحسن في العراق، ويحيى بن يحيى الليثي في الأندلس، وقد انتهت إليه الرياسة في الفقه والحديث في بلاد الأندلس، كما سمع عن الليث بن سعد في مصر، وسفيان بن عيينة بمكة، وكان قاضي القضاة في بلاد الأندلس لا يلي إلا بمشورة يحيى واختياره..
      ومن أشهر أئمة هذا العصر أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي الذي جمع بين مدرستي النقل والعقل بما آتاه الله من سعة العقل والقدرة على الابتكار، وهو أول من تكلم في أصول الفقه، وأول من أخذ في وضع مبادئه، وكان الشافعي مُعظِّمًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه إذا أراد أن يحُدِّث توضأ وجلس على صدر فراشه، وسرح لحيته، وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة..
      ترك الشافعي بلاد العراق سنة 200هـ، وقصد مصر حيث مات بها سنة 204هـ وله كتب كثيرة في الفقه، منها كتاب المبسوط في الفقه، وكتاب الأم، وقد أملاه على تلاميذه بمصر، وروى عنه كثير من الفقهاء كأبي ثور وابن الجنيد والبويطي وابن سريج وغيرهم..
      كان الشافعي ـ كما وصفه ابن خلكان- على علم بكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلام الصحابة رضي الله عنهم، وآثارهم واختلاف أقاويل العلماء، وغير ذلك من معرفة كلام العرب واللغة العربية والشعر..
      قال عنه أحمد بن حنبل رحمه الله: ما عرفت ناسخ الحديث من منسوخه حتى جالست الشافعي، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: أي رجل كان الشافعي؟!! فإني سمعتك تكثر من الدعاء له، فقال: يا بني، كان الشافعي كالشمس للدني، وكالعافية للبدن، هل لهذين من خلف أو عنهما من عوض؟
      ومن هؤلاء الأئمة أحمد بن حنبل رحمه الله الذي قال عنه الإمام الشافعي رحمه الله عندما خرج من بغداد إلى مصر:
      "خرجت من بغداد وما خلَّفتُ بها أتقى ولا أفقه من ابن حنبل"..
      إلا أن مذهبه قليل الأتباع، وأكثرهم بالشام ونجد والبحرين، وقد شهد له أئمة عصره بالانفراد بالزهد والورع والتقوى، وموقفه من مشكلة خلق القرآن يدل على قوة عزيمته، وشدة تمسكه بالدين..
      ومن فقهاء ذلك العصر أبو يوسف (ت182هـ) وقد تولى القضاء للمهدي والهادي والرشيد، وكان في أيام الرشيد يتقلد منصب قاضي القضاة..
      وكان أبو يوسف من أكبر تلاميذ أبي حنيفة أخذ عنه الفقه، وعمل على نشر مذهبه ومبادئه بعد أن تقلد قضاء بغداد، ومن مؤلفات أبي يوسف كتاب "الخراج" الذي ألفه للرشيد، وتعرض فيه لأهم أمور الدولة المالية التي لا يستطيع الإلمام بها إلا من كان في مثل منصبه، وقربه من الخلفاء، وتضلعه في الفقه الإسلامي..
      ومن أشهر فقهاء هذا العصر-كذلك- الليث بمصر، وقد أطنب العلماء في الإشادة بعلمه، روى عن الشافعي أنه قال: إن الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به، وقال ابن وهب: ما رأينا أحدًا قَطُّ أفقه من الليث سنة 157هـ.. (49)

      من العلوم التي اشتغل بها العباسيون علم الكلام، ويقصد به الأقوال التي كانت تُصاغ على نمط منطقي أو جدلي للدفاع عن عقيدة المتكلم، كما يسمى المشتغلون بهذا العلم "المتكلمين"، وكان يطلق هذا اللفظ أول الأمر على من يشتغلون بالعقائد الدينية، غير أنه أصبح يطلق على من يخالفون المعتزلة ويتبعون أهل السنة والجماعة..
      وكان من أثر ذلك أن أخذت كل فرقة تدافع عن عقيدتها، وتعمل على دحض الأدلة التي وردت في عقائد مخالفيها، وكانت المناظرات تعقد بين المتكلمين في قصور الخلفاء، وفي المعاهد الدينية كالمساجد، وغير الدينية كبيوت الحكمة..
      ومن أشهر المتكلمين: واصل بن عطاء، وأبو الهذيل العلاف، وإبراهيم النظام، وعمرو بن بحر الجاحظ، وبشر بن غياث، وثمامة بن أشرس. (50)
      وقد ظهر في عهد المأمون جماعة من كبار العلماء والمتكلمين الذين تناولوا أصول الدين والعقائد، وحَكَّموا عقولهم في البحث، ونشأت بسبب ذلك اعتقادات تخالف اعتقادات عامة المسلمين، وجمهور علمائهم المعروفين بأهل الحديث، وكان اعتماد المتكلمين في مباحثهم على العقل دون النقل، ومال المأمون إلى الأخذ بمذهب المعتزلة الفاسد؛ القائم على نبذ الشرع وتقديم العقل عليه؛ فقرب أتباع هذا المذهب إليه، ومن ثم أصبحوا ذوي نفوذ كبير في قصر الخلافة ببغداد، ووافقهم فيما ذهبوا إليه من أن القرآن مخلوق وهي بدعة ضالة، وعمد إلى تسخير قوة الدولة لحمل الناس على القول بخلق القرآن.. ربما لفساد عقيدته، وربما لشغل الناس عن القضايا السياسية، ومحاسبة الحكام -كما يرى بعض الباحثين.
      وصفوة القول: إن بعض خلفاء العصر العباسي الأول، كالمأمون والمعتصم والواثق شجع بعض الآراء الفلسفية والبحث العقلي في المسائل الدينية، وأن هؤلاء الخلفاء وقعوا فيما وقع فيه الروم من قبل، فأخذوا ببعض هذه الآراء واضطهدوا المعارضين لها، وعضدوا علماء الكلام فيما ذهبوا إليه من المسائل الدينية، وبخاصة مسألة خلق القرآن التي شغلت عقول الخلفاء وعلماء الكلام نحو خمس عشرة سنة (218ـ232هـ)..
      ومن أبرز متكلمي المعتزلة أبو الهذيل العلاف الذي وُلِدَ سنة 135هـ وتوفى سنة 235هـ، وكان من أقوى الشخصيات في مدرسة البصرة كما كان رئيس طائفة المعتزلة في أيامه، اشتهر بقوة الجدل والإقناع حتى قيل إنه أسلم على يديه ثلاثة آلاف رجل، وقد شغل كل حياته بالجدل مع الزنادقة والمجوس والثنوية وغيرهم. (51)

      نشأ علم النحو في البصرة والكوفة اللتين صارتا من أهم مراكز الثقافة في القرن الأول الهجري، وفي هاتين المدينتين كانت تقيم جاليات عربية تُنسَب إلى قبائل عربية مختلفة ذات لهجات متعددة، وآلاف من الصناع والموالي الذين كانوا يتكلمون الفارسية، ومن ثم تعرضت العبارات العربية السليمة إلى شيء غير قليل من الفساد، ودعت الضرورة إلى تقويم اللسان العربي، حتى لا يتعرض القرآن الكريم للتحريف، وكان أبو الأسود الدؤلي أول من اشتغل بالنحو في عهد الأمويين، وقد قيل: إنه تلقى أصول هذا العلم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه..
      ومن علماء البصرة المبرزين في العصر العباسي الأول أبو عمرو بن العلاء (ت153هـ)، والخليل بن أحمد (ت174هـ) واضع علم العروض، وصاحب كتاب "العين" الذي يُعتَبر أول معجم وُضِعَ في اللغة العربية، وسيبويه الفارسي، ويعرف كتابه باسم "كتاب سيبويه"، والمبرد صاحب كتاب "الكامل" ومن أشهر علماء الكوفة الكسائي الذي عهد إليه هارون الرشيد بتهذيب ابنيه الأمين والمأمون، وتلميذه الفراء المتوفى سنة 207هـ.. (52)
      ويعد الرؤاسي (ت235هـ) مؤسس مدرسة الكوفة ورأس علمائها، قد غلبت عليه الناحية الصرفية التي اهتم بها الكوفيون، وتقدموا بها على أهل البصرة حتى عَدَّهم المؤرخون الواضعين لعلم الصرف..
      وعندما تأسست مدينة بغداد وانتقلت الحركة العلمية إليها تكونت فيها مدرسة جديدة للنحو وقفت بين مدرستي البصرة والكوفة، وشجع الخلفاء العباسيون المناظرات العلمية بين علماء المدرستين، وأشهرها مناظرة الكسائي إمام الكوفة وسيبويه إمام البصرة، وفيها تغلب الكسائي فكان ذلك فوزًا لمدرسة الكوفة في بغداد، وقد أدى الخلاف بين المدرستين إلى بلورة علم النحو. (53)

      لقد شهد العصر العباسي ثورة ضخمة في الشعر، وظهر كثير من الشعراء الذين نهجوا بالشعر مناهج جديدة في الموضوعات والمعاني والأساليب والألفاظ حتى فاقوا في كل ذلك من سبقهم من الشعراء الإسلاميين والمخضرمين والجاهليين، ونشأت فيه أغراض لم تكن موجودة من قبل، وذهبت أخرى فقد ضعف الشعر السياسي والحماسي والغزل العذري، وقوي شعر المدح والرثاء، وازداد الشعر الحكمي، وظهر الشعر الزهدي والصوفي والفلسفي والتعليمي والقصصي، وأسرف الشعراء المتأخرون في استعمال ضروب البديع من جناس وطباق، واهتموا بتزويق اللفظ..
      وقد ازدهرت الحركة الشعرية والأدبية في العصر العباسي بفعل عملية الامتزاج بين المجتمعات والعناصر المختلفة وانتقال الثقافات الأجنبية عن طريق الترجمة وتبلور الخلافات السياسية والمذهبية بين الفرق الإسلامية مع بعضها البعض من جهة، ومع غيرها من جهة أخرى، فضلاً عن تشجيع الخلفاء والحكام للشعراء في بغداد، والمدن الأخرى، ولمع في سماء الأدب العباسي شعراء عديدون كبار أمثال: بشار بن برد (ت168هـ)، وأبو نواس (ت198هـ)، وأبو تمام حبيب بن أوس الطائي (ت228هـ).
      لقد نال الشعر من الاهتمام ما لم ينله أي لون أي لون من ألوان الأدب العربي لما عرف عن صلة العرب بالشعر، فقد قيل (الشعر ديوان العرب) وكان الشعر والأدب ينقل شفهيًا منذ العصر الجاهلي رغم ضياع أكثره، وفي إطار هذا الجهد التدويني للشعر الجاهلي ظهرت مجموعات شعرية مهمة كالمعلقات والمفضليات والأصمعيات فالمعلقات هي أقدم ما بقى لنا من مجموعات الشعر الجاهلي وهي سبع قصائد طوال لسبعة من شعراء الجاهلية المشهورين جمعها حماد الراوية (ت156) وسماها المعلقات، والمفضليات هي المجموعة الشعرية الثانية للمفضل بن محمد الضبي الكوفي (ت164هـ)، والأصمعيات لعبد الملك بن قُرَيْب الأصمعي (ت216هـ)، وهناك مجموعات شعرية أخرى كديوان الحماسة لأبي تمام (ت231هـ)، وطبقات الشعراء لابن سلام (ت231)، وغيرها من المصنفات التي دونت أهم ما حفظته ذاكرة الرواة من الشعر الجاهلي بعد الإسلام؛ فصانته لنا من الضياع. (54)
      وكان للفرق الدينية كالشيعة والمعتزلة التي نشأت في القرن الأول الهجري، ونمت في العصر العباسي الأول، شعراء يدافعون عن مبدأهم، ويحفزون أتباعهم لمقاومة كل اعتداء يحيق بهم من خلفاء ذلك عصر، ومن هؤلاء السيد الحميري (ت173هـ) وكان كيسانيًا، فأبان عن عقيدته في محمد بن الحنيفة بن علي بن أبي طالب، وأشاد بمآثره..
      وكان للمعتزلة الذين نشطت دعوتهم في بداية العصر العباسي، ونمت نموًا سريعًا في عصر المأمون، شعراء يشيدون بمبادئهم وأعمالهم من ذلك ما قاله بعضهم:
      له خلف شِعب الصين في كل ثغرة\\\ إلى سوسها الأقصى وخلف البرابر
      وقد حفَّزت الانتصارات المتوالية التي ظفر بها الخلفاء العباسيون على الروم كثيرًا من الشعراء إلى إنشاد القصائد الرائعة للإشادة ببطولتهم، وما أحرزوه من نصر وظفر في سبيل دفع خطر الأعداء عن المسلمين.. من ذلك ما قاله أبو العتاهية في مطلع قصيدته التي نظمها على أثر انتصار الرشيد على الروم في هرقلة:
      ألا نادت هرقلة بالخراب\\\ من الملك الموفق بالصواب
      ومدح أبو تمام الخليفة المعتصم على أثر انتصاره في عمورية بقصيدته التي قال فيها:
      فتح الفتوح تعالى أن يحيط به\\\ نظم من الشعر أو نثر من الخطب
      (ب)ـ النثر:
      أما النثر فلم يكن أقل ثراءً وخصبًا من الشعر، قد بدأ النثر في صدر الإسلام بسيطًا مباشرًا موجز العبارة، وبأشكال عديدة منها: الرسائل والخطب والأحاديث والأمثال والقصص، وبتقدم الحياة الاجتماعية والعقلية تقدم النثر وتنوعت موضوعاته، وتعددت فنونه؛ فظهرت صنعة الكتابة، ومن أبرز الكُتَّاب "عبد الحميد الكاتب" الذي يعتبر شيخ صناعة الكتابة والذي قيل فيه:"بدأت الكتابة بعبد الحميد وانتهت بابن العميد".. فقد أحدث فيها أمورًا فنية لم تكن من قبل كالتحميدات في صدور الرسائل، وتقسيم الفقرات والفصول، وختم الرسائل بما يناسب المكتوب إليه.. إلى غير ذلك من الأمور، وليس لعبد الحميد كتب، وإنما خلف رسائل مشهودة مبثوثة في كتب الأدب والتاريخ، من أشهرها رسالته إلى الكتاب، ورسالته التي كتبها إلى ولي عهد مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية..
      ومن أدباء العصر العباسي الأول أيضًا عبد الله بن المقفع الذي يرجع إليه الفضل في نقل كثير من الكتب عن الفهلوية، وهي الفارسية القديمة، ومن هذه الكتب كتاب "كليلة ودمنة" الذي ترجمه عن أقاصيص "بيدبا" التي كتبت بالسنسكريتية، وهي اللغة الهندية القديمة، ويعد هذا الكتاب من أقدم كتب النثر في الأدب العربي، كما يعد مثلاً أعلى في سلامة الأسلوب وسلاسة العبارة. (55)
      ومن أدباء ذلك العصر أيضًا ـ عمرو بن بحر الجاحظ ـ (ت255هـ) الذي عرف بالميل إلى عقائد المعتزلة، حتى لقد نشأت فرقة تسمى الجاحظية نسبة إليه، ومن أشهر كتبه كتاب "الحيوان" وكتاب "البيان والتبيين". (56)
      حركة التعريب والترجمة والتأليف:
      ـ التعريب: نقل الكتب والنصوص من لغة أجنبية إلى اللغة العربية..
      ـ الترجمة: نقل الكتب وترجمتها من لغة إلى لغة أخرى..
      يجمل الدكتور / عمر فروخ (بواعث النقل في الإسلام) بما يلي:
      كانت البواعث على نقل كتب العلوم والفلسفة إلى اللغة العربية جمة منها:





      وأول نقل في الدولة العباسية قام به عبد الله بن المقفع (ت142) فقد نقل عددًا من كتب السلوك إلى اللغة العربية، ووضع كتاب "كليلة ودمنة" بالاستناد إلى قصص فارسية وهندية، ومنذ عهد أبي جعفر المنصور (ت158هـ)، أصبح التعريب عملاً منظمًا، وممن قام به يوحنا بن ماسويه، وسَلمٌ أمين مكتبة بيت الحكمة، والحجاج بن مطر..
      وفي عصر المأمون (عصر الازدهار العلمي) أصبحت بغداد أعظم منارة للعلم والمعرفة في العصور الوسطى، وكان التعريب من كل اللغات وقدم لكل مترجم قبالة كل كتاب عرَّبه زنته ذهبًا..
      وعندما انتصر "المأمون" على تيوفيل ملك الروم سنة 215هـ علم بأن اليونان كانوا قد جمعوا كتب الفلسفة من المكتبات وألقوا بها في السراديب عندما انتشرت النصرانية في بلادهم، فطلب المأمون من تيوفيل أن يعطيه هذه الكتب مكان الغرامة التي كان قد فرضها عليه، فقبل "تيوفيل" بذلك وعده كسبًُا كبيرًا له، أما المأمون فعد ذلك نعمة عظيمة عليه..
      ومن المترجمين في هذه الفترة شيخ المترجمين حنين بن إسحاق، وثابت بن قرة والحجاج بن مطر..
      وكان المنهج العلمي المتبع في الترجمة والتعريب الآتي:
      أولاً العودة إلى عدة نسخ من الكتاب المراد تعريبه، ومن ثم انتقاء أفضل نسخة موثقة لاعتمادها، ومراجعة الترجمات السابقة للكتاب إن وُجِدَت للاستفادة منها، والاطلاع على أخطائها لتداركها، ثم تقسيم العمل بين عدة أشخاص، وإلى عدة مراحل، فواحد يترجم من اليونانية إلى السريانية وآخر يترجم من السريانية إلى العربية، وثالث يراجع النصوص وينقح ويدقق..
      وكان للنقل طريقتان:
      ـ لفظية: انتهجها يوحنا بن البطريق، وعبد المسيح بن الناعمة الحمصي، وكانت الترجمة فيها حرفية..
      ـ ومعنوية: انتهجها حنين بن إسحاق، وكانت تعطي المعنى واضحًا دون التقيد باللفظ..
      ونتج عن حركة النقل والتعريب هذه اتساع الثقافة العربية بما دخل عليها من ثقافات الأمم ومناحي تفكيرها، واطلاع العرب على علوم كانوا في حاجة إليها كالرياضيات والطب وأتاحت فرصة باكرة للعرب للمسلمين مكنتهم من أن يؤدوا رسالتهم في تقدم الثقافة الإنسانية، فارتقت الحضارة العربية الإسلامية في الحياة العملية العامة في البناء وأسباب العيش، وفي الزراعة والصناعة والأسفار والطب... واغتنت اللغة العربية بالمصطلحات العلمية والتعابير الفلسفية. (57)
      سمات عامة للعصر العباسي الأول (132 ـ 232هـ):
      ـ قوة الدولة..
      ـ وحدة الدولة..
      ـ سيطرة شبه كاملة للفرس على الجهازين العسكري والإداري..
      ـ كان الجيش طوعًا للقيادة إلى حد كبير..
      ـ توقف حركة الجهاد؟ لماذا؟
      في الحقيقة إن الفتوحات الإسلامية أيام الدولة العباسية، كانت محدودة وعلى نطاق ضيق، بل تم توقف الفتوحات الواسعة منذ أواخر الدولة الأموية..
      ويرجع ذلك إلى ضعف الروح الإسلامية لدى المسلمين في ذلك العهد بالنسبة إلى ما كان عليه المسلمون الأوائل في الصدر الأول، وضعف الإيمان في النفوس، وتراجع الفكر الإسلامي من العقول، وعدم فهم طبيعة الإسلام في الجهاد. (58)
      بالإضافة إلى الترف الذي أصاب الدولة العباسية يومئذ وهذا أمر خطير لم تكن له نتائج مباشرة في هذه المرحلة لقوة الدولة، ولكنه كان مرضًا تفشى مع مرور الوقت حتى شُغِلَ الناسُ بأنفسهم، وبدأ الجيش ينشغل في الأمور الداخلية بدلاً من الجهاد في سبيل الله..
      والقوة فتنة إن لم تُصرف في الحق صُرفت في الباطل. (59)
      1ـ علم القراءات: 2ـ التفسير: 3ـ الحديث: 4ـ الفقه: 5ـ علم الكلام: 6ـ النحو: 7ـ الأدب: 1ـ القرآن الكريم وحثه على التفكير وطلب العلم. 2ـ احتكاك العرب بغيرهم من الأمم أطلع العرب على ثقافات جديدة، فأحب العرب أن يوسعوا بهذه الثقافات آفاقهم الفكرية. 3ـ حاجة العرب إلى علوم ليست عندهم، مما كانوا يحتاجون إليه في الطب وفي معرفة الحساب والتوقيت لضبط أوقات الصلوات وتعيين أشهر الصوم والحج وأول السنة. 4ـ العلم من توابع الحضارة، فحينما تزدهر البلاد سياسيًا واقتصاديًا ويكثر فيها الترف، ويستبحر العمران، تتجه النفوس إلى الحياة الفكرية، والتوسع في طلب العلم.. 5ـ رعاية الخلفاء للنقل والنقلة، فقد كان الخلفاء يدفعون للناقل ثقل الكتاب المنقول ذهبًا، ثم إن الخليفة العباسي المأمون أنشأ (بيت الحكمة) وجمع فيه الناقلين، فأصبح نقل الكتب الفلسفية جزءًا من سياسة الدولة، وكانت ثمة أسر وجيهة غنية محبة للعلم، تبذل الأموال في سبيل الحصول على الكتب، وفي سبيل نقلها، فإنَّ آل المنجم كانوا ينفقون خمسمائة دينار في الشهر على نقل الكتب..

      مراجع وتعليقات من مشاركة رقم 20 الى مشاركة رقم 28:


      (1) حرّان: بلدة تقع في جنوب تركيا اليوم، على بعد 13 كم من الحدود السورية.

      (2) دومة الجندل: بلدة تاريخية، شمال الجزيرة العربية، على الطريق بين الأردن والعراق.
      (3) محمود شاكر: التاريخ الإسلامي، الدولة العباسية جـ 5 ص 66 - 68 ، وانظر أيضًا د. طقوش: تاريخ الدولة العباسية ص 37.
      (4) الراجح أن المقصود بالسفاح هنا الكريم بدليل أن الكلمة وردت في سياق مدح أهل الكوفة وزيادة أعطياتهم، أي أنها تتفق مع معنى الكرم فهو كريم معطاء مع أصدقائه وثائر مبير مع أعدائه، والجدير بالذكر أن المعنى اللغوي لكلمة السفاح تحتمل عدة معانٍ منها: السفاك للدماء، الكريم المعطاء الذي يسفح الدنانير، ومنها الفصيح اللسان... راجع ابن منظور: لسان العرب جـ 2 ص 485 - 486 .
      (5) د. طقوش: تاريخ الدولة العباسية ص 37 ، 38 . دار النفائس، الطبعة الرابعة 1425 هـ - 2004 م
      (6) محمود شاكر: التاريخ الإسلامي، الدولة العباسية جـ 5 ص 68 ، 69 .
      (7) المرجع السابق: جـ 5 ص 73 ، 74 .
      (8) الزاب: نهر يصب في دجلة على مقربة من الموصل، ويأتي من الشرق.
      (9) المرجع السابق: جـ 5 ص 75 - 78 .
      (10) د. طقوش: تاريخ الدولة العباسية ص 47 - 49 . دار النفائس، الطبعة الرابعة 1425 هـ - 2004 م
      (11) المرجع السابق: ص 65 .
      (12) المرجع السابق: ص 66 - 72 .
      (13) الطبري: تاريخ الأمم والملوك جـ 6 ص 271، 344، 345 . وانظر أيضًا د: طقوش: المرجع السابق ص 72 ، 73 .
      (14) ابن كثير: البداية والنهاية جـ 10 ص 222.
      (15) الطبري: تاريخ الأمم والملوك جـ 6 ص 510 ، وانظر أيضًا السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 336 .
      (16) المرجع السابق: جـ 6 ص 530 .
      (17) النطع: بساط من الجلد يفرش تحت المحكوم عليه بالعذاب أو بقطع الرأس.
      (18) ابن كثير: البداية والنهاية جـ 10 ص 224 .
      (19) المرجع السابق: جـ 10 ص 224.
      (20) الطبري: تاريخ الأمم والملوك جـ 6 ص 530.
      (21) ابن كثير: البداية والنهاية جـ 10 ص 223 ، 224 .
      (22) الطبري: تاريخ الأمم والملوك جـ 6 445 ، وانظر أيضًا د. طقوش: تاريخ الدولة العباسة ص 92 .
      (23) د. طقوش: تاريخ الدولة العباسية ص 92 ، 93 .
      (24) الطبري: تاريخ الأمم والملوك جـ 6 ص 450 .
      (25) المرجع السابق: جـ 6 ص 450 ن 451 .
      (26) د. طقوش: تاريخ الدولة العباسية ص 94 . دار النفائس، الطبعة الرابعة 1425 هـ - 2004 م
      (27) المرجع السابق: ص 95 .
      (28) د. إبراهيم شعوط: أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ: ص 296 - 298 .
      (29) المرجع السابق: ص 300 ن 301 .
      (30) المرجع السابق: ص 301 - 305 .
      (31) المرجع السابق: ص 307 - 309 .
      (32) المرجع السابق: ص 310 .
      (33) بداية من أبي موسى محمد الأمين وحتى هنا منقول من كتاب: تاريخ الدولة العباسية د. طقوش. دار النفائس، الطبعة الرابعة 1425 هـ - 2004 م.
      (34) د. حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام جـ 2 ص 76 ، 77 .
      (35) المرجع السابق: جـ 2 ص 78 - 80 .
      (36) د. إبراهيم أيوب: التاريخ العباسي السياسي والحضاري ص 214 - 215 .
      (37) المرجع السابق: ص 216 - 217 .
      (38) د. حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام جـ 2 ص 214 - 215 .
      (39) المرجع السابق: جـ 2 ص 262 - 263 .
      (40) المرجع السابق: جـ 2 ص 264 .
      (41) المرجع السابق جـ 2 ص 264 - 265 .
      (42) المرجع السابق جـ 2 ص 265 - 269.
      (43) المرجع السابق جـ 2 ص 269 .
      (44) د. رحيم كاظم، ود. عواطف محمد: الحضارة العربية الإسلامية ص 209 - 211 .
      (45) د. حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام جـ 2 ص 270 ، وانظر أيضًا الزركلي: الأعلام جـ 3 ص 104 .
      (46) الزركلي: الأعلام جـ 5 ص 257 .
      (47) المرجع السابق: جـ 3 ص 105 .
      (48) د. رحيم كاظم، ود. عواطف محمد: الحضارة العربية الإسلامية ص 212 .
      (49) د. حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام جـ 2 ص 271 - 274 .
      (50) المرجع السابق: جـ 2 ص 274 . وانظر أيضًا د. محمد السيد الوكيل: العصر الذهبي للدولة العباسية ص 381 .
      (51) المرجع السابق: جـ 2 ص 274 - 276 .
      (52) المرجع السابق: جـ 2 ص 276 ، 277 .
      (53) د. رحيم كاظم، ود. عواطف محمد: الحضارة العربية الإسلامية ص 172 .
      (54) المرجع السابق ص 174 ، 175 .
      (55) د. حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام جـ 2 ص 280، 281 وانظر أيضًا: د. رحيم كاظم، ود. عواطف محمد: الحضارة العربية الإسلامية ص 175 ، 176 .
      (56) د. حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام جـ 2 ص 282 .
      (57) د. شوقي أبو خليل: الحضارة العربية الإسلامية ص 442 ، 445 .
      (58) محمود شاكر: الدولة العباسية جـ 5 ص 7 ، 192 وانظر أيضًا جـ 6 ص 22 .
      (59) د. راغب السرجاني.


      مقدمة :

      عصر السيطرة العسكرية على مركز الخلافة:
      قد تختلف فكرة العسكرية في ذلك العصر، وما قبله عما هي عليه اليوم إذ كان المجاهدون أو المقاتلون يُدْعَوْن حين الجهاد أو وقت الحاجة إليهم، وهم ممن يستطيع القتال، منهم من يندفع في سبيل الله إذا كان الغزو في بلاد الكفر، ومنهم من يرغب في الغنائم وذلك عندما ضعف الإيمان، ومنهم من يجبر على الخروج إذا فرض على منطقة معينة عدد من المقاتلين وذلك بعد أن توقفت الفتوحات، وانتهى أمر الجهاد، وغدت الحروب تشن على العصاة والخارجين على الحكم أو المتمردين، وطالبي الزعامة، ومنتقدي الحكم والخوارج وغيرهم.
      ويعين الخليفة أو الأمير قائدًا لهذا الجيش، وبعد معركة أو الانتهاء من مهمة يتغير القائد، وفي مهمة جديدة قد يصبح قائدًا من كان بالأمس جنديًا، ويغدو قائدُ الأمس جنديًا، وهكذا تتبدل القيادة ولا تبقى بيد شخص يطاع بصورة دائمة، فإذا ما استمر رجل يحمل اللواء لشجاعة فيه، أو لفن في قيادته وشعر الجند دائمًا أنهم تحت إمرته كانت له سيطرة ونفوذ عليهم، واضطر الجند لطاعته، فإذا كان هذا القائد من أصحاب الطموح فإن نفسه تحدثه في الحصول على السيطرة على الوضع، أو الاستقلال عن مركز الخلافة، وتأسيس دولة تحمل اسمه، ولننظر إلى بعض الحوادث التاريخية..
      ففي العصر العباسي الأول نلاحظ أن عبد الله بن علي عم السفاح والمنصور قد ارتفع اسمه وعلا ذكره في بلاد الشام، وخافه الناس حتى أطاعوه، وذلك بعد الانتصار على مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية وهذا الخوف منه والطاعة له قد مكَّنا له في بلاد الشام حتى طمع بالخلافة، أو حدثته نفسه بذلك؛ فتحرك لها ووافقه الشاميون وساروا معه حتى قُبِضَ عليه، والأمر نفسه بالنسبة إلى أبي مسلم الخراساني الذي اتخذ القتل وسيلة أرهب بها الناس حتى خشيه أنصاره قبل أعدائه، واستمر في خراسان مدة منذ سار إليها حتى قُضِيَ عليه عام 137هـ..
      وإذا كان العصر العباسي الأول قويًا فلم تقم فيه سيطرة عسكرية أو زعامة ذات قوة تعتمد عليها في حكمها للمنطقة، وإذا ما تم وحدَّثت نفسُ بعض القادة بذلك فقد كان يُقضَى عليها بسرعة، وهذا ما حدث لعبد الله بن علي، وأبي مسلم الخراساني، ولم تقم في ذلك العصر سوى دولة واحدة هي دولة الأغالبة في تونس، إذ كان إبراهيم بن الأغلب أمير المنطقة، واعتمد على نفوذه، وجنده فأسس دولته، وسكت عنه العباسيون لتقف إمارته هذه في وجه الإمارات الأخرى الخارجة على العباسيين، والمخالفة لهم، وهي إمارات الخوارج في "تاهرت" و"سجلماسة"، وإمارة الأدارسة في المغرب الأقصى في فاس، ودولة الأمويين في الأندلس، وبهذا فلم تقم سوى دولة واحدة في عصر القوة العباسي اعتمدت على الجند..
      وشعر الخليفة المأمون أن بعض القادة الذين أصبح لهم نفوذ لم يعد بالإمكان وضع حدٍّ لهم بسهولة؛ لذا فقد خاف مغبة الأمر، وفي الوقت نفسه فإن الجند لم يعد بالإمكان السيطرة عليهم بيسر؛ لأن الناس قد خلدوا إلى الراحة، وركنوا إلى الأرض وبقي أمر القوة بيد هؤلاء الجند؛ لذا فقد طلب من أخيه المعتصم الإكثار من جلب الأتراك من بلاد ما وراء النهر على شكل مماليك فحياة المدن لم تُفسد طباعَهم بعد، ويمكن تدريبهم تدريبًا عسكريًا كي يكونوا أداةً طيعةً بيد الخليفة تحمي بهم الثغور، وتضرب بهم خصوم الدولة في الداخل، وبدأت أفواج الترك تفد إلى بغداد حتى ضَجَّ منهم سكانها، وما إن أصبحوا جنودًا لهم نفوذ حتى كثرت تعدياتهم فقد أفسدتهم حياتهم الجديدة، وحدث الخلاف بينهم وبين البغداديين، واضطر المعتصم إلى بناء مدينة "سامراء" والانتقال بهم هناك، ومع الزمن أصبح مهم قادة اشتهر منهم "الإفشين" و"بغا" و"وصيف"، وغيرهم (1) وزاد نفوذهم في الدولة، وأخيرًا تآمروا مع المنتصر على قتل أبيه المتوكل عام 247هـ..
      ومع مجيء هؤلاء الجند إلى مركز السلطة أصبحت الأمور بأيديهم، وبقى الخليفة اسمًا أو صورة في قصره ليس عليه سوى التوقيع على التعليمات في كثير من الأحيان، أو إصدار الأوامر حسب رأى القادة حتى وصف الخليفة أحد الشعراء فقال:
      خليفة في قفصٍ \\\بين وصيف وبغا
      يقول ما قالا له\\\ كما تقول الببغا
      وأصبح الحكم بالسيف لا بالرأي، والتنفيذ بالسوط لا بالحكمة، والناس مجبرون على الخضوع سواء أكان الأمر حقًا أم باطلاً، وعليهم أن يقولوا عن كل شيء: إنه حق وصحيح وجيد ما دام مفروضًا من القادة، ومن قال غير ذلك كان السيف أقرب إليه من إجابته بالرفض، وهذا ككل حكم عسكري، وقال أحد الشعراء:
      لله دَرُّ عصــابةٍ تـركيةٍ\\\ جعلوا نوائب دهرهم بالسـيف
      قتلوا الخليفة أحمد بن محمد\\\ وكسوا جميع الناس ثوب الخوف
      وهكذا فسد الوضع فلم يأمن الناس بعد ذلك على أرواحهم، ولا على أموالهم، ولا على أعراضهم، وهُدِرَت الكرامة، وفَقَدَ الناس حريتهم، وضاعت العزة، وأصاب الأمة الذل، ومتى وقع ذلك فقدت الأمة مقوماتها، ولم تعد قادرة على القتال، ولا على المجابهة، وأصبح المجتمع مضطرًا للخضوع للقادة المتسلطين وقبول كل رأي يقوله العسكريون، وهذا ما يريدونه عادة، ولم يعرفوا نتائجه، وإنما يعرفون مصالحهم، وبسط نفوذهم وسيطرتهم، وإشباع رغبات نفوسهم، هذا في الداخل، وهو نفسه ما يريده أعداء الإسلام في الخارج، ولا يختلف الوضع العسكري في أي زمان ولا أي مكان عن هذا أبدًا. (2)
      ويكمن الخطر والسوء في الحكم العسكري في العلاقات القائمة بين الناس، فعندما يكون الجند طرفًا ويقع خلاف بين الجانبين يكون فرق بين خصمين يحمل أحدهما السلاح والآخر أعزل، يتكلم الأول بسلاحه، والثاني بعقله فينتصر السلاح، ويسكت العقل مرغمًا فتنعدم الحرية، ويقع الجور، ويتم كبت الفكر، ويحدث للناس الذل، فتتأخر البلاد اجتماعيًا كما تتأخر اقتصاديًا إذ يحرص الطغاة على الإفادة من وضعهم فيجمعون ما يمكنهم جمعه، ناهيك عن أعمال السلب والنهب والتعديات التي يقوم بها القادة العسكريون وأتباعهم سواء أكان عن طريقهم مباشرة أم عن طريق جندهم، والذين يقلدونهم أيضًا، ويقل الإنتاج لأن السكان يهملون ذلك كي لا يتعرضوا للنهب أو الإجبار على الدفع، أو الطغيان عليهم، وتضعف المعنويات، فلا يمكن للناس أن يقاتلوا، فباسم من يقاتلون؟! ولمن يحاربون؟! ولماذا يسيرون للغزو؟! وكيف يقاتل الذليل؟! وهل تفتح البلدان بقطعان من العبيد؟!لذا تضيع البلاد ويدخلها الأجنبي، وقد كان المغول هم الأعداء الداخلون للدولة العباسية، والمزلزِلُون لها، والقاضون عليها..
      وقد لوحظ هذا الأمر من القديم؛ لذا كان الجند يقيمون بعيدًا عن أهل المدن في معسكرات خاصة بهم نائية نسبيًا عن تجمعات السكان كي لا يحدث هذا الصدام غير المتكافيء، وينتج عنه انشقاق. (3)
      لذلك حرص الخلفاء في صدر الإسلام على أن يبقى المجاهدون في مدن خاصة بهم كي لا يميلوا إلى الدعة وحب الاستقرار، ومن هنا نشأت مدن الكوفة والبصرة والفسطاط وغيرها لتكون قواعد للجهاد، وذلك في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه..
      وعندما يكون الحكم عسكريًا فلابد من أن يحمي نفسه بالجند المسلحين الذين يكونون بجانبه في المدن في مقر الحكم، وفي الدوائر الرسمية، ودائمًا بأسلحتهم فيرهبهم الناس، ويتصرفون كما يحلو لهم، ويدعمهم قادتهم في كل شيء كي يأمنوا جانبهم، ويكسبوا طاعتهم، وينفذوا أوامرهم وقت الشدة وأثناء الملمَّات، وهنا يقع الفساد وتعمُّ المنكرات..
      وليس معنى هذا أنه لا يوجد قادة عسكريون صالحون على مدار التاريخ، فقد وُجِدَ أمثال: نور الدين محمود زنكي، وصلاح الدين الأيوبي وغيرهما، ولكن هذه نسبة قليلة، وما إن ينتهي الضابط الصالح حتى يرجع العرف العسكري بل إن العسكري الصالح قلَّما يطول أمره لأنه يقف أمام أهواء الذين دونه، فيشعرون بالضغط والكتب فيعملون على إزاحته بصورة أو بأخرى، ومن هنا كان أصحاب القوة من العسكريين في العصر العباسي الثاني من أسباب الضعف الذي أصاب الأمة سواء أكانوا عربًا أو تركًا أم فرسًا، فالسيف واحد بأية يدٍ كان.. (4)
      لم يكن الأمويون أصحاب عصبية عربية ضد الفرس أو الموالي كما تصور ذلك كتب التاريخ التي بين أيدينا، ليس من أمر تستدل به على رأيها سوى حادثة فُهِمَت بشكل غير صحيح، وهي حادثة الجراح الحكمي أيام عمر بن عبد العزيز، وهي أنه قد أخذ الجزية من بعض أناس المجوس، ثم دانوا بالإسلام بعد مرور مدة من العام فلم يرد لهم ما أخذ عن عامهم ذلك واجتهد وعدَّ ما أُخِذَ لا يرد، وإنما تسقط الجزية بعد عامهم ذاك، فرفعوا هذا الأمر إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز فقضى لهم، وردَّ ما أُخِذَ منهم، وأجاب واليه جوابه الشهير:
      "إن الله بعث محمدًا هاديًا، ولم يبعثه جابيًا"..
      فقد استعمل الأمويون بعض العناصر الفارسية في المواضع التي هم بحاجة إليها، أما في فارس فقد استفاد الولاة من الفرس في كثير من المناصب، مراكز الإدارة، هذا الأمر عام في مختلف الأمصار الإسلامية فلم يستعمل الأمويون البربر في الشام، ولا في فارس، وإنما استعملوهم في المغرب والأندلس، كما أن العباسيين لم ينقلوا عمالاً لهم من فارس إلى غيرها من الأمصار في الجناح الغربي من الدولة..
      وأما وجود العناصر العربية في بقية الأمصار فإن الفتوحات الإسلامية الأولى قد قامت على سواعد العرب، وقد استقر أعداد من الفاتحين في المناطق التي دخلوها، بل إن قبائل وبطونًا كاملة قد استقرت في جهة معينة نتيجة وجود كثيرين من الفاتحين من أبنائها، وأما وجودهم في مركز القيادة فهذا أمر طبيعي بصفتهم الفاتحين، وبصفة الخلفاء من العرب، ويعتمدون على من يعرفون، وكما حدث هذا عند الأمويين حدث عند العباسيين. (5)


      الترف:

      لقد عرف المسلمون من عقيدتهم معنى الحياة، ومهمة الإنسان فيها؛ فانطلقوا يؤدون دورهم فعملوا على إنهاء الظلم من وجه الأرض، وعلى إخراج سكان هذا الكوكب من عبادة العباد، وعبادة المال، وعبادة الشهوات إلى عبادة الله الواحد القهار الذي لا شريك له ولا معبود سواه، وخرجوا صادقين مخلصين من مركزهم الأول يدكون عروش الظلم، ويقدمون للمجتمعات المعاني الإنسانية فكانت الفتوحات الإسلامية الواسعة، وحصل المسلمون فيها على ما يريدون من تحقيق مهمتهم في الحياة فنال الشهادة منهم من نالها، وعاش في نعيم بعد النصر من كتب الله له الحياة، هذا بالإضافة إلى المغانم الدنيوية الأخرى والتي لا تذكر أمام ما ينتظر الإنسان من جنات النعيم في الآخرة، ومن هذه المغانم الأموال، والأملاك، والأرض، والخدم، والسبايا، وإذا كانت هذه كلها قد أفاد منها المسلمون في عصر صدر الإسلام إلا أنهم كانوا يطبقون فيها شرع الله..
      ثم توقفت الفتوحات لأمر يريده الله، ولم ينه المسلمون مهمتهم كاملة في الحياة إذا بقيت بعض عناصر الظلم متحكمة في مناطق كثيرة، وبقيت بعض الطواغيت متسلطة في بعض جهات العالم، وانصرف المسلمون عندها إلى حياتهم الخاصة منهم من انصرف إلى تجارته ينميها، فكان تاجرًا أفاد من دنياه بما جنى من أرباح، وأفاد أخراه بما عمل وقدَّم وبذل في سبيل نشر الإسلام، إذ انتشر الإسلام بالتجارة والدعوة، كما انتشر بالجهاد والفتح، ومنهم من انصرف إلى أرضه فأحياها وعمرها فخدم نفسه بما حصل عليه، وخدم الأمة بما قدم لها من خيرات الأرض وبركاتها، ومنهم من اتجه إلى العلم فنهل منه ما شاء الله أن ينهل، ودفع بمركبة العلم شوطًا إلى الأمام، فتُرجمت علوم السابقين وأضيفت إليها إضافات واسعة، وَضَّحت أمورًا غاية في الأهمية، ويتسابق الحكام إلى تقريب العلماء وتشجيعهم على البحث وتأسيس المكتبات، وتقديم الدعم والعون لأهل العلم في كثير من الأحيان، وإن كان بعض هؤلاء العلماء يرفضون كل شيء حتى الصلة المالية، فكان نتاج ذلك العلم ثروة ويسارًا، وكانت عواصم الدويلات ومركز الخلافة مراكز الإشعاع للعلم، ومن الحكام من بنى وشَيَّد، بنى للعلم دورًا، وشيد قصرًا وعمَّر مساجد، وأسس خانات على طرق المسافرين لإيوائهم وراحتهم، وتنافس الأمراء في ذلك فكانت حواضرهم متعة..
      هذه الثمار كانت نتاج الحضارة التي سبقت هذا العصر، وليست هي الحضارة نفسها كما يصورها لنا الماديون ويوهموننا بذلك..
      وفي الوقت نفسه فقد انصرف بعض الناس إلى ترفهم ولهوهم؛ فغنوا وطربوا ولحنوا وشربوا، وعاشوا في دوامة الحياة يدورون معها أو تدور بهم، وغبُّوا من الهوى ما شاء لهم هواهم أن يغبوا كل هذا على حساب ما جُلِبَ من رقيق كانوا بالأمس أحرارًا، فكان هذا الرقيق أداة إنتاجهم وعملهم، وخَدَمَ لهوهم ومجونهم، إذ زرع لهم الأرض كما رغبو، وصنع لهم ما بغوا، وعمل في مختلف مجالات العمل، يدور بهم كالرحى ويأخذون ما ينتج، وعاشوا هم على ما بذل هذا الرقيق فكان يشقى ويسعدون، فنقم الرقيق على أسياده تصرفاتهم وحقد عليهم، ثم تحرك وثار فكانت الفتن وكان البلاء. (6)
      وبرز هؤلاء اللاهون في المجتمع لنعيمهم أو شقائهم الذي هم فيه حتى أعطوا العصر سمتهم؛ فأضيفت هذه الرفاهية ـ نتيجة الجهل ـ إلى نتاج ما سبق من حضارة، وظُن أنه جزء من نتاجها وثمارها، والواقع أنه كان الترف والبطر، وكان الفساد، وكانت النتيجة الضياع والإنهيار لا للحضارة التي ظهرت من قبل فحسب وإنما للأمة جميعاً، إذ مَنْ أخذ نعم الله وأداها حقها كانت له خيراً وكانت حضارة، ومن بذل ذلك في سبيل هواه كانت النعمة نقمة، وكانت العاقبة شراً ليس عليه فقط، وإنما على أفراد الأمة جميعاً الذين لم يأخذوا على يده، ولم يردعوه عن غيِّه، وكان ذلك دماراً وبؤساً، وجاء أمر الله الذي لا مردّ له فاقتتل من اقتتل، وطغى من طغى حتى تولى أمرهم جميعهم عدوُّهم. (7) [وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] {الأنعام: 129}


      تركيز الدولة العباسية في بدايتها على العنصر العربي :

      لقد كان للسفاح سبعة أعمام تسلموا له قيادة الجيوش، وإمرة الولايات، فضبطوا الأمر، فكانت ولاية الشام لعبد الله بن علي، وفلسطين لصالح بن علي، والبصرة لسليمان بن علي، وجزيرة العرب لداود بن علي، والموصل والأهواز وفارس لإسماعيل بن علي، وسار عيسى بن علي إلى فارس، وقاد عبدالصمد بن علي الجيوش في الشام دعماً لأخيه عبد الله بن علي ولم يكن أبناء عمومته أقل دوراً من أعمامه فموسى بن داود، وداود بن عيسى، ويحيى بن جعفر كلهم كان لهم دور في توطيد دعائم الدولة.
      واعتمد على أخويه عبدالله بن محمد، ويحيى بن محمد في قيادة الجيوش، وتولى الإمارة، والاستشارة، فكان المنصور عبدالله بن محمد على رأس القوة التي سارت نجدة للحسن بن قحطبة في حصار يزيد بن عمر بن هبيرة في واسط، ثم كان أمير الجزيرة حتى استخلف، وكان يحيى بن محمد أمير الموصل، ثم كان ابن أخيه عيسى بن موسى، سيف بني العباس الصارم، كما كان ولي العهد لأبي العباس بعد المنصور.
      لقد كان السفاح يحب أن يكون دائماً أحد أهل بيته على الإمارة أو قيادة الجيوش ليضمن الأمر، فعندما أرسل أخاه أبا جعفر دعماً للحسن بن قحطبة كتب إليه: "إن العسكر عسكرك، والقواد قوادك، ولكن أحببت أن يكون أخي حاضراً، فاسمع له وأطع، وأحسن مؤازرته".
      وأرسل إلى فارس عمه عيسى بن علي رغم أن أبا مسلم الخرساني كان قد بعث بمحمد بن الأشعث إليها، وعندما رَدَّ محمد بن الأشعث عيسى بن علي أصرَّ السفاح على أن يكون أحد أهل بيته على فارس فأرسل عنه الآخر إسماعيل بن علي.
      وبعد أن فرَّ مروان بن محمد من الزاب وغادر الموصل عين عبد الله بن علي عليها محمد بن صول غير أن السفاح لم يلبث أن بعث إلى الموصل أميراً من أهل بيته هو أخوه يحيى بن محمد ثم استبدله بأحد أهل بيته أيضاً وهو عمه إسماعيل بن علي.
      واستعان السفاح كذلك بأخواله فبعد أن توفي عمه داود بن علي أمير جزيرة العرب ولى على المدينة زياد بن عبدالله الحارثي، وعلى اليمن محمد بن يزيد بن عبدالله الحارثي، ثم علي بن الربيع الحارثي.(8)


      تعريف الشعوبية ومراميهم:

      الشعوبية قوم متعصبون ضد العرب مفضلون عليهم العجم، ظهرت دعوتهم بعد عصر الخلفاء بدخول أجيال كثيرة من الفرس والترك والنبط في خدمة الدولة الإسلامية، فنشأت العداوات بين العرب أصحاب الدولة، وبين العجم الذين انتحلوا الإسلام، وكما حدثت هذه المفاضلة بين العرب والعجم، حدثت أيضاً بين العرب أنفسهم في صيغه أخرى وهي قيس ويمن، هذا مع أن هدي الكتاب العزيز يقول: [وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم]. [إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم]. وقد قال الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حجة الوداع: أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتفاخرها بالآباء، ليس لعربي على عجمي فخر إلا بالتقوى، كلكم لآدم، وآدم من تراب.
      ويقال على الجملة: إن الإسلام الذي جاء لإسقاط الجنسية، حاول بعضهم -للحرية التي استمتعوا بها على عهد عز العرب- أن يعيدوا نغمتها، وألف الشعوبيون رسائل وكتباً،. وصنفوا المسامرات والخطب، وراجت أسواق الممادح والمقابح، ورد العرب على العجم برفق لئلا ينفروهم، وكانوا يرمون إلى تأليف القلوب لا إلى تمزيقها، شأن الأمم العاقلة التي ترمي- أبداً- إلى تكثير سوادها، وجمع القلوب على حبها، تتحامى العبث بمقدسات الناس، وتحفظ لهم حرمتهم وكرامتهم.
      ويقول الأستاذ/ محمد كرد علي: ونحن هنا نطلق لفظ الشعوبية على كل من ناهضوا العرب في القديم والحديث، في الشرق والغرب وقاموا ينقصون من قدر حضارتهم وتاريخهم، لأغراض في نفوسهم لا تخفى على أرباب البصائر. (9)


      الحركات الانفصالية:

      المسلمون أمة واحدة أينما كانت ديارهم، ولهم خليفة واحد، ولا يصح أن يوجد أكثر من خليفة في آن واحد، وإنما توجد ولايات تتبع الخليفة، وليس لها حدود ثابتة، ومصلحة الدولة هي التي تحددها، وبقيت الدولة الإسلامية على هذه الصورة أيام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخلفائه الراشدين من بعده، واستمرت كذلك في العهد الأموي مع وجود خليفتين حقبه قصيرة من الزمن، لكن أحدهما كان ثائراً على الخليفة الشرعي عبدالله بن الزبير ـ رضي الله عنهما ـ وعندما جاء العهد العباسي، و لوحق الأمويون فرّ أكثر من نجا منهم من القتل إلى مناطق نائية أو حصينة وعاشوا بتكتم شديد كبقية أفراد المجتمع، وإذا وجد أحدهم الفرصة مواتية له ظهر وبرز، فقد وصل عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك إلى الأندلس، واستطاع أن يؤسس دولته، ولم يفكر في الانفصال عن الدولة الإسلامية، بل بقى يدعو للخليفة العباسي مدة عشرة أشهر، ولو أن العباسيين أمهلوه لكان خيراً، وعندما تجزأت الدولة الإسلامية في وقت مبكر، حاول أبو جعفر المنصور تخليص الأندلس من عبد الرحمن الداخل وقتله وإرسال العلاء بن المغيث الجذامي لهذا الغرض عام 146 هـ قد جعل الداخل يقطع الخطبة عن العباسيين أولاً، ثم ينفصل عنهم، ولكنه لم يعلن نفسه خليفة، وإنما احتفظ بلقب أمير، واستمر الأمر كذلك في أبنائه واحفاده مدة مائة وثمان وسبعين سنة 138ه ـ 316ه وهي مدة طويلة بالنسبة إلى دولتين مختلفتين، بل إن إحداهما انتزعت الحكم من الأخرى، وقتلت من أبنائها الكثير، وشردت أكثرهم، وفي عام 316 هـ أعلن عبد الرحمن الناصر نفسه خليفة، وذلك بعد أن حكم الأندلس مدة ستة عشر عاماً وهو أمير، كل ذلك في سبيل المحافظة على وحدة المسلمين، وتمشياً مع العقيدة الإسلامية التي تقضي بعدم وجود خليفتين في وقت واحد، وكذلك قامت دولتان للخوارج في المغرب الأوسط حوالي عام 140هـ إحداهما للأباضيين في " تاهرت"و الأخرى للصفرية في " سجلماسة " ورغم أن الخوارج يختلفون فكرياً مع أهل السنة إذ يُكفِّرون من لم ير رأيهم، ومع ذلك فلم تعلن هاتان الإمارتان الخلافة وقامت دولة الأدارسة عام 172 هـ في المغرب الأقصى على يد إدريس بن عبد الله بن حسن، ومع أنه كان قد نجا من معركة " فخ " عام 169 هـ في أحد شعاب مكة، وقد قتل فيها كثير من أهله وذويه، وفر ناجياً بنفسه، خائفاً من تعقب العباسيين وأنصارهم، وعندما تمكن من إقامة دولته لم يعلن نفسه خليفة وتأسست دولة الأغالبة في المغرب الأدني عام 184 هـ، ولكنها بقيت تتبع العباسيين، واستمرت إمارة عباسية أو ولاية تتبع بغداد، ولكنها وراثية في ولاتها..
      لقد مضى العصر العباسي الأول ولا تزال للمسلمين دولة واحدة، وجميعهم يتبعون خليفة واحد، وإن وُجِدت ولاياتٌ لا تقر بالخليفة القائم بالأمر، أو تختلف معه قليلاً أو كثيرًا، فإننا يمكن أن نعدها إمارات على خلاف مؤقت مع أمير المؤمنين، هذا رغم ما يقال عن العداء بين العباسيين والأمويين، وصلة العباسيين بالفرنجة أعداء الأمويين، وصلة الأمويين بالبيزنطيين أعداء العباسيين، لكنها في الواقع لم تكن أكثر من صلات مجاملة وتبادل هدايا، ووعود لم ينتج عنها أي شيء من حروب، أو لقاء مؤمنين مع كافرين ضد المؤمنين الآخرين.
      إذًا وُجِدَتْ إمارات في العصر العباسي الأول، وكانت هذه الإمارات محصورة في مغرب الدولة الإسلامية، وقد أسس بعضها العرب كما هي الحال في دولة بني أمية في الأندلس، ودولة الأغالبة في تونس، والأدارسة في فاس في المغرب الأقصى، كما أسس بعضها الآخر البربر كما هو حال دولتي الخوارج، أو يمكن القول: إن عناصر سكان الدولة الإسلامية في المغرب هم الذين أسسوا هذه الدويلات، وهم من العرب والبربر، أو أن هذه الدول قد نشأت نتيجة طموحات عربية وبربرية... (10)
      أما في العصر العباسي الثاني فقد نشأت دويلات في مشرق الدولة الإسلامية إضافة إلى ما نشأ في مغربها، ولا شك فإن عناصر سكان هذا الجزء هم الذين أقاموا هذه الدويلات، ولما كانت أكثرية هذه العناصر من الفرس والترك؛ لذا يجب أن نتوقع مسبقًا قيام الفرس والترك بتأسيس هذه الدول، ويجب ألا نستغرب ذلك، ولا نضع اللوم على هؤلاء السكان باسم العصبية الجاهلية؛ فهذا أمر طبيعي له مثيله في بلاد المغرب بل كان أسبق منه، وإن هذه الدول لم تقم حتى زاد ضعف الدولة العباسية، وعندما كانت قوية أو كان الحكم قويًّا لم يقم الترك ولا الفرس بمحاولات لتأسيس مثل هذه الدول، وإنما الذي أقام الدول هم العرب والبربر فقط، وربما نعت بعضهم هذا التأخر بالجبن والضعف على حين كان العرب والبربر أكثر شجاعة في هذا الميدان، ولكن يمكن القول: إنه لا داعي لقيام دول صغيرة عندما يكون الحكم المركزي قويًا، ولكن إذا ضعف فقد يضطر بعض الطامحين للعمل على تأسيس دول تكون قوية لتقف في وجه العدو أو تعيد إلى الدعوة شبابها وانتشارها، وإعادة الفتح، ودب الروح المعنوية في حياة السكان من جديد كما كان في الدولة الغزنوية التي أعادت الفتح في بلاد الهند تارة أخرى، وعملت على نشر الإسلام هناك، وإذا كان عناصر السكان هناك هم الذين يؤسسون الإمارات المستقلة إلا أنه يمكن أن يأتي غرباء عن المنطقة وينجحوا في إقامة مثل هذه الإمارات، وذلك إذا كان لهم شهرة سابقة أو حكم مثل: عبد الرحمن الداخل في الأندلس، أو مركز ديني مثل إدريس بن عبد الله في المغرب الأقصى، أما الولاة الذين يستقرون في ولاية مدة الزمن ثم يستقلون فيها وينفصلون مثل إبراهيم بن الأغلب؛ فنعدهم من عناصر السكان الأصليين، ثم أفاد من مركزه فشكل حوله قوة أقام بها دولته. (11)
      وقامت في المشرق الإسلامي دول انفصالية منها الدولة الطاهرية (205 ـ 259هـ)، والدولة الصفارية (254ـ 298هـ)، والدولة السامانية (261ـ 389هـ).
      وكذلك زادت الدول المستقلة، في مغرب الدولة الإسلامية وخاصة في مصر، فقد قام المماليك بتأسيس دول لهم في مصر مثل: الدولة الطولونية (254ـ 292هـ)، والدولة الإخشيدية (323ـ 358هـ)، والدولة الفاطمية في بلاد المغرب ومصر (297ـ 567هـ). (12)
      وظهرت دول أيضًا في وسط الدول الإسلامية فقد قامت الدولة الحمدانية في الموصل (317ـ 380هـ) وفي حلب (333ـ 394هـ). (13)
      وأخيرًا يمكن القول: إن وجود هذه الدويلات إنما يعود إلى الضعف الذي أصاب الدولة العباسية، وإن وجود دويلات قد زاد في الضعف، أو هو سبب من أسبابه، ومردُّ كل ذلك إلى ضعف الإيمان في النفوس، وتراجع الفكر الإسلامي من العقول، وعدم فهم طبيعة الإسلام في الجهاد، والسير وراء أصحاب المنكرات والأطماع بمجرد ادعائهم الانتساب إلى آل البيت مع وضوح ضلالهم وضلالاتهم، مما دفعهم إلى القيام بحركات ضد الدولة استغلها أهل السوء، وقد نُرْجِع ذلك إلى الجهل الذي يؤدي إلى ذلك، ولكن الجهل ليس إلا من ظواهر ضعف الإيمان، وكل ذلك أدَّى إلى وجود أكثر من خليفة في بلاد المسلمين، وتعدد الدول المنفصلة عن جسم الخلافة. (14)


      مراجع وتعليقات من مشاركة رقم 30 الى مشاركة رقم 34:

      (1) محمود شاكر: التاريخ الإسلامي، الدولة العباسية جـ 6 ص 5 - 11 .
      (2) المرجع السابق: جـ 6 ص 11 ، 12 .
      (3) المرجع السابق: جـ 6 ص 13 .
      (4) المرجع السابق: جـ 6 ص 14 - 15 .
      (5) المرجع السابق: جـ 5 ص 27 .
      (6) المرجع السابق جـ 6 ص 24 - 26 .
      (7) المرجع السابق: جـ 6 ص 26 ، 27 .
      (8)المرجع السابق: جـ 5 ص 76 - 78 .
      (9) محمد كرد علي: الإسلام والحضارة العربية جـ 1 ص 35 .
      (10) محمود شاكر: التاريخ الإسلامي، الدولة العباسية جـ 6 ص 16 - 18 .
      (11) المرجع السابق جـ 6 ص 18 .
      (12) د. طقوش: تاريخ الدولة العباسية ص 186 ، 188 ، 191 ، 195 ، 204 ، 208 .
      (13) د. حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام جـ 3 ص 120 ، 121 .
      (14) محمود شاكر: التاريخ الإسلامي، الدولة العباسية جـ 6 ص 22 ، 23 .


      مقدمة

      المستكفي بالله:
      عبد الله بن علي المكتفي (333ـ 334هـ):
      هو عبد الله بن علي المكتفي، ولد عام 292هـ، أمه أم ولد تدعى "أملح الناس" بويع بالخلافة بعد ابن عمه المتقي، وكان عمره أربعين سنة أو يزيد قليلاً..
      مات "توزون" أمير الأمراء فأصبح كاتبه أبو جعفر بن شيرزاد سيد الموقف، فطمع وبدأ يعمل لنفسه، وقد خشيه الخليفة، فقربه وقدمه..
      دخل أحمد بن بويه بغداد فاختفى أبو جعفر بن شيرازد، وقربه الخليفة ولقبه "معز الدولة" كما لقب أخاه عليًا "عماد الدولة" وأخاه الآخر الحسن "ركن الدولة"، ولقب المستكفي نفسه "إمام الحق" ثم إن معز الدولة قوى أمره فحجر على الخليفة، وقدر له نفقه يومية قدرها خمسة آلاف درهم، وشغل الناس بالسباحة والمصارعة، وانهمك الشباب فيها بشكل كبير..
      وفي عام 334هـ تخيل معز الدولة من المستكفي شيئًا أقلقه؛ فدخل على الخليفة وانتزعه بعض جنود معز الدولة من سريره وجروه, ثم نهب الجند دار الخلافة حتى لم يبق فيها شيء، وسار معز الدولة إلى منزله راكبًا، وساقوا المستكفى ماشيًا إليه، ثم خُلِع وسُمِلَت عيناه، ثم أُحضِر الفضلُ بن المقتدر، وبويع بالخلافة باسم المطيع، وبايعه ابن عمه الخليفة المخلوع المستكفي, وقد شهد على نفسه بالخلع، ثم سُجِن إلى أن مات سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة..(1)


      المطيع لله:

      الفضل بن جعفر المقتدر (334ـ 363هـ):
      هو الفضل بن جعفر المقتدر، ولد عام 301هـ، وأمه أم ولد تدعى "شغلة" يكنى أبا القاسم كان مستخفيًا من ابن عمه المستكفي، وهو يطلبه، بويع بالخلافة بعده سنة 334هـ، وأحضر المستكفي عنده فسلم عليه بالخلافة، وأشهد على نفسه بالخلع، وازداد أمر الخلفاء إدبارًا ولم يبق لهم من الأمر شيء ألبتة وقد كانوا يُراجَعون ويؤخذ أمرُهم فيما يفعل, والحرمة قائمة بعض الشيء فلما كانت أيام معز الدولة زال ذلك جميعه بحيث إن الخليفة لم يبقَ له وزير، وإنما كان له كاتب يدبر إقطاعه وإخراجاته لا غير، وصارت الوزارة لمعز الدولة يستوزر لنفسه من يريد.
      كان الديلم يتشيعون ويغالون في التشيع ويعتقدون أن العباسيين قد غصبوا الخلافة وأخذوها من مستحقيها فلم يكن عندهم باعث ديني يحثهم على الطاعة. (2)
      فلذلك فكر معز الدولة بعد دخوله بغداد، وسيطرته على مقاليد الأمور فيها في إلغاء الخلافة العباسية، وإقامة خلافة شيعية على أنقاضها، وتنصيب أحد زعماء الشيعة الزيدية (3) وكان بإمكانه تحقيق ذلك إلا أنه أحجم بعد استشارة أصحابه، لأن مثل هذا التغيير كان سيعرض العالم الإسلامي لهزات عنيفة بالإضافة إلى زعزعة الحكم البويهي؛ لأن شيعة العراق الذين حاول معز الدولة استمالتهم إليه، كانوا على مذهب الإمامية، وهذا يدل على أن تنصيب خليفة زيدي سيكون مماثلاً في نظرهم،للخليفة العباسي، لهذا أدرك معز الدولة من خلال نظرته السياسية الثاقبة أن بقاء الخلافة العباسية أجدر، متبعًا المبدأ الزيدي القائل: "بجواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل"، وأجاز على هذا الأساس الذي أقره المبدأ الزيدي، وعلى أساس المصلحة السياسية، أن يدين بالولاء لخليفة سني إلا أنه اتبع سياسية ترمي إلى الحد من سلطته مقابل تقوية نفوذه. (4)
      وقيل: إن معز الدولة استشار جماعة من خواص أصحابه في إخراج الخلافة من العباسيين والبيعة للمعز لدين الله العلوي (5) أو لغيره من العلويين فكلهم أشار عليه بذلك ما عدا بعض خواصه فإنه قال: ليس هذا برأي فإنك اليوم مع خليفة تعتقد أنت وأصحابك أنه ليس من أهل الخلافة ولو أمرتهم بقتله لقتلوه مستحلين دمه، ومتى أجلست بعض العلويين خليفةً كان معك من تعتقد أنت وأصحابك صحة خلافته, فلو أمرهم بقتلك لفعلوه فأعرض عن ذلك، وتسلَّم معز الدولة العراق بأسره، ولم يبق بيد الخليفة منه شيء ألبتة إلا ما أقطعه معز الدولة مما يقوم ببعض حاجته..
      وخرج الخليفة المطيع لله مع معز الدولة لقتال ناصر الدولة الحمداني، ووصلا إلى عكبرا، واستطاع ناصر الدولة أن ينتصر عليهما وأن يدخل بغداد فضعف أمر معز الدولة، ثم مكر بناصر الدولة فتغلب عليه، ثم تصالحا، وخرج ناصر الدولة إلى الموصل، وتمكن معز الدولة في العراق فحجر على الخليفة, وقرر له كل يوم مائة دينار نفقة، غير أنه بعد عام أي سنة 335هـ قد عاد فرفع عنه الحجر، وأعاده إلى دار الخلافة، وسارا معًا عام 336هـ إلى البصرة حيث أخذها من يد أبي القاسم البريدي..
      وأصيب المطيع لله بفالج عام 363هـ، وثقل لسانه؛ فخلع نفسه وتسلم الأمر بعده ولده الطائع لله، ثم توفي المطيع لله في مطلع عام 364هـ في شهر المحرم. (6)


      الطائع لله عبد الكريم بن الفضل المطيع 363ـ 381هـ:

      هو عبد الكريم بن الفضل المطيع، أبو بكر، ولد عام 320هـ، وقيل: 317هـ، وأمه أم ولد تدعى "هزار" تنازل له أبوه المطيع عن الخلافة عام 363هـ، فكان عمره ثلاثة وأربعين عامًا، فركب وعليه البردة ومعه الجيش وبين يديه سبكتكين، وخلع من الغد على سبكتكين خلع السلطنة، وعقد له اللواء، ولقبه "نصر الدولة" ثم وقع بين سبكتكين ومعز الدولة حروب..
      كان شديد الانحراف إلى الطالبيين، سقطت هيبة الخلافة في أيامه جدًا حتى هجاه الشعراء، إذ كان يخرج لاستقبال عضد الدولة على غير عادة الخلفاء، فلم تجر عادة بخروج لخلفاء لتلقي أحد..
      وفي سنة 381هـ قضى بهاء الدولة على الطائع لله، وذلك أن الأموال قلت عنده، فشغب عليه الجند، فأطمعه وزيره في أموال الخلافة، وحسن له القبض عليه، فأرسل إلى الطائع وسأله الإذن في الحضور ليجدد لعهد به، فأذن له في ذلك، وجلس كما جرت العادة، فدخل إليه بهاء الدولة ومعه عدد كثير، فلما دخل قبل الأرض، وأجلس على كرسي، فدخل بعض الديلم كأنه يريد أن يقبل الخليفة فجذبه فأنزل عن سريره، والخليفة يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ويستغيث فلا يلتفت إليه وأخذ ما في داره من الذخائر، ومن قول الشريف محمد بن الحسين الرضى في ذلك:
      من بعد ما كان رب الملك مبتسمًا \\\إلى دنوه في النجـوى ويدنيني
      أمسيت أرحم من أصبحت أغبطه \\\لقد تقارب بين العــز والهون
      ومنظر كان بالســراء يضحكني \\\يا قرب ما عاد بالضراء يبكيني
      هيهات أغتر بالســـلطان ثانية\\\ قد ضلَّ ولاج أبواب السلاطين
      ثم كتب بهاء الدولة على الطائع أيمانًا بخلع نفسه، وأنه سلَّم الأمر إلى القادر بالله، وشهد عليه الأكابر والأشراف واستمر الطائع في دار القادر بالله مكرمًا محترمًا في أحسن حال إلى أن توفى عام 393هـ ليلة عيد الفطر، وصلى عليه القادر بالله في داره، وشيعه الأكابر والخدم، ورثاه الشريف الرضى بقصيدة. (7)


      القادر بالله:

      أحمد بن إسحاق بن المقتدر (381ـ 422هـ):
      هو أحمد بن إسحاق ابن الخليفة المقتدر، أبو العباس، ولد سنة 336هـ، أمه أم ولد اسمها "تمني"، كان دينًا عالمًا متعبدًا وقورًا من جِلَّة الخلفاء وأمثلهم، عدَّه ابن الصلاح في الشافعية..
      صنف كتابًا في الأصول، ذكر فيه فضل الصحابة، وإكفار من قال بخلق القرآن، وكان ذلك الكتاب يُقرأ في كل جمعة في حلقة أصحاب الحديث، ويحضره لناس مدة خلافته، وهي إحدى وأربعون سنة وثلاثة أشهر.
      بويع بالخلافة بعد خلع الطائع عام 381هـ، وفي عام 383هـ تزوج القادر بالله سكينة بنت الملك بهاء الدولة، وعقد بولاية العهد لابنه الغالب بالله وذلك عام 391هـ، وكان عمر ابنه تسع سنوات، وعجل بذلك لأن الخطيب الواثق (8) سار إلى خراسان، وافتعل كتابًا من القادر بأنه ولي عهده، واجتمع ببعض الملوك فاحترموه، وخُطِبَ له بعد القادر، ونفذ رسولاً إلى القادر بما فعل، فأثبت فسق الواثق ومات غريبًا..
      وفي هذا الوقت انبث دعاة الحاكم العبيدي في الأطراف، فأمر القادر بعمل محضر يتضمن القدح في نسب العبيدية، وأنهم منسوبون إلى ديصان بن سعيد الخرمي، فشهدوا جميعًا أن المستولي على الحكم بمصر منصور بن نزار الحاكم حكم الله عليه بالبوار، وأن جدهم لما صار إلى المغرب تسمى بالمهدي عبيد الله، وهو وسلفه أرجاس أنجاس خوارج أدعياء، وأن هذا الناجم وسلفه كفار زنادقة، ولمذهب الثنوية والمجوسية معتقدون، عطلوا الحدود، وأباحوا الفروج، وسفكوا الدماء، وسبوا الأنبياء، ولعنوا السلف، وادعوا الربوبية..
      واستتاب القادر فقهاء المعتزلة، فتبرؤوا من الاعتزال والرفض، وأخذت خطوطهم بذلك..
      وفي سنة 398هـ وقعت فتنة بين الشيعة والسنة في بغداد، وكاد الشيخ أبوحامد الإسفراييني أن يقتل فيها، وصاح الرافضة ببغداد: يا حاكم، يا منصور فأُحفِظ القادرُ من ذلك، وأنفذ الفرسان الذين على بابه لمعاونة أهل السنة فانكسر الروافض..
      وفي عام 422هـ توفي القادر بالله..
      وفي عهد القادر بالله بدأ وضع البويهيين يسير نحو الضعف بسبب قتال بعضهم بعضًا، وبسبب قوة نفوذ القادة الأتراك وضعف نفوذ الديلم الذين كانوا جند البويهيين، والسيف لذي يضربون به، ويُعَدُّ بهاء الدولة أول من سعى لزيادة قوة الأتراك، وغدت مناطق العراق والأهواز وكرمان، وفارس مسرحًا لصراع أبناء بويه، وهذا الضعف كاد يساعد على امتداد نفوذ العبيديين للعراق حتى أن قرواش بن المقلد أمير بني عقيل قد خطب للعبيديين في الموصل عام 401هـ، ولكنه اضطر بالقوة أن يعود إلى طاعة بني العباس..
      وربما كان هذا الخلاف الكبير بين أبناء بويه هو الذي أبقى هيبة الخلافة على شيء من لقوة ولو نسبيًا، وبقيت كلمة الخليفة القادر مسموعة إلى حدٍّ ما. (9)


      العصر العباسي الثالث 334 ـ 447 هـ:

      عصر السيطرة العسكرية البويهية:
      قوي نفوذ بعض جنود آل بويه من الفرس، وهم من الشيعة ولم يختلف الأمر كثيرًا عن الوضع السابق، فكلا الوضعين عسكري وأن ما في الوضع العسكري بين واضح، بل يمكن القول إن الوضع قد زاد سوءًا، إذ عمت الفوضى بشكل أكبر، وساد الفساد والمنكرات على نطاق أوسع، وكثر الخلاف بين السنة والشيعة، واضطُرَّ السنة إلى أن يحتفلوا بأعياد الشيعة، وأن يقوموا ببعض الخرافات والضلالات التي يقوم بها الشيعة في عاشوراء وغيرها، وظهرت إمارات ودول شيعية تطرفت بشكل أوسع من ذلك مثل: إمارة الحمدانيين في شمالي بلاد الشام، والدولة الفاطمية في مصر وفي المغرب من قبل, وسيطر القرامطة على أغلب الجزيرة العربية، وانتشروا في سواد العراق، ووصلوا إلى أطراف بلاد الشام وحدود مصر وكثرت الدول في المشرق فكانت الصفارية، والسامانية والغزنوية ولم تكن هذه الدويلات سوى صورة مصغرة لما كانت عليه الخلافة في بغداد، فالعسكريون هم المسيطرون سواء أكانوا تركًا أم فرسًا. (10)
      وتمتد هذه المرحلة من سنة 334 ـ 447هـ أي مدة ثلاث عشر ومائة سنة، وتعاقب في هذه المدة أربعة خلفاء فقط، إذ أن أيامهم قد طالت، فأقلهم حكم ثماني عشرة سنة، وهو الخليفة الطائع أي الثاني في هذه المرحلة على حين وصلت أيام الخليفة القادر إلى إحدى وأربعين سنة وهذه مدة طويلة بالنسبة إلى خلفاء يتعاقبون..
      امتازت هذه المرحلة بسيطرة آل بويه الذين يعودون في أصولهم إلى الفرس، وربما كان أحد ملوك فارس القدماء من أجدادهم، وسكنت هذه الأسرة بلاد الديلم فعُرِفُوا كأنهم منهم (11) كانت الحالة في العراق مضطربة نتيجة اشتداد الخلافة بين ابن رائق والي البصرة وأمير الأمراء من جهة وبين أبي عبد الله البريدي والي الأهواز السابق والفارِّ من وجه قوات الخلافة من جهة ثانية, وقد التجأ إلى عليٍّ بن بويه وأطمعه في دخول العراق، ومن جهة أخرى كانت الخلافة واقعة تحت نفوذ الأتراك.. وظهر عجزها في إقرار الأمور في العراق..
      فشعر الناس بهذا الفراغ السياسي وبفشل الأمراء.. كما اختلت المالية العامة في الدولة, وفرغت خزائن الخلافة, ووقع الخلفاء في ضائقة مالية شديدة نتيجة لتحكم الأتراك وجشعهم..
      نتيجة لذلك تطلع الناس إلى هذه القوة الجديدة التي ظهرت بالقرب منهم وأثبتت جدارتها لتنشلهم من الفوضى كما تطلع بعض القادة المغلوب على أمرهم إلى قوة البويهيين النامية، آملين أن يحصلوا بواسطتها على الامتيازات التي حرموا منها أو أُبعدوا عنها، وأخيرًا مال الخليفة المتقي لطلب المساعدة من البويهيين لوضع حد للنزاعات الداخلية بين الأمراء خاصة بعد ما ساءت العلاقات بينه وبين توزون. (12)
      طلب قواد بغداد من أحمد بن بويه السير إليهم والاستيلاء على مدينتهم، فسار نحوهم واستقبله الخليفة المستكفي، وأكرمه ولقبه بمعز الدولة، كما لقب أخاه عليًا عماد الدولة, أما الحسن فقد لقبه ركن الدولة..
      لقد كانت أسرة آل بويه شيعية فبدرت منهم أعمال منكرة ففي عام 341هـ ظهر قوم من التناسخية فيهم شاب يزعم أن روح عليٍّ انتقلت إليه، وامرأته تزعم أن روح فاطمة انتقلت إليها، وآخر يدعي أنه جبريل، فضُرِبوا فتعزَّزوا بالانتماء إلى أهل البيت، فأمر معز الدولة بإطلاقهم لميله إلى أهل البيت، فكان هذا من أفعاله الملعونة..
      وفي سنة 351هـ كتبت الشيعة على أبواب المساجد: لعن الله معاوية بن أبي سفيان، ولعن الله من غصب فاطمة حقها من فدك، ومن منع أن يُدفن الحسن مع جده، ومن نفى أبا ذر، ثم إن ذلك محي في الليل، فأراد معز الدولة أن يعيده فأشار عليه الوزير المهلبي أن يكتب مكان ما محي "لعن الله الظالمين لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وصرَّحوا بلعن معاوية فقط..
      وفي سنة 352هـ ويوم عاشوراء ألزم معز الدولة الناس بغلق الأسواق ومنع الطباخين من الطبيخ، ونصبوا القباب في الأسواق، وعلقوا عليها المسوح، وأخرجوا نساء منتشرات الشعور يلطمن في الشوارع ويقمن المآتم على الحسين، وهذا أول يوم نيح فيه عليه ببغداد، واستمرت هذه البدعة سنين، ولم يمكن لأهل السنة منع ذلك لكثرة الشيعة وظهورهم وكون السلطان معهم, وفي ثامن عشر من ذي الحجة من نفس العام أمر معز الدولة بن بويه بإظهار الزينة في بغداد، وأن تفتح الأسواق بالليل كما في الأعياد، وأن تضرب الدبادب والبوقات، وأن تشعل النيران في أبواب الأمراء وعند الشُّرط فرحًا بعيد الغدير وهو الموضع الذي يروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه عن (13) علي رضي الله عنه: من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه"..
      وسيطر الشيعة على مناطق واسعة, بل إن دولاً كثيرة قامت باسمهم سواء أكانت شيعية حقيقة أم ادعاءً، فالدولة العبيدية دانت لها المغرب ثم مصر، وأجزاء من الشام في أوقات متفاوتة، والدولة الحمدانية في الموصل والشام، والقرامطة الذين حكموا البحرين وخضعت لهم الإمارات في اليمامة وأجزاء من جزيرة العرب بل احتلوا دمشق، هذا بالإضافة إلى بني بويه الذين يحكمون العراق وفارس، والري والجبل، والكرج والأهواز، ثم هناك الدولة السامانية التي هي أقرب إلى الإسماعيلية, هؤلاء جميعًا يدَّعون التشيع، غير أن منهم أصحاب الأصول اليهودية كالعبيديين ومن ينتمي إلى المجوس كالقرامطة، ونتيجة هذه الأصول والأهداف المتباينة والمختلفة والتي تخفي وراءها أهدافًا سياسية ودينية قُصِدَ منها هدمُ الإسلام من الداخل, وتسلم السلطة لتتمكن من التهديم بصورة أوسع أو بشكل مخطط له، فلو كانت صادقة في دعواها, وأهدافها واحدة لتمكنت من تحقيق مقصدها إذ لم يبقَ من أصحاب السلطة في الدولة الإسلامية الواسعة سوى مناطق ضيقة قليلة من أهل السنة، وهذه المناطق هي الأندلس، وإمارات صغيرة وضعيفة في بعض الأجزاء من جزيرة العرب والإمارة الغزنوية عندما قامت في شرق الدولة الإسلامية، ونتيجة التباين في المقاصد فقد وقعت الحروب بين هذه الجماعات فقد حارب القرامطةُ العبيديين، وقاتل العبيديون الحمدانيين، وكان الحمدانيون وبنوبويه في صراع، ولم يكن السامانيون في منأى عن هذا الصراع وقد حُفِظَ الإسلامُ ولله الحمد بسبب هذا الخلاف بين هذه الفرق الضالة والمدعية كذبًا وزورًا الانتساب إلى آل البيت، أو العمل لهم أو السير على سنتهم، والله سبحانه وتعالى هو الذي تعهد بحفظ هذا الدين وكتابه "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"..
      فحفظه بإيقاع الخلاف بينهم, والتناحر بعضهم مع بعض..
      كما تمتاز هذه المرحلة بكثرة الفتن التي أثارها الشيعة, وهذا ما كان يؤدي بدوره إلى القتال المستمر بين السنة والشيعة بسبب تشيع البويهيين، وعدد من حكام الإمارات الأخرى..
      وأصبح في الخلافة سلطان أو ملك واحد أو أمير للأمراء من البويهيين بيده الأمر والنهي على حين كان في المرحلة السابقة أيام سيطرة الجنود الأتراك عدد من الأمراء القادة يتقاتل بعضهم مع بعض، ويتباين هؤلاء الأمراء في أصولهم ومراتبهم وصحيح أنه وقع الخلاف بين البويهيين, ولكنهم كانوا أسرة واحدة اختلف أبناؤها بعضهم مع بعض..
      وقد كان الخلفاء على درجة طيبة من الاستقامة والتدين ولكنهم كانوا مغلوبين على أمرهم، فالبويهيون بيدهم كل شئ، وقد وصل الناس إلى درجة عالية من كراهية الشيعة بسبب تعصب الشيعة، وخاصة البويهيين الذين يسيطرون على الخلفاء أنفسهم..
      وأخيرًا فإن الإمارات قد قلَّ عددها في المغرب فلم يبق منها سوى الأمويين، والعبيديين الذين سيطروا على منطقة واسعة وحلوا محل إمارات متعددة، أما في المشرق فقد كثرت الإمارات وزادت الدول وانتشرت على رقعات متباينة. (14)


      الأعمال العمرانية والإصلاحية البويهية:

      أسهم البويهيون في تقدم وازدهار بلاد العراق وفارس التي خضعت لحكمهم، وبخاصة في عهد عَضُدِ الدولة بن الحسن بن بويه (338ـ372هـ) الذي وصلت الدولة البويهية في عهده إلى أوج عزها ومجدها، إذ نجح هذا الملك في التفوق على إخوته وأبناء عمومته, وتوحيد فارس والعراق تحت سلطته، كما وطد علاقته بالخليفة العباسي الطائع لله (363 ـ 381هـ) إذ تزوج الخليفة الطائع ابنته, وتزوج هو ابنة الخليفة..
      وبالرغم من ذلك فقد حرص عضد الدولة البويهي على توثيق الروابط بينه وبين الخليفة الفاطمي العزيز بالله في مصر, وقد أشار ابن تغري بردي إلى الرسائل الودية المتبادلة بين العاهلين في سنة 369هـ، وأن الملك البويهي اعترف في خطابه للعزيز بالله بإمامة الفاطميين، وبفضل أهل البيت مظهرًا طاعته ومحبته له، ورد العزيز بالله على عضد الدولة برسالة كلها شكر وتقدير وامتنان للملك البويهي، والجدير ذكره في هذا المجال هو أن رسالة الخليفة الفاطمي قُرِئَت في حضرة الخليفة العباسي، كما أُرْسِلَت رسالةُ عَضُد الدولة إلى مصر بعلم الخليفة فإن دلَّ ذلك على شئ إنما يدل على مدى ضعف الخلفاء العباسيين زمن سيطرة البويهيين..
      وتمكن عضد الدولة البويهي خلال فترة حكمه الطويلة ـ 35 سنة ـ أن يضمن للدولة العباسية استقرارًا وازدهارًا بفضل المشاريع العمرانية التي قام بها مثل: "السد العظيم" الذي شيده عند مدينة شيراز بفارس، وعرف باسم "باندي أمير" أي "سد الأمير"، وسد السهيلة "بالقرب من بلدة النهروان في العراق"..
      ومن أعماله العمرانية أيضًا "المشهد العظيم" الذي شيده على قبر الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمدينة النجف، والمارستان العَضُدِي الذي بناه في بغداد لعلاج المرضى..
      كما اهتم عضد الدولة بترميم بغداد وإعادة بناء ما تهدم من مساجدها وأسواقها، ووزَّع الأموال على الأئمة والمؤذنين والعلماء والقُرَّاء والغرباء والضعفاء الذين يأوون إلى المساجد، وأنشأ الحدائق والمتنزهات، وأمر بتنظيف مجاري الأنهار وبناء الجسور، وحفر التُّرَع والأخاديد، وأصلح الطرقات وبخاصة طريق العراق مكة، وأذن لوزيره النصراني نصر بن هارون في بناء وترميم الكنائس والأديرة, وإطلاق الأموال لفقرائهم. (15)
      الحياة العلمية والأدبية في عهد بني بويه:
      ازدهرت الحياة العلمية والأدبية في عهد بني بويه ازدهارًا كبيرًا، ذلك أن عضد الدولة أمر بتوزيع الجرايات على الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمفسرين والنحاة والشعراء والنسابين، والأطباء والحُسَّاب والمهندسين، كما بالغ في إكرام العلماء والإنعام عليهم حتى تضاعفت في أيامه المصنفات الرائعة في مختلف العلوم فمنها كتاب "الحجة في القراءات السبع" لأبي علي الحسن بن أحمد الفارسي النحوي، و"الكناش العضدي في الطب" لعلي بن العباس المجوسي، وكتاب "التاجي في أخبار بني بويه" لأبي إسحاق إبراهيم الصابي، الذي لم يجد في تاريخ الديالمة من المفاخر والأمجاد ما يرضي كبرياء بني بويه، فعمد إلى التلفيق واصطناع الأخبار المزيفة ليرضي عضد الدولة، وكان هذا من أسباب غضب السلطان عضد الدولة عليه فيما بعد وسجنه, وكتاب الإيضاح في النحو، الذي صنفه له الشيخ أبو علي الفارسي النحوي، وعمل له العالم الفلكي أبو الحسين بن عمر الرازي كرة تمثل السماء بما فيها من أجرام ونجوم..
      وعمل الوزراء في دولة بني بويه على تشجيع الحركة العلمية في البلاد، ومن هؤلاء الوزراء: أبو الفضل بن العميد (ت360هـ) من مدينة "قم" الفارسية..
      وزر ابن العميد للملك ركن الدولة صاحب الري وهمذان وأصفهان، فأشرف على تربية وتعليم ولده عضد الدولة الذي لقبه الأخير "بالأستاذ الرئيس" ووصف ابن خلكان الوزير بقوله: "كان أبو الفضل بن العميد متوسعًا في علوم الفلسفة، وكان يسمى الجاحظ الثاني، وهو الذي قيل فيه: بُدِئَت الكتابةُ بعبد الحميد وختمت بابن العميد"..
      وقد قصده المتنبي ومدحه ببعض قصائده، ومنها قصيدته التي هنأه فيها بعيد النوروز والتي يصفه فيها بأنه عربي اللسان فارسي الأعياد..
      والوزير الصاحب بن عباد الذي ترك رسائل منشورة، وكذلك له كتاب في الأعياد وفضائل النوروز، وقد مدحه شعراء العرب والأعاجم بحسب قوله هو عن نفسه: "مُدِحْتُ -والعلم عند الله- بمائة ألف قصيدة شعر عربية وفارسية". (16)
      تعليق الباحث:
      يبدو أن هذا القول من قبل الصاحب بن عباد فيه بعض المبالغة ولكن إن دل فإنما يدل على كثرة القصائد التي مدح بها..


      الوضع العلمي في هذه الفترة 334 ـ 447هـ:

      لعل أهم ما يظنه العديد من المؤرخين من إيجابيات ظهور هذه الدويلات إنما هو نمو الحركة العلمية، وذلك بسبب التنافس بين حكامها على جذب العلماء والأدباء إليهم، وتقديم الإغراء المادي لهم، ففي تلك الممالك المستقلة أو شبه المستقلة التي انقسم لها العالم الإسلامي قامت أسر حاكمة، وكانت هذه الأسر ينافس بعضها بعضًا في حماية العلم والمعلمين والمتعلمين وأصبحت قصورهم في العواصم المتعددة مراكز ثقافية خصبة، وكثرت رحلات هؤلاء العلماء والأدباء إلى كل من الشام والعراق وغيرهما، وكل هؤلاء الحكام عملوا على تشجيع العلماء والأدباء على القدوم عليهم والبقاء بصحبتهم..
      وإن الازدهار العلمي الذي شهده القرن الرابع الهجري ليُعَدُّ ثمرةً طبيعيةً للتطور التاريخي للحركة العلمية قوية ومندفعة في القرن الثالث الهجري، وظلت محافظة على قوتها واندفاعها في القرن الرابع الهجري، وكان من الممكن لهذا الازدهار أن يحقق مستوى أعظم لو صاحبته الوحدة السياسية، أو توافر له إطار سياسي سليم. (17)
      حركة النقل والترجمة:
      إذا كان المسلمون في القرنين الثاني والثالث للهجرة قد شُغِلُوا بنقل العلوم الأجنبية وتفهمها فإنهم كانوا في القرن الرابع يدرسون بأنفسهم لأنفسهم، وانتقلوا من الجمع والتحصيل إلى الإنتاج الشخصي، وقد استوعبت ترجمتهم آثار الثقافات الأخرى الفلسفية والعلمية المهمة على اختلافها من يونانية وفارسية وهندية، فبنهاية القرن الثالث الهجري تم للمسلمين اجتياز مرحلة النقل والترجمة بوجه عام، وانتقلوا بخطا سريعة إلى مرحلة الإنتاج الخصب الأصيل المبتكر، نتيجة لتفاعل الفكر الأجنبي مع التراث الإسلامي الأصيل دون التخلي كلية أو التوقف عن الترجمة في القرن الرابع وظلت الترجمة على حال كبير من النشاط حتى منتصف القرن الرابع الهجري تقريبًا وأهم ما ترجموه إلى العربية الكتب المنطقية والطبيعية لأرسطو وتفسيرها, ولم يكونوا مجرد نَقَلَةٍ, بل كانوا يضيفون إليها من نتائج خبراتهم وخلاصة تأملاتهم؛ فأضافوا وزادوا وتناولوا المنطق اليوناني بالنقد والتحليل، وقد انتقلت الحركة العلمية من طور الترجمة واستيعاب العلوم القديمة إلى مرحلة التأليف العلمي والابتكار الأصيل وإجراء التجارب والبحوث واستخلاص النتائج والقوانين على أساس المنهج العلمي التجريبي..
      لقد كان القرن الرابع الهجري العصر الذهبي للمترجمين العرب، الذين أثبتت ترجماتهم ما كانوا يتمتعون به من مقدرة وكفاءة في هذا المجال فنافسوا بذلك أقرانهم المترجمين عيسى النفيسي وكان من أطباء الأمير سيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان، وأبو زكريا يحيى بن عدي بن حميد المنطقي ت 364هـ، وهو من أكبر الفلاسفة في القرن الرابع الهجري، وأحد من أسهموا في ازدهار حركة الترجمة والتصنيف فقد شرح كتب أرسطو، ولخص تصانيف أبي نصر الفارابي، ومن أهم الترجمات التي قام بها يحيى بن عدي نقله لكتاب "طوبيقا" من السريانية إلى العربية، ونقله لكتاب "السماء والعالم" بعد أن شرحه ثامسطيوس، وكتاب "الآثار العلوية" وكتاب الآلهيات "الحروف" وكتاب ""سوفسطيقا" وكتاب "أبوطيقا" إلى العربية..
      وصنَّف يحيى بن عدي كتاب "تفسير كتاب طوبيقا لأرسطوطاليس", "مقالة في البحوث الأربعة", كتاب "رسالة في نقض الحجج"، "مقالة في سياسية النفس"، "مقالة في أنية صناعة المنطق وماهيتها"، كتاب "في منافع الباه ومضاره وجهة استعماله"، وكان يحيى بن عدي يكتب في اليوم والليلة مائة ورقة وأكثر..
      كما يعد عيسى بن إسحاق بن زرعة (ت 398هـ) من النقلة البارزين في القرن الرابع الهجري، وكان على معرفة تامة باللغتين السريانية والعربية، وقد عرف بصحة ترجماته ودقتها، وله مصنفات كثيرة وبخاصة في ميدان الفلسفة..
      فقد صنَّف كتاب "اختصار كتاب أرسطوطاليس" وكتاب "أغراض كتب أرسطوطاليس المنطقية"، وكتاب "معاني إيساغوجي"، كتاب "في العقل"، وكتاب "النميمة" ورسالة "علة استنارة الكواكب مع أنها والكرات الحاملة لها من جوهر واحد" وغيرها. (18)


      بيت الحكمة البغدادي:

      كان بيت الحكمة في أول أمره مركزًا من مراكز الترجمة، يتناسب والظروف التي أدت إلى تأسيسه والإمكانيات المتوافرة في حينه، ثم أخذ يتوسع ويزداد عدد كتبه بما يرد إليه من الكتب المختلفة، وعهد بأمر هذه الكتب إلى أَجَلِّ العلماء وأفصحهم والأطباء والفلاسفة والفلكيين وأصحاب الحيل والصناعات، وترجموا مختلف الكتب التي تبحث في شتى العلوم والفنون والمعارف والصنائع، وكلها كانت في بيت الحكمة، كما دخل بيت الحكمة ما ألفه العلماء في اللغة والأدب والتاريخ والفقه وعلم الكلام والمِلَل والنِّحَل، فكان بيت الحكمة يحوي كل نادر وغريب يقصده المؤلفون ويجدون فيه خير معين لما يرغبون به من العلوم المختلفة، فهو يسهل سبل الدرس والمطالعة والتأليف والترجمة لمن يرغب بذلك، فقد كان يتعذر على الناس أن يقفوا على الكتب العلمية النادرة والتي تُرجمت من اللغات المختلفة إلى العربية، وصرف في سبيل الحصول عليها وعلى ترجمتها وعلى تجليدها المبالغ الكبيرة؛ فتيسر للناس سبيل المطالعة والدرس في بيت الحكمة، الذي أنشأ العلوم والمعارف المنقولة عن الأمم الأخرى..
      وقد كان يدير شئون بيت الحكمة الذي هو أشبه بجامعة فيها دار كتب من يثق الخليفة بعقلهم وأمانتهم وعلمهم..
      وكان الناس يقصدون بيت الحكمة من كل بلدٍ فيقيمون فيه، ويتعلمون منه صنوف العلم، فيه مساكن للطلاب، وطعام ونفقة..
      يعد بيت الحكمة من أعظم خزائن الكتب في الإسلام، لما فيه من الكتب ما لا يحصى ولا يقوم عليه نفاسة، ولم يزل على ذلك إلى أن دهمت التترُ بغداد..
      فقد كان به من الكتب المصنفة أكثر من أن تحصى، وأجل من أن تحصر. (19)


      العلوم الدينية:


      القراءة مذهب يذهب إليه إمام من أئمة القراءة، مخالفًا به غيره في النطق بالقرآن الكريم، والقراءات علم من علوم الدين تبحث في كيفية قراءة ألفاظ القرآن الكريم..
      وقد أخذ العلماء خلال القرن الرابع الهجري يجمعون القراءات ويصنفون فيها المصنفات القيمة مثل أحمد بن يعقوب التائب المقريء أبو الطيب الأنطاكي (ت340هـ) وإبراهيم بن عبد الرازق بن الحسن أبو إسحاق الأنطاكي المقريء (ت339هـ) حيث صنف كتابًا في القراءات الثمانية، وأحمد بن الصقر أبو الحسن المنبجي المقريء (ت 366هـ) صنف كتابًا في القراءات سماه "الحُجَّة"، ومحمد بن الحسن بن علي أبو طاهر الأنطاكي المقرئ المتوفَّى قبل عام 380هـ له كتاب في القراءات سماه "القراءات الثمانية" وعبد المنعم بن غلبون أبو الطيب الحلبي (ت389هـ) له كتاب "الإرشاد في القراءات" وفارس بن أحمد بن موسى أبو الفتح الحمصي (ت401هـ) صاحب كتاب "المنشأ في القراءات الثمانية"..
      كما صَنَّفَ محمد بن الحسن بن محمد بن زياد بن هارون الموصلي البغدادي النقاش (ت351هـ) كتابًا في القراءات، وإبراهيم بن أحمد الطبري المالكي البغدادي (ت393هـ) صاحب كتاب "الاستبصار" والحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي أبو علي (ت377هـ) حيث صنف كتاب "الحجة في علل القراءات"، والحسين بن أحمد بن خالويه بن حمدان الهمداني أبو عبد الله (ت370هـ) صنَّف كتاب "الانتصار لأُمَّة الأمصار في القراءات" وكتاب "الحجة في القراءات السبع" وعلي بن محمد بن إسماعيل بن بشر الأنطاكي أبو الحسن (ت377هـ) صنف كتاب "الأصول في قراءة ورش" وأبو الفتح بن جني (ت392هـ) رغم أنه عاش في العراق إلا أنه نزل الشام أكثر من مرة وعاش في كنف سيف الدولة الحمداني ثم عاد إلى بغداد، وصنف كتاب "الوقف والابتداء" وشرح كتاب "الشواذ لابن مجاهد". (20)

      التفسير علم يُبحثُ فيه عن القرآن الكريم، من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية، فهو الإيضاح والتبيين، ومنه قوله تعالى: "ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرًا"..
      ففضل التفسير عظيم، وحاجة الناس إليه شديدة، فإن الأفراد والجماعات لا يصلون إلى غايتهم من السعادة في الدنيا والآخرة إلا بالاسترشاد بالقرآن والعمل بتعاليمه، وهديه ونُظُمِه الحكيمة، والإفادة منها لا يأتي إلا بعد فهم القرآن الكريم. (21)
      لقد نما تفسير القرآن خلال القرن الرابع الهجري نموًا واسعًا، فبعد أن كان تدوين التفسير مقصورًا على رواية ما نُقِلَ عن سلف الأمة تجاوز إلى تدوين تفسير اختلط فيه الفهم العقلي بالتفسير النقلي..
      وكان الجانب العقلي يرجع إلى حدود اللغة ودلالة الكلمات القرآنية، ثم ظلت هذه المحاولات تزداد وتتضخم متأثرة بالمعارف المختلفة، والعلوم المتنوعة والآراء المتشعبة، والعقائد المتباينة، ودُوِّنَتْ علوم اللغة، ودُوِّنَ النحوُ والصرف، وتشعبت مذاهب الخلاف الفقهي، وأُثيرت مسائلُ الكلام وظهر التعصب المذهبي، واتجهت الكتب المؤلفة في اتجاهات متنوعة, وتحكمت الاصطلاحات العلمية والعقائد المذهبية في عبارات القرآن، وإنا لنلحظ في وضوح وجلاء أن كل من برع في فن من فنون العلم يغلب على تناوله للقرآن فنه الذي برع فيه، فالنحوي تراه لا همَّ لا إلا الإعراب، وذكر ما يحتمل في ذلك من أوجه وتراه ينقل مسائل النحو وفروعه وخلافاته فعلى سبيل المثال نجد أبا عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه (ت 370هـ) قد أَلَّف كتابه "إعراب ثلاثين سورة من القرآن من سورة الطارق إلى آخر القرآن والفاتحة"، يشرح أصول كل حرف وتلخيص فروعه..
      ثم ظهر بعد ذلك قوم اختصروا الأسانيد، وجمعوا الأقوال المتعددة دون أن ينسبوها إلى قائلها، فاختلط الصحيح بغير صحيح ودخلت إسرائيليات في التفسير، ومن هنا كان عدم الإسناد من الأسباب الجوهرية في كثرة الوضع في التفسير..
      ومن أشهر من كتب في هذا النوع محمد بن الحسن بن مقسم أبو بكر البغدادي (ت354هـ) له كتاب "الأنوار في علم القرآن" وعمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين البغدادي (ت358هـ) له كتاب "التفسير الكبير"..
      كما ظهرت طائفة المعتزلة خلال القرن الرابع الهجري تُفسِّر القرآن بالرأي والعقل عن طريق مباديء عامة فرضوها على القرآن الكريم فرضًا، وذلك عن طريق إخضاعهم عبارات القرآن الكريم لما يتفق وهذه المباديء، ولا ريب أن هذا أسلوب خطير، فيه جرأة على كتاب الله، وفيه تحكيم العقل وسيطرته على النقل، ومن هنا وجدنا أن المعتزلة وقعت في أخطاء كثيرة، مردها أن العقل هو أساس التقبيح والتحسين، لقد أنكروا بعض الأحاديث الصحيحة لا لشيء إلا لأنها لم تكن مقبولة من وجهة النظر العقلية عندهم، وكثيرًا ما يرجحون القراءات الشاذة على القراءات المتواترة لا لشيء إلا لأن القراءات المتواترة خالفت أصلاً من أصولهم..
      وممن ألف في هذا النوع من التفسير أبو الحسن علي بن عيسى الرماني (ت382 هـ) وهو عالم بالكلام والفقه والنحو واللغة) ..
      وكذلك ألف أبو بكر النقاش المعتزلي (ت351هـ) تفسيرًا كبيرًا يقع في اثنتي عشرة ألف ورقة، كما صنف عبيد الله الأسدي المعتزلي (ت387هـ) تفسيرًا للقرآن ذكر فيه في "بسم الله الرحمن الرحيم" مائة وعشرين وجهًا، ولما كانت كل فرقة من الفرق في هذا العصر تعتد بالقرآن وترجع إليه فكان لابد للقرآن أن يتعرض لكثير من التكلف في التفسير. (22)
      أما من حيث التفسير الشيعي فنلاحظ أن العراق تعد الموطن الأصلي أو الأول للتشيع خاصة الكوفة والبصرة، ومنهم من فسَّر القرآن على مذهبهم فهم يفسرون على مذهب الشيعة من تمجيد عليٍّ رضي الله عنه ونسله وأن الجبت والطاغوت هما معاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهما إلى آخر أقوالهم من تُرَّهات وأباطيل وانحرافات عن جَادَّة الطريق، ولعلهم أنشط الفرق في تفسير القرآن الكريم تفسيرًا مذهبيًا أو سياسيًا، فقد توسعوا في ذلك وصارت لهم تفاسير خاصة وغالى البعض في هذا المجال مغالاة سيئة رغم اختلافهم وانقسامهم وتحزبهم، ومن متقدمي الشيعة من المفسرين: ابن بابويه القُمِّي الملقب بالمفيد (ت 381هـ)..
      أما التفسير الإشاري الصوفي فقد انفرد به أهل العراق وانتشر عندهم، وكثرت آراؤهم؛ لأنهم يُعتبرون فرقةً من بين الفرق التي قام بينها الخلاف في إقليم العراق وحاولت أن تجد لها ولمبادئها وتعاليمها مُستَنَدًا من القرآن الكريم كغيرها من الفرق، يؤيدون به طريقتهم ومن بين هؤلاء أبو عبد الرحمن السلمي ت 412هـ الذي ألف كتابًا في التفسير يسمى "حقائق التفسير"..
      كما نلحظ أمرًا جديدًا قد ظهر في إقليم العراق خلال القرن الرابع الهجري وهو تعاون المعتزلة والشيعة واجتهادهما في تفسير القرآن الكريم ومن أشهر هؤلاء أبو الحسن الرماني (ت385)، وعبيد الله الأسدي (ت 387هـ)، ومحمد بن الحسين المعروف بالشريف الرضي (ت 406هـ). (23)

      يُعَدُّ القرن الثالث الهجري هو أَجَلُّ عصور الحديث في جمعه وتدوينه وتمييز الصحيح من غيره، وفيه ظهرت الكتب الستة، وفيه اعتنى أئمة السُّنَّة بالكلام على الأسانيد وتواريخ الرجال ومنزلتهم في الجرح والتعديل، ولم يكن العلماء في القرن الثالث يدونون الأحاديث بالنقل من الكتب ـ كما حدث في القرن الرابع ـ بل كان اعتمادهم على ما حفظوه من مشايخ الحديث وعرفوا جيده من رديئه وصحيحه من ضعيفه، فكانوا يتناقلونه بالسماع, ثم تطور الأمر وصارت علوم الحديث تكتب وتسجل لكن في أماكن متفرقة من الكتب ممزوجة بغيرها من العلوم الأخرى كعلم الأصول وعلم الفقه، حتى نضجت العلوم واستقر الاصلاح في كتاب مستقل أما في القرن الرابع الهجري وما بعده, فقد أصبح العلماء يجمعون ما تفرق من كتب الأولين أو يختصرونها بحذف الأسانيد, أو يقومون بشيء من الترتيب والتهذيب إلى غير ذلك.
      وكان الغالب على القرن الرابع الهجري أنه كان عصر تبويب وتهذيب, وبنهاية هذا القرن انتهى جمع السنن.
      وكان التصنيف في الحديث على طرق شتى: فتارة على الأبواب أو المسانيد أو الأطراف أو على حروف المعجم، وتارة بتصنيفه معللاً أو على طريقة الاستخراج، وتارة بإفراده بعض الأبواب أو الشيوخ أو التراجم أو الطرق.
      ومن هؤلاء الأئمة الأعلام في ذلك القرن أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني( ت 360 هـ ) والإمام الحافظ علي بن عمر الدَارَقُطْني ( ت 385 هـ ) وأبو بكر يوسف بن القاسم بن يوسف اللَّخْمِيّ ( ت 375 هـ ) وأبو مسعود إبراهيم بن محمد بن عبيد الحافظ الدمشقي ( ت 400 هـ أو 4001 هـ )، ومحمد بن العباس بن أحمد بن عُصم أبو عبدالله ويُعرف بالعصميّ (ت 378 هـ ).(24)

      كان القرن الرابع الهجري استمراراً لدور النشاط في الفقه خلال القرن الثالث الهجري، فقد انتشرت المذاهب الأربعة بين الجمهور الإسلامي كما كان القرن الرابع الهجري من أهم النقاط الفاصلة في تاريخ التشريع الإسلامي، فقد وقف فيه التكوين المستقل للتشريع الإسلامي المبني على الاجتهاد المطلق، وعلى الحكم بالرأى في فهم القرآن والحديث,ومضى عصر الابتكار في التشريع، واعتُبِرَ العلماءُ الأولون كالمعصومين, وأصبح الفقيه لا يستطيع إصدار حكمه الخاص إلا في المسائل الصغيرة؛
      فانكمش سلطان الفقه وصَعُبَتْ مهمةُ الفقهاء, ويرجع ذلك إلى سيطرة التقليد وعدم الثقة بالنفس عند العلماء للاستنباط من الكتاب والسنة، والتزم كل عالم بمذهب إمامه لا يتعداه، وأصبحوا عالة على فقه الأئمة، ونصرة المذاهب التي اتبعوها جملة وتفصيلاً, وصارت نصوص الأئمة عندهم كنصوص الشارع، وحفظوا الكتب ودرسوا طريقة الإمام فقط، وانحصر التأليف في إحضار الكتب وشرحها وجمع ما تفرق من عدة كتب، وسارت الفتوى في نفس الاتجاه من عدم الجرأة في إبداء رأى يخالف المذهب، فوقف التشريع في دائرة نصوص المذاهب, وابتعد العلماء عن الاستنباط من الكتاب والسنة، وأُغْلِقَ باب الاجتهاد على رأس المائة الرابعة, وانعدمت الحرية واشتد التعصب؛ فانكمش سلطان الفقه وسيطر على الفقهاء الجمود والفتور، ورغم ذلك فإن القرن الرابع الهجري لا يخلو من علماء قادرين على الاجتهاد والاستنباط.
      ومن فقهاء هذا القرن الحسن بن القاسم الطبري ( ت 350 هـ ) له كتاب " المحرر في النظر" وكتاب "مختصر مسائل الخلاف في الكلام والنظر". وأبو بكر أحمد بن الرازي ( ت370 هـ ) فهو فقيه مجتهد وله مؤلفات كثيرة، وأبو الفرج المعافي بن زكريا المعروف بابن طراف الجريري النهرواني القاضي ( ت390 هـ ) من مؤلفاته "الجلي الصالح الكافي, والأنيس الناصح الشافي" و" الحدود والعقود في أصول الفقه" و"المحاضروالسجلات" و" المرشد في الفقه".وأحمد بن محمد بن أحمد أبو حامد الفقيه الإسفراييني( ت406 هـ ) ومن مؤلفاته: "شرح المزني في تعليقه" نحواً من خمسين مجلداً ذكر فيه مذاهب العلماء, وبسط أدلتها والجواب عنها، وله تعليقة أخرى في أصول الفقه، وكتاب البستان وهو صغير ذكر فيه بعض الغرائب. (25)
      1ـ علم القراءات: 2ـ علم التفسير: 3ـ علم الحديث: 4 ـ علم الفقه:

      العلوم اللغوية:

      لقد كانت (حَلَب) في القرن الرابع الهجري صاحبة نهضة فكرية تنافس بغداد والبصرة والكوفة لما فيها من حياة أدبية وعلمية باهرة يقودها سيف الدولة الحمداني، وقد برع في اللغة وعلومها الحسين بن خالويه وأبو الطيب النحوي، وابن جني، وأبو على الفارسي أثناء وجوده في حلب, وكل منهم له مؤلفات عظيمة في هذا العلم. وأكبر ما تم في القرن الرابع الهجري على أيدي علماء اللغة هو تحديد معاني الكلمات وعمل المعاجم,كما ظهرت في القرن الرابع دراسة جديدة للاشتقاق اللغوي، وكان أستاذ هذه الدراسة ابن جني (392هـ ) وهو المسمى " بالاشتقاق الأكبر"، ويعني بالاشتقاق الأكبر: حصر أصول الكلمة وتقليبها على وجوهها المختلفة, واستخراج التباديل والتوافيق منها والمقارن بينها في المعاني.
      كما كان من مظاهر القرن الرابع الهجري انتشار اللغة العامية بجانب اللغة الفصحى، فكان لكل إقليم إسلامي لغته ولهجته الدارجتان؛ مما جعل علماء اللغة يهتمون بدراسة لغة العامة وما يعرض فيها من خطأ، فألف ابن خالويه (ت 370 هـ ) بحلب كتاب "ليس في كلام العرب" .
      لم يقتصر علماء اللغة على تأليف المعاجم, وإنما ألفوا كتباً كثيرة في الاشتقاق والتصريف وأصول النحو واللغة, وعلى رأس هؤلاء أبو علي الفارسي وتلميذه ابن جني.
      ومن أشهر علماء اللغة في القرن الرابع ابن خالويه( ت370 هـ ) فقد صحب سيف الدولة الحمداني وأَدَّب بعض أولاده، وتصدر بحلب وميافارقين وحمص للإفادة والتصنيف, وعاش بعد سيف الدولة في صحبة ولده وغيره من آل حمدان حتى مات بحلب سنة 370هـ, وله مصنفات كثيرة منها كتاب الاشتقاق، وكتاب الجمل في النحو، وكتاب المبتدي، وكتاب المذكر والمؤنث، وكتاب الأَلِفَات وكتاب " ليس" إلى غير ذلك من المؤلفات.
      وأبو علي الفارسي( ت 377 هـ) كان إمام وقته في النحو، أقام بحلب عند سيف الدولة الحمداني, وجرت بينه وبين أبو الطيب المتنبي مجالس، وله مصنفات قيمة منها كتاب التذكرة، والإيضاح والتكميل، والمقصور والممدود، والحجة في القراءات، والإغفال فيما أغفله الزجاجي في المعاني إلى غير ذلك من المصنفات.
      وأبوسعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي(ت368هـ) سكن بغداد وولي القضاء بها, وكان أعلم الناس بنحو البصريين، شرح كتاب سيبويه في ثلاثة آلاف ورقة.
      وله من الكتب: كتاب" شرح سيبويه" وألفات الوصل والقطع، وأخبار النحويين، والوقف والابتداء، وكتاب صنعة الشعر والبلاغة، وكتاب شرح مقصورة ابن دريد إلى غير ذلك من الكتب. (26)
      علم النحو:
      بدأ القرن الرابع الهجري وعلم النحو موزع بين أهل البصرة و الكوفة وبغداد على ثلاثة مذاهب أو اتجاهات، وكان من نصيب أهل الشام خلال هذا القرن أن نزل عندهم علماء نحويون يمثلون الاتجاه البغدادي، ذلك الاتجاه الذي مزج بين النحو البصري والنحو الكوفي وأخذ أحسن ما عندهم، فكان للشام اتجاه نحوي, وهو الاتجاه المختلط الناتج عن البصري والكوفي,وكانت ندوة سيف الدولة خلال القرن الرابع الهجري حافلة بعلماء النحو الذين يقصدونه من كل صوب، يلقون من كرمه ما يدفع بهم إلى تجويد صناعاتهم، فقد ضَمَّ مجلسه الحسين بن خالويه صاحب كتاب" إعراب ثلاثين سورة" وكتاب" المذكر والمؤنث" وكتاب "الجمل في النحو"
      وضم أيضاً أبا الطيب اللغوي صاحب كتاب" مراتب النحويين" وكتاب "الإبدال" وكتاب "المثنى"
      وضم ابن جني صاحب كتاب "الخصائص" و"سر صناعة الإعراب" وضم كذلك أبا علي الفارسي الذي كتب أثناء وجوده في حلب كتاب" المسائل الحلبية، والمسائل البغدادية، والمسائل الشيرازية، والمسائل البصرية، والمسائل الدمشقية".(27)
      الأدب:

      لقد امتاز الشعر في القرن الرابع الهجري عما سواه من القرون بما يصح أن نسميه "علم الشعر" فالعصر السابق كان الشعر فيه شعر سليقة وطبعٍ وخيالٍ, أما القرن الرابع فكان عصر علم وصنعة وتكلف، فيه نما الشعر وتطور في الألفاظ والمعاني والأوزان والقوافي والأغراض والفنون.
      وكان سيف الدولة الحمداني راعياً للأدب والفنون، فقد كان من الملوك المثقفين، واجتمع له إلى جانب هذه الثقافة أسباب قول الشعر فجاء شعره جميلاً عذباً، ولم يكن وحده شاعر بني حمدان بل كان أقلَّهم قولاً في الشعر، فقد ضمَّت الدولة الحمدانية كثيراً من الشعراء الممتازين وفي مقدمتهم الحارث بن سعيد المعروف بأبي فراس, والأمير أبو وائل تغلب بن حمدان، وأبو العشائر ابن عم سيف الدولة.
      لقد كان بلاط سيف الدولة يضم أعظم شعراء العربية في القرن الرابع الهجري من مختلف الأوطان والأقاليم.(28)
      أثر التشيع في الشعر العربي:
      كانت ظاهرة التشيع من الظواهر الاجتماعية التي شجعتها السياسة البويهية في العراق خلال القرن الرابع الهجري، فقد كان لها أثر واضح في الشعر العربي، حيث صور الشعراء الحياة النفسية عند الشيعة أقوى ما يكون التصوير؛ فإن أدبهم إذا ما قرأناه نُحِسُّ فيه آثار اللوعة, ونلمس فية آيات الحزن العميق، إذ تنوح على سيد الشهداء الحسين بن علي ـ رضي الله عنهما.
      إذًا كان للأدب الشيعي خطره على الحياة الأدبية في القرن الرابع بما كان قد تهيأ له من ظروف سياسية واجتماعية أتاحت له فرصة النمو والازدهار، لا سيما بعد أن كان الخوارزمي والشريف الرضي من حاملي لوائه، فلقد كان الخوارزمي(ت383هـ ) شيعياً متعصباً لأهل البيت, صريحاً في موالاته وإخلاصه لهم، ولهذا سلَّط قلمه على خصومهم فأصلاهم ناراً حامية، وربما كان الشريف الرضي أبرع أدباء الشيعة في تصوير آلآمهم ومآسيهم في شعره.(29)
      أثر الروح الفارسية في الشعر العربي:
      عندما استرد الفرس سلطانهم السياسي والاجتماعي في القرن الرابع الهجري تهيأ لهم أن يُعبِّروا عن ميولهم ورغباتهم بحرية كاملة، كحبهم الأبهة، وإحاطة أنفسهم بمظاهر العظمة والإجلال، لهذا تلقَّب ملوكهم بأضخم الألقاب التي تُشعر بالتجرؤ على مقام الألوهية، إذ يلقب عضد الدولة (ت372هـ) بلقب (ملك الملوك) لأول مرة في الإسلام، فكان ذلك إحياء لرسوم الشرق القديمة، ثم تبعه في ذلك رجال الدولة؛ فتهافتوا على الألقاب مما حمل الشاعر أبا بكر محمد بن العباس الخوارزمي(ت383هـ) على أن يقول في ذلك أبياته المعروفة:
      مالي رأيت بني العباس قد فتحوا000 من الكُنى ومن الألقاب أبواباً
      ولقبوا رجـلاً لو عاش أولهـم000 ما كان يرضى به للحش بوَّابا
      قلَّ الدراهـم في كَفَّـي خليفتنا000 هذا فأنفق في القـوم ألقابـا
      وكما تأثر الشعراء بالميول الفارسية كذلك تأثروا بالأعياد الفارسية فأكثروا من تهنئة الملوك والوزراء والوجهاء بها خاصة في عيد "ليلة الوقود" يوقدون فيها ناراً متأججة يتعالى دخانها ويتطاير شررها، فأكثر الشعراء من وصفها ومن وصف الطبيعة في جوها، فالسلامي قد أعجب بهذه النار, واستولى عليه هذا الإعجاب فقال فيها:
      ما زلت أشتاق ناراً أوقدت لها ... حتى ظننت عذاب النار قد عَذُبا
      يعلو الدخان بسود من ذوائبها ... قد عطا فيها قناع التبر واستلبا (30)
      أبرز الشعراء في القرن الرابع الهجري:
      كان من أبرز الشعراء في القرن الرابع الهجري أبو الطيب المتنبي (ت354هـ)، وأبو فراس الحمداني (ت357هـ)، وأبو الفرج محمد بن أحمد الغساني الدمشقي الملقب بالوأواء(390هـ)، وأبو العباس أحمد بن محمد الدارمي المصيصي المعروف بالنامي(ت399هـ)، وأبو القاسم علي بن إسحاق بن خلف الزاهي(ت360هـ)، وأبو الحسن محمد بن محمد بن جعفر بن لنكك البصري(ت360هـ)، وأبوالحسن عقيل بن محمد الأحنف العكبري(ت385هـ)، وأبو الحسن محمد بن عبد الله بن محمد القرشي المخزومي السلامي(ت393هـ)، وأبو الحسن محمد بن الحسين الملقب بالشريف الرضي(ت406هـ)، ...إلى غير ذلك من شعراء هذا العصر.(31)

      لقد امتاز القرن الرابع الهجري بنهضة أدبية مباركة؛ فقد ظهر فيه كثير من أعلام البيان من بينهم طائفة من الوزراء، وذاع استعمال السجع في الرسائل، وقد وصف (مِتْز) هذه الرسائل في هذه العبارة؛ فقال:" إن رسائل القرن الرابع الهجري هي آية الفن الإسلامي، ومادتها أنفس ما أشتغل به الفنانون، وهي اللغة، ولو لم تصل إلينا آيات الفن الجميلة التي صنعتها أيدي الفنانين في ذلك العهد من الزجاج والمعادن، لاستطعنا أن نرى في هذه الرسائل مبلغ تقدير المسلمين للجمال الرقيق، وامتلاكهم ناصية البيان في أصعب صورة، وتلاعبهم بذلك تلاعباً، وليس من محض الاتفاق أن يكون كثير من وزراء ذلك العهد أساتذة البيان وأعلامه، لذلك استطاعت رسائلهم أن تنال من التقدير ما جعلها خليقة بأن تنشر كتباً للناس." وكان من أولئك الوزراء: الخصيبي، وابن مقلة، والمهلبي، وابن العميد، والصاحب بن عباد، والإسكافي وزير السامانيين، وإبراهيم بن هلال الصابي. (32)
      1ـ الشعر: 2ـ النثر:

      العلوم الاجتماعية:


      يُعتبر القرن الرابع الهجري عصر نضجٍ في الحضارة العربية الإسلامية, وقد احتل مؤرخو العراق المكانة الأولى وذلك بسبب مكانة العراق السياسية والدينية والعلمية، لأنه مامن عالم كبير إلا ورحل إليه أو قصده في طلب العلم، والمؤرخون الكبار خلال القرن الرابع الهجري كلهم أو جلهم ينتمون إليه.
      ولم تقتصر الكتابة التاريخية على المؤرخين وحدهم، بل أسهمت في الكتابة التاريخية مجموعات متنوعة بين محدِّثين وفقهاء وأدباء وكُتَّاب ووزراء... وغيرهم.
      ولم يقتصر التدوين التاريخي في القرن الرابع الهجري على المؤرخين المسلمين فقط، بل كان لغير المسلمين دور في التدوين التاريخي.
      وقد زَخَرَ القرن الرابع الهجري بعدد كبير من المؤرخين نذكر منهم على سبيل المثال: أبو الفرج الببغاء عبد الواحد بن نصر المخزومي (ت398هـ) فقد حفل به ديوان سيف الدولة الحمداني, وكتب رسائل عدة تمثل وثائق تاريخية فريدة حول معارك سيف الدولة التي كان يخوضها على رأس جنوده العرب، يجد المؤرخ في هذه الرسائل وثائق تاريخية عاصر كاتبها الأحداث,
      وأبو سليمان محمد بن عبدالله الربعي الدمشقي(ت379هـ) له" تاريخ مولد العلماء ووفياتهم، والمنتقَى من أخبار الأصمعي، وفضائل الشام". ,وأبو إسحاق إبراهيم بن هلال بن إبراهيم الحراني(ت384هـ) صاحب كتاب" أخبار النحاة ، وأخبار الوزراء، وأخبار الدولة الديلمية".و عبدالله بن الحسين المعروف بابن الجلاب أبو القاسم البغدادي الفقيه المالكي (ت378هـ) كتب" ذيل تاريخ واسط"، وأبو حيان علي بن محمد بن العباس الواسطي التوحيدي (ت400هـ) صاحب كتاب " أخبار الصوفية"، وأبو عبدالله محمد بن عمران بن موسى المرزباني(ت378هـ) له من المؤلفات التاريخية " أخبار الشعراء، وأخبار الملوك، والمغازي، والمعجم للشعراء،وأخبار الفرس، وأخبار المتكلمين،و أخبار النحويين، وأخبار أبي حنيفة،و أخبار أبي مسلم".
      ومن المؤرخين غير المسلمين سعيد بن إبراهيم التستري البغدادي وكان نصرانياً(ت360هـ) صاحب كتاب" الرسل في الفتوح على حروف العجم"، وإبراهيم بن هلال بن زهرون الصابيء (ت384هـ) صاحب كتاب" التاجي في أخبار الدولة الديلمية وأخبار أهله، ورسوم دار الخلافة".(33)

      لقد بلغ تاريخ البحث الجغرافي النضج في القرن الرابع الهجري، وزخر هذا القرن بمصنفات جغرافية مهمة، كما شهد هذا القرن ميلاد أكثر آثار الكارتوغرافيا ـ صناعة الخرائط والمجسمات الجغرافية ـ العربية، وقد بلغ عدد الرَّحَّالة في هذا القرن حداً كبيراً. كما قام العرب بكتابة الجداول الفلكية الجغرافية الخاصة بخطوط الطول ودوائر العرض، كما توصلوا في مجال وصف الطبيعة إلى أفكار جديدة، فقد ألقيت أضواء مثيرة لتفهم عمليات التعرية والبراكين، ورُسُوِّ الجبال، والبنية الجيولوجية والمد والجزر، والأنهار، وعملها وما تفعله من أشكال أرضية.
      ومن أشهر الجغرافيين في هذا القرن أبو عبدالله محمد بن أحمد البشاري المقدسي(ت380هـ) صاحب كتاب" أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" وصف فيه جميع أنحاء العالم الإسلامي تقريباً، وأبو القاسم محمد بن حوقل البغدادي الموصلي عاش في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، اشتهر برحلاته الواسعة في العالم الإسلامي حيث دامت رحلاته ما يقرب من ثلاثين عاماً، وقد بحث في كتابه " صورة الأرض" أو" المسالك والممالك" الأقاليم والبلدان على مَرِّ الدهور والأزمان، وطبائع أهلها وخواص هذه البلاد. (34)
      1ـ التاريخ: 2ـ علم الجغرافية:

      العلوم الطبية:


      يعد الطب من العلوم التي عني بها العرب عناية كبيرة واستطاعوا أن يكتشفوا كثيراً من النظريات العلمية، واستمر هذا الاهتمام خلال القرن الرابع الهجري، وقد أثمر الاهتمام ظهور البحوث الطبية والطرق المبتكرة في تشخيص الأمراض وطرق العلاج وصنع العقاقير ،والمركبات الطبية والتشريح، وتطوير الجراحة وبناء المستشفيات.(35)
      ومن أهم المستشفيات التي بنيت خلال القرن الرابع الهجري بيمارستان معز الدولة بن بويه سنة 355هـ، وبيمارستان عضد الدولة البويهي في الجانب الغربي من بغداد عام 372هـ فقد ضم الكثير من الأطباء والخدم، والأدوية والأشربة والعقاقير، وقد عرف باسم "البيمارستان العضدي". (36)
      ومن أشهر علماء ذلك القرن عيسى الرّقي المنجم الطبيب عاش في خدمة سيف الدولة الحمداني، وكان من جملة أطبائه, وأبو عبدالله محمد بن أحمد بن سعيد التميمي(ت370هـ) له من المصنفات كتاب" مادة البقاء" و"رسالة في صنعة الترياق" و"المرشد إلى جواهر الأغذية" و"الفحص والأخبار"...وغيرهم .
      وجبرائل بن عبيدالله بن بختيشوع (ت396هـ) له من الكتب "كناشة الكبير" الملقب "بالكافي" خمس مجلدات أَلَّفه للصاحب بن عباد،ورسالة في عصب العين، ومقالة في ألم الدماغ بمشاركة فم المعدة, والحجاب الفاصل بين آلات الغذاء وآلات التنفس ألفها لخسروشاه ملك الديلم، ومقالة في أن أفضل إسطقسات البدن هو الدم أَلَّفها للصاحب بن عباد، وكتاب المطابقة بين قول الأنبياء والفلاسفة، ومقالة في الرد على اليهود، ومقالة في أنه لم جعل من الخمر قربان وأصله محرم. (37)

      لقد تقدم علم الصيدلة تقدماً ملحوظاً خلال القرن الرابع الهجري؛ وذلك لأن هذا الفن كان مرتبطاً كل الارتباط بعلمي الطب والكيمياء وكل من هذين العلمين قد نضج كثيراً على أيدي العلماء العرب والمسلمين.
      فهذا جبرائل بن عبيد الله (ت396هـ) كان متقناً للطب، كما برع في الصيدلة والكيمياء؛ فقد استطاع عمل تحضير وتركيب للأدوية النافعة يوقف نزف الدم بمجرد أن يشربه المريض، كما استطاع أن يعالج مرض المفاصل والنقرس وضعف الأحشاء عند عضد الدولة.
      وأبو عبدالله محمد بن أحمد المقدسي (ت370هـ) فقد كان خبرة في تركيب المعاجين والأدوية المفردة، وهو صاحب" الترياق الكبير الفارق".(38)
      1ـ علم الطب: 2ـ علم الصيدلة والكيمياء:

      العلوم الرياضية:

      لم يقتصر التقدم العلمي للمسلمين خلال القرن الرابع الهجري على العلوم السابقة فقط، بل كان لعلماء المسلمين في القرن الرابع إسهامات علمية جليلة في العلوم الرياضية.
      ففي علم الحساب: استطاع أحد علماء الشام أن يضع علامة الكسر العشري، وقد ابتكر هذا العمل أبو الحسن أحمد بن إبراهيم الإقليدس (ت341هـ) .
      كما كان أبو القاسم الأنطاكي (ت375هـ) على دراية كبيرة بعلم العدد والهندسة.
      أما أبو الوفا البوزجاني (ت388هـ) فقد شرح كتاب زيوقانطس في الحساب والجبر، وأدخل البوزجاني ـ أيضاً ـ علم الهندسة على علم الجبر وابتكر حلولاً جديدة، مما أدى إلى اكتشاف الهندسة التحليلية وعلم التفاضل والتكامل.(39)


      مراجع وتعليقات مشاركة رقم 36 الى مشاركة رقم 48

      (1) محمود شاكر: الدولة العباسية جـ 6 ص 127 .
      (2) المرجع السابق: جـ 6 ص 147 .
      (3) استشار معز الدولة أصحابه في تنصيب أبا الحسن محمد بن يحيى الزيدي.
      (4) د. طقوش: تاريخ الدولة العباسية ص 224 .
      (5) يقصد العبيدي صاحب إفريقية ومصر.
      (6) محمود شاكر: الدولة العباسية جـ 6 ص 147 ، 148 .
      (7) السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 333 - 336 . وانظر أيضًا: محمود شاكر: الدولة العباسية جـ 6 ص 164 . وأيضًا الشيخ محمد الخضري: الدولة العباسية ص 366 ، 371 .
      (8) من ولد الخليفة الواثق بالله.
      (9) محمود شاكر: الدولة العباسية جـ 6 ص 176 - 178 .
      (10) المرجع السابق: جـ 6 ص 12 .
      (11) المرجع السابق: جـ 6 ص 141 .
      (12) د. طقوش: تاريخ الدولة العباسية ص 222 ، 223 .
      (13) ابن كثير البداية والنهاية ج 11 ص 264 . وانظر أيضًا محمود شاكر: الدولة العباسية جـ 6 ص 142 ، 143 ، وانظر أيضًا الموسوعة الميسرة في التاريخ الإسلامي جـ 1 ص 309 .
      (14) محمود شاكر: الدولة العباسية جـ 6 ص 143 ، 144 .
      (15) د. إبراهيم أيوب: التاريخ العباسي السياسي والحضاري ص 154، 155 .
      (16) المرجع السابق: ص 155 ، 156 .
      (17) د. كرم حلمي فرحات: التراث العلمي للحضارة الإسلامية في الشام والعراق خلال القرن الرابع الهجري ص 26 .
      (18) المرجع السابق: ص 115 ، 116 ، 122 ، 123 .
      (19) المرجع السابق: ص 130 ، 131 .
      (20) المرجع السابق: ص 139 - 153 .
      (21) المرجع السابق: ص 161 .
      (22) المرجع السابق: ص 163 - 169 .
      (23) المرجع السابق: ص 170 ، 175 .
      (24) المرجع السابق: ص 194 ، 195 ، 199 .
      (25) المرجع السابق: ص 235 ، 236 ، 243 ، 249 ، 258 ، 259 ، 260 ، 261 .
      (26) المرجع السابق: ص 268 - 293 .
      (27) المرجع السابق: ص 299 ، 300 .
      (28) المرجع السابق: ص 323 - 325 .
      (29) المرجع السابق: ص 331 .
      (30) المرجع السابق: ص 330 ، 331 .
      (31) المرجع السابق: ص 339 - 347 .
      (32) د. حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام جـ 3 ص 380 . وانظر أيضًا الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري جـ 1 ص 429 .
      (33) د. كرم حلمي فرحات: التراث العلمي للحضارة الإسلامية في الشام والعراق خلال القرن الرابع الهجري ص 417 - 430 .
      (34) المرجع السابق ص 489 ، 490 ، 512 .
      (35) المرجع السابق: ص 583 ، 584 .
      (36) ابن كثير: البداية والنهاية جـ 11 ص 283 ، 326 ، 327 .
      (37) د. كرم حلمي فرحات: التراث العلمي للحضارة الإسلامية في الشام والعراق خلال القرن الرابع الهجري ص 610 - 613 .
      (38) المرجع السابق: ص 629 ، 630 ، 636 .
      (39) المرجع السابق ص 645 ، 649


      العصر العباسي الرابع 447 ـ 590هـ

      مقدمة :
      عصر السيطرة السلجوقية:
      ضمَّت هذه المرحلة من تاريخ الدولة العباسية تسعة خلفاء من بني العباس كان أولهم: القائم بأمر الله..
      القائم بأمر الله 422 ـ 467هـ:
      هو عبد الله بن أحمد القادر، أبو جعفر، ولد عام 319هـ من أم ولد أرمينية اسمها: بدر الدجى، وقيل: قطر الندى، ولي أمر الخلافة عام 422هـ، فكاه عمره إحدى وثلاثين عامًا، بعهد من أبيه، وأبوه هو الذي لقبه "القائم بأمر الله"..
      كان وَرِعًا ديِّنًا زاهدًا عالمًا قوي اليقين بالله تعالى، كثير الصدقة والصبر له عناية بالأدب، ومعرفة حسنة بالكتابة، مؤثرًا العدل والإحسان وقضاء الحوائج, لا يرى المنع من شيء طُلِبَ منه..
      فتنة البساسيري:
      كان أبو الحارث أرسلان التركي البساسيري أحد موالي بني بويه قد طغا حتى خافه الناس جميعًا، وثبت للخليفة العباسي القائم أن البساسيري سيِّء العقيدة، وأن عنده رغبةً في القبض على الخليفة وإلغاء الخلافة العباسية فما كان من الخليفة إلا أن راسل طغرل بك السلجوقي سلطان الأتراك الغزّ وهو بالري يستنهضه للقدوم إليه، فقدم طغرل بك إلى بغداد، واستأذن الخليفة بدخولها فأذن له فدخلها عام 447هـ، وكانت قد وقعت وحشة بين الخليفة والبساسيري؛ فترك البساسيري بغداد، ولم يدخلها مع الملك الرحيم الذي جاء من واسط وطلب الخليفة منه أن يخضع لطغرل بك، واتجه البساسيري إلى الرحبة، ومُنِعَتْ بدعة "حي على خير العمل" في الأذان، وعقد الخليفة على خديجة بنت داود أخي طغرل بك، وقد تمكن البساسيري من أخذ الموصل..
      وراسل البساسيري صاحب مصر المستنصر العبيدي، وطلب منه أن يبايعه ويدعو له، وأن يمده بالجند والأموال، وأن يأتي إليه ليبايعه، ويدخل بغداد باسمه، غير أن المستنصر لم يكن يثق كليًا بالبساسيري؛ لذا فقد اكتفى بمده بالجند من الشام, وبالمال ولكنه لم يأتِ إليه.
      وفي الوقت نفسه فقد تمكن البساسيري من الإيقاع بين طغرل بك وبين أخيه لأمه (إبراهيم ينال) إذ أطمع إبراهيم بمنصب أخيه، واشتغل طغرل بك بقتال أخيه؛ فاستغل البساسيري هذا القتال واتجه إلى بغداد، ودخلها عام 450هـ، ومعه الرايات المصرية، وخطب فيها للمستنصر العبيدي باستثناء جامع الخليفة..
      قبض البساسيري على الخليفة، وأرسله إلى حديثة عانة (1) ، حيث سجن هناك، وروى أن الخليفة كتب قصته وهو بالسجن وأنفذها إلى مكة؛ فعلقت بالكعبة وفيها: إلى الله العظيم من المسكين عبده، اللهم إنك العالم بالسرائر، المطلع على الضمائر، اللهم إنك غني بعلمك، واطلاعك على خلقك عن إعلامي, هذا عبد قد كفر بنعمك وما شكرها، وألغى العواقب وما ذكرها، أطغاه حلمك حتى تعدَّى علينا بغيًا، وأساء إلينا عتوًا وعدوًا، اللهم قَلَّ الناصر، واعتزَّ الظالم، وأنت المطَّلع العالم، المنصف الحاكم، بك نعتز عليه، وإليك نهرب من بين يديه، فقد تعزز علينا بالمخلوقين، ونحن نعتز بك، وقد حاكمناه إليك، وتوكلنا في إنصافنا منه عليك، ورفعنا ظلامتنا هذه إلى حرمك، ووثقنا في كشفها بكرمك، فاحكم بيننا بالحق وأنت خير الحاكمين. (2)
      وقد أنكر الأستاذ/ محمود شاكر هذه الرواية واستبعدها لأن مكة كانت تحت حكم العبيديين في ذلك الوقت..
      كما قتل البساسيري وزير الخليفة وهو ابن مسلمة الذي كان يكره البويهيين لتشيعهم، وصلتهم بالعبيديين في مصر..
      وظفر طغرل بك بأخيه إبراهيم فقتله، وتفرغ لأمر البساسيري فعاد إلى بغداد ودخلها عام 451هـ، ولم ينفرد فيها البساسيري بأكثر من سنة، وظفر بالبساسيري فقتله..
      ورجع الخليفة إلى داره، ولم ينم بعدها إلا على فراش مصلاه ولزم الصيام والقيام، وعفا عن كل من آذاه، ولم يسترد شيئًا مما نهب من قصره إلا بالثمن، وقال: هذه أشياء احتسبناها عند الله، ولم يضع رأسه بعدها على مخدة..
      وفي عام 454 هـ زوَّج الخليفة ابنته لطغرل بك، على كره منه, وهذا أمر لم ينله أحد من ملوك بني بويه مع قهرهم الخلفاء وتحكمهم فيهم..
      وفي سنة 455هـ دخل طغرل بك بابنة الخليفة ثم رجع إلى الرَّي فمات بها، وأقيم في السلطنة بعده ابن أخيه عَضُد الدولة ألب أرسلان وبقى بها حتى قتل عام 465هـ، وخَلَفه ابنه ملكشاه..
      وقال الذهبي عن ألب أرسلان: وهو أول من ذكر بالسلطان على منابر بغداد، وبلغ ما لم يبلغه أحد من الملوك، وافتتح بلادًا كثيرة من بلاد النصارى، واستوزر "نظام الملك"، فأبطل ما كان عليه الوزير قبله "عميد الملك" من سَبِّ الأشعرية، وانتصر للشافعية وأكرم إمام الحرمين، وأبا القاسم القشيري، وبَنَى النظامية قيل: وهي أول مدرسة بنيت للفقهاء..
      وفي عهد الخليفة القائم بأمر الله عام 462هـ، أقبل ملك الروم "أرمانوس" بجموع لا حصر لها وعلى رأسهم البطارقة, وهو ينوي بهذه الحشود الكبيرة أن يقضي على الإسلام وأهله حتى أنه لفرط أمله قد أقطع البطارقة مناطق العراق، وتلقاه "ألب أرسلان" عام 463هـ في عشرين ألف مقاتل فقط؛ ودارت معركة كبيرة بين الطرفين انتصر فيها ألب أرسلان رغم قلة جنده، وأُسِرَ ملكُ الروم "أرمانوس" وعرفت هذه المعركة باسم معركة "ملاذكرد" ثم عفا "ألب أرسلان" عن "أرمانوس" وأطلق سراحه، وعندما عاد إلى بلاده وجد أن الروم قد ملكوا عليهم غيره..
      وكانت وفاة الخليفة القائم بأمر الله عام 467هـ، وخَلَفَه حفيده المقتدي بأمر الله. (3)
      وفي عهد الخليفة القائم بأمر الله عام 462 هـ أقبل ملك الروم "أرمانوس" بجموع لا حصر لها وعلى رأسهم البطارقة ونوي بهذه الحشود الكبيرة أن يقضي على الإسلام وأهله حتى أنه لفرط أمله قد أقطع البطارقة مناطق العراق، وتلقاه "ألب أرسلان" عام 463 هـ في عشرين ألف مقاتل فقط، ودارت معركة كبيرة بين الطرفين انتصر فيها "ألب أرسلان" رغم قلة جنده وأُسر ملك الروم "أرمانوس" وعرفت هذه المعركة باسم "معركة ملاذكرت" وقد عفا "ألب أرسلان" عن "أرمانوس" وأطلق سراحه، وعندما عاد إلى بلاده وجد أن الروم قد ملكوا عليهم غيره(4)


      العصر العباسي الرابع 447 ـ 590هـ:

      كان خلفاء هذه المرحلة على درجة من العدل والتقوى والإحسان والعطف على الناس، وقد أحبتهم الرعية حبًا كبيرًا حتى ليعم الحزن البلاد عندما يتوفى أحد الخلفاء، فعندما قُتِلَ المسترشِد (512 ـ 529هـ) ظهر التأثر واضحًا على الرعية، وكذا الحال عندما قُتِل ابنه الراشد (529 ـ 530هـ) ولم يقتل من هؤلاء جميعهم سوى المسترشد وابنه الراشد..
      ولم يكن السلاجقة ـ وهم القوة المسيطرة على الخلافة ـ يتصرفون مع الخليفة ذلك التصرف السيِّء الذي كان يقوم به من سبقهم سواء من القادة الأتراك أم من البويهيين, فالقادة الأتراك كانوا عسكريين جهلة ومختلفين فيما بينهم؛ فإذا ظن أحدهم أن الخليفة مال لآخر سعى إلى قتله بصورة من الصور أو إلى سمل عينيه وإهانته، وكان البويهيون من الشيعة الحاقدين على الخلفاء أولاً، وعلى الفكر الإسلامي الصافي ثانيًاـ إذ أن التشيع بدأت توضع له في تلك المرحلة أسسه ومبادئه التي فيها بُعْدٌ عن الإسلام، والتي حرص واضعوها على نسجها على الأوقات السابقة؛ فنسبوا لبعض آل البيت ما لم يقولوه، ولم يسمعوا به بل لم يفكروا فيه، وليس التشيع هو محبة آل البيت عامة، وعليٍّ وأبنائه رضي الله عنهم خاصة كما يتصور بعض العامة من المسلمين أو عامة الشيعة حسبما وصل إليهم، وإنما أصبح للتشيع فكر خاص له منهجه وسلوكه, بل عقيدة خاصة تختلف عن صفاء الإسلام بادعاء العصمة للأئمة ومعرفتهم ما لم يعرف غيرهم ؛ لذا فإن تصرف البويهيين مع الخلفاء لم يكن تصرف التابع، أو تصرف المبايِع للخليفة الحريص على هيبة الحكم والنظام, وما يقضي به الشرع بالنسبة إلى معاملة الخليفة الشرعي، وإن سلوك السلاجقة الطيب نسبيًا قد أعاد للخليفة هيبته أو مكانته, وإن كان بصورة نسبية أيضًا. (5)
      وقد ظهر في تلك المرحلة دول قوية في المنطقة كان لها دور في صراع النصارى مع الإسلام سواء في الأندلس مثل: دولة المرابطين ودولة الموحدين، أم في المشرق مثل: إمارة آل زنكي ودولة الأيوبيين اللتين انصرفتا إلى قتال الصليبيين بل وحتى العبيديين, وإن كان بعضها تتبع الخلافة العباسية وتدين لها بالولاء مثل: المرابطين وآل زنكي والأيوبيين، فإن بعضها الآخر لا يعترف بسلطة العباسيين عليها, بل تَعُدُّ نفسها دولة قائمة بذاتها مثل: الموحدين حيث يُدعى سلطانهم أمير المؤمنين، أو تعد نفسها خلافة خاصة مثل: الدولة العبيديية في مصر، وجميعهم كان لهم دور في مقارعة الصليبيين..
      وكان خلفاء هذه المرحلة على صورة واحدة تقريبًا من حيث الاتجاه الإسلامي العام، ولم يكن بينهم سوى الخليفة الناصر (575 ـ 622هـ) الذي مال إلى التشيع، وكان يفضل عليًا على أبي بكر رضي الله عنهما،وهذا ضلال عند أهل السُّنَّة، فالمسلمون جميعًا يرون فضل أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليٍّ، على التوالي رضي الله عنهم، وهناك اختلاف يسير في تفضيل علي على عثمان رضي الله عنهما،ولكن الجمهور على تفضيل عثمان. وقد سُئِل ابن الجوزي أمام الخليفة الناصر: من أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: أفضلهم من كانت ابنته تحته، ولم يستطع أن يصرح بتفضيل أبي بكر رضي الله عنه وإن كان في هذا الجواب معنيان؛ إذ يمكن أن يُفهَم تفضيلُ أبي بكر رضي الله عنه الذي كانت ابنته عائشة رضي الله عنها تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم, كما يُفهَم منه تفضيلُ عليٍّ رضي الله عنه إذ كانت تحته فاطمة رضي الله عنه بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تحته.. (6) وهذا يدل على تعصب الناصر لمذهبه الباطل.
      وفي هذه المرحلة قَلَّتِ الخلافاتُ بين السنة والشيعة بعد أن زالت دولهم المتعددة، فقد زال البويهيون عام 447هـ وبزوال البويهيين ضعف أمر القرامطة، ثم قضى عليهم عام 470هـ، إذ خرجت جزيرة أوال (البحرين) عن طاعة القرامطة عام 458هـ، وخضعت للعباسيين، وكان أول الأمر أن بني المسلمون مسجدًا لجذب التجار إلى جزيرتهم، وخطبوا فيه للخليفة العباسي دون الخليفة العبيدي فعزل القرامطة واليهم على الجزيرة، وفرضوا على أهلها ضرائب جديدة الأمر الذي أثار السكان فهبوا ضد القرامطة، واستطاعوا الانتصار عليهم، وقد هيأ هذا الانتصار أن يتصل المسلمون في البحرين بالخليفة العباسي، ويطلبوا منه الدعم إذ اتصل عبد الله بن علي العيوني زعيم قبيلة عبد القيس بالخليفة العباسي "القائم بأمر الله" وبالسلطان السلجوقي "ملكشاه" عام 462هـ، ووجد عندهما تجاوبًا؛ فأرسلا له جيوشًا دعمته ضد القرامطة فاستطاع أن يهزم القرامطة عام 467هـ، وتجمع المسلمون من كل ناحية في تلك الجهات، وهزموا القرامطة في معركة الخندق عام 470هـ في شمال الأحساء وقضوا عليهم..
      أما العبيدييون فقد كان أمرهم يضعف , كما أن أصولهم وانتماءهم وسلوكهم يدل على ضلالتهم العقيدية والفكرية، ويلقي ضوءًا على أهدافهم السياسية البعيدة، وهذا ما أصبح يتضح للرعية عندما بقوا وحدهم في الميدان, وزال الشيعة والمتشيعون الآخرون الذين كانوا يغطون الساحة فيختفي فيها العبيديون, وعندما انكشفوا أصبح الناس يكرهونهم فبدأ أمرهم يضعف حتى قضى عليهم صلاح الدين الأيوبي رحمه الله عام 567هـ..
      وفي هذه المرحلة حدث هجوم صليبي شرس على بلاد المسلمين ابتدأ في الأندلس، ومنها انتقل إلى الأناضول, فبلاد الشام ومصر وكان يحمل الحقد الأسود على الإسلام؛ ولذا فقد ارتكب جرائم بشعة جدًا, وأهلك الزرع والضرع أثناء سيره، وكان النافخون فيه يتذرعون بأن المسلمين كانوا يسيئون إلى الحجاج النصارى الذين يقصدون بيت المقدس، وقد حدث هذا الهجوم بعد الهزائم المنكرة التي مني بها النصارى سواء في المشرق في معركة (ملاذكرد) عام 463هـ على يد ألب أرسلان السلجوقي رغم التفاوت الكبير في قوات الطرفين إذ لم تزد قوات ألب أرسلان على عُشْرِ قوات الروم البيزنطيين، أو في المغرب في بلاد الأندلس في معركة الزلاقة عام 479هـ على يد أمير المرابطين يوسف بن تاشفين، وقد وحدت هاتان الهزيمتان بين الكنيستين النصرانيتين: الشرقية والغربية مؤقتًا, وحمست النصارى على الانسياح البربري الوحشي في ديار المسلمين, الذي روَّع الآمنين, وأخاف الناس جميعًا، ولقد حصل هذا الهجوم على بعض النصر من جهة ثانية أثر آخر إذ أيقظ المسلمين وحرّك في بعضهم الإيمان وهيَّج فيهم روح الجهاد، والدعوة إلى الوحدة؛ فقاموا يقاتلون الصليبيين حتى دمروهم في النهاية وأخرجوهم صاغرين. (7)
      وفي هذه المرحلة ظهرت دول كان لها الأثر الكبير في محاربة الصليبيين؛ لذلك علا شأنها وارتفع ذكرها حتى طغى اسمها على الخلافة العباسية بالذات فحجبها، ولم يعد يذكرها الناس على حين كان يذكر دائمًا تلك الدولة الثانية التي تتبع الدولة العباسية، أو لا تتبعها مباشرة، فكان في المغرب دولة المرابطين الذين اجتازوا بحر الزقاق وانتقلوا إلى العدوة الأندلسية، وقاتلوا النصارى الأسبان هناك, وانتصروا عليهم في معركة الزلاقة عام 479هـ، وهناك أيضًا الموحدون الذين خلفوا المرابطين وانتقلوا أيضًا إلى الأندلس دعمًا للمسلمين، وانتصروا على النصارى الأسبان في معركة الأرك عام 585هـ، وظهرت في الوقت نفسه دولة آل زنكي في المشرق وقد عملت على تقوية صف المسلمين ومنازلة الصليبيين، ثم قامت بعدها دولة الأيوبيين، وقد تمكن صلاح الدين الأيوبي من أن ينتصر على الصليبيين وأن يدخل بين المقدس عام 583هـ، وإضافة إلى هذه الدولة التي علا اسمها كانت دولة خوارزم في الشمال الشرقي من العالم الإسلامي، وبقيت قائمة حتى قضى عليها المغول عام 629هـ، كما قامت دولة الغوريين في الجنوب الشرقي من العالم الإسلامي، وقد عملت على نشر الإسلام في بلاد الهند، إذ تمكنت من فتح دلهي وبيهار، والبنغال حوالي عام 597هـ؛ وبذا ضمت أجزاء واسعة من الهند إلى بلاد المسلمين..
      وفي الوقت الذي بدأت الدولة العبيدية تضعف فيه في مصر بدأ أنصارها في اليمن بالظهور؛ فقامت الدولة الصليحية عام 455هـ وعندما توفى الخليفة المستنصر العبيدي عام 487هـ انقسمت الدعوة إلى فرعين: فرع يؤيد المستعلي وينتشر في اليمن، والآخر يؤيد نزار وينتشر في فارس والشام، والفرع الأخير هو الذي حمل اسم الباطنية أكثر من غيره رغم أن الحركات الباطنية كثيرة، كما أُطْلِقَ على أصحابه اسم "الحشاشين"، وقد لعب هذا الفرع دورًا كبيرًا في قتل الشخصيات البارزة, وكان أولها الوزير نظام المُلك الذي قُتِل عام 485هـ، وقد حرصوا على قتل صلاح الدين الأيوبي ولكن الله أنقذه منهم، وكانوا يقيمون في قلاع جبلية حصينة، وكما انتشرت هذه الجماعة التي أطلق عليها اسم "الإسماعيلية" أيضًا فقد ظهرت بقية الفرق الباطنية من نُصَيرِيَّة ودروز، وإن كانت قد اختلفت بعضها مع بعض، وكَفَّر كلُّ فريق الفريق الآخر، إلا أنها جميعها كانت معادية للإسلام وأبنائه، وتدعي-عندما تعيش في وسط مجتمع إسلامي- أنها تنتمي إلى الإسلام..
      وانتشرت في هذه المرحلة الألفاظ الأعجمية فنلاحظ "الأتابك" ومعناها "الوالد الأمير" "وشحنكية" ومعناها المقاطعة وغيرها من الألفاظ التي غدت متداولة في كل الدولة وخاصة في جناح المشرق. (8)
      وكانت السيطرة الحقيقية للسلاجقة الذين يعودون في أصولهم إلى الغزِّ من الترك، ويدينون بالإسلام، ويأخذون برأي أهل السنة والجماعة..
      واستمر سلطان السلاجقة حتى سيطر على مناطق نفوذهم الخوارزميون عام 590هـ، واستمر ذلك حتى جاء المغول (9) ثم دخل هولاكو بغداد عام 656هـ فزال سلطان الدولة العباسية..


      المقتدي بأمر الله:

      عبد الله بن محمد بن عبد الله القائم (467 ـ 487هـ):
      كان للقائم بأمر الله ولدٌ تُوُفي في حياته عام 448هـ واسمه محمد وكانت أم ولده "أرجوان" حامل؛ فوضعت بعد وفاة زوجها محمد بن الخليفة القائم ولدًا، أسماه جده على اسمه عبد الله، ولقبه "المقتدي" وقد بويع بالخلافة بعد وفاة جده القائم عام 467هـ وعمره تسع عشرة سنة فهو عبد الله بن محمد بن عبد الله القائم بأمر الله..
      كان ديِّنًا خيرًا قوي النفس عالي الهمة، من نجباء بني العباس، ومن محاسنه أنه نفى المغنيات والخواطي من بغداد, وكان يكنى أبا القاسم، وقد خَطَبَ الخليفة ابنة السلطان ملكشاه عام 474هـ، وتزوجها عام 480هـ لكنها لم تلبث أن توفيت عام 482هـ..
      دخل ملكشاه بغداد عام 479هـ ونزل في دار المملكة ومكث مدة ثم رجع إلى أصبهان، وكذلك جاء ثانية في عام 484هـ، وبقى مدة ثم عاد إلى قاعدته غير أن قدومه الأخير عام 485هـ كان يُضمِر فيه الشر، قد أرسل إلى الخليفة يطلب منه أن يغادر بغداد , ويتركها له, وأن يسير إلى حيث شاء من البلدان؛ فغضب الخليفة وطلب من ملكشاه أن يمهله ولو شهرًا، فأجابه: إنه لا يمهله ولا ساعة واحدة، فأرسل الخليفة إلى وزير السلطان يطلب المهلة إلى عشرة أيام, غير أن الموت لم يمهل ملكشاه إذ مرض وتوفي في هذه الأثناء، وقيل: إن الخليفة كان يصوم ويدعو على ملكشاه..
      وفي أيام المقتدي استردَّ المسلمون من الروم أنطاكية على يد "سليمان بن قطلمش السلجوقي عام 477هـ، وكان الروم قد أخذوها من المسلمين عام 358هـ، كما استرد المسلمون منبج عام 468هـ على يد نصر بن محمود بن صالح بن مرداس، وانتصر المسلمون بقيادة أمير المسلمين يوسف بن تاشفين أمير المرابطين وصاحب المغرب في معركة الزلاقة على النصارى الأسبان عام 479هـ ، كان هذا النصر مُؤَزَّرًا، وكانت المعركة حاسمة، كما فتح المسلمون في أيامه أجزاءً من الهند وأخذوا قلاعًا حصينة هناك على أيدي الغزنويين.
      وفي أيام المقتدي أُعِيدت الخطبة للعباسيين في دمشق عام 468هـ، وفي مكة عام 474هـ بعد أن انقطعت ثانية عام 467هـ..
      وتوفي الخليفة المقتدي رحمه الله في مطلع عام 487هـ في 14 محرم؛ وبذا تكون خلافته قد قاربت العشرين عامًا، وكان فيها خير للمسلمين. (10)


      السلاجقة:

      بعد معركة ملاذكرد ضعفت الدولة البيزنطية ضعفًا ظاهرًا بحيث لم تعد تقوى على شيء, وخاصة أن إمبراطورها قد أُسِرَ في تلك الموقعة الشهيرة؛ فتقدم السلاجقة في بلاد الأناضول ثم قامت إمارات سلجوقية لعل أبرزها الإمارة التي أسسها سليمان الأول بن قطلمش بن أرسلان بن سلجوق والتي عُرِفَ السلاجقةُ فيها باسم: سلاجقة الروم وكان مقرها قونية، كانت هذه أولى الإمارات السلجوقية في بلاد الأناضول, ثم أعقب ذلك قيام إمارات أخرى..
      وتوسع ملك السلاجقة أيام ملكشاه كثيرًا إذ ضَمَّ إليه دمشق عام 468هـ، وانتهت بدعة "حي على خير العمل" في الأذان..
      كما ضم السلاجقة إليهم حمص وحلب، وبعد هذا الضم دخل ملكشاه بغداد عام 479هـ، ومعه وزيره نظام الملك، فزارا معالم المدينة ومشاهدها وعادا بعدها إلى أصبهان في شهر صفر من عام 480هـ، وفي تلك الأثناء تزوج الخليفة ابنة السلطان ملكشاه..
      وضم السلاجقة إليهم بُخَارى وسمرقند وبلاد ما وراء النهر، ووصلوا إلى كاشغر في تركستان الشرقية، وحملت جزية الروم إلى السلطان ملكشاه وهو في كاشغر ليرى رُسُلُ الإمبراطور البيزنطي سعة أملاك ملكشاه،كما امتد سلطان ملكشاه إلى اليمن وعدن..
      ولم يقتصر السلاجقة في أيام ملكشاه على توسعة نفوذهم في البلاد الإسلامية بل تخطوها فتوسعوا بانتشارهم في بلاد الروم، واستردوا بعض ما كان الروم قد أخذوه من المسلمين مثل منبج عام 468هـ، وأنطاكية عام 477هـ..
      وفي عام 485هـ توفي ملكشاه، فتكمت زوجته "تركان خاتون" موته، واستدعت الأمراء وأعلمتهم بالأمر، واستخلفت ابنها محمود وهو صغير السن إذ لا يزال في الخامسة من عمره، ووافق الخليفة بعد تردد على تلك التولية، وخطب له بعد الخليفة وكان الوزير تاج الملك يقوم بالوصاية عليه..
      كان ملكشاه أحسن الملوك سيرة حتى كان يلقب بالسلطان العادل، وكان يجلس للمظالم بنفسه، ويقضي بين الناس بالقسطاس المستقيم، كما كان بابه مفتوحًا لكل قاصد بحيث يستطيع أي شخص من أفراد شعبه أن يتصل به في سهولة ويسر لرفع ظلامته أو للتعبير عما لحقه من اضطهاد، وكانت السبل في أيامه آمنة، والقوافل تسير من بلاد ما وراء النهر إلى أقصى بلاد الشام في أمن وطمأنينة، كما حفر ملكشاه الآبار في طريق مكة، وبنى منارة القرون بالسبيعي في طريق مكة ، وبنى منارة أخرى ببلاد ما وراء النهر، وأسقط المكوس عن حجاج بيت الله، وقد سارت مهارته في الصيد على كل لسان..
      واستوزر السلطان ملكشاه وزير أبيه السلطان ألب أرسلان وهو أبو المحسن عليٌّ بن إسحاق المعروف بنظام الملك وكان ألب أرسلان قد عهد إليه بتنشئة ابنه ملكشاه، فلما تولى ملكشاه الأمر بعد أبيه، استبقاه وجعله مدبر ملكه، ومستشاره الأمين، وكان نظام الملك عالمًا دينًا جوادًا عادلاً حليمًا كثير العفو طويل الصمت، وكان مجلسه حافلاً بالفقهاء وأئمة المسلمين وأهل الخير والصلاح، واشتُهِر ببناء المدارس وخَصَّصَ لها النفقات العظيمة، وأملى الحديث ببغداد ونيسابور، وكان قد تعلم العربية منذ صغره, وصدف عن الدنيا في أواخر حياته..
      قبض نظام الملك وأولاده الاثنا عشر على زمام الدولة بشكل جيد، وقتل نظام الملك وهو صائم بالعاشر من رمضان عام 485هـ على يد أحد غلمان الباطنية، وكان السلطان ملكشاه قد لقبه أتابك أي "الوالد الأمير". (11)
      توفي السلطان ملكشاه عام 485هـ, وخلف عدًا من الأولاد أكبرهم بركياروق وُلِدَ عام 472هـ، ومحمد ولد عام 473هـ، وسنجر ولد عام 477هـ، ومحمود ولد عام 480هـ، أما ولده الكبير أحمد فقد توفي عام 474هـ، وكان يريد توليته العهد من بعده..
      كان محمود بن ملكشاه في بغداد، وكان أخوه بركياروق في أصبهان، وخشيت تركان خاتون من منافسة بركياروق لأخيه الصغير محمود؛ فأرسلت إلى أصبهان من قبض على بركياروق وسجنه، غير أن أحد أبناء نظام الملك قد أخرجه من السجن، وانتقل به إلى الري ونصبه ملكًا، ووقع القتال بين الطرفين، وهُزِمَ جيش محمود واعتصم بأصبهان, وحاصره أنصار بركياروق، وتم بعد ذلك الصلح بين الطرفين مقابل مبلغ من المال يُدفَع لبركيارق، وقُتِلَ في هذه الأثناء عام 486هـ، الوزيرُ تاج الملك، وعاد الصدام بين الأخوين بعد أن حرضت أم محمود "تركان خاتون" على بركياروق خاله إسماعيل إلا أن إسماعيل قد هُزِم، وانتصر بركياروق في النهاية واتجه إلى بغداد، ونودي به سلطانًا في مطلع عام 487هـ (14محرم) على حين بقى محمود بأصبهان، ووافق الخليفة على سلطنة بكياروق وقلَّده، وفي اليوم التالي لهذا التقليد توفي الخليفة (15 المحرم). (12)
      أصبح بركياروق سلطان السلاجقة في بغداد عام 487هـ، وكان عمه تتش تاج الدولة وصاحب دمشق قد طمع بالسلطنة، ومن أجل ذلك دخل بركياروق وعمه تتش في حروب طاحنة انتهت بمقتل تتش..
      كما ثار في خراسان أرسلان أرغون بن ألب أرسلان على ابن أخيه بركياروق فحاربه عام 490هـ، غير أن أرسلان أرغون قد قُتل، وسلم بركيارق أخاه سنجر بلاد خراسان مكان عمه المقتول..
      كان مؤيد الملك بن نظام الملك من أنجب أبناء نظام الملك، وكان وزير بركياروق غير أن بركياروق لم يلبث أن عزله, وولى مكانه أخاه عز الملك وأبا الفتح علي بن الحسين الطغرائي الشاعر المعروف فأصبح مؤيد الملك عدوًا لبركياروق، واستطاع أن يؤثِّر على الخليفة؛ فيقلد السلطنة إلى محمد أخى بركياروق وقد لقبه "غياث الدنيا والدين" وقد طالت الحروب التي نشبت بين الفريقين حتى زادت على خمس سنوات، يتصالحان ثم يعودان إلى القتال..
      وفي عام 498هـ تُوُفي بركياروق فخلفه ابنه ملكشاه، ولقبه الخليفة جلال الدولة غير أنه كان صغيرًا لم يتجاوز الخامسة من عمره، ولم يتم له الأمر سوى شهر واحد حتى عُزِلَ وخلا الجو لمحمد بن ملكشاه وبقى في السلطنة حتى عام 511 هـ .
      وفي عام 492هـ كثر أتباع الباطنية في أصبهان ثم انتشروا إلى العراق بسبب الخلاف على السلطنة بين بركياروق ومحمد، فلما صفا الجو للسلطان محمد جرَّد حربًا على الباطنية واستطاع عام 500هـ أن يحتل قلعة أصبهان.(13)
      وبعد وفاة السلطان محمد بن ملكشاه عام 511هـ ،خلفه ابنه محمود، وكان عمره أربع عشرة سنة، وتوفي بعد ذلك الخليفة المستظهر عام 512هـ، وشق الطاعة طغرل بن محمد ملكشاه على أخيه محمود عام 513هـ، كما دخل محمود في حرب دامية مع عمه سنجر الذي كان شيخ آل سلجوق يومذاك، وصاحب خراسان والمشرق، ويبدو أن محمودًا كان الظالم لعمه، وانتصر سنجر عام 513هـ، وبعد الهزيمة التي مُنِيَ بها محمود سار إلى أصبهان على حين سار عمه سنجر إلى همدان، وراسل سنجر ابن أخيه محموداً للصلح بينهما، والتقى وعفا عنه، وجعله ولي عهده، وقلَّده ولاية العراق، وزوجه ابنته.
      وفي عام 514هـ خرج مسعود بن محمد السلجوقي صاحب الموصل وأذربيجان على أخيه محمود بعد أن رمى بينهما الواشون الذين حرضوا مسعودًا على أخيه لما رأوا من صغر محمود، وهزيمة جنده أمام عمه سنجر، وتفرق جيشه، غير أن محمودًا قد انتصر على مسعود ثم عفا عنه، وقلده ولاية بغداد.
      حارب دبيس بن صدقة جند السلطان محمود، كما سار الخليفة إليه بنفسه فحلَّت الهزيمة بدبيس، ثم عاد فاستولى على البصرة ثم التحق بالصليبيين وأطمعهم بدخول حلب، ثم عاد فالتحق بالسلطان طغرل بن محمد السلجوقي عام 519هـ.
      وبعد أن قاتل الخليفة بنفسه دبيس خاف السلطان محمود من قوة الخليفة فرغب بدخول بغداد، فنصحه الخليفة بالتريث فظن محمود بالخليفة سوءًا؛ فقرر بدخول بغداد، فغادرها الخليفة وأهلها، وبكى الناس لخروجه، وعاد السلطان محمود فاستعطفه بالعودة، وحدث الخلاف بين الخليفة والسلطان، وجرى بينهما القتال، وانتصر السلطان على الخليفة، ودخل بغداد عام 521هـ ونهبت عساكره دار الخلافة.
      وعاد القتال إذ دخل الخليفة بغداد من جانبها الشرقي على رأس ثلاثين ألف مقاتل غير أن مغادرة أبي الهيجاء بجزء من جيش الخليفة وانضمامه إلى السلطان، ووصول عماد الدين زنكي أمير واسط لدعم السلطان كل هذا قد جعل الخليفة يميل إلى السَّلْم؛ فعفا الخليفة عن السلطان، واعتذر السلطان للخليفة، وغادر بغداد عام 521هـ وتوجه إلى همدان، ثم عاد إلى بغداد عام 523هـ ليقوم بالصلح بين الخليفة ودبيس بن صدقة، وقد تم ذلك إلا أن دبيسًا لم يلبث أن شق عصا الطاعة على الخليفة والسلطان معًا، فأرسل السلطان له جيشًا أجبره على الفرار والاختفاء مغادرًا البصرة.
      خالف مسعود أخاه السلطان محمودًا وسار كل منهما إلى الآخر, غير أنهما تصالحا وتوفى السلطان محمود في شوال 525هـ وخلفه ابنه داود.
      كان محمود حليمًا يسمع ما يكره ولا يعاقِب عليه مع القدرة، قليل الطمع في أموال الرعايا عفيفًا عنها كافًّا أصحابه عن التطرق إلى شيء منها، وكان متوقد الذكاء ملمًا بالعربية، حافظًا للأشعار والأمثال، عارفًا بالتواريخ والسير، شديد الميل إلى أهل العلم والخير، وكان ميالاً إلى العفو فنلاحظ عفوه عن أخيه طغرل، وعن أخيه مسعود، واستعطافه للخليفة، وعفوه عن أهل بغداد وقد حاربوه.
      كما قام بأمر عظيم وهو محاربة الباطنية، واستطاع أن يدخل قلعة الموت في فارس، وقلعة بانياس في بلاد الشام، وهاتان القلعتان من أقوى حصون الباطنية، وإنَّ صِغَرَ سنه عند توليه الأمر قد أطمع فيه الأمراء فقاتلوه، وانتصر عليهم، ثم عفا عنهم.
      نازع مسعود بن محمد ابن أخيه داود بن محمود واحتل تبريز ثم تصالحا، وسار مسعود إلى بغداد وفي رغبته استلام السلطنة وطلب من الخليفة ذلك فاستشار الخليفة سنجر شيخ البيت السلجوقي؛ فأشار عليه أن تكون الخطبة للخليفة وحده.
      ذهب طغرل بن محمد إلى عمه سنجر في الري وتحدثا في رغبة مسعود في استلام السلطنة؛ فسارا إلى مسعود والتقيا به في نهاوند، فهُزِم مسعود وأُخِذ أسيرًا مع وزيره وبعض أمرائه في عام 526هـ، وحكم طغرل الري باسم عمه سنجر.
      ثم اقتتل داود مع عمه طغرل، وقد انتصر طغرل الذي اصطدم بعد ذلك مع أخيه مسعود، وانتصر مسعود الذي اتحد مع ابن أخيه داود، وانتصرا على طغرل، وسار مسعود إلى بغداد، ودخلها مع ابن أخيه داود، واتفقا على أن يكون مسعود سلطانًا على السلاجقة وأن يكون ابن أخيه داود وليًا لعهده، ومات طغرل عام 528هـ، أما مسعود فقد التقى مع الخليفة وأسره وطلب سنجر من ابن أخيه إطلاق الخليفة والإحسان إليه؛ ففعل غير أن الباطنية قد قتلوا الخليفة عام 529هـ.(14)


      المسترشد بالله الفضل بن أحمد المستظهر512هـ : 529هـ :

      هو الفضل بن أحمد المستظهر، أبو منصور، المسترشد بالله، ولد في ربيع الأول سنة 485هـ، وأمه أم ولد من الأتراك، بويع بالخلافة عند موت أبيه في ربيع الثاني سنة 512هـ، فكان عمره يومذاك 27 سنة.
      قال عنه ابن كثير: كان شجاعًا مقدامًا بعيد الهمة فصيحًا بليغًا، عذب الكلام حسن الإيراد، مليح الخط، كثير العبادة محببًا إلى العامة والخاصة، وهو آخر خليفة رُؤِيَ خطيبًا, قُتِلَ وعمره خمس وأربعون سنة وثلاثة أشهر، وكانت مدة خلافته سبع عشرة سنة وستة أشهر وعشرين يومًا.
      ثم حدث خلاف بين الخليفة والسلطان مسعود السلجوقي، فالتقى الجمعان، وغدر بالخليفة أكثرُ عساكره، فظفر به مسعود وأسر الخليفة وخواصَّه؛ فحبسهم بقلعة قرب همذان، فبلغ أهل بغداد ذلك فحثوا في الأسواق التراب على رؤوسهم، وبكوا وضجوا، وخرج النساء حاسرات يندبن الخليفة، ومنعوا الصلوات والخطبة.
      قال ابن الجوزي: وزُلزلت بغدادُ مِرارًا، ودامت كل يوم خمس مرات أو ستًا، والناس يستغيثون، فأرسل السلطان سنجر إلى ابن أخيه مسعود يقول:" ساعة وقوف الولد غياث الدنيا والدين على هذا المكتوب يدخل على أمير المؤمنين، ويقبل الأرض بين يديه، ويسأله العفو والصفح، ويتنصل غاية التنصل، فقد ظهر عندنا من الآيات السماوية والأرضية مالا طاقة لنا بسماع مثلها، فضلاً عن المشاهدة من العواصف، والبروق، والزلازل، ودام ذلك عشرين يوماً، وتشويش العساكر، وانقلاب البلدان، وقد خفت على نفسي من جانب الله، وظهور آياته، وامتناع الناس من الصلاة في الجوامع، ومنع الخطباء مالا طاقة لي بحمله، فاللهَ اللهَ تتلافى أمرك، وتعيد أمير المؤمنين إلى مقر عزه، وتحمل الغاشية بين يديه كما جرت عادتنا وعادة آبائنا."
      ففعل مسعود جميع ما أمر به، وقبل الأرض بين يدي الخليفة, ووقف يسأل العفو.
      ثم أرسل سنجر رسولاً آخر ومعه عسكر يستحث مسعوداً على إعادة الخليفة إلى مقر عزه، فجاء في العسكر سبعة عشر من الباطنية، فذكر أن مسعوداً ما علم بهم، وقيل: بل علم بهم، وقيل: بل هو الذي دسَّهم، فهجموا على الخليفة في خيمته ففتكوا به وقتلوا معه جماعة من أصحابه، فما شعر بهم العسكر إلا وقد فرغوا من شغلهم، فأخذوهم وقتلوهم إلى لعنة الله، وجلس السلطان للعزاء وأظهر المساءة بذلك، ووقع النحيب والبكاء، وجاء الخبر إلى بغداد، فاشتد ذلك على الناس، وخرجوا حفاة مخرقين الثياب، والنساء ناشرات الشعور يلطمن ويقُلْنَ المراثي، لأن المسترشد كان محبباً فيهم لبرِّه، ولما فيه من الشجاعة والعدل والرفق بهم.
      وكان قتل المسترشد ـ رحمه الله ـ بمراغة سنة 529هـ
      وكان شاعراً، ومن شعره يوم أُسِر:
      ولا عجبا للأُسْدِ إن ظَفَرَتْ بها\\\ كلابُ الأعادي من فصيح وأعجمِ
      فحربةُ وحشي سقت حمزةَ الرَّدى وموت عليٍّ من حُسام ابنِ مُلجم (15)


      الراشد بالله منصور بن الفضل المسترشد 529هـ : 530هـ :

      هو منصور بن الفضل المسترشد، أبو جعفر، الراشد بالله، ولد عام 502هـ، خطب له أبوه بولاية العهد سنة 513هـ وبويع له بالخلافة عند قتل أبيه في ذي القعدة سنة 529هـ كان فصيحًا، أديبًا، شاعرًا، شجاعًا، جوادًا، حسن السير، يؤثر العدل ويكره الشر. (16)
      وفي سنة 530هـ وقع خلاف بين الخليفة الراشد والسلطان مسعود السلجوقي بسبب أنه أرسل إلى الخليفة يطلب منه ما كان كتبه له والده المسترشد حين أسره، حيث التزم له بأربعمائة ألف دينار؛ فامتنع من أداء ذلك وقال: ليس بيننا وبينكم إلا السيف، فوقع بينهما الخلاف؛ فاستدعى الخليفة عماد الدين زنكي من الموصل، وجاء في غضون ذلك السلطان داود بن محمود بن محمد ملكشاه، فخطب له الخليفة ببغداد، وخلع عليه وبايعه على الملك، فأصبح الخلاف كبيراً بين الخليفة الراشد والسلطان مسعود، وعندما بلغهم كثرة الجيش مع السلطان مسعود حسَّن عماد الدين زنكي للخليفة أن يذهب معه إلى الموصل، فدخل السلطان مسعود بغداد في غيبتهم فاستحوذ على دار الخلافة بما فيها جميعه،ثم استخلص من نساء الخليفة وحظاياه الحلي والمصاغ والثياب التي للزينة، وغير ذلك، وجمع القضاة والفقهاء وأبرز لهم خط الراشد أنه متى خرج من بغداد لقتال السلطان فقد خلع نفسه من الخلافة، فأفتى من أفتى من الفقهاء بخلعه؛ فخُلِعَ في شهر ذي القعدة سنة 530هـ، واستدعي السلطان عمه المقتفي بن المستظهر فبويع بالخلافة عوضاً عن ابن أخيه الراشد بالله. (17)
      خرج الراشد بالله من الموصل عندما بلغه خبر خلعه، وسار إلى أذربيجان ثم انتقل إلى همذان مع جماعة من خاصته، ثم سار بهم إلى أصبهان فحاصروها، وأصاب المرض الراشد هناك ودخل عليه جماعة من الأعاجم فقتلوه سنة 532هـ، وقيل: إنه سُمَّ، وقيل: قتلته الباطنية.(18)
      وبعد عام من مبايعة السلطان مسعود للخليفة المقتفي عم الراشد تزوج مسعود بسفرى بنت دبيس بن صدقة أمير الحِلَّة وزعيم جنوبي العراق، وذلك ليقوي أمره.
      وفي خراسان قامت المعارك بين سنجر ملك خراسان، وبين ملك خوارزم( أتسز) عام 533هـ الذي ثار على سنجر، وقد انتصر سنجر، واستولى على خوارزم وأقطعها لابن أخيه غياث الدين سليمان شاه، وعندما رجع " سنجر " إلى مرو، رجع" أتسز " واسترد خوارزم، واستعان بالكفار في بلاد الخطا، وهاجم معهم سنجر فهزموه هزيمة منكرة في عام 536هـ، وأسروا زوجته، واضْطُرَّ سنجر إلى الفرار إلى ترمذ فبلخ، ودخل"أتسز" مدينة نيسابور عام 537هـ، وفي العام التالي حاول سنجر حصار خوارزم لكنه عجز عن دخولها، وتصالح الطرفان عام 551هـ .
      وفي عام 538هـ سار السلطان مسعود لأخذ الموصل وبلاد الشام من زنكي، ولكن لم يتم له ذلك وتصالحا.
      كما اختلف السلطان مسعود مع أولاد أخيه محمد وملكشاه اللذين سارا إلى بغداد عام 543هـ، وحاصراها، وما رفعا الحصار عنها حتى دفع لهما الخليفة ثلاثين ألف دينار.
      وفي عام 547هـ أصيب مسعود بالحمى وهو بهمذان ومات بها وقام بعده ابن أخيه ملكشاه بن محمود.(19)
      وانصرف ملكشاه بن محمود إلى اللهو وترك أمور الدولة إلى وزيره"خاصبك بن بلنكري" الذي استدعى أخاه محمد بن محمود للقيام بأعباء السلطنة فتوفي عام 554هـ، وعمل بعض الخلفاء بعدئِذٍ على استرداد سلطتهم، وقام بعد محمد ابن عمه أرسلان بن طغرل.(20)
      ثم ضعف أمر السلاجقة كثيرًا، وقوي أمر الخلفاء نسبيًا، وإن كانت السلطة الحقيقية إنما هى بيد أمراء الولايات أوالذين عرفوا باسم الأتابكة، حيث تعني كلمة "أتابك" الوالد الأمير..
      زاد أمر السلاجقة ضعفًا، وتولى أمرهم بعد أرسلان شاه بن طغرل ابنه طغرل الثاني، غير أنه لم يكن قادرًا على تنفيذ ما يريد, وقد غدت منطقة نفوذه ضيقة، على حين كانت رقعة الدولة الخوارزمية تتسع ، واستطاع علاء الدين تُكُش أخيرًا أن يستولي على البلاد التي كان يسيطر عليها السلاجقة، وأن يقتل طغرل الثاني هذا عام 590هـ ويُنهي أمر السلاجقة. وتوسع في نفوذه في خراسان وبلاد ما وراء النهر، وكانت الري منطقة نزاع بينه وبين الخليفة الناصر العباسي ( 575هـ 622هـ)،وبقى في الحكم حتى توفي عام 596هـ فخلفه ابنه علاء الدين محمد.(21)


      المقتفي لأمر الله محمد بن أحمد المستظه530هـ 555هـ :

      هو أبو عبد الله محمد بن أحمد المستظهر بالله، ولد في الثاني والعشرين من ربيع الأول سنة 489هـ، وأمه حبشية، بويع بالخلافة بعد خلع ابن أخيه الراشد بالله بن المسترشد.
      ويقال: إن سبب تلقيبه بالمقتفي أنه رأى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو في المنام وهو يقول له: سيصل هذا الأمر إليك فاقتفِ بي، فصار إليه بعد ستة أيام فلُقِّبَ بذلك.
      وفي سنة 531هـ تزوج الخليفة المقتفي لأمر الله أخت السلطان مسعود فاطمة بنت محمد بن ملكشاه،
      وفي عام 541هـ دخل السلطان مسعود بغداد، واختلف مع الخليفة ثم اصطلحا.(22)
      ثم خطب المقتفي لابنه المستنجد بولاية العهد عام 542هـ.


      المستنجد بالله يوسف بن محمد المقتفي 555هـ :

      هو يوسف أبو المظفر المستنجد بالله ابن محمد المقتفي لأمر الله. ولد سنة 518 هـ، وأمه أم ولد كرجية اسمها " طاوس ". بويع بالخلافة يوم مات أبوه، وكان موصوفًا بالعدل والرفق فأطلق من المكوس (الضرائب) شيئًا كثيرًا بحيث لم يَترُك بالعراق مكسًا، وكان شديدًا على المفسدين، سجن رجلاً كان يسعى بالناس؛ فحضره رجلٌ وبذل فيه عشرة آلآف دينار؛ فقال: أنا أعطيك عشرة آلاف دينار،ودُلَّني على آخر مثله لأحبسه وأكف شره عن الناس.
      قال ابن الجوزي: وكان المستنجد موصوفًا بالفهم الثاقب، والرأي الصائب، والذكاء الغالب، والفضل الباهر، له نظم بديع، ونثر بليغ، ومعرفة بعمل آلات الفلك والإسطرلاب وغير ذلك. ومن شعره:
      عيرتني بالشـيب وهو وقار\\\ ليتها عيرت بما هو عار
      إن تكن شابت الذوائب مني\\\ فـالليالي تزينها الأقمار
      توفي سنة 566هـ.(23)


      مراجع وتعليقات من مشاركة رقم 50 الى مشاركة رقم 57


      (1) عانة: مدينة بالعراق على نهر الفرات إلى الشرق من الحدود السورية وعلى بعد 90 كم منها، والحديثة: مدينة على نهر الفرات - أيضًا - إلى الجنوب الشرقي من عانة على بعد 50 كم منها.

      (2) السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 341 ، 342 وانظر أيضًا محمود شاكر: الدولة العباسية جـ 6 ص 191 ، 192 .
      (3) المرجع السابق: ص 342 ، 343 وانظر أيضًا محمود شاكر: الدولة العباسية جـ 6 ص 192 ، 193 .
      (4) محمود شاكر: الدولة العباسية جـ 6 ص 196 .
      (5) المرجع السابق جـ 6 ص 205 ، 206 .
      (6) المرجع السابق جـ 6 ص 206 ، 207 .
      (7) المرجع السابق جـ 6 ص 207 - 209 .
      (8) المرجع السابق جـ 6 ص 210 ، 211 .
      (9) المرجع السابق جـ 6 ص 211 ، 214 .
      (10) المرجع السابق جـ 6 ص 216 ، 217 .
      (11) المرجع السابق جـ 6 ص 218 - 221 .
      (12) المرجع السابق جـ 6 ص 221 .
      (13) المرجع السابق جـ 6 ص 233 - 236 .
      (14) المرجع السابق جـ 6 ص 251 - 253 .
      (15) السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 352 ، 353 . وانظر أيضًا محمود شاكر: الدولة العباسية جـ 6 ص 248 - 250 .
      (16) السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 355 .
      (17) ابن كثير: البداية والنهاية جـ 12 ص 235 .
      (18) المرجع السابق جـ 12 ص 239 وانظر أيضًا: محمود شاكر: الدولة العباسية جـ 6 ص 262 .
      (19) محمود شاكر: الدولة العباسية جـ 6 ص 265 ، 267 .
      (20) المرجع السابق: جـ 6 ص 267 .
      (21) المرجع السابق: جـ 6 ص 278 ، 301 .
      (22) ابن كثير: البداية والنهاية جـ 12 ص 235 ، 237 ، 247 ، 249 ، وانظر أيضًا السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 356 .
      (23) السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 359 ، 360 .


      العصر العباسي الخامس 590 ـ 656هـ

      مقدمة الاستقلال القاتل:
      استقلت العراق بنفسها دون الارتباط بغيرها، ومع أن البعض قد تخيل أن هذه حرية جميلة، وتخلص من رقابة الأتراك أو السلاجقة، أو أن هذه استقلالية مطلوبة إلا أن هذا كان بداية هلاك الخلافة، وهلاك العراق على أيدي التتار:
      التتار:
      ظهرت قوة التتار في أوائل القرن السابع الهجري، وحتى نفهم الظروف التي نشأت فيها هذه القوة لابد من إلقاء نظرة على واقع الأرض في ذلك الزمان..
      فالناظر إلى الأرض في ذلك الوقت يجد أن القوى الموجودة كانت متمثلة في قوتين رئيسيتين:
      ـ أما القوة الأولى: فهي أمة الإسلام.
      المساحات الإسلامية في هذا الوقت كانت تقترب من نصف مساحات الأراضي المعمورة في الدنيا، وكانت حدود البلاد الإسلامية تبدأ من غرب الصين وتمتد عبر آسيا وأفريقيا لتصل غرب أوروبا حيث بلاد الأندلس.
      وهي مساحة شاسعة للغاية، لكن وضع العالم الإسلامي ـ للأسف الشديد ـ كان مؤلمًا جدًا، فمع المساحات واسعة من الأرض، ومع الأعداد الهائلة من البشر، ومع الإمكانيات العظيمة من المال والموارد والسلاح والعلوم.. مع كل هذا إلا أنه كانت هناك فُرْقَةٌ شديدة في العالم الإسلامي، وتدهور كبير في الحالة السياسية لمعظم الأقطار الإسلامية، والغريب أن هذا الوضع المؤسف كان بعد سنوات قليلة من أواخر القرن السادس الهجري.. حيث كانت أمة الإسلام قوية منتصرة متحدة رائدة.. ولكن هذه سُنَّة ماضية:
      "وتلك الأيام نداولها بين الناس".. آل عمران : 140
      ولنُلْقِ نظرة على العالم الإسلامي في أوائل القرن السابع الهجري:

      كانت الخلافة العباسية في مطلع القرن السابع الهجري قد ضعفت جدًا، حتى أصبحت لا تسيطر حقيقة إلا على العراق، وحول العراق عشرات من الإمارات المستقلة استقلالاً حقيقيًا عن الخلافة، وإن كانت لا تعلن نفسها كخلافة منافسة للخلافة العباسية، فالخلافة العباسية يومئِذٍ كانت "صورة خلافة" وليست خلافة حقيقية، وكانت كالرمز الذي يحب المسلمون أن يظل موجودًا حتى وإن لم يكن له دور يُذكَر..
      وقد تعاقب على حكم المسلمين في العراق خلفاء من بني العباس حملوا الاسم العظيم الجليل"الخليفة"، ولكنهم في هذه الفترة من القرن السابع الهجري ما اتصفوا بهذا الاسم أبدًا، ولا رغبوا أصلاً في الاتصاف به،فلم يكن لهم من همٍّ إلا جمع المال، وتوطيد أركان السلطان في هذه الرقعة المحدودة من الأرض، ولم ينظروا نظرة صحيحة أبدًا إلى وظيفتهم كحكام، يجب عليهم أن يقيموا حدود الله في أرضه..
      فلذلك ضاعت هيبة الخلافة، وتضاءلت طموحات الخليفة..
      وكانت هذه هي الخلافة العباسية في أوائل القرن السابع الهجري..

      كانت هذه الأقاليم في أوائل القرن السابع الهجري في أيدي الأيوبيين أحفاد صلاح الدين الأيوبي، ولكنهم ـ للأسف ـ لم يكونوا على شاكلة ذلك الرجل العظيم، بل تنازعوا الحكم فيما بينهم، وقَسَّموا الدولة الأيوبية الموحدة ـ التي هزمت الصليبيين في حطين هزيمة منكرة ـ إلى ممالك صغيرة متناحرة فاستقلت الشام عن مصر، واستقلت كذلك كل من الحجاز واليمن عن الشام ومصر، بل وقُسِّمت الشامُ إلى إمارات متعددة متحاربة؛ فانفصلت حمص عن حلب ودمشق، وكذلك انفصلت فلسطين والأردن وما لبثت الأراضي التي حررها صلاح الدين من أيدي الصليبيين أن وقعت من جديد في أيديهم بعد هذه الفرقة..

      كانت تحت إمرة "دولة الموحدين" وقد كانت فيما سبق دولة قوية مترامية الأطراف تحكم مساحة تمتد من ليبيا شرقًا إلى المغرب غربًا، ومن الأندلس شمالاً إلى وسط أفريقيا جنوبًا، ومع ذلك ففي أوائل القرن السابع الهجري كانت هذه الدولة قد بدأت في الاحتضار، وخاصة بعد موقعة "العقاب" الشهيرة سنة 609هـ، والتي كانت بمثابة القاضية على هذه الدولة الضخمة..

      كانت الدولة الخوارزمية دولة مترامية الأطراف، وكانت تضم معظم البلاد الإسلامية في قارة آسيا، تمتد حدودها من غرب الصين شرقًا إلى أجزاء كبيرة من إيران غربًا، وكانت هذه الدولة على خلاف كبير مع الخلافة العباسية، وقد مالت الدولة الخوارزمية في بعض فترات من زمانها إلى التشيع، وكثرت فيها الفتن والانقلابات، وقامت في عصرها حروب كثيرة مع السلاجقة والغوريين والعباسيين وغيرهم من المسلمين..

      كانت تحت سلطان الغوريين في ذلك الوقت، وكانت الحروب بينهم وبين دولة خوارزم كثيرة ومتكررة..

      وهي إيران الحالية، وكانت أجزاء منها تحت سلطان الخوارزميين وكانت الأجزاء الغربية منها ـ والملاصقة للخلافة العباسية ـ تحت سيطرة طائفة الإسماعيلية، وهي طائفة من طوائف الشيعة، من أخطر طوائف الباطنية، وقد كانت سببًا دائمًا لتحريف العقيدة والدين، ولقلب أنظمة الحكم الإسلامية، واغتيال الشخصيات الإسلامية البارزة، سواء كانوا خلفاء أو أمراء أو علماء أو قوادًا..
      وطائفة الإسماعيلية هم أصلاً من أبناء المجوس الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا المجوسية..

      وهذه المنطقة كانت تحكم بسلاجقة الروم، وأصول السلاجقة ترجع إلى الأتراك، وكان لهم في السابق تاريخ عظيم، وجهاد كبير، وذلك أيام القائد السلجوقي المسلم الفذ "ألب أرسلان" رحمه الله ولكن للأسف فإن الأحفاد الذين كانوا يحكمون هذه المنطقة الحساسة والخطيرة والملاصقة للإمبراطورية البيزنطية كانوا على درجة شنيعة من الضعف أدت إلى مواقف مؤسفة من الذل والهوان..
      1ـ الخلافة العباسية: 2ـ مصر والشام والحجاز واليمن: 3ـ بلاد المغرب والأندلس: 4ـ خوارزم: 5ـ الهند: 6ـ فارس: 7ـ الأناضول (تركيا) :

      الصليبيون هم القوة الثانية في الأرض في ذلك الوقت :

      كان المركز الرئيسي لهم في غرب أوروبا، حيث لهم هناك أكثر من معقل، وقد انشغلوا بحروب مستمرة مع المسلمين، فكان نصارى إنجلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا يقومون بالحملات الصليبية المتتالية على بلاد الشام ومصر، وكان نصارى أسبانيا والبرتغال ـ وأيضًا فرنسا ـ في حروب مستمرة مع المسلمين في الأندلس..
      وبالإضافة إلى هذا التجمع الصليبي الضخم في غرب أوروبا كانت هناك تجمعات صليبية أخرى في العالم، وكانت هذه التجمعات أيضًا على درجة عالية من الحقد على الأمة الإسلامية، وكانت الحروب بينها وبين العالم الإسلامي على أشدها، وكانت أشهر هذه التجمعات الإمبراطورية البيزنطية ومملكة أرمينيا ومملكة الكرج وهي دولة "جورجيا" حاليًا، والإمارات الصليبية في الشام وفلسطين وتركيا..
      وشاء الله سبحانه وتعالى أن تكون نهاية القرن السادس الهجري سعيدة جدًا على المسلمين، وتعيسة جدًا على الصليبيين، فقد أذن الله عز وجل في نهاية القرن السادس الهجري بانتصارين جليلين لأمة الإسلام على الصليبيين، فقد انتصر البطل العظيم "صلاح الدين الأيوبي" رحمه الله على الصليبيين في موقعة حطين في الشام سنة 583هـ، كما انتصر "المنصور الموحدي" زعيم دولة الموحدين على نصارى الأندلس في موقعة "الأرك" الخالدة سنة 591هـ..
      وبالرغم من هذين الانتصارين العظيمين فإن المسلمين في أوائل القرن السبع الهجري كانوا في ضعف شديد، وذلك بعد أن تشتت شمل الأيوبيين بوفاة صلاح الدين الأيوبي، وكذلك انفرط عقد الموحدين بعد وفاة المنصور الموحدي، غير أن الصليبيين كانوا كذلك في ضعف شديد لم يمكنهم من السيطرة على البلاد المسلمة، وإن كانت رغبتهم في القضاء عليها قد زادت..
      كان هذا هو وضع العالم في أوائل القرن السابع الهجري..
      وبينما كان هذا هو حال الأرض في ذلك الوقت، ظهرت قوة جديدة ناشئة قلبت الموازيين، وغيرت من خريطة العالم، وفرضت نفسها كقوة ثالثة في الأرض، أو تستطيع أن تقول: إنها كانت القوة الأولى في الأرض في النصف الأول من القرن السابع الهجري..
      هذه القوة هي قوة دولة التتار أو المغول..
      فمن التتار ؟
      ظهرت دولة التتار في سنة 603هـ تقريبًا، وكان ظهورها الأول في "منغوليا" في شمال الصين، وكان أول زعمائها هو "جنكيز خان"..
      و"جنكيز خان" كلمة تعني: قاهر العالم، أو ملك ملوك العالم، أو القوي.. حسب الترجمات المختلفة للغة المنغولية، واسمه الأصلي "تيموجين".. وكان رجلاً سفاكًا للدماء..وكان كذلك قائدًا عسكريًا شديد البأس.. وكانت له القدرة على تجميع الناس حوله، وبدأ في التوسع تدريجيًا في المناطق المحيطة به، وسرعان ما اتسعت مملكته حتى بلغت حدودها من كوريا شرقًا إلى حدود الدولة الخوارزمية الإسلامية غربًا, ومن سهول سيبريا شمالاً إلى بحر الصين جنوبًا، أي أنها كانت تضم من دول العالم حاليًا (الصين ومنغوليا وفيتنام وكوريا وتايلاند وأجزاء من سيبيريا إلى جانب مملكة لاوس وميانمار ونيبال وبوتان).
      ويطلق اسم التتار ـ وكذلك المغول ـ على الأقوام الذين نشأوا في شمال الصين في صحراء "جوبي"، وإن كان التتار هم أصل القبائل بهذه المنطقة، ومن التتار جاءت قبائل أخرى مثل قبيلة المغول، وقبائل الترك والسلاجقة، وغيرها، وعندما سيطر "المغول" ـ الذين منهم جنكيز خان ـ على هذه المنطقة أُطلِقَ اسم "المغول" على هذه القبائل كلها..
      وكان للتتار ديانة عجيبة، هي خليط من أديان مختلفة؛ فقد جمع "جنكيز خان" بعض الشرائع من الإسلام، والبعض من المسيحية، والبعض من البوذية، وأضاف من عنده شرائع أخرى، وأخرج لهم في النهاية كتابًا جعله كالدستور للتتار، وسمي هذا الكتاب بـ "الياسك" أو "الياسق"أو.."الياسة"
      وكانت حروب التتار تتميز بالوحشية الشديدة، فهم يحملون طبائع دموية لا تصل إليها أشد الحيوانات شراسة، وهذه الصفة تتكرر كثيرًا في كل جيش لم يضع في حسبانه قوانين السماء وشريعة الله عز وجل؛ فالذي يملك القوة ويفتقر إلى الدين لابد أن تكون هذه صورته..
      ومن سنة الله عز وجل أن يحدث الصراع بين القوى المختلفة والتدافع بين الفرق المتعددة، ومن سنة الله عز وجل-كذلك- أن الباطل مهما تعددت صوره، لابد أن يجتمع لحرب الحق، ومن سنة الله عز وجل -أيضًا- أن الحرب بين الحق والباطل لابد أن تستمر إلى يوم القيامة..
      إذا وضعنا كل هذه السنن في أذهاننا، فإننا يجب أن نتوقع تعاونًا بين التتار والصليبيين لحرب المسلمين، وهذا -سبحان الله- ما حدث بالضبط.
      فقد أرسل الصليبيون وفدًا رفيع المستوى من أوروبا إلى منغوليا (مسافة تزيد على اثني عشر ألف كيلومتر ذهابًا فقط !!) يحفزونهم على غزو بلاد المسلمين، وعلى إسقاط الخلافة العباسية، وعلى اقتحام "بغداد" دُرَّة العالم الإسلامي في ذلك الوقت، وعظموا لهم من شأن الخلافة الإسلامية كثيرًا، وذكروا لهم أنهم ـ أي الصليبيين ـ سيكونون عونًا لهم في بلاد المسلمين، وعينًا لهم هناك، وبذلك تم إغراء التتار إغراءً كاملاً..
      وقد حدث ما توقعه الصليبيون، فسال لعاب التتار لأملاك الخلافة العباسية، وقرروا فعلاً غزو هذه البلاد الواسعة الغنية بثرواتها) المليئة بالخيرات، هذا رغم عدم توافق التتار مع الصليبيين في أمور كثيرة، بل ستدور بينهم بعد ذلك حروب في أماكن متفرقة من العالم، ولكنهم إذا واجهوا أمة الإسلام، فإنهم يوحدون من صفوفهم لحرب الإسلام والمسلمين، وهذا الكلام ليس غريبًا، بل هو من الطرق الثابتة لأهل الباطل في حربهم مع المسلمين..
      بدأ التتار يفكرون جديًا في غزو بلاد المسلمين، وبدءوا يخططون لإسقاط الخلافة العباسية، ودخول بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية..


      الاجتياح التتري الأول :



      فكر "جنكيز خان" في أن أفضل طريقة لإسقاط الخلافة العباسية في العراق هي التمركز أولاً في منطقة أفغانستان وأوزبكستان، لأن المسافة كبيرة بين الصين والعراق، ولابد من وجود قواعد إمداد ثابتة للجيوش التترية في منطقة متوسطة بين العراق والصين، كما أن هذه المنطقة التي تعرف بالقوقاز غنية بثرواتها الزراعية والاقتصادية، وكانت من حواضر الإسلام المشهورة، وكنوزها كثيرة، وأموالها وفيرة، هذا بالإضافة إلى أنه لا يستطيع تكتيكيًا أن يحارب العراق وفي ظهره شعوب مسلمة قد تحاربه أو تقطع عليه خطوط الإمداد..

      كل هذه العوامل جعلت "جنكيز خان" يفكر أولاً في خوض حروب متتالية مع هذه المنطقة الشرقية من الدولة الإسلامية والتي تُعرَف في ذلك الوقت بالدولة الخوارزمية، وكانت تضم بين طياتها عدة أقاليم إسلامية مهمة مثل: أفغانستان وأوزبكستان والتركمانستان وكازاخستان وطاجيكستان وباكستان وأجزاء من إيران، وكانت عاصمة هذه الدولة الشاسعة هي مدينة "أورجندة" (في تركمنستان حاليًا)..
      وكان جنكيز خان في شبه اتفاق مع ملك خوارزم (محمد بن خوارزم شاه) على حسن الجوار، ومع ذلك فلم يكن جنكيز خان من أولئك الذين يهتمون بعقودهم، أو يحترمون اتفاقياتهم، ولكنه عقد هذا الاتفاق مع ملك خوارزم ليؤمن ظهره إلى أن يستتب له الأمر في شرق آسيا، فأما وقد استقرت الأوضاع في منطقة الصين ومنغوليا، فقد حان وقت التوسع غربًا في أملاك الدولة الإسلامية..
      ولا مانع طبعًا من نقض العهد، وتمزيق الاتفاقيات السابقة، وهي سنة في أهل الباطل: "أو كلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون".. البقرة : 100
      ولكن حتى تكون الحرب مقنعة لكلا الطرفين، لابد من وجود سبب يدعو إلى الحرب، وإلى الادعاء بأن الاتفاقيات لم تعد سارية، وقد بحث جنكيز خان عن سبب مناسب، ولكنه لم يجد ولكن ـ سبحان الله ـ لقد حدث أمر مفاجيء بغير إعداد من جنكيز خان، وهذا الأمر المفاجيء يصلح أن يكون سببًا مقنعًا للحرب، لقد جاء هذا السبب مبكرًا بالنسبة لإعداد جنكيز خان ولرغبته، ولكن لا مانع من استغلاله، ولا مانع من تقديم بعض الخطوات في خطة الحرب، وتأخير بعض الخطوات الأخرى..
      فما الذريعة التي دخل بها "جنكيز خان" أرض خوارزم شاه ؟!
      لقد ذهبت مجموعة من تجار المغول إلى مدينة " أوترار" الإسلامية في مملكة خوارزم شاه، ولما رآهم حاكم المدينة المسلم أمسك بهم وقتلهم، وقد اختلف المؤرخون في تفسير هذه الحادثة..
      وعندما علم جنكيز خان بأمر هذه الحادثة أرسل إلى محمد بن خوارزم شاه يطلب منه تسليم القتلة إليه حتى يحاكمهم بنفسه، ولكن محمد بن خوارزم شاه اعتبر ذلك تعديًا على سيادة البلاد المسلمة، فهو لا يُسلِّم مجرمًا ليحاكم في بلدة أخرى بشريعة أخرى.. غير أنه قال:إنه سيحاكمهم في بلاده, فإن ثبت بعد التحقيق أنهم مخطئون عاقبهم في بلاده بالقانون السائد فيها وهو الشريعة الإسلامية..
      وهذا الكلام وإن كان منطقيًا ومقبولاً في كل بقاع الأرض إلا أنه بالطبع لم يكن مقنعًا لجنكيز خان.. أو قل: إن جنكيز خان لم يرغب في الاقتناع، فليس المجال مجال حجة أو برهان أو دليل..
      حقيقة الأمر أن جنكيز خان قد أعد لغزو بلاد المسلمين خططًا مسبقة.. ولن يعطلها شئ.. وإنما كان يبحث فقط عن علة مناسبة أو شبه مناسبة، وقد وجد في هذا الأمر العلة التي كان يريدها..
      وبدأت الهجمة التترية الأولى على دولة خوارزم شاه عام 616هـ، فقد جاء جنكيز خان بجيشه الكبير لغزو خوارزم شاه، وخرج له محمد بن خوارزم شاه بجيشه أيضًا والتقى الفريقان في موقعة شنيعة استمرت أربعة أيام متصلة، وذلك شرق نهر سيحون (وهو يعرف الآن بنهر سرداريا ويقع في دولة كازاخستان المسلمة، وقُتِلَ من الفريقين خلق كثير، فقد استشهد من المسلمين في هذه الموقعة عشرون ألفًا، ومات من التتار أضعاف ذلك، ثم تحاجز الفريقان، وانسحب "محمد بن خوارزم شاه" بجيشه لأنه وجد أن أعداد التتار هائلة، وذهب ليحصن مدنه الكبرى في مملكته الواسعة، وخاصة العاصمة أورجندة..
      انشغل "محمد بن خوارزم شاه" في تحضير الجيوش من أطراف دولته، ولكن لا ننسى أنه كان منفصلاً ـ بل معاديًا ـ للخلافة العباسية في العراق، ولغيرها من الممالك الإسلامية، فلم يكن على وفاق مع الأتراك ولا مع السلاجقة ولا مع الغوريين في الهند، وهكذا كانت مملكة خوارزم شاه منعزلة عن بقية العالم الإسلامي ووقفت وحيدة في مواجهة الغزو التتري المهول..
      وهذه المملكة ـ وإن كانت قوية ـ وتمكنت من الثبات في أول اللقاءات فإنها ولا شك لن تصمد بمفردها أمام الضربات التترية المتوالية..
      وعلى الرغم م قوة التتار وبأسهم، وكثرة أعدادهم إلا أن سبب المأساة الإسلامية بعد ذلك لن يكون بسبب هذه القوة وإنما سيكون بسبب الفرقة والتشتت والتشرذم بين ممالك المسلمين، وصدق الله العظيم إذ يقول: "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين".. (الأنفال : 46)..
      فجعل الله ـ عز وجل ـ الفشل قرينًا للتنازع، والمسلمون كانوا في تنازع مستمر، وخلاف دائم وعندما كانت تحدث بعض فترات الهدنة في الحروب مع التتار ـ كما سنرى ـ كان المسلمون يُغِيرُون على بعضهم، ويأسرون ويقتلون بعضهم البعض، وقد عُلِمَ يقينًا أن من كانت هذه صفتهم، فلن يُكتبَ لهم النصرُ أبدًا..
      روى الإمام مسلم رحمه الله عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ".... وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد، إني قضيت قضاءً فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم من بأقطارها ـ أو قال: من بين أقطارها ـ حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا"..
      فالمسلمون كانوا ـ في تلك الآونة ـ يهلك بعضهم بعضًا ويسبي بعضهم بعضًا، فلا عجب إن غلب عليهم التتار أو غير التتار..
      وبالإضافة إلى داء الفرقة فإن هناك خطأ واضحًا في إعداد "محمد بن خوارزم شاه"، وهو أنه مع اهتمامه بتحصين العاصمة "أورجندة" إلا أنه ترك كل المساحات الشرقية من دولته دون حماية كافية، ولكن لماذا يقع قائد محنك خبير بالحروب في مثل هذا الخطأ الساذج ؟!
      الواقع أن الخطأ لم يكن تكتيكيًا في المقام الأول، ولكنه كان خطأً قلبيًا أخلاقيًا في الأساس، لقد اهتم "محمد بن خوارزم شاه" بتأمين نفسه وأسرته ومقربيه، وتهاون جدًا في تأمين شعبه، وحافظ جدًا على كنوزه وكنوز آبائه، ولكنه أهمل الحفاظ على مقدرات وأملاك شعبه, وعادة ما يسقط أمثال هؤلاء القواد أمام الأزمات التي تعصف بأممهم، وعادة ما تسقط أيضًا الشعوب التي تقبل بهذه الأوضاع المقلوبة دون إصلاح..
      اجتياح بُخَارَى:
      لقد جهَّز جنكيزخان جيشه من جديد، وأسرع إلى اختراق كل إقليم كازاخستان الكبير، ووصل في تقدمه إلى مدينة بخارى المسلمة (في دولة أوزبكستان الآن) وحاصرها في سنة 616هـ ثم طلب من أهلها التسليم على أن يعطيهم الأمان، وكان "محمد بن خوارزم" بعيدًا عن بخارى في ذلك الوقت، فاحتار أهل بخاري ماذا يفعلون ؟ ثم ظهر رأيان:
      أما الرأي الأول فقال أصحابه: نقاتل التتار، وندافع عن مدينتنا، وأما الرأي الثاني فقال أصحابه: نأخذ بالأمان، ونفتح الأبواب للتتار لتجنُّب القتل، وما أدرك هؤلاء أن التتار "لا يرقبون في مؤمن إلًّا ولا ذمة".. (التوبة : 10)..
      وهكذا انقسم أهل البلد إلى فريقين، فريق من المجاهدين قرر القتال، وهؤلاء اعتصموا بالقلعة الكبيرة في المدينة، وانضم إليهم فقهاء المدينة وعلماؤها، وفريق آخر من المستسلمين وهو الفريق الأعظم والأكبر، وهؤلاء قرروا فتح أبواب المدينة والاعتماد على أمان التتار..
      وفتحت المدينة المسلمة أبوابها للتتار، ودخل جنكيز خان إلى المدينة الكبيرة، وأعطى أهلها الأمان فعلاً في أول دخوله خديعة لهم، وذلك حتى يتمكن من السيطرة على المجاهدين بالقلعة..
      وفعلاً بدأ جنكيز خان بحصار القلعة، بل أمر أهل المدينة من المسلمين أن يساعدوه في ردم الخنادق حول القلعة عشرة أيام ثم فتحها قسرًا، ولما دخل إليها قاتل من فيها حتى قتلهم جميعًا، ولم يبق بمدينة بخارى مجاهدون..
      وهنا بدأ جنكيز خان في خيانة عهده، فسأل أهل المدينة عن كنوزها وأموالها وذهبها وفضتها، ثم اصطفى كل ذلك لنفسه ثم أَحَلَّ المدينة المسلمة لجنده، ففعلوا بها ما لا يتخيله عقل، ويصور لنا ابن كثير هذا الموقف في كتابه القيم "البداية والنهاية" قائلاً: "فقتلوا من أهلها خلقًا لا يعلمهم إلا الله عز وجل وأسروا الذرية والنساء، وفعلوا مع النساء الفواحش في حضرة أهلنَّ (اغتصبوا البنت في حضرة أبيها، ومع الزوجة في حضرة زوجها) فمن المسلمين من قاتل دون حريمه حتى قتل, ومنهم من أُسِر فعذب بأنواع العذاب، وكثر البكاء والضجيج بالبلد من النساء والأطفال والرجال، ثم أشعل التتار النار في دُورِ بخارى ومدارسها ومساجدها، فاحترقت المدينة حتى صارت خاوية على عروشها"..
      انتهى كلام ابن كثير، ولا حول ولا قوة إلا بالله !
      هلك المجاهدون الصابرون فيها، وكذلك هلك المستسلمون المتخاذلون..
      روى البخاري مسلم عن أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال: نعم. "إذا كثر الخبَث"..
      وكان الخبث قد كثر في هذه البلاد، وإذا كثر الخبث لابد أن تحدث الهلكة، وصدق الرسول الحكيم صلى الله عليه وسلم..
      وكانت سنة 617هـ من أبشع السنوات التي مرت على المسلمين منذ بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى هذه اللحظة، لقد علا فيها نجم التتار، واجتاحوا البلاد الإسلامية اجتياحًا لم يُسبق، وأحدثوا فيها من المجازر والفظائع والمنكرات ما لم يُسمعْ به، وما لا يُتخيَّل أصلاً..
      ومن المناسب أن نقدم لهذه الأحداث بكلام المؤرخ الإسلامي العلامة "ابن الأثير الجزري" رحمه الله في كتابه القيم (الكامل في التاريخ) وكلامه في غاية الأهمية ويعتبر به جدًا في هذا المجال أكثر من كلام غيره، لأنه كان معاصرًا لكل هذه الأحداث، وليس من رأى كمن سمع..
      يقول ابن الأثير رحمه الله وهو يقدم لشرحه لقصة التتار في بلاد المسلمين:
      "لقد بقيت عدة سنين معرضًا عن ذكر هذه الحادثة استعظامًا لها، كارهًا لذكرها، فأنا أقدم إليها رجلاً وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مِتُّ قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا، إلا أنه حثني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف، ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدي نفعًا، فنقول: هذا الفصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى، والمصيبة الكبرى التي عقمت الأيام والليالي عن مثلها.. عمت الخلائق وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم منذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم إلى الآن لم يُبتلوا بمثلها لكان صادقًا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها..".
      كانت هذه مقدمة ابن الأثير رحمه الله لكلام طويل يفيض ألمًا وحزنًا وهمًا وغمًا..
      ففي عام 617 هـ انتقل التتار بعد أن دمروا مدينة بخاري إلى المدينة المجاورة "سمرقند" (وهي أيضًا في دولة أوزبكستان الحالية)، واصطحبوا في طريقهم مجموعة كبيرة من أسارى المسلمين من مدينة بخارى، وكما يقول ابن الأثير: "فساروا بهم على أقبح صورة، فكل من أعيا وعجز عن المشي قتل"..
      أما لماذا كانوا يصطحبون الأسارى معهم؟ فالأسباب كثيرة:
      أولاً: كانوا يعطون كل عشرة من الأسارى علمًا من أعلام التتار يرفعونه، فإذا رآهم أحد من بعيد ظن أنهم من التتار، وبذلك تكثر الأعداد في أعين أعدائهم بشكل رهيب، فلا يتخيلون أنهم يستطيعون محاربتهم، وتبدأ الهزيمة النفسية تدب في قلوب من يواجهونهم.
      ثانيًا: كانوا يجبرون الأسارى على أن يقاتلوا معهم ضد أعدائهم، ومن رفض القتال أو لم يظهر فيه قوة قتلوه..
      ثالثًا: كانوا يتترسون بهم عند لقاء المسلمين، فيضعونهم في أول الصفوف كالدروع لهم، ويختبئون خلفهم، ويطلقون من خلفهم السهام والرماح، وهم يحتمون بهم..
      رابعًا: كانوا يقتلونهم على أبواب المدن لِبَثِّ الرعب في قلوب أعدائهم، وإعلامهم أن هذا هو المصير الذي ينتظرهم إذا قاوموا التتار..
      خامسًا: كانوا يبادلون بهم الأسرى في حال أسر رجال من التتار في القتال، وهذا قليل لقلة الهزائم في جيش التتار..
      كيف كان الوضع في سمرقند؟
      كانت سمرقند من حواضر الإسلام العظيمة، ومن أغنى مدن المسلمين في ذلك الوقت، ولها قلاع حصينة، وأسوار عالية ولقيمتها الاستراتيجية والاقتصادية فقد ترك فيها "محمد بن خوارزم شاه" زعيم الدولة الخوارزمية خمسين ألف جندي خوارزمي لحاميتها هذا فوق أهلها، وكانوا أعدادًا ضخمة تقدر بمئات الآلاف أما "محمد بن خوارزم شاه" نفسه فقد استقر في عاصمة بلاده مدينة "أورجندة"..
      وصل جنكيز خان إلى مدينة سمرقند وحاصرها من كل الاتجاهات، وكان من المفروض أن يخرج له الجيش الخوارزمي النظامي، ولكن لشدة الأسف، لقد دبَّ الرعب في قلوبهم، وتعلقوا بالحياة تعلقًا مخزيًا، فأبوا أن يخرجوا للدفاع عن المدينة المسلمة..
      فاجتمع أهل البلد وتباحثوا في أمرهم بعد أن فشلوا في إقناع الجيش المتخاذل أن يخرج للدفاع عنهم، وقرر البعض من الذين في قلوبهم حمية من عامة الناس أن يخرجوا لحرب التتار، وبالفعل خرج سبعون ألفًا من شجعان البلد، ومن أهل الجلد، ومن أهل العلم، خرجوا جميعًا على أرجلهم دون خيول ولا دواب، ولم يكن لهم من الدراية العسكرية حظ يمكنهم من القتال، ولكنهم فعلوا ما كان يجب أن يفعله الجيش المتهاون الذي لم تستيقظ نخوته بعد..
      أحاط جيش التتار بالمسلمين تمامًا، وبدأت عملية تصفية بشعة لأفضل رجال سمرقند..
      كم من المسلمين قتل في هذا اللقاء غير المتكافيء؟!
      لقد استشهدوا عن آخرهم، فقد المسلمون في سمرقند سبعين ألفًا من رجالهم دفعة واحدة، والحق أن هذه لم تكن مفاجأة، بل كان أمرًا متوقعًا، لقد دفع المسلمون ثمن عدم استعدادهم للقتال، وعدم اهتمامهم بالتربية العسكرية لأبنائهم، وعدم الاكتراث بالقوى الهائلة التي تحيط بدولتهم..
      وعاد التتار من جديد لحصار سمرقند..
      وأخذ الجيش الخوارزمي قرارًا مهينًا..!!
      لقد قرروا أن يطلبوا الأمان من التتار على أن يفتحوا أبواب البلدة لهم، وذلك مع أنهم يعلمون أن التتار لا يحترمون العهود، ولا يرتبطون باتفاقيات، وما أحداث بخارى منهم ببعيد، ولكن تمسكهم بالحياة إلى آخر درجة جعلهم يتعلقون بأهداب أمل مستحيل، وبالطبع وافق التتار على إعطاء الأمان الوهمي للمدينة، وفتح الجيش أبواب المدينة بالفعل، وخرجوا مستسلمين، فقال لهم التتار: ادفعوا إلينا سلاحكم وأموالكم ودوابكم، ونحن نسيركم إلى مأمنكم؛ ففعلوا ذلك في خنوع، وعندما أخذ التتار أسلحتهم ودوابهم فعلوا ما كان متوقعًا منهم، لقد وضعوا السيف في الجنود الخوارزمية فقتلوهم عن آخرهم، ودفع الجنود جزاء ذلتهم.. ولا حول ولا قوة إلا بالله..
      ثم دخل التتار مدينة سمرقند العريقة، ففعلوا بها مثلما فعلوا سابقًا في بخارى.. فقتلوا أعدادًا لا تحصى مثلما من الرجال والنساء والأطفال، ونهبوا كل ثروات البلد، وانتهكوا حرمات النساء، وعذبوا الناس بأنواع العذاب البشعة بحثًا عن أموالهم، وسبوا أعدادًا هائلة من النساء والأطفال، ومن لم يصلح للسبي لكبر سنه، أو لضعف جسده قتلوه، وأحرقوا الجامع الكبير، وتركوا المدينة خرابًا..
      وليت شعري!! كيف سمع المسلمون في أطراف الأرض آنذاك بهذه المجازر ولم يتحركوا؟!
      كيف وصل إليهم انتهاك كل حرمة للمسلمين، ولم يجتمعوا لقتال التتار؟!
      كيف علموا بضياع الدين، وضياع النفس، وضياع العرض، وضياع المال، ثم ما زالوا متفرقين؟!.. لقد كان كل حاكم من حكام المسلمين يحكم قُطرًا صغيرًا، ويرفع عليه علمًا يعتقد أنه في أمان ما دامت الحروب لا تدور في قطره المحدود..!! لقد كانوا يخدعون أنفسهم بالأمان الوهمي حتى لو كانت الحرب على بعد أميال منهم..! فلذلك لا تندهش مما تقرأ الآن أو تسمع..
      نهاية ذليلة:
      واستقر جنكيز خان لعنه الله بسمرقند، فقد أعجبته المدينة العملاقة التي لم ير مثلها قبل ذلك وأول ما فكر فيه هو قتل رأس هذه الدولة ليسهل عليه بعد ذلك احتلالها دون خوف من تجميع الجيوش ضده، فأرسل عشرين ألفًا من فرسانه يطلبون محمد بن خوارزم شاه زعيم البلاد، وإرسال عشرين ألف جندي فقط في إشارة كبيرة إلى استهزاء جنكيز خان بمحمد بن خوارزم وبأمته، فهذا الرقم الهزيل لا يقارن بالملايين المسلمة التي سيتحرك هذا الجيش التتري في أعماقها..
      انطلق الفرسان التتار إلى مدينة أورجندة حيث يستقر محمد بن خوارزم شاه، ففر منها مع نفر من خاصته، واتجه إلى نيسابور (في إيران حاليًا) أما الجند فقد تفرق كل منهم في جهة، وجند التتار يتتبعون محمد بن خوارزم شاه مخترقين البلاد الإسلامية إلى نيسابور، وكان من الممكن أن تحاصَر هذه المقدمة التترية في أي بقعة من بقاع البلاد الإسلامية التي يتجولون فيها.. لكن الرعب كان قد استولى على قلوب المسلمين، فكانوا يفرون منهم في كل مكان، وقد أخذوا طريق الفرار اقتداءً بزعيمهم الذي ظل يفر من بلد إلى آخر..
      ولم يكن التتار في هذه المطاردة الشرسة يتعرضون لسكان البلاد بالسلب أو النهب أو القتل، لأن لهم هدفًا واضحًا، فهم لا يريدون أن يضيعوا وقتًا في القتل وجمع الغنائم إنما يريدون فقط اللحاق بالزعيم المسلم، ومن جانب آخر فإن الناس لم يتعرضوا لهم لئلا يثيروا حفيظتهم، فيصيبهم من أذاهم..
      وهكذا وصل التتار إلى مسافة قريبة من مدينة نيسابور العظيمة في فترة وجيزة،ولم يتمكن محمد بن خوارزم شاه من جمع الأنصار والجنود، فالوقت ضيق، والتتار في أثره، فلما علم بقربهم من نيسابور، ترك المدينة واتجه إلى مدينة مازندران (من مدن إيران) فلما علم التتار بذلك لم يدخلوا نيسابور بل اتجهوا خلفه مباشرة، فترك مازندران إلى مدينة الري، ثم إلى مدينة همدان (وهما من المدن الإيرانية أيضًا)، والتتار في أثره، ثم عاد إلى مدينة مازندران في فرار مخزٍ فاضح.. ثم اتجه إلى إقليم طبرستان (الإيراني) على ساحل بحر الخزر (بحر قزوين) حيث وجد سفينة فركبها وسارت به إلى عمق البحر، إلى جزيرة في وسط بحر قزوين، وهناك رضي بالبقاء فيها في قلعة كانت هناك في فقر شديد، وحياة صعبة، وهو الملك الذي ملك بلادًا شاسعة، وأموالاً لا تعد..
      ولكن رضى بذلك لكي يفر من الموت..
      وسبحان الله.. فإن الموت لا يفر منه أحد.. فما هي إلا أيام حتى مات "محمد بن خوارزم شاه" في هذه الجزيرة في داخل القلعة وحيدًا طريدًا شريدًا فقيرًا، حتى إنهم لم يجدوا ما يكفنونه به، فكفَّنُوه في فراش كان ينام عليه..!!
      "أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة" .. (النساء: 78).
      أيهما أشرف يا إخواني؟.. أن يموت الزعيم المسلم ذليلاً في هذه الجزيرة في عمق البحر أم يموت رافع الرأس، رابط الجأش، مطمئن القلب في ميدان الجهاد؟!
      أيهما أشرف.. أن يموت مقبلاً أم أن يموت مدبرًا؟!
      أيهما أشرف..أن يموت هاربًا ام ان يموت شهيدًا؟!
      إن الإنسان لا يختار ميعاد موته، ولكنه يستطيع أن يختار طريقة موته، الشجاعة لا تُقصِّر الأعمار.. كما أن الفرار والهرب والجبن لا تطيلها أبدًا، والذي يعيش مجاهدًا في سبيل الله يموت مجاهدًا في سبيل الله وإن مات على فراشه..
      روى الإمام مسلم عن سهل بن حنيف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من سأل الله الشهادة بصدق، بلَّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه"..
      اجتياح فارس:
      لقد عادت الفرقة التترية بعد مطاردة "محمد بن خوارزم شاه" على شاطئ بحر قزوين إلى بلاد "مازندران" (في إيران)، ودخلوها بسهولة عجيبة لا لقوتهم، ولكن لضعف نفسيات أهلها في ذلك الوقت، وعندما دخلوها فعلوا بها ما فعلوه في غيرها، فقتلوا وعذبوا وسَبَوا ونهبوا وأحرقوا البلاد.
      ثم اتجهوا من "مازندران" إلى الري (مدينة إيرانية كبيرة)، وسبحان الله !! وكأن الله عز وجل قد أراد أن يتم الذلة لمحمد بن خوارزم شاه حتى بعد وفاته، فإن التتار وهم في طريقهم من مازندران إلى الري وجدوا في طريقهم والدته ونساءه..
      ومعهم الأموال الغزيرة والذخائر النفيسة التي لم يُسمَع بمثلها، فأخذوا كل ذلك سبيًا وغنيمة، وأرسلوه من فورهم إلى جنكيز خان المتمركز في سمرقند آنذاك..
      ثم وصل التتار إلى الري فملكوها ونهبوها، وسبوا الحريم واسترقوا الأطفال، وفعلوا الأفعال التي لم يسمع بمثلها، ثم فعلوا مثل ذلك في المدن والقرى المحيطة حتى دخلوا مدينة قزوين (من المدن الإيرانية أيضًا) واقتتلوا مع أهلها في داخل البلد، وقتلوا من أهل قزوين المسلمين ما يزيد على أربعين ألفًا..!!
      ولا حول ولا قوة إلا بالله..
      اجتياح أذربيجان:
      اتجه التتار إلى غرب بحر قزوين حيث إقليم أذربيجان المسلم.. مر التتار في طريقهم على مدينة تبريز (كانت مدينة أذربيجانية في ذلك الوقت بينما هي الآن شمال إيران)، فقرر زعيم أذربيجان "أوزبك بن البهلوان" وكان يستقر في مدينة تبريز أن يصالح التتار على الأموال والثياب والدواب، ولم يفكر مطلقًا في حربهم، لأنه كان لا يفيق من شرب الخمر ليلاً أو نهارًا، ورضي التتار منه بذلك، ولم يدخلوا تبريز لأن الشتاء القارس كان قد حل، وتبريز في منطقة باردة جدًا، فاتجه التتار إلى الساحل الغربي لبحر قزوين، وبدءوا في اجتياح الناحية الشرقية لأذربيجان متجهين ناحية الشمال..
      اجتياح أرمينيا وجورجيا:
      هذان الإقليمان يقعان في غرب وشمال أذربيجان، وقد اتجهوا إليهما قبل الانتهاء من مدن أذربيجان، لأنهم سمعوا بتجمع قبائل "الكرج" لهم، وقبائل الكرج هي قبائل وثنية ونصرانية تقطن في منطقة جورجيا الروسية، وكان بينهم وبين المسلمين قتال دائم، وقد علموا أن الخطر يقترب منهم فتجمعوا في مدينة تفليس (في جورجيا الآن)، وحدث قتال طويل بينهم وبين التتار انتهى بانتصار التتار، وامتلاك أرمينيا وجورجيا، وقُتِلَ من الكرج ما لا يحصى في هذه الموقعة..
      ماذا فعل جنكيز خان في سنة 617هـ بعد مطاردة "محمد بن خوارزم شاه" ؟
      بعد أن اطمأن جنكيز خان إلى هروب "محمد بن خوارزم شاه" زعيم البلاد في اتجاه الغرب، وانتقاله من مدينة إلى أخرى هربًا من الفرقة التترية المطاردة له، بدأ جنكيز خان يبسط سيطرته على المناطق المحيطة بسمرقند، وعلى الأقاليم الإسلامية الضخمة الواقعة في جنوب سمرقند وشمالها..
      وجد جنكيز خان أن أعظم الأقاليم في هذه المناطق: إقليم خوارزم، وإقليم خراسان..
      أما إقليم خراسان فإقليم شاسع به مدن عظيمة كثيرة مثل: بلخ ومرو ونيسابور وهراة وغزنة وغيرها (وهو الآن في شرق إيران وشمال أفغانستان"..
      وأما إقليم خوازرم فهو الإقليم الذي كان نواةً للدولة الخوارزمية، واشتهر بالقلاع الحصينة والثروة العددية، والمهارة القتالية، وهو يقع إلى الشمال الغربي من سمرقند ويمر به نهر جيحون (وهو الآن في دولتي أوزبكستان وتركمستان" ولكن جنكيز خان أراد القيام بحرب معنوية تؤثر في نفسيات المسلمين قبل اجتياح هذه الأقاليم العملاقة، فقرر البدء بعمليات إبادة وتدمير تبث الرعب في قلوب المسلمين في الإقليمين الكبيرين خوارزم وخراسان، فأخرج جنكيز خان من جيشه ثلاث فرق:
      فرقة لتدمير إقليم "فرغانة" (في أوزبكستان الآن)
      وفرقة لتدمير مدينة "ترمذ" (في تركمستان الآن)
      وفرقة لتدمير قلعة "كلابة" وهي من أحصن قلاع المسلمين على نهر جيحون.
      وقد قامت الفرق الثلاث بدورها التدميري، كما أراد جنكيز خان، فاستولت على كل هذه المناطق، وأعملت فيها القتل والأسر، والسبي، والنهب، والتخريب، والحرق، كما هي عادة التتار، ووصلت الرسالة التترية إلى كل الشعوب المحيطة:
      إن التتار لا يرتوون إلا بالدماء ولا يسعدون إلا بالخراب والتدمير، وأنهم لا يهزمون، فعمت الرهبة منهم أرجاء المعمورة، ولا حول ولا قوة إلا بالله..
      وعندما عادت هذه الجيوش من مهمتها القبيحة بدأ جنكيز خان يعد للمهمة الأقبح.. بدأ يعد لاجتياح إقليمي خراسان وخوارزم..
      اجتياح خراسان:

      هذه المدينة تقع جنوب مدينة ترمذ التي دمرها التتار منذ أيام قلائل، ولا شك أن أخبار مدينة ترمذ قد وصلت إليهم، وكان في قلوب أهل هذه البلدة رعب شديد من التتار، وعندما وصلت جيوش التتار إليهم طلبوا منهم الأمان، وعلى غير عادة التتار فقد قبلوا أن يعطوهم الأمان، ولم يتعرضوا لهم بالسلب أو النهب، وكان ذلك مكرًا وخبثًا بأهل بلخ فقط طلب جنكيز خان من أهل بلخ أن يعاونوه في فتح مدينة مسلمة أخرى هي مدينة "مرو" وبالفعل جاء أهل بلخ لمحاربة أهل مرو، والجميع من المسلمين، ولكن الهزيمة النفسية الرهيبة التي كان يعاني منها أهل بلخ نتيجة الأعمال البشعة التي تمت في مدينة (ترمذ) المجاورة جعلتهم ينصاعون للأوامر جنكيز خان، حتى وإن كانوا سيتقلون إخوانهم..!! وبذلك يكون جنكيز خان قد وفَّر قواته لمعارك أخرى، وضرب المسلمين بعضهم ببعض..

      اتجهت فرقة من التتار من سمرقند إلى منطقة الطالقان (شمال شرق أفغانستان بالقرب من طاجيكستان) وقد صعب عليهم فتحها لمناعة حصونها، فأرسلوا إلى جنكيزخان؛ فجاء إليها وحاصرها شهورًا حتى تم فتحها، وقتلوا رجالها، وسبوا نساءها وأطفالها، ونهبوا أموالها ومتاعها كما كانت عادتهم..

      ومرو مدينة كبيرة جدًا في ذلك الوقت، وتقع الآن في دولة تركمانستان المسلمة، وقد ذهب إليها جيش كبير من التتار على رأسه بعض أولاد جنكيزخان، واستعانوا في هذه الموقعة بأهل بلخ المسلمين كما ذكرنا من قبل، وقد تجمع خارج مدينة مرو جيش من المسلمين يزيد على مائتي ألف رجل، وهو جيش كبير جدًا بقياسات ذلك الزمان، وكانت موقعة رهيبة بين الطرفين على أبواب مرو، وحدثت المأساة العظيمة، ودارت الدائرة على المسلمين، وانطلق التتار يذبحون في الجيش المسلم حتى قتلوا معظمه، وأسروا الباقي، ولم يسلم إلا أقل القليل، ونهبت الأموال والأسلحة والدواب من الجيش..
      وقعت الهزيمة المُرَّة بالجيش المسلم، وفُتح الطريق لمدينة مرو ذات الأسوار العظيمة، وكان بها من السكان ما يزيد على سبعمائة ألف مسلم من الرجال والنساء والأطفال..
      وحاصر التتار المدينة الكبيرة، وقد دَبَّ الرعب في قلوب أهلها بعد أن فني جيشهم أمام أعينهم، ولم يفتحوا الأبواب للتتار مدة أربعة أيام، وفي اليوم الخامس أرسل قائد جيش التتار (ابن جنكيز خان) رسالة إلى قائد مدينة مرو يقول فيها: "لا تهلك نفسك وأهل البلد، واخرج إلينا نجعلك أمير هذه البلدة ونرحل عنك"..
      فصدَّق أمير البلاد ما قاله زعيم التتار، أو أوهم نفسه بالتصديق وخرج إلى قائد التتار، فاستقبله قائد التتار استقبالاً حافلاً، واحترمه وقرَّبه، ثم قال له في خبث: "أَخرجْ لي أصحابك ومقرَّبيك ورؤساء القوم حتى ننظر من يصلح لخدمتنا فنعطيه العطايا، ونقطع له الإقطاعات، ويكون معنا"، فأرسل الأمير المخدوع إلى معاونيه وكبار وزرائه وجنده لحضور الاجتماع المهم مع ابن جنكيز خان شخصيًا، وخرج الوفد الكبير إلى التتار، ولما تمكن التتار منهم قبضوا عليهم جميعًا وقيدوهم بالحبال..
      ثم طلبوا منهم أن يكتبوا قائمتين طويلتين:
      ـ أما القائمة الأولى: فتضم أسماء كبار التجار وأصحاب الأموال في مدينة مرو.
      ـ وأما القائمة الثانية: فتضم أسماء أصحاب الحرف والصناع المهرة، ثم أمر ابن جنكيز خان أن يأتي التتار بأهل البلد أجمعين، فخرجوا جميعًا من البلد حتى لم يبقَ فيها واحد، ثم جاء بكرسي من ذهب قعد عليه ابن جنكيز خان ثم أصدر الأوامر الآتية:
      ـ الأمر الأول: أن يأتوا بأمير البلاد وكبار القادة والرؤساء فيُقتَلوا جميعًا أمام عامة أهل البلد !! وبالفعل جاءوا بالوفد الكبير وبدءوا في قتله واحدًا واحدًا بالسيف، والناس ينظرون ويبكون..
      ـ الأمر الثاني: إخراج أصحاب الحرف والصناع المهرة, وإرسالهم إلى منغوليا للاستفادة من خبراتهم الصناعية هناك..
      ـ الأمر الثالث: إخراج أصحاب الأموال وتعذيبهم حتى يخبروا عن كل مالهم، ففعلوا ذلك، ومنهم من كان يموت من شدة الضرب ولا يجد ما يكفي لافتداء نفسه..
      ـ الأمر الرابع: دخول المدينة وتفتيش البيوت بحثًا عن المال والمتاع النفيس، حتى إنهم نبشوا قبر السلطان "سنجر" أملاً في وجود أموال أو ذهبت معه في قبره، واستمر هذا البحث ثلاثة أيام..
      ـ الأمر الخامس: أمر ابن جنكيز خان لعنه الله ولعن أباه أن يُقتَل أهل البلاد أجمعون..
      وبدأ التتار يقتلون كل سكان مرو.. يقتلون الرجال.. والنساء.. والأطفال.. !!
      قالوا: إن المدينة استعصت علينا وقاومت، ومن قاوم فهذا مصيره..
      يقول ابن الأثير رحمه الله: "وأمر ابن جنكيز خان بعد أن قتلوا جميعًا أن يقوم التتار بإحصاء القتلى، فكانوا نحو سبعمائة ألف قتيلٍ، فإنا لله وإنا إليه راجعون"..

      وهي مدينة كبيرة أخرى من مدن إقليم خراسان (وهي تقع الآن في الشمال الشرقي لدولة إيران)، واتجه إليها التتار بعد أن تركوا خلفهم مدينة مرو، وقد خربت تمامًا، وهناك حاصروا مدينة نيسابور لمدة خمسة أيام، ومع أنه كان بالمدينة جمع لا بأس به من الجنود المسلمين، إلا أن أخبار مرو كانت قد وصلت إلى نيسابور، فدَبَّ الرعب والهلع في أوصال المسلمين، وما استطاعوا أن يقاوموا التتار، ودخل التتار المدينة، وأخرجوا كل أهلها إلى الصحراء، وجاء من أخبر ابن جنكيز خان أن بعضًا من سكان مدينة مرو قد سلِم من القتل، وذلك أنهم ضُرِبوا بالسيف ضربات غير قاتلة، وظنهم التتار قد ماتوا فتركوهم؛ ولذا فقد أمر ابن جنكيز خان في مدينة نيسابور أن يقتل كل رجال البلد بلا استثناء، وأن تقطع رؤوسهم لكي يتأكدوا من قتلهم، ثم قام اللعين بسبي كل نساء المسلمين في مدينة نيسابور، وأقاموا في المدينة خمسة عشر يومًا يفتشون الديار عن الأموال والنفائس، ثم تركوا نيسابور بعد ذلك أثرًا بعد عين، ولا حول ولا قوة إلا بالله..

      وهي من أحصن البلاد الإسلامية، وكانت مدينة كبيرة جدًا كذلك، وتقع في الشمال الغربي لأفغانستان، وتوجه إليها ابن جنكيز خان بقواته البشعة، ولم تسلم المدينة من المصير الذي قابلته مدينتا مرو ونيسابور، فقُتل فيها كل الرجال، وسُبيت كل النساء، وخُربت المدينة كلها وأحرقت.. وإن كان أميرها وكان يدعى: "ملك خان" قد استطاع الهروب بفرقة من جيشه في اتجاه غزنة في جنوب أفغانستان، وكذا كان الملوك والرؤساء في ذلك الزمن يُوفَّقون إلى الهروب، بينما تسقط شعوبهم في براثن التتار..
      وبسقوط هراة يكون إقليم خراسان قد سقط بكامله في أيدي التتار، ولم يُبقوا فيه على مدينة واحدة، وتمت كل هذه الأحداث في عام واحد هو العام السابع عشر بعد الستمائة الهجرة.. وهذا من أعجب الأمور التي مرَّت بالأرض على الإطلاق..!!
      اجتياح خوارزم:
      وخوارزم هي مركز عائلة خوارزم شاه، وبها تجمُّع ضخم جدًا من المسلمين بأسًا وقوة، وهي تقع الآن على الحدود بين أوزبكستان وتركمانستان، وتقع مباشرة على نهر جيحون، وكانت تمثل للمسلمين قيمة اقتصادية واستراتيجية وسياسة وكبيرة..
      ولأهمية هذه البلدة فقد وجه إليها جنكيز أعظم جيوشه وأكبرها، وقد قام هذا الجيش بحصار المدينة لمدة خمسة أشهر كاملة دون أن يستطيع فتحها، فطلبوا المدد من جنكيز خان، فأمدهم بخلق كثير، وزحفوا على البلد زحفًا متتابعًا، وضغطوا عليه من أكثر من موضع حتى استطاعوا أن يحدثوا ثغرة في الأسوار ثم دخلوا إلى المدينة، ودار قتال رهيب بين التتار والمسلمين، وفني من الفريقين عدد كبير جدًا وحلَّت الهزيمة الساحقة بالمسلمين، ودار القتل على أشده فيهم, وبدأ المسلمون في الهروب والاختفاء في السراديب والخنادق والديار؛ فقام التتار بعمل بشع إذ قاموا بهدم سدٍّ ضخم كان مبنيًا على نهر جيحون، فأغرق المدينة بكاملها، ولم يسلم من المدينة أحد ألبتة، فمن نجا من القتل قُتِل تحت الهدم أو أُغرِق بالماء، وأصبحت المدينة العظيمة خرابًا، وتركها التتار، وقد اختفت من على وجه الأرض، وأصبح مكانها ماء نهر جيحون، ومن َمرَّ على المدينة الضخمة بعد ذلك لا يستطيع أن يرى أثرًا لحياة سابقة، ولا حول ولا قوة إلا بالله..
      وكانت هذه الأحداث الدامية أيضًا في عام 617هـ..
      التتار يتوجهون إلى وسط وجنوب أفغانستان:
      بتدمير إقليمي خراسان وخوارزم يكون التتار قد سيطروا على المناطق الشمالية ومناطق الوسط من دولة خوارزم الكبرى، ووصلوا في تقدمهم إلى الغرب إلى قريب من نهاية هذه الدولة (على حدود العراق)، ولكنهم لم يقتربوا بعد من جنوب دولة خوارزم، وجنوب دولة خوارزم كان تحت سيطرة "جلال الدين بن محمد بن خوارزم شاه"، وهو ابن الزعيم الخوارزمي الكبير "محمد بن خوارزم شاه" والذي فَرَّ منذ شهور قليلة أمام التتار، وهرب إلى جزيرة ببحر قزوين حيث مات هناك..
      وجنوب دولة خوارزم كان يشمل وسط وجنوب أفغانستان وباكستان، وكان يفصل بينه وبين الهند نهر السند، وكان جلال الدين زعيم الجنوب يتخذ من مدينة "غزنة" مقرًا له (مدينة غزنة في أفغانستان الآن وتقع على بعد حوالي مائة وخمسين كم جنوب مدينة كابول الأفغانية، وهي مدينة حصينة تقع في وسط جبال باروباميزوس الأفغانية).
      وعندما انتهى جنكيز خان من أمر الزعيم الرئيسي للبلاد "محمد بن خوارزم شاه" وأسقط دولته بدأ يفكر في غزو وسط أفغانستان وجنوبها لقتال الابن "جلال الدين"؛ فوجه إلى "غزنة" جيشًا كثيفًا من التتار..
      وجمع "جلال الدين" جيشًا كبيرًا من بلاده، وانضم إليه أحد ملوك الأتراك المسلمين اسمه "سيف الدين بغراق" وكان شجاعًا مقدامًا صاحب رأي ومكيدة في الحروب، وكان معه ثلاثون ألف مقاتل، ثم انضم إليه أيضًا ستون ألفًا من الجنود الخوارزمية الذين فروا من المدن المختلفة في وسط وشمال دولة خوارزم بعد سقوطها، كما انضم إليه أيضًا "ملك خان" أمير مدينة هراة بفرقة من جيشه، وذلك بعد أن أسقط جنكيز خان مدينته، وبذلك بلغ جيش جلال الدين عددًا كبيرًا، ثم خرج جلال الدين بجيشه إلى منطقة بجوار مدينة غزنة تدعى "بلق" وهي منطقة وعرة وسط الجبال العظيمة، وانتظر جيش التتار في هذا المكان الحصين، ثم جاء جيش التتار، ودارت معركة من أشرس المواقع في هذه المنطقة استمرت ثلاثة أيام..
      ثم أنزل الله عز وجل نصره على المسلمين، وانهزم التتار للمرة الأولى في بلاد المسلمين، وكَثُرَ فيهم القتل، وفرَّ الباقون منهم إلى ملكهم جنكيز خان، والذي كان يتمركز في "الطالقان" في شمال شرق أفغانستان..
      وارتفعت معنويات المسلمين جدًا، فقد وقر في قلوب الكثيرين قبل هذه الموقعة أن التتار لا يُهزمون، ولكن ها هو اتحاد الجيوش الإسلامية في غزنة يؤتي ثماره..
      واطمأنَّ جلال الدين إلى جيشه، فأرسل إلى جنكيز خان في الطالقان يدعوه إلى قتال جديد، وشعر جنكيز خان بالقلق لأول مرة، فجهَّز جيشًا أكبر، وأرسله مع أحد أبنائه لقتال المسلمين، وتجهز الجيشان والتقى الجيشان في مدينة "كابول" الأفغانية..
      ودارت موقعة كابول الكبيرة، وكان القتال عنيفًا جدًا.. أشد ضراوة من موقعة غزنة.. وثبت المسلمون، وحققوا نصرًا غاليًا على التتار، بل وأنقذوا عشرات الآلاف من الأسرى المسلمين من أيدي التتار..
      وفوق ارتفاع المعنويات، وقتل عدد كبير من جنود التتار، وإنقاذ الأسر المسلمين، فقد أخذ المسلمون غنائم كثيرة نفيسة من جيش التتار، ولكن سبحان الله بدلاً من أن تكون هذه نعمة على جيش المسلمين، أصبحت هذه الغنائم نقمة شديدة وهلكة محققة..!!
      روى البخاري ومسلم عن عمرو بن عوف رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "... فواللهِ ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تُبسطَ عليكم الدنيا كم بُسِطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم"..
      لقد كانت قلوب المسلمين في هذه الحقبة من الزمان مريضة بمرض الدنيا العُضَال، إلا من رحم الله عز وجل لقد كانت حروبهم حروبًا مادية قومية.. حروب مصالح وأهواء.. ولم تكن في سبيل الله..
      لقد كان انتصارهم مرة وثانية لحب البقاء، والرغبة في الملك، والخوف من الأسر أو القتل.. فكانت لهم جولة أو جولتان، لكن ظهرت خبايا النفوس عند كثرة الأموال والغنائم..
      لقد وقع المسلمون في الفتنة..!!
      اختلف المسلمون على تقسيم الغنيمة..!!
      قام "سيف الدين بغراق" أمير الترك، وقام أمير آخر هو "ملك خان" أمير مدينة هراة.. قام كل منهما يطلب نصيبه في الغنائم.. فحدث الاختلاف.. وارتفعت الأصوات.. ثم بعد ذلك ارتفعت السيوف..!!
      وسقط من المسلمين قتلى على أيدي المسلمين، وكان ممن سقط أَخٌ لسيف الدين بغراق، فغضب سيف الدين بغراق وقرر الانسحاب من جيش جلال الدين، ومعه ثلاثون الألف مقاتل الذين كانوا تحت قيادته !! وحدث ارتباك كبير في جيش المسلمين، وحاول جلال الدين أن يحلَّ المشكلة، وأسرع إلى سيف الدين بغراق يرجوه أن يعود إلى صف المسلمين، ولكنَّ سيف الدين بغراق أَصَرَّ على الانسحاب، فانكسر جيش المسلمين انكسارًا هائلاً.. لقد انكسر ماديًا، وكذلك انكسر معنويًا..
      وبينما هم كذلك إذ جاء جنكيز خان بنفسه على رأس جيوشه فدَبَّ الرعب والهلع في جيش المسلمين، فقد قلت أعدادهم وتحطمت معنوياتهم، ورأى جلال الدين أن جيشه قد ضعف جدًا.. فماذا فعل ؟!
      لقد أخذ جيشه وبدأ يتجه جنوبًا للهروب من جيش جنكيز خان أو على الأقل لتجنب الحرب في هذه الظروف..
      ولكن جنكيز خان كان مصرًا على اللقاء فأسرع خلف جلال الدين.. !! وبدأ جلال الدين يفعل مثلما فعل أبوه من قبل..!! لقد بدأ ينتقل من مدينة إلى مدينة متوجهًا إلى الجنوب حتى وصل إلى نهر السند، وهناك دارت معركة رهيبة بين الطرفين بكل معاني الكلمة.. حتى إن المشاهدين لها قالوا: إن كل ما مضى من الحروب كان لعبًا بالنسبة إلى هذا القتال، واستمر اللقاء الدامي ثلاثة أيام متصلة، واستحَرَّ القتل في الفريقين، وكان ممن قتل في صفوف المسلمين الأمير "ملك خان" والذي كان قد تصارع من قبل مع سيف الدين بغراق على الغنائم، وها هو لم يظفر من الدنيا بشيء، بل ها هي الدنيا قد قتلته، ولم يتجاوز لحظة موته بدقيقة واحدة.. ولكن شتَّان بين من يموت وهو ناصر للمسلمين بكل طاقته، ومن يموت وقد تسبب بصراعه في فتنة أدَّت إلى هزيمة مرة..
      وفي اليوم الرابع انفصلت الجيوش لكثرة القتل، وبدأ كل طرف يعيد حساباته، ويرتب أوراقه، ويضمد جراحه, ويعد عدته.. وبينما هم في هذه الهدنة المؤقتة إذ جاءت السفن إلى نهر السند؛ فقرر جلال الدين الهروب فيها ومعه خاصته إلى بلاد الهند، وتركوا التتار على الناحية الغربية من نهر السند..
      ولكن.. هل ترك المسلمون التتار وحدهم في هذا الأرض ؟
      كلا.. إنما تركوهم مع بلاد المسلمين، ومدن المسلمين، وقرى المسلمين تركوهم مع المدنيين دون حماية عسكرية، وجيوش التتار لا تفرق بين مدني وعسكري بالإضافة إلى الحقد الشديد في قلب جنكيز خان نتيجة كثرة القتلى من التتار في الأيام الأخيرة؛ فانقلب جنكيز خان على بلاد المسلمين يصب عليها جام غضبه.. ويفعل بها ما اعتاد التتار أن يفعلوه وأكثر..
      وكانت أشد المدن معاناة هي مدينة "غزنة" والتي انتصر عندها المسلمون منذ أيام أو شهور عندما كانوا متحدين، دخل جنكيز خان المدينة الكبيرة عاصمة جلال الدين بن خوارزم؛ فقتل كل رجالها بلا استثناء وسبى كل الحريم بلا استثناء، وأحرق كل الديار بلا استثناء..!! وتركها كما يقول ابن الأثير: خاوية على عروشها، كأن لم تَغْنَ بالأمس..!!
      وكان في جملة الذين أمسك بهم جنكيز خان من أهل المدن أطفال جلال الدين بن خوارزم، وقد أمر جنكيز خان بذبحهم جميعًا، وهكذا ذاق جلال الدين من نفس المرارة التي ذاقها الملايين من شعبه..
      روى البيهقي بسند صحيح، رواته ثقات إلا أنه من مراسيل أبي قلابة رحمه الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كن كما شئت، كما تدين تدان"..
      وبذلك حقق جنكيز خان حلمًا غاليًا ما كان يتوقع أن يكون بهذه السهولة، وهذا الحلم هو احتلال "أفغانستان"..!!
      وبذلك يكون التتار قد وصلوا من الصين إلى كازاخستان ثم أوزبكستان ثم تركمستان ثم أفغانستان ثم إيران ثم أذربيجان ثم أرمينيا ثم جورجيا وقد اقتربوا جدًا من العراق..
      كل هذا في سنة واحدة، في سنة 617هـ..
      وفي سنة 618 هـ عاد التتار إلى أذربيجان المسلم من جديد، ودخلوا مدينة "مراغة" المسلمة، ووضعوا السيف في أهلها، فقُتل منهم ما يخرج عن الحدِّ والإحصاء، ونهبوا كل ما صلح لهم وكل ما استطاعوا حمله، أما ما كانوا يعجزون عن حمله فكانوا يحرقونه كله، ولقد كانوا يأتون بالحرير الثمين كأمثال التلال فيضرمون فيه النار..
      التهديد بغزو شمال العراق:
      وبدأ التتار يفكرون في غزو مدينة "أربيل" في شمال العراق ودب الرعب في مدينة أربيل، وكذلك في مدينة الموصل في غرب أربيل، وفكر بعض أهلها في الجلاء عنها للهروب من طريق التتار، وخشي الخليفة العباسي "الناصر لدين الله" أن يعدل التتار عن مدينة أربيل لطبيعتها الجبلية، فيتجهوا إلى بغدد بدلاً منها، فبدأ يفيق من السبات العميق الذي أصابه في السنوات السابقة، وبدأ يستنفر الناس لملاقاة التتار في أربيل إذا وصلوا إليها، وأُعلِنت حالة الاستنفار العام في كل المدن العراقية، وبدأ جيش الخلافة العباسية في التجهز..
      ترى كم من الرجال استطاع الخليفة أن يجمع ؟
      لقد جمع الخليفة العباسي "الناصر لدين الله" ثمانمائة رجل فقط!!
      ولا ندري كيف سينصر الخليفةُ دينَ الله -كما يوحي بذلك اسمه- بثمانمائة رجل؟!
      أين الجيش القوي؟! وأين الحماية للخلافة؟! وأين التربية العسكرية وأين الروح الجهادية؟! لم يكن الناصر لدين الله خليفة، وإنما كان "صورة" خليفة.. أو شبح خليفة..
      ولم يستطع قائد الجيش"مظفر الدين" طبعًا أن يلتقي بالتتار بهذا العدد الهزيل.. ولكن انسحب بالجيش، ومع ذلك سبحان الله فقد شعر التتار أن هذه خدعة، وأن هذه هي مقدمة العسكر فليس من المعقول أن جيش الخلافة العباسية المرهوبة لا يزيد عن ثمانمائة جندي فقط.. ولذلك قرروا تجنب المعركة وانسحبوا بجيوشهم..
      وانسحاب جيوش التتار يحتاج من إلى وقفة وتحليل.. فقد كان الرعب يملأ التتار من إمكانيات الخلافة العباسية التي كانت ملء سمع وبصر الدنيا، كانت تزهو على غيرها من الأمم بتاريخ طويل، وأمجاد عظيمة، ولا شك أن دولة لقيطة مثل دولة التتار ليس لها على وجه الأرض إلا بضع سنوات ستحسب ألف حساب لدولة هائلة يمتد تاريخها إلى أكثر من خمسمائة سنة؛ ولذا فالتتار كانوا يقدرون إمكانيات العراق بأكثر من الحقيقة بكثير، ومن ثَمَّ فقد آثروا ألا يدخلوا مع الخلافة في صدام مباشر، واستبدلوا بذلك ما يعرف "بحرب الاستنزاف" وذلك عن طريق الحصار الطويل المستمر، وأيضًا عن طريق عقد الأحلاف والاتفاقيات مع الدول والإمارات المجاورة لتسهيل الحرب ضد العراق في الوقت المناسب..
      لذلك فقد انسحب التتار بإرادتهم ليطول بذلك عمر العراق عدة سنوات أخرى..
      اجتياح همدان وأردويل:
      وهما من مدن إيران حاليًا، وقد حاصر التتار همدان ، ثم دار القتال بعد ذلك مع أهلها بعد أن انقطع عنهم الطعام، ووقعت مقتلة عظيمة في الطرفين، لكن في النهاية انتصر التتار، واجتاحوا البلد، وسفكوا دماء أهلها وأحرقوا ديارها، ثم تجاوزوها إلى أردويل فملكوها وقتلوا من فيها وخربوا وأحرقوا..
      على أبواب تبريز:
      واتجه التتار إلى تبريز المدينة الإيرانية الكبيرة، ولكنهم لم يستطيعوا دخولها لأن أهلها بقيادة "شمس الدين الطغرائي" رفعوا راية الجهاد في سبيل الله، فأُلقِي الرعب في قلوب التتار على الرغم من كثرتهم، وقلة أهل تبريز..
      لقد نُصِر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرعب مسيرة شهر، وكذلك يُنصَر بالرعب كلُّ من سار على طريقه صلى الله عليه سلم..
      لقد فعل الجهاد فعله المتوقع.. بل إن القوم لم يجاهدوا، ولكنهم -فقط- عقدوا النية الصادقة، وأعدوا الإعداد المستطاع، فتحقق الوعد الرباني الذي لا خُلْفَ له وهو وقوع الرهبة في قلوب أعداء الأمة.. وهذا درس لا يُنسى..
      "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يُوفَّ إليكم وأنتم لا تظلمون"(الأنفال : 60)..
      فكانت هذه صورة مشرقة في وسط هذا الركام المظلم..
      ورحم الله شمس الدين الطغرائي الذي جدَّد الدين في هذه المدينة المسلمة تبريز..
      اجتياح بيلقان:
      وهي من مدن إيران حاليًا، وللأسف فإنها لم تفعل مثل فعل تبريز، ودخل التتار البلدة في رمضان 618هـ، ووضعوا فيها السيف، فلم يبُقوا على صغير ولا كبير ولا امرأة، حتى إنهم كما يقول بن الأثير: كانوا يشقون بطون الحبالى ويقتلون الأجنة، وكانوا يرتكبون الفاحشة مع النساء ثم يقتلونهن، ولما فرغوا من البشر في المدينة نهبوا وخرَّبوا وأحرقوا كعادتهم.. ولا حول ولا قوة إلا بالله..
      على أبواب كنجة:
      وسار التتار إلى مدينة كنجة المسلمة، وفعل أهلها مثلما فعل أهل تبريز، وفعل مثلما فعلوا مع أهل تبريز..
      لقد أعلن أهل كنجة الجهاد وأعدوا العدة المستطاعة، فما دخل تتري واحد مدينتهم بل تركوها إلى غيرها..
      اجتياح داغستان والشيشان:
      وتقعان في شمال أذربيجان على ساحل بحر قزوين من ناحية البحر الغربية، وهما من البلاد المسلمة الواقعة تحت الاحتلال الروسي الآن، نسأل الله لهما التحرير الكامل، قد قام التتار كعادتهم بتدمير كل شئ في هذه البلاد، وقتلوا معظم من وجدوه في طريقهم وكانت أشد المدن معاناة من التتار هي مدينة شماخي المسلمة (في داغستان الآن)..
      اجتاح الجنوب الغربي من روسيا:
      استمر التتار في صعودهم في اتجاه الشمال، وبعد الانتهاء من الشيشان وصلوا إلى حوض نهر الفولجا الروسي، واستمروا في قتال أهل هذه المناطق، وكانوا جميعًا من النصارى، وأثخنوا فيهم القتل، وارتكبوا معهم من الفظائع ما كانوا يرتكبونه مع المسلمين..
      وبذلك انتهت سنة 618هـ وقد وصل التتار إلى أرض الروس، وأصبحت كل البلاد ما بين شرق الصين وجنوب غرب روسيا ملكًا لهم..
      تقييم الموقف في سنة 619هـ:
      في هذه السنة استمرت العمليات التترية في منطقة أرض الروس، وأكد التتار سيطرتهم على المناطق الإسلامية الشاسعة ما بين الصين والعراق، فثبتوا أقدامهم في كل بقاع الدولة الخوارزمية, وهذا يشمل الآن أسماء الدول الآتية من الشرق إلى الغرب:
      ـ كازاخستان.
      ـ قيرغيزستان.
      ـ طاجيكستان.
      ـ أوزبكستان.
      ـ تركمانستان.
      ـ باكستان. (باستثناء المناطق الجنوبية فيها، والمعروفة بإقليم كرمان)..
      ـ أفغانستان.
      ـ معظم إيران. (باستثناء الحدود الغربية لها مع العراق والتي يسكنها الإسماعيلية.
      ـ أذربيجان.
      ـ أرمينيا.
      ـ جورجيا.
      ـ الجنوب الغربي لروسيا.
      1ـ مدينة بلخ وما حولها (شمال أفغانستان الآن): 2ـ اجتياح الطالقان: 3ـ مأساة مرو: 4ـ اجتياح نيسابور: 5ـ اجتياح هراة:

      ظهور جلال الدين بن محمد خوارزم :

      لقد ظهر جلال الدين بن محمد خوارزم على مسرح الأحداث بين سنتي 621هـ و622هـ فجأة وكان قد فَرَّ قبل ذلك إلى الهند منذ خمس سنوات (617هـ) ذلك أنه لم يستطع إكمال حياته في الهند، فقد كانت العلاقات أصلاً سيئة مع ملوك لهند، ثم إنه وجد أن التتار قد تركوا منطقة فارس نسبيًا، وأن جنكيز خان قد عاد إلى بلاده لمعالجة بعض الأمور هناك، وترك زعيمًا غيره على جيوش التتار، وأن أخاه غياث الدين قد سيطر على معظم أجزاء فارس..
      وجد جلال الدين أن الظروف الآن مواتية للعودة إلى مملكة خوارزم للبحث عن الملك الضائع،ولكنه للأسف لم يدقق النظر، ولم يُشخِّص المرض الذي أصاب الأمة الإسلامية في ذلك الوقت.. ولم يدرك أن الفُرقة والتشتت والاستهانة بدماء المخالفين من المسلمين كانت من الأسباب الرئيسية لهذه الحالة المخزية التي وصلت إليها أمة الإسلام..
      لم يدرك جلال الدين هذه الأمور، ومن ثم فإنه بدلاً من أن يبذل مجهودًا لتجميع الأطراف المتناحرة والأقاليم المتصارعة، دخل إلى مملكة خوارزم وهو يجهز نفسه ليكون طرفًا جديدًا في الصراع الإسلامي ـ الإسلامي!!
      وبدأ جلال الدين في غزو إقليم فارس من جنوبه إلى الشمال محاربًا أخاه غياث الدين، حتى وصل إلى غرب إيران، وأصبح قريبًا من الخلافة العباسية، وكانت العلاقات القديمة بين مملكة خوارزم والخلافة العباسية متوترة جدًا، ووجد جلال الدين في نفسه قوة، ووجد في الخلافة العباسية ضعفًا فأعلن الحرب على الخلافة العباسية.. (هذا وجيوش التتار قابعة في شرق إيران) ولا عجب فقد كان جُلُّ الزعماء في تلك الآونة مصابين بالحَوَل السياسي، ودخل جلال الدين بجيشه إلى البصرة، وحاصرها لمدة شهرين، ثم تركها واتجه شمالاً ليمر قريبًا من بغداد عاصمة الخلافة العباسية،وخاف الناصر لدين الله الخليفة العباسي على نفسه فحَصَّن المدينة وجهز الجيوش لدفع جلال الدين، ولكن لم يكتف بذلك بل ارتكب فغلاً شنيعًا مقززًا، إذ أنه أرسل إلى التتار يستعين بهم على حرب جلال الدين..
      لقد كان الخليفة العباسي الناصر لدين الله كالمستجير من الرمضاء بالنار..
      ومع استعانة الخليفة بالتتار إلا أن التتار كانوا مشغولين ببسط سيطرتهم على المناطق الشاسعة التي احتلوها، فلم يحدث بينهم وبين جلال الدين قتال إلا في أواخر سنة 622هـ، واستثمر جلال الدين هذه الفترة في بسط سيطرته على المناطق المحيطة ببغداد، ثم شمال العراق ثم منطقة شمال فارس، وبدأ يدخل في أذربيجان وما حولها من أقاليم إسلامية..
      وكانت حروبه حروبًا شرسة مُفسدة، مع أن البلاد المغنومة كلها بلاد إسلامية.. فكان يفعل بهم الأفاعيل من قتل وسبي ونهب وتخريب.. وكأنه تعلم من حروبه مع التتار كيف يقسو قلبه بدلاً من أن يتعلم كيف يرحم الذين عُذِّبوا منذ شهور وسنوات على أيدي التتار..
      وبذلك بلغ سلطان جلال الدين من جنوب فارس إلى الشمال الغربي لبحر قزوين، وهي وإن كانت منطقة كبيرة إلا أنها مليئة بالقلاقل والاضطرابات، بالإضافة إلى العداءات التي أورثها جلال الدين قلوب كل الأمراء في الأقاليم المحيطة بسلطانه بمن فيهم الخليفة العباسي الناصر لدين الله، وسياسة العداوات والمكائد والاضطرابات هي السياسة التي ورثها جلال الدين عن أبيه محمد بن خوارزم، ولم تأتِ إلا بالويلات على الأمة..
      وفي آخر سنة 622هـ توفي الخليفة الظالم الفاسد الناصر لدين الله، بعد أن حكم البلاد سبعة وأربعين عامًا متتالية، وكان قبيح السيرة في رعيته، فقد خرَّب العراق، وظلم أهله، أخذ أموالهم وأملاكهم، وطفَّف لهم في المكاييل، وفرض عليهم الرسوم الجائرة والأحكام الظالمة، وفوق كل ذلك ارتكب الذنب العظيم الذي تصغر بجواره كل ذنوبه وهو مراسلة التتار، ومحاولة التعاون معهم ضد المسلمين..
      أحداث سنتي 623 ـ 624هـ:
      تولى الظاهر بأمر الله ابن الناصر لدين الله الخلافة العباسية، وكان على النقيض من أبيه تمامًا، فقد كان رجلاً صالحًا، تقيًا أظهر من العدل والإحسان ما لم يَسبق إلا عند القليل، لدرجة أن ابن الأثير قال: "إنه لو قيل: إنه لم يلِ الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز مثلُه لكان القائل صادقًا"، فرفع الضرائب الباهظة، وأعاد للناس حقوقهم، وأخرج المظلومين من السجون، وتصدَّق على الفقراء، حتى قيل في حقه: إنه كان غريبًا في هذا الزمان الفاسد ولقد قال فيه ابن الأثير -وكان معاصرًا له- كلمة عجيبة، لقد قال: "إني أخاف أن تقصر مدة خلافته؛ لأن زماننا وأهله لا يستحقون خلافته"..
      سبحان الله.. لقد صدق حَدْسُ ابن الأثير، وتوفي الخليفة الظاهر بأمر الله سريعًا! ولم يحكم المسلمين إلا تسعة شهور وبضعة أيام فقط، ومع ذلك فكما يذكر الرواة: رخصت الأسعار جدًا في فترة حكمه، وتحسن الاقتصاد في العراق..
      وتولى الحكم بعد الظاهر بأمر الله المستنصر بالله، والذي ظل في كرسي الحكم حتى سنة 640هـ، أي حوالي سبعة عشر عامًا..
      وفي هذه الأثناء كان جلال الدين مستمرًا في حروبه في المنطقة ليس مع التتار، ولكن مع المسلمين، واستولى على بعض المدن والأقاليم، وكان من أبشع ما فعل هو حصاره لأهل "خلاط" أو "أخلاط" وهي مدينة مسلمة (في شرق تركيا الآن)، فقد قتل منهم خلقًا كثيرًا، وامتدت أيدي الجنود الخوارزميين إلى كل شئ في البلد بالسلب والنهب حتى سبوا الحريم المسلمات..
      ثم حدث أمر مهم جدًا ومحوري في سنة 624هـ وهو وفاة القائد التتري المجرم السفاح جنكيز خان عن عمر يناهز اثنتين وسبعين سنة، ملأها بالقتل والذبح وسفك الدماء والسلب والنهب, وبنى خلال فترة حكمه مملكة واسعة من كوريا في الشرق إلى فارس في الغرب.. بُنِيَت هذه المملكة على جماجم البشر، وعلى أشلائهم ودمائهم.. (ومعظمهم من المسلمين !) ولكن اللوم كل اللوم على من وصل إلى حالة من الضعف مكَّنت مثل هذا الفاسد من أن يفعل في بلاد المسلمين ما يشاء..
      وبموت جنكيز خان هدأت الأمور نسبيًا في هذه المنطقة، واحتفظ التتار بما ملكوه من بلاد المسلمين إلى وسط إيران تقريبًا بينما كان جلال الدين يبسط سيطرته على المناطق الغربية من إيران والمناطق الغربية من بحر قزوين وكأنَّ كل طرف قد رضي بما يملك, وآثر الاحتفاظ بما يعتقد أنه حق له..
      الفترة من 624 هـ إلى 627 هـ:
      هذه هي فترة الهدوء النسبي الذي أعقب وفاة جنكيز خان..
      أين كان المسلمون في هذه الفترة ؟!
      لقد كانوا على عهدهم من الخلاف والشقاق والنفاق وسوء الأخلاق.. لم يستغل المسلمون مصيبة التتار في زعيمهم الكبير جنكيزخان ليجمعوا صفهم ويحرروا بلادهم، بل شغلوا أنفسهم بحرب بعضهم البعض، وبظلم بعضهم البعض..
      فقد تجددت الخلافات بين جلال الدين وأخيه غياث الدين وتفاقمت، حتى تعاون غياث الدين مع أعداء جلال الدين في حروبه..
      ليس هذا فقط، بل كانت المنطقة بأسرها تموج بالاضطرابات والفتن، ليس في منطقة العراق وفارس فقط، بل في كل ديار المسلمين، فالحروب بين أمراء الشام ومصر كانت مستمرة، ولم تتحد كلمتهم أبدًا، مع أن معظمهم من نفس العائلة الأيوبية بل وأحيانًا من الإخوة الأشقاء، ونتج عن ذلك أمر مريع في سن 626هـ، وهو تسليم بيت المقدس (الذي حرره صلاح الدين الأيوبي قبل ذلك) إلى الصليبيين صلحًا..!! أي أن المسلمين في الشام اتفقوا على إعطاء بيت المقدس للصليبيين في مقابل أن يترك الصليبيون بعض الإمارات في الشام للمسلمين.
      ونعوذ بالله من الضعف بعد القوة، ومن الذلة بعد العزة، ومن الخذلان بعد النصر..
      ثم إن جلال الدين استمر في حروبه البشعة في المنطقة، وكان من مما فعل أن حاصر مدينة "خلاط" مرة ثانية بعد أن تمردت عليه, وأطال عليها الحصار حتى اضطر أهل البلد إلى أكل لحوم الخيل والحمير، ثم أكلوا الكلاب والقطط.. بل والفئران..!!
      ثم سقطت المدينة في يد جلال الدين، فخربها وأكثر فيها القتل وسبي الحريم، واسترقَّ الأولاد, ثم باع الجميع.. وكما يقول ابن الأثير: "إن هذا لم يُسمَعْ بمثله, لاجَرَمَ أن الله عز وجل لن يمهله !!"..
      وعند رؤية مثل هذه الأحداث في كل بلاد المسلمين، ندرك لماذا فعل التتار ذلك بهذه البلاد مع ضخامتها وأعدادها وثرواتها، ولا جرم أن هذه سنة مُطَّرِدة في الكون.. فإنه من كانت هذه حاله فلابد أن يُسَلط عليه طواغيت الأرض, فالله عزوجلَّ لا ينصر إلا من ينصره..
      (إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده".. (آل عمران: 160)..


      الاجتياح التتري الثاني

      أتت سنة 628هـ تحمل هجمة تترية بشعة جديدة على الأمة الإسلامية.. وقد تضافرت عوامل شتى جعلت هذا الاجتياح الجديد على مستوى الاجتياح الأول نفسه الذي حدث سنة 617هـ إلى سنة 620هـ، أو لعله أبشع وأسرع..
      من هذه العوامل:

      بعد أن تم له ذلك بدأ يفكر من جديد في اجتياح العالم الإسلامي واستكمال الحروب بعد ذلك في منطقة روسيا، ومحاولة استكمال الفتوح في داخل أوروبا، ويبدو أن اجتياح الخلافة العباسية ذاتها وإسقاط بغداد لم يكن من أهداف هذه الحملة؛ لأنها تجاوزتها إلى أوروبا، دون الوقوف أمامها كثيرًا..
      وذلك إما لشدة حصانتها وكثافة سكانها، وإما لتجنب إثارة كل المسلمين في العراق والشام ومصر إذا أُسقِطت الخلافة العباسية، والتي كانت تمثل رمزا مهمًا للمسلمين على ضعفها.. فأراد التتار أن يجعلوها الخطوة الأخيرة في فتوحاتهم.. وهذا هو عين الذكاء..
      كلف الخاقان الكبير "أوجتاي" أحد أبرز قادته بالقيام بمهمة الاجتياح التتري الثاني، وهو القائد "شورماجان" والذي جمع جيشًا هائلاً من التتر، وتقدم صوب العالم الإسلامي من جديد..



      يروي ابن الأثير في الكامل في أحداث سنة 628هـ بعض الصور التي استمع إليها بأذنه من بعض الذين كتبت لهم نجاة أثناء حملات التتار على المدن الإسلامية فيقول:
      كان التتري يدخل القرية بمفرده، وبها الجمع الكثير من الناس؛ فيبدأ بقتلهم واحدًا تلوَ الآخر، ولا يتجاسر أحد المسلمين أن يرفع يده نحو الفارس بهجوم أو دفاع..!!
      أخذ تتري رجلاً من المسلمين، ولم يكن مع التتري ما يقتله به، فقال له: ضع رأسك على الأرض ولا تبرح، فوضع رأسه على الأرض، ومضى التتري فأحضر سيفًا ثم قتله..
      وكان هذا وضع المسلمين في ذلك الوقت.. هزيمة نفسية مُرَّة.. واجتياح تتري رهيب..
      ماذا فعل شورماجان بعد موت جلال الدين؟
      لقد ضم شورماجان شمال إقليم فارس (شمال إيران حاليًا) إلى الإمبراطورية التترية، وذلك في سنة 629هـ، ثم زحف بعد ذلك على إقليم أذربيجان فضمه إلى أملاكه..
      وبتلك الانتصارات التترية، إلى جانب موت جلال الدين، اكتمل سقوط إقليم فارس كله في يد التتار باستثناء الشريط الغربي الضيق الذي تسيطر عليه طائفة الإسماعيلية الشيعية..
      ثم بدا لشورماجان أن يستقر في هذه المناطق ولا يُكمل زحفه إلا بعد ترسيخ قدمه، وتثبيت جيشه، ودراسة المناطق المحيطة.. وما إلى ذلك من أمور تدعم السلطان التتري في هذه المنطقة..
      ظل شورماجان يُرسِّخ حكم التتر في هذه المناطق لمدة خمس سنوات كاملة من سنة 629هـ، إلى سنة 634هـ، وأثناء هذه السنوات الخمس لم تخرج عليه ثورة مسلمة!! ولم يتحرك لقتاله جيش مسلم!! مع أن جيوش المسلمين تملأ المناطق المجاورة لفارس وأذربيجان، وذلك في العراق والموصل ومصر والحجاز وغيرها..
      لكن الكل كان يشعر أن هذا الأمر يُهم أهل فارس وأذربيجان وليس مصيبة عامة على عموم المسلمين..!!
      الاجتياح التتري في الفترة من سنة 634هـ إلى 649هـ:
      بعد هذه السنوات الخمس في إقليمي فارس وأذربيجان بدأ شورماجان في سنة 634هـ في الالتفاف حول بحر قزوين من ناحية الغرب لينطلق شمالاً لاستكمال فتوحاته، وبسرعة استطاع أن يسيطر على أقاليم أرمينيا وجورجيا (مملكة الكرج النصرانية) والشيشان وداغستان.
      ثم بدأ جيش آخر من جيوش التتار بزعامة "باتو بن جاجي" في قيادة الحملات التترية شمال بحر قزوين, وذلك في السنة نفسها 634هـ وأخذ في قمع القبائل التركية النازلة في حوض نهو الفولجا، ثم 635هـ، وخلال عامين فقط (635هـ ـ 636هـ) احتل التتار دولة روسيا بكاملها..
      وفي سنة 639هـ مات الخاقان الكبير ملك التتار "أوجتاي" فاضطر الأمير "باتو بن جاجي" أن يوقف الحملات، ويستخلف أحد قواده على المناطق المفتوحة، ويعود إلى "قراقورم" عاصمة التتار في منغوليا للمشاركة في اختيار الخاقان التتري الجديد..
      وقفة للتحليل (سنة 639هـ وما بعدها):
      أولاً: وصلت حدود دولة التتار في هذه السنة من كوريا شرقًا إلى بولندا غربًا، ومن سيبيريا شمالاً إلى بحر الصين جنوبًا وهو اتساع رهيب في وقت محدود.. وأصبحت قوة التتار في ذلك الوقت هي القوة الأولى في العالم بلا منازع..
      ثانيًا: تولى قيادة التتار بعد "أوجتاي" ابنه "كيوك بن أوجتاي" وقد كان لهذا الخاقان الجديد الرأي في تثبيت الأقدام في البلاد المفتوحة بدلاً من إضافة بلاد جديدة قد لا يقوى التتار على حفظ النظام فيها، والسيطرة على شعوبها وجيوشها, ومن ثم فقد توقفت الفتوحات التترية في عهد هذا الخاقان, وإن ظل التتار يحافظون على أملاكهم الواسعة.
      ثالثًا: ابتلع التتار في فتوحاتهم السابقة النصف الشرقي للأمة الإسلامية, وضموا معظم الأقاليم الإسلامية في آسيا إلى دولتهم، وقضوا على كل مظاهر الحضارة في هذه المناطق، كما قضوا تمامًا على أي نوع من المقاومة في هذه المناطق الواسعة, وظل الوضع كذلك لسنوات كثيرة لاحقة..
      رابعًا: ظَلَّ القسم الأوسط من العالم الإسلامي والذي يبدأ من العراق إلى مصر مُفرَّقًا مشتتًا لا يكتفي فقط بمشاهدة الجيوش التترية وهي تسقط معظم ممالك العالم في وقتهم، وإنما انشغل أهله بالصراعات الداخلية فيما بينهم، وازداد تفككهم بصورة كبيرة..
      كذلك كان القسم الغربي من العالم الإسلامي الذي يضم ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وغرب إفريقيا.. كان هذا القسم مفككًا تمامًا بعد سقوط دولة الموحدين..
      خامسًا: ذاق الأوروبيون النصارى من ويلات التتار كما ذاق المسلمون من قبل، وذُبِحَ منهم الآلاف أو الملايين، ودُمرت كنائسهم، وأُحرقت مدنهم، بل هُدِّدوا تهديدًا حقيقيًا أن يصل التتار إلى عقر دار الكاثوليكية النصرانية في روما..
      سادسًا: ومع أن النصارى رأوا أفعال التتار إلا أن ملوك النصارى في أوروبا الغربية (فرنسا وإنجلترا وإيطاليا وألمانيا) كانوا يرون أن هذه مرحلة مؤقتة سوف تقف عند فترة من الفترات، أما حروب النصارى الصليبيين ضد المسلمين فهي حروب دائمة لا تنتهي.. ومن ثَمَّ فقد كان ملوك الصليبيين على استعداد كامل للتعاون مع التتار رغم كل الأعداد الهائلة التي قُتِلت منهم بدلاً من التعاون مع المسلمين..
      أما لماذا يعتقد الصليبيون أن حرب المسلمين دائمة, وحرب التتار مؤقتة؟ فإن ذلك يرجع إلى أن حروب الصليبيين مع المسلمين هي حروب عقيدة، والعَدَاء بين المسلمين والصليبيين يقوم على أساس ديني، والصراع بينهما أبديٌّ، والنصارى لن يُنهوا القتال إلا بدخول إحدى الطائفتين في دين الأخرى، كما يقول الله عز وجل في كتابه: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم" (البقرة: 120)..
      سابعًا: أخذت عقائد الجيش التتري في التغيير بعد الحملات التي وجهوها إلى أوروبا، فقد تزوج عدد كبير من قادة المغول من فتيات نصرانيات، وبذلك بدأت الديانة النصرانية تتغلغل نسبيًا في البلاط المغولي، وهذا ساعد أكثر على إمكانية التعاون بين التتار والصليبيين..
      ثامنًا: استمرت الحروب الصليبية الأوروبية على المسلمين في مصر والشام، وكانت مصر والشام في ذلك الوقت تحت حكم الأيوبيين، ولكن كانت هذه هي آخر أيام الأيوبيين، وقد دار الصراع بينهم وبين بعضهم، وأصبح المسلمون بين شِقَّي الرَّحَى: بين التتار من ناحية، والصليبيين من ناحية أخرى..
      تاسعًا: في سنة 640هـ توفي المستنصر بالله الخليفة العباسي، وتولى الخلافة ابنه المستعصم بالله، وكان يبلغ من العمر آنذاك ثلاثين عامًا، وهو وإن كان قد اشتُهِر بكثرة تلاوة القرآن، وبالنظر في التفسير والفقه، وكثرة أعمال الخير، إلا أنه لم يكن يفقه كثيرًا، ولا قليلاً في السياسة!! ولم يكن له علم بالرجال، فاتخذ بطانة فاسدة، وازداد ضعف الخلافة عما كانت عليه، فهو آخر الخلفاء العباسيين, وهو الذي ستسقط بغداد في عهده بعد ذلك..
      عاشرًا: لم يبقَ فاصل بين التتار والخلافة العباسية في العراق إلا شريط ضيق في غرب إقليم فارس (غرب إيران الآن).. وهو على قدر من الأهمية وإن كان ضيقًا إذ كانت تعيش فيه طائفة الإسماعيلية الخطرة، وكانوا أهل حرب وقتال، ولهم قلاع وحصون، فضلاً عن طبيعة المكان الجبلية، وكانوا على خلاف دائم مع الخلافة العباسية، وكراهية شديدة للمذهب السني، وكانوا يتعاونون مع أعداء الإسلام كثيرًا، فَمَرَّةً يراسلون التتار، ومرة يراسلون الصليبيين، وكان التتار يدركون وجودهم، ومع ذلك فهم لا يطمئنون لهم، فالتتار ما كانوا يرغبون في بقاء قوة ذات قيمة في أي مكان على ظهر الأرض..
      بين 639 هـ و 649 هـ:
      بعد تولية "كيوك بن أوجتاي" خاقان التتار الجديد قرر أن يوقف الحملات التوسعية، ويتفرغ لتثبيت الأقدام في أجزاء مملكته المختلفة، وقد ظل "كيوك" يحكم من سنة 639هـ إلى سنة 646هـ، وفي هذه السنوات السبع لم يدخل التتار بلادًا جديدة إلا فيما ندر، وكانت فترة هدوء نسبي في المناطق المجاورة لمملكة التتار، وإن كانت المناطق المنكوبة بالتتار ما زالت تعاني من ظلم وبشاعة الاحتلال التتري..
      وبعد وفاة خاقان التتار "كيوك" تولَّت أرملته حكم التتار، وذلك ابتداءً من سنة646هـ ولمدة ثلاث سنوات..
      ولم يستطع التتار قبول أرملة "كيوك" ملكة عليهم، ومن ثم اجتمع المجلس الوطني للتتار والمسمى "بالقوريلتاي" وذلك في سنة 649هـ، وقرروا اختيار خاقان جديد للتتار، وكان اختيار منكوخان زعيمًا لمملكة التتار بداية تحول كبير في سياسة التتار، وبداية تغيير جذري في المناطق المحيطة بالتتار، فقد كانت لديه سياسة توسعية شبيهة بسياسة جنكيزخان المؤسس الأول لدولة التتار، وشبيهة أيضًا بسياسة أوجتاي الذي فُتِحَت أوروبا في عهده، ومن ثَمَّ بدأ "منكو خان" يفكر من جديد في إسقاط الخلافة العباسية، وما بعدها من بلاد المسلمين..
      1ـ استقرار ملك التتار في منغوليا بعد وفاة جنكيزخان، فقد تولى قيادة التتار الزعيم الجديد "أوجتاي" وأخذ ينظم أمور مملكته في معقلها بمنغوليا والصين، وذلك سنة 624هـ إلى سنة 627ـ. 2ـ شهد هذا العام أيضًا 628هـ استمرار حالة الفرقة البشعة التي كانت في الأمة الإسلامية، واهتمام كل زعيم بحدود مملكته، وإن صَغُرَت، وحتى إن بعض الممالك الإسلامية لم تكن إلا مدينة واحدة وما حولها من القرى، ولم يكتفِ الزعماء المسلمون بالفرقة بل كانوا يتصارعون فيما بينهم، ويكيد بعضهم لبعض، ولم يكن أحدهم يأمن أخاه مطلقًا، ولم تكن فكرة الوحدة مطروحة أصلاً.. 3ـ حملت هذه السنة ـ أيضًا ـ النهاية المأساوية الفاضحة لجلال الدين بن خوارزم شاه.. 4ـ نتيجة العوامل السابقة، ونتيجة سوء التربية، وغياب الفهم الصحيح للإسلام، والتمسك بالدنيا إلى أقصى درجة وعدم وضوح الرؤية عند الناس.. فعادوا لا يعلمون العدو من الصديق، ونتيجة الحروب التترية السابقة، والتاريخ الأسود في كل مدينة وقرية مر عليها التتار.. نتيجة كل هذه العوامل فقد دبَّت الهزيمة النفسية الرهيبة داخل قلوب المسلمين، فما استطاعوا أن يحملوا سيفًا، ولا أن يركبوا خيلاً، بل ذهب عن أذهانهم أصلاً التفكير في المقاومة.. وهذا ولا شك سهَّل جدًا من مهمة التتار الذين وجدوا أبوابًا مفتوحة، ورقابًا جاهزة للقطع..!!

      الفرقة والتشتت والتشرذم بين ممالك المسلمين:

      يقول المولى تبارك وتعالى في كتابه الكريم: "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين" {الأنفال : 46}..
      لقد جعل الله عزوجل الفشل قرينًا للتنازع.. والمسلمون كانوا في تنازع مستمر، وخلاف دائم، وعندما كانت تحدث بعض فترات الهدنة في الحروب مع التتار، كان المسلمون يُغيرون على بعضهم، ويأسرون بعضهم، ويقتلون بعضهم..!! وقد عُلِمَ يقينًا أن من كانت هذه صفتهم، فلا يكتب لهم النصر أبدًا..
      روى الإمام مسلم رحمه الله عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ".... وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد، إني قضيت قضاءً فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم مَن بأقطارها ـ أو قال: من بين أقطارها ـ حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا" ..
      فالمسلمون كانوا في تلك الآونة يهلك بعضهم بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا.. فلا عجب إن غلب عليهم جيش التتار أو غير التتار..
      الترف:
      من المعلوم أن الترف انصراف عن المهمة الرئيسية للإنسان واتجاه نحو الملذات، وجمع المال، والتفاخر بالملك، وما ذُكِر أبدًا ترفٌ بخير، وكثرة المال ابتلاء من الله، فإما أن يحسن الإنسان بإنفاقه وصرفه في وجوه الخير، وطاعة الله، وإما في غير ما أمر الله، وقد ذُكر الترف في ثمانية مواضع في كتاب الله، تنصب كلها على الكافرين، والمجرمين، والفاسقين..
      يقول الله تعالى: [فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين] {هود : 116}.
      [وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرنها تدميرًا] {الإسراء : 16}..
      [لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسئلون] ]{الأنبياء: 13}.
      [وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون] (المؤمنون : 33)..
      [حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجئرون] (المؤمنون : 64)..
      [وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون].](سبأ : 34)..
      [وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا ءاباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون].. (الزخرف : 23)..
      [وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم إنهم كانوا قبل ذلك مترفين].. (الواقعة : 41ـ45)..
      ومآل الترف إلى الفساد، وضياع السلطة وانهيار الدولة، وزوال الأمة، وقد زال الأمويون عندما أصابهم الترف، ودالت دولة بني العباس عندما حَلَّ فيها الترف، وسقطت الأندلس بيد النصارى، وضاعت نهائيًا بعد أن انصرف السكان إلى الترف..(2)
      ترك الجهاد في سبيل الله:
      وكنتيجة طبيعية للانغماس في الدنيا، والترف الزائد عن الحد ترك المسلمون الجهاد، فلم يفقه المسلمون أيام التتار ـ كما لم يفقه كثير من المسلمين في زماننا الآن ـ أن السبيل الأساسي لاستعادة حقوق المسلمين المنهوبة هو الجهاد..
      روى أبو داود وأحمد رحمه الله عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا تبايعتم بالعينة (نوع من الربا)، وأخذتم أذناب البقر (العمل في الرعي المواشي)، ورضيتم بالزرع (أي رضيتم بالاشتغال بالزراعة، والمقصود عملتم في أعمال الدنيا أيًّا كانت في وقت الجهاد المتعين)، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذلاً، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم"..
      لقد عمل أهل بغداد في الزراعة والتجارة والكتابة والصناعة بل وفي العلم والتعلم، وتركوا الجهاد في سبيل الله، فكان النتيجة الذل، وسقوط بغداد وقتل الخليفة المستعصم بالله بطريقة مخزية ما حدثت مع خليفة قبله، وما سمعنا بها مع أي من ملوك أو أمراء الأرض.. مسلمين أو غير مسلمين.. فقد أمر هولاكو أن يُقتَلَ الخليفة العباسي المستعصم بالله رفسًا بالأقدام..!!
      وبالفعل وُضِع الخليفة العباسي على الأرض ، وبدأ التتار يرفسونه بأقدامهم، حتى فارقت روحه جسده..
      إهمال الإعداد المادي للحروب:
      لقد اجتهد التتار في إعداد كل ما يمكنهم من النصر، سواء في ذلك الجنود أو السلاح أو تجهيز الطرق أو وضع الخطة أو الاهتمام بالأحلاف أو الحرب النفسية والخطط البديلة..
      لقد كان إعدادًا متميزًا حقًا..
      كل ذلك بينما كان المسلمون يعيشون في وادٍ آخر..!!
      أُهمِلَت الجيوش الإسلامية وانحدر مستواها، ولم يهتم حاكم بتحديث سلاحه أو تدريب جنده.. لم توضع الخطة المناسبة ولم توجد المخابرات الدقيقة.. لقد تهاون المسلمون جدًا في إعدادهم، ورُتبت أولوياتهم بصورة مخزية، فبينما كانت الملايين تنفق على القصور وعلى الرخام وعلى الحدائق لم يُنفق شيء على الإعداد العسكري والعلمي والاقتصادي للبلاد وبينما قل ظهور النماذج المتفوقة في المجالات العلمية والقيادية والإدارية كثر ظهور المطربين والمطربات، والراقصين والراقصات، واللاهين واللاهيات!!
      ولابد أن تهزم أمة كان إعدادها بهذه الصورة.. فأُمَّة الإسلام بغير إعداد لا تقوم..وليس معنى أن يرتبط الناس بربهم ويعتمدوا عليه أن يهملوا المقومات المادية، والتجهيز البشري.. لابد أن يفقه المسلمون هذا الدرس جيدًا..
      الخطأ الذي ارتكبه محمد بن خوارزم شاه في قطع العلاقات بينه وبين الأقطار الإسلامية:
      يقول ابن الأثير رحمه الله: "وكان محمد بن خوارزم شاه قد استولى على البلاد، وقتل ملوكها، وأفناهم، وبقي هو وحده سلطان البلاد جميعها، فلما انهزم من التتار لم يبق في البلاد من يمنعهم، ولا من يحميها"..
      في هذا النص تفسير واضح جلي لمدى المأساة التي كان يعيشها المسلمون في ذلك الوقت.. لقد كان محمد بن خوارزم شاه جيدًا في ذاته في إدارته، لكنه قطع كل العلاقات بينه وبين من حوله من الأقطار الإسلامية، لم يتعاون معها أبدًا، بل على العكس قاتلها الواحدة تلو الأخرى.. وكان يقتل ملوك هذه الأقطار ويضمها إلى مملكته، ولا شك أن هذا خلف أحقادًا كبيرة في قلوب سكان هذه البلاد، وهذا ليس من الحكمة في شيء انظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كان يفتح البلاد، كان يولي زعماء هذه البلاد عليها ويحفظ لهم مكانتهم، ويُبقي لهم ملكهم، فيضمن بذلك ولاءهم وحب الناس له، فأبقى على حكم البحرين ملكها المنذر بن ساوى، وأبقى على حكم عمان ملكيها: جيفر وعباد، بل أبقى على اليمن واليها باذان بن سامان الفارسي عندما أسلم، وهكذا..
      هذه سياسة وحكمة في آنٍ واحد معًا، هذا مَزْج جميل بين الحزم بين الحب.. هذا أسلوب راقٍ في الإدارة..
      أما هنا في قصتنا فقد افتقد الزعيم محمد بن خوارزم شاه هذا الجمع الحكيم بين الحب والحزم.. وأصبح حاكمًا بقوته لا بحب الناس له، فلما احتاج إلى الناس لم يجدهم، ولما احتاج إلى الأعوان افتقر إليهم.. فلم تكن الصراعات بين الخلافة العباسية والدولة الخوارزمية فقط، بل قامت الدولة الخوارزمية نفسها على صراعات داخلية وخارجية، ومكائد كثيرة، ومؤامرات عديدة فلم تتوحد القلوب في هذه البلاد، ومن ثم لم تتوحد الصفوف ولم يحدث النصر.. وما كان النصر أن يتحقق والأمة على هذا النحو..
      [إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص].. {الصف: 4}..
      وصدق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إذ يقول فيما رواه النسائي وأحمد عن أبي الدرداء رضي الله عنه: "عليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية".. أي يأكل الغنم القاصية..
      حب الدنيا وكراهية الموت:
      روى أبو داود عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله علي وسلم: "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذٍ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل.. ولينزعنَّ اللهُ من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنَّ اللهُ في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت"..
      لقد سيطر حب الدنيا على القلوب، وكره المسلمون الموت في سبيل الله، فأصبحوا كالغثاء الذي يحمله السيل.. إذا توجه السيل شرقًا شرَّقوا معه، وإذا توجه السيل غربًا غرَّبوا معه، لا رأي ولا هدف ولا طموح، ونزع الله عز وجل مهابة المسلمين من قلوب التتار، فما عادوا يكترثون بالأعداد الغفيرة، وألقى في قلوب المسلمين الوهن والضعف والخور حتى كانت أقدام المائة من المسلمين لا تقوى على حملهم إذا واجهوا تتريًا واحدًا!! ولا حول ولا قوة إلا بالله..
      موالاة أعداء الأمة:
      لقد سقط الكثير من زعماء المسلمين أيام التتار في مستنقع الموالاة لأعداء الأمة، وكان منطقهم في ذلك أنهم يجنبون أنفسهم أساسًا، ثم يجنبون شعوبهم بعد ذلك ويلات الحروب.. فارتكبوا خطأ شرعيًا وعقليًا شنيعًا.. بل ارتكبوا أخطاءً مركبة.. فتجنُّب الجهاد مع الحاجة إليه خطأ، وتربية الشعب على الخنوع لأعدائه خطأ آخر، وموالاة العدو واعتباره صديقًا, والثقة في كلامه وفي عهوده خطأ ثالث..
      وربنا سبحانه وتعالى يقول في كتابه بوضوح: [يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين] {المائدة : 51}..
      وهذا التحذير خطير من رب العالمين..وكم هو أحمق أو ضعيف الإيمان من يستمع إلى هذا التحذير ثم لا يلتفت إليه..
      لقد أسرع أمراء المسلمين بعقد الاتفاقيات المهينة والمخزية مع التتار لتسهيل ضرب بلاد المسلمين..
      ولم يعقد منكوخان هذه المعاهدات بنفسه؛ لأنه استهان جدًا بهؤلاء الأمراء، فقد كان كل واحد منهم لا يملك سوى بضعة كيلومترات، ومع ذلك يسمِّي نفسه أميرًا، بل ويلقب نفسه بالألقاب الفاخرة مثل: المعظم والأشرف والعزيز والسعيد وغير ذلك..
      وكَّل منكوخان أخاه هولاكو في عقد هذه الاتفاقيات المخزية.. فجاء أمراء المسلمين الضعفاء يسارعون في التتار الأقوياء.. [فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسرُّوا في أنفسهم نادمين] {المائدة: 52}..
      فجاء إلى هولاكو بدرُ الدين لؤلؤ، أمير الموصل ليتحالف معه.
      وجاء سلطانا السلاجقة وهما: كيكاوس الثاني وقلج أرسلان الرابع ليتحالفا أيضًا مع هولاكو، وكانا في مكان حساس جدًا، فهما في شمال العراق (تركيا الآن) وتحالفهما يؤدي إلى حصار العراق من الشمال، وقد كان أسلوب كيكاوس الثاني في التزلف إلى التتار مخزيًا إلى الدرجة التي صدمت التتار أنفسهم!!
      ورضخ أيضًَا الناصر يوسف أمير حلب ودمشق، ومع كونه حفيد الناصر صلاح الدين الأيوبي رحمه الله بل شبيهه في الاسم واللقب.. إلا أنه لم يكن يشبهه في شيء من الأخلاق أو الروح، بل كان مَهِينًا إلى الدرجة التي أرسل فيها ابنه العزيز لا ليقدم إلى هولاكو فروض الطاعة فقط، بل ليبقى معه في جيشه كأحد أمرائه..!!
      وكذلك جاء الأشرف الأيوبي أمير حمص ليقدم ولاءه لزعيم التتار..
      لقد كانت هذه التحالفات في منتهى الخطورة.. فهي بالإضافة إلى مهانتها وحقارتها قد زادت جدًا من قوة التتار الذين أصبحوا يحاصرون العراق من كل مكان، ويعرفون أخبار البلاد من داخلها، وفوق ذلك فإن هذه التحالفات أدت إلى إحباط شديد عند الشعوب التي رأت حاكمها على هذه الصورة المخزية؛ فضعفت الهمم، وفترت العزائم، وانعدمت الثقة في القادة، ومن ثَمَّ لم يعد لهم طاقة بالوقوف في وجه التتار..
      لقد كانت هذه الاتفاقيات جريمة بكل المقاييس..!!


      المراجع من مشاركة رقم 59 الى 64

      (1) د. راغب السرجاني: قصة التتار من البداية إلى عين جالوت - الطبعة الأولى 1427 - 2006 مؤسسة اقرأ .
      (2) محمود شاكر: الدولة العباسية جـ 5 ص 8 ، 9 .


      مقدمة

      قيام دولة المماليك وإشراقة أمل:
      بعد سقوط دمشق في أيدي التتار في أواخر صفر سنة 658 هـ , وذلك بعد سنتين تماما من سقوط بغداد , قرر "كتبغا " أن يحتل فلسطين, وباحتلالها يكون التتار قد أسقطوا العراق بكامله ,وأجزاء كبيرة من تركيا , وأسقطوا أيضا سوريا بكاملها وكذلك لبنان وفلسطين , وقد حدث كل ذلك في عامين فقط ووصل التتار في فلسطين إلى غزة , وأصبحوا على مسافة تقل عن خمسة وثلاثين كيلو مترا فقط من سيناء , وبات معلوما للجميع أن الخطوة التالية المباشرة للتتار هي احتلال مصر.
      وهذا أمر لا يحتاج إلى كبير ذكاء!!.. فالمتتبع لخط سير التتار سيدرك على وجه اليقين أن مصر ستكون هدفاً رئيسياً لهم، وذلك لعدة أسباب منها:
      ـ أولاً: سياسة التتار التوسعية واضحة، وهم لا ينتهون من بلد إلا ويبحثون عن الذي يليه، ومصر هي التي تلي فلسطين مباشرة..
      ـ ثانياً: لم يبقَ في العالم الإسلامي بأسره قوة تستطيع أن تهدد أمن التتار إلا مصر، فقد سقطت كل الممالك والحصون والمدن الإسلامية تقريباً، وبقيت هذه المحطة الأخيرة..
      ـ ثالثاً: مصر ذات موقع استراتيجي في غاية الأهمية، فهي تتوسط العالم القديم، وخطوط التجارة عبر مصر لا تخفى على أحد..
      ـ رابعاً: مصر بوابة أفريقيا، ولو سقطت مصر لفتح التتار شمال أفريقيا بكامله، وشمال أفريقيا لم يكن يمثل أي قوة في ذلك الوقت، لأن وصول التتار إلى الشام كان متزامناً مع سقوط دولة الموحدين بالمغرب سقوطاً كاملاً، وتفكك الشمال الأفريقي المسلم إلى ممالك متعددة صغيرة، ولو سقطت مصر فلا شك أن كل هذه الممالك ستسقط بأقل مجهود..
      ـ خامساً: الكثافة السكانية الكبيرة في مصر، فقد كان سكانها يبلغون أضعاف سكان المناطق الإسلامية الأخرى..
      ـ سادساً: الحمية الدينية والصحوة الإسلامية عند أهل مصر عالية.. بل عالية جداً.. ويخشى التتار أنه لو تولى أحد الصالحين المجاهدين قيادة هذا البلد كثيف العدد، شديد الحمية، المحب للإسلام، والغيور على حرمات الدين، أن تتغير الأوضاع، وتتبدل الأحوال، ويهتز وضع التتار في المنطقة بأسرها..
      لهذه الأسباب ـ وقد يكون لغيرها أيضاً ـ كان التتار يعدون العدة للانتقال من فلسطين إلى مصر، ومع متابعة سرعة انتقال التتار من بلد إلى بلد، فإن المراقبين للأحداث لابد أن يدركوا أن تحرك التتار إلى مصر سيكون قريباً، بل قريباً جداً، حتى لا يعطي التتار الفرصة لمصر للتجهز للحرب الحتمية القادمة..


      الدولة الأيوبية :

      لقد أسس البطل الإسلامي العظيم صلاح الدين الأيوبي دولة الأيوبيين في سنة 569 هـ وظل يحكم هذه الدولة عشرين سنة إلى إلى سنة 589 هـ , ووحد في هذه الفترة مصر والشام , وتزعم الجهاد ضد الممالك الصليبية باقتدار , وحقق عليهم انتصارات هائلة , والتى من أشهرها موقعة حطين الخالدة في ربيع الثاني سنة 583 هـ , وفتح بيت المقدس بعد حطين بثلاثة شهور فقط في رجب من السنة نفسها , وترك صلاح الدين الأيوبي –رحمه الله – دولة قوية عظيمة تبسط سيطرتها على مصر والشام والحجاز و اليمن وأعالي العراق , وأجزاء من تركيا وأجزاء من ليبيا والنوبة, وحصر الصليبيين في ساحل ضيق على البحر المتوسط في الشام.
      لكن سبحان الله بوفاة صلاح الدين –رحمه الله – تقلص دور الجهاد ضد الصليبيين , وفُتِنَ المسلمون بالدولة الكبيرة ,وكثرت الأموال , وانفتحت الدنيا , واتسعت البلاد ,وكان من جرَّاء هذه العوامل وغيرها أن حدثت انقسامات شديدة في الدولة الأيوبية ,وتفككت بعد وفاة صلاح الدين الأيوبي رحمه الله.
      واستمر الصراع بين أمراء الأيوبيين نحو ستين سنةً متصلةً منذ موت صلاح الدين الأيوبي في سنة 589 هـ , وإلى انتهاء الدولة الأيوبية في سنة 648 هـ , ولم يكن هذا الصراع صراع كلام وسباب وشقاق فقط , بل كان يصل إلى حدِّ التقاتل بالسيوف و إراقة الدماء المسلمة , وأدَّى ذلك بالطبع إلى الفُرْقَةِ الشديدة , والتشرذم المقيت بل كان يصل الخلاف وانعدام الرؤية أحيانا إلى درجة التعاون مع الصليبيين ضد المسلمين !! أو التعاون مع التتار ضد المسلمين !! وكل هذا من جرَّاء الوقوع تحت فتنة الدنيا الرهيبة التي طالما حذَّر منها رسول الله - صلى الله عليه وسلم –
      روى ابن ماجة والطبراني وابن حبان بإسناد صحيح عن زيد بن ثابت رضي الله عنه – قال: قال رسول الله –صلَّى الله عليه وسلم -:" من كانت الدنيا همَّه فرَّق اللهُ عليه أمره , وجعل فقره بين عينيه , ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له , ومن كانت الآخرة نيته جمع اللهُ له في أمره , وجعل غناه في قلبه , وأتته الدنيا وهي راغمة "
      لقد جعل صلاح الدين الأيوبي –رحمه الله – الجهاد نُصْبَ عينيه, وجعل له هدفا واحدا هو قتال الصلييبين , وإعلاء كلمة الدين فجمع الله عليه أمره , وجعل غناه في قلبه , وأتته الدنيا – فعلا – وهي راغمة.
      أما معظم السلاطين الذين جاءوا من بعده فقد جعلوا الدنيا أكبر همهم , فتفرق عليهم الأمر تماما , فما عادوا يدركون الصواب من الخطأ , ولا الحقَّ من الباطل , فتارةً مع المسلمين وتارةً مع الصليبيين , وتارةً مع التتار , فجعل الله – عز وجل- فقرهم بين أعينهم , فمنهم من مات ذليلا ,ومنهم من مات فقيرا , ومنهم من مات طريدا , ومنهم من مات حبيسا.


      الملك الصالح نجم الدين أيوب:

      يُعَدُّ الملك الصالح نجم الدين أيوب الذي تولى عرش مصر سنة 637 هـ من أفضل السلاطين الأيوبيين بعد صلاح الدين ,
      وللأسف فإن كثيرًا من المسلمين لا يعرفون شيئا عن هذا السلطان العظيم حتى في مصر , والتى كانت مقر حكمه الرئيسي.
      فبعد أن تولى حكم مصر سنة 637 هـ , وكالعادة الجارية في تلك الأيام استعد الأمراء الأيوبيون في الشام للقتال معه على خلافة مصر , وحدثت بينهم حروب ومناوشات , ووصل الأمر إلى مداه في سنة 641 هـ , عندما توحدت قوى الأيوبيين المتناثرة في الشام , وتحالفت مع الصليبيين لحرب الملك الصالح أيوب وذلك في مقابل أن يتنازل أمراء الشام الأيوبيون عن بيت المقدس للصليبيين.. !!.
      وبعد أن توحدت قوى أمراء الشام الأيوبيين مع الصليبيين في جيش كبير , وبدأ الزحف في اتجاه مصر , أعدَّ الملك الصالح جيشه , ووضع على قيادته أكفأ قادته وهو ركن الدين بيبرس واستعد للمواجهة , وكان الجيش المصري قليلا وضعيفا إذا قورن بالأعداد الكبيرة لجيوش الشام و الصليبيين , ولذلك استعان الملك الصالح بالجنود الخوارزمية الذين كانوا قد فرُّوا من قبل من منطقة خوارزم بعد الاجتياح التتري لها.
      وكان هؤلاء الجنود الخوارزمية جنودا مرتزقة بمعنى أنهم يتعاونون مع من يدفع أكثر , ويعرضون خدماتهم العسكرية في مقابل المال , فاستعان بهم الملك الصالح أيوب بالأجرة , ودارت موقعة كبيرة بين جيش الملك الصالح أيوب وبين قوى التحالف الأيوبية الصليبية , وعرفت هذه الموقعة باسم موقعة غزة في سنة 642 هـ , وقد وقعت بالقرب من مدينة غزة الفلسطينية – نسأل الله – عز وجل – أن يحررها , وأن يحرر فلسطين كلها إن شاء الله – وانتصر فيها الملك الصالح انتصارا باهرا, وقتل من الصليبيين أعدادا كبيرة وصلت إلى ثلاثين ألف مقاتل , وأُسِرَتْ مجموعةٌ كبيرةٌ من أمرائهم وملوكهم ؛ وكذلك أسرت مجموعة من أمراء الأيوبيين , واستغل الصالح أيوب الفرصة و اتجه إلى بيت المقدس الذي كان الأيوبيون في الشام قد تنازلوا عنه للصليبيين , فاقتحم حصون الصليبيين , وحرَّر المدينة المباركة بجيشه المدعَّم بالخوارزمية في سنة 643 هـ , وبذلك حرر بيت المقدس نهائيا , ولم يستطيع جيشه نصراني أن يدخله أبدا لمدة سبعة قرون كاملة , إلى أن دخلته الجيوش البريطانية في الحرب العالمية الأولى في يوم 16 نوفمبر سنة 1917 م , وذلك بالخيانة المعروفة لمصطفى كمال أتاتورك نسأل الله أن يعيد الأقصى من جديد إلى الإسلام والمسلمين.
      ثم إن الملك الصالح أيوب أكمل طريقه في اتجاه الشمال , ودخل دمشق , وَوَحَّد مصر والشام من جديد , بل اتجه إلى تحرير بعض المدن الإسلامية الواقعة تحت السيطرة الصليبية , فحرَّر بالفعل طبرية وعسقلان وغيرهما.
      غير أنه حدث تطورٌ خطيرٌ جدًّا في جيش الصالح أيوب –رحمه الله- حيث انشقت عن جيشه فرقة الخوارزمية المأجورة..! ! وذلك بعد ان استمالها أحد الأمراء الأيوبيين بالشام مقابل دفع مال أكثر من الذي يدفعه لهم الصالح أيوب , ولم تكتف هذه الفرقة بالخروج بل حاربت الصالح أيوب نفسه , ولم يثبت معه في هذه الحرب إلا جيشه الأساسي الذي أتى به من مصر , وعلى رأسه قائده المحنك ركن الدين بيبرس.
      وخرج الصالح أيوب من هذه الحرب المؤسفة وقد أدرك أنه لابد أن يعتمد على الجيش الذي يدين له بالولاء لشخصه لا لماله.. فبدأ في الاعتماد على طائفة جديد من الجنود بدلا من الخوارزمية وكانت هذه الطائفة هي: "المماليك "


      من هم المماليك :

      المماليك في اللغة العربية هم العبيد أو الرقيق , وبخاصة هم الذين سُبُوا ولم يُسْبَ آباؤُهم ولا أمهاتهم , ومفرد المماليك مملوك وهو العبد الذي يُباع ويُشترَى.. (العبد الذي سُبيَ أبواه يُعرَف بالعبد القن وليس المملوك)
      وقد كان أمراء الدولة الأيوبية بوجه خاص يعتمدون على المماليك الذين يمتلكونهم في تدعيم قوتهم , ويستخدمونهم في حروبهم ,لكن كانت أعدادهم محدودة إلى حدٍّ ما , إلى أن جاء الملك الصالح أيوب , وحدثت فتنة خروج الخوارزمية من جيشه , فاضْطُرَّ –رحمه الله – إلى الإكثار من المماليك , حتى يقود جيشه ويعتمد عليهم , وبذلك تزايدت أعداد المماليك جدا.
      مصادر المماليك:
      كان المصدر الرئيسي للمماليك إما بالأسر في الحروب , أو الشراء من أسواق النخاسة.. ومن أكثر المناطق التى كان يجلب منها المماليك بلاد ما وراء النهر , والنهر المقصود هو نهر جيحون, وهو الذي يجرى شمال تركمانستان وأفغانستان , ويفصل بينهما وبين أوزبكستان وطاجيكستان , و كانت الأعراق التي تعيش خلف هذا النهر أعراق تركية في الأغلب, وكانت هذه المناطق مسرحا دائما للقتال وعدم الاستقرار , ولذلك كَثُرَ الأسرى القادمون من هذه المناطق , وكثرت أسواق الرقيق هناك , ومن أشهر مدن الرقيق في ذلك الوقت كانت " سمرقند" و"فرغانة " و"خوارزم" وغيرها.. لذلك كان الأصل التركي هو الغالب على المماليك , وإن كان لا يمنع أن هناك مماليك من أصول أرمينية , ومن أصول مغولية , كما كان هناك مماليك من أصول أوروبية , وكان هؤلاء الأوربيون يُعرَفون بالصقالبة وكانوا يستقدمون من شرق أوروبا بوجه خاص.
      كل هذا كان يحدث على مدار عشرات أو مئات السنين, ولكن الأمر الذي استحدثه الملك الصالح أيوب – وتبعه بعد ذلك سلاطين دولة المماليك – أنه كان لا يأتي إلا بالمماليك الصغار في السن , أي في مرحلة الطفولة المبكرة , وكان غالبهم من بلاد غير مسلمة , وإن كان يحدث أحيانا أن يؤسر بعض الأطفال المسلمين غير الناطقين بالعربية , فلا يُعرَفون ولا يُعرَف أصلُهم أو دينهم , فيعاملون معاملة الرقيق.
      تربية المماليك:
      وكان الصالح أيوب ـ ومن تبعه من الأمراء ـ لا يتعاملون مع المماليك كرقيق.. بل على العكس من ذلك تماماً.. فقد كانوا يقربونهم جداً منهم لدرجة تكاد تقترب من درجة أبنائهم.. ولم تكن الرابطة التي تربط بين المالك والمملوك هي رابطة السيد والعبد أبداً، بل رابطة المعلم والتلميذ، أو رابطة الأب والابن، أو رابطة كبير العائلة وأبناء عائلته.. وهذه كلها روابط تعتمد على الحب في الأساس، لا على القهر أو المادة.. حتى إنهم كانوا يطلقون على السيد الذي يشتريهم لقب "الأستاذ" وليس لقب "السيد"..
      ويشرح لنا المقريزي رحمه الله كيف كان يتربى المملوك الصغير الذي يُشتَرى وهو ما زال في طفولته المبكرة، فيقول:
      "إن أولى المراحل في حياة المملوك هي أن يتعلم اللغة العربية قراءة وكتابة، ثم بعد ذلك يُدفَع إلى من يعلمه القرآن الكريم، ثم يبدأ في تعلم مباديء الفقه الإسلامي، وآداب الشريعة الإسلامية.. ويُهتم جداً بتدريبه على الصلاة، وكذلك على الأذكار النبوية، ويُراقَب المملوك مراقبة شديدة من مؤدبيه ومعلميه، فإذا ارتكب خطأً يمس الآداب الإسلامية نُبِّهَ[ إلى ذلك، ثم عوقب"..
      لهذه التربية المتميزة كان أطفال المماليك ينشأون عادة وهم يعظمون أمر الدين الإسلامي تعظيمًا شديدًا، وتتكون لديهم خلفية واسعة عن الفقه الإسلامي، وتظل مكانة العلم والعلماء عالية جداً جداً عند المماليك طيلة حياتهم، وهذا ما يفسر النهضة العلمية الراقية التي حدثت في زمان المماليك، وكيف كانوا يقدرون العلماء حتى ولو خالفوهم في الرأي.. ولذلك ظهر في زمان دولة المماليك الكثير من علماء المسلمين الأفذاذ من أمثال: العز بن عبد السلام والنووي وابن تيمية وابن قيم الجوزية وابن حجر العسقلاني وابن كثير والمقريزي وابن جماعة وابن قدامة المقدسي رحمهم الله جميعاً، وظهرت أيضاً غيرهم أعداد هائلة من العلماء يصعب جداً حصرُهم..
      ثم إذا وصل المملوك بعد ذلك إلى سن البلوغ جاء معلمو الفروسية ومدربو القتال فيعلمونهم فنون الحرب والقتال وركوب الخيل والرمي بالسهام والضرب بالسيوف، حتى يصلوا إلى مستويات عالية من المهارة القتالية، والقوة البدنية، والقدرة على تحمل المشاق والصعاب..
      ثم يتدربون بعد ذلك على أمور القيادة والإدارة ووضع الخطط الحربية، وحل المشكلات العسكرية، والتصرف في الأمور الصعبة، فينشأ المملوك وهو متفوق تماماً في المجال العسكري والإداري، وذلك بالإضافة إلى حمية دينية كبيرة، وغيرة إسلامية واضحة.. وهذا كله - بلا شك - كان يثبت أقدام المماليك تماماً في أرض القتال..
      وكل ما سبق يشير إلى دور من أعظم أدوار المربين والآباء والدعاة، وهو الاهتمام الدقيق بالنشءِ الصغير، فهو عادة ما يكون سهل التشكيل، ليس في عقله أفكار منحرفة، ولا عقائد فاسدة، كما أنه يتمتع بالحمية والقوة والنشاط، وكل ذلك يؤهله لتأدية الواجبات الصعبة والمهام الضخمة على أفضل ما يكون الأداء..

      وفي كل هذه المراحل من التربية كان السيد الذي اشتراهم يتابع كل هذه الخطوات بدقة، بل أحياناً كان السلطان الصالح أيوب - رحمه الله - يطمئنُّ بنفسه على طعامهم وشرابهم وراحتهم، وكان كثيراً ما يجلس للأكل معهم، ويكثر من التبسط إليهم، وكان المماليك يحبونه حباً كبيراً حقيقياً، ويدينون له بالولاء التام..

      وهكذا دائماً.. إذا كان القائد يخالط شعبه، ويشعر بهم، ويفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم، ويتألم لألمهم، فإنهم -ولاشك - يحبونه ويعظمونه، ولا شك أيضاً أنهم يثقون به، وإذا أمرهم بجهاد استجابوا سريعاً، وإذا كلفهم أمراً تسابقوا لتنفيذه، وبذلوا أرواحهم لتحقيقه.. أما إذا كان القائد في حالة انفصال عن شعبه، وكان يعيش حياته المترفة بعيداً عن رعيته.. يتمتع بكل ملذات الحياة وهم في كدحهم يعانون ويتألمون، فإنهم لا يشعرون ناحيته بأي انتماء.. بل إنهم قد يفقدون الانتماء إلى أوطانهم نفسها.. ويصبح الإصلاح والبناء في هذه الحالة ضرباً من المستحيل..

      وكان المملوك إذا أظهر نبوغاً عسكرياً ودينياً فإنه يترقى في المناصب من رتبة إلى رتبة، فيصبح هو قائداً لغيره من المماليك، ثم إذا نبغ أكثر أُعطِي بعض الإقطاعات في الدولة فيمتلكها، فتدر عليه أرباحاً وفيرة، وقد يُعطَى إقطاعاتٍ كبيرة، بل قد يصل إلى درجة أمير، وهم أمراء الأقاليم المختلفة، وأمراء الفرق في الجيش وهكذا..

      وكان المماليك في الاسم ينتسبون عادة إلى السيد الذي اشتراهم.. فالمماليك الذين اشتراهم الملك الصالح يعرفون بالصالحية، والذين اشتراهم الملك الكامل يعرفون بالكاملية وهكذا..
      وقد زاد عدد المماليك الصالحية، وقوي نفوذهم وشأنهم في عهد الملك الصالح أيوب، حتى بنى لنفسه قصراً على النيل، وبنى للمماليك قلعة إلى جواره تماماً.. وكان القصر والقلعة في منطقة الروضة بالقاهرة، وكان النيل يعرف بالبحر، ولذلك اشتُهِرَت تسمية المماليك الصالحية "بالمماليك البحرية" (لأنهم يسكنون بجوار البحر).
      وهكذا وطَّد الملك الصالح أيوب ملكه بالاستعانة بالمماليك الذين وصلوا إلى أرقى المناصب في جيشه وفي دولته، وتولى قيادة الجيش في عهده أحد المماليك البارزين اسمه "فارس الدين أقطاي"، وكان الذي يليه في الدرجة هو ركن الدين بيبرس، فهما بذلك من المماليك البحرية..


      حملة لويس التاسع :

      في سنة 647 هـ مرض " الملك الصالح " مرضا شديدا وكان مصابا بمرض السل , وبالإضافة إلى كبر سنه فإن هذا جعله طريح الفراش فى القاهرة , وفي هذه الأثناء وقبلها كان ملك فرنسا "لويس التاسع " يريد أن يستغل فرصة الاجتياح التتري لشرق العالم الإسلامي , فيقوم هو باجتياح العالم الإسلامي من ناحية مصر والشام.
      ووقع اختياره على مدينة دمياط المصرية ليبدأ بها حملته؛ لأنها كانت أهم ميناء في الحوض الشرقي للبحر المتوسط في ذلك الزمن , وبذلك بدأت الحملة التى تعرف فى التاريخ بالحملة الصليبية السابعة.
      نزل الملك " لويس التاسع " بجيشه إلى دمياط في يوم 20 من صفر سنة 647 هـ , وللأسف الشديد ظنت الحامية المدافعة عن المدينة أن سلطانهم المريض الملك الصالح أيوب قد مات , فانسحبوا انسحابا غير مبرر , ووقعت دمياط في أيدي الصليبيين بسهولة.
      علم بذلك الملك الصالح – رحمه الله – فاشتد حزنه, وعاقب المسئولين عن جريمة سقوط دمياط , وتوقع أن النصارى الصليبيين سيتجهون إلى القاهرة عبر النيل لغزو العاصمة ؛ لذلك فقد قرر بحكمته أن يرتب اللقاء في الطريق بين القاهرة ودمياط , واختار لذلك مدينة المنصورة.
      وبالفعل أمر الملك الصالح –رحمه الله – بأن يُحْمَل إلى مدينة المنصورة , فحُمل إليها رغم مرضه الشديد , وبدأ فارس الدين أقطاي وركن الدين بيبرس يضعان الخطة المناسبة للقاء النصارى في المنصورة.


      وفاة الملك الصالح:

      في ليلة النصف من شعبان سنة 647 هـ توفي الملك الصالح نجم الدين أيوب –رحمه الله – وهو في المنصورة يعد الخطة مع جيوشه لتحصين المدينة , فنسأل الله له المغفرة , والرحمة وأجر الشهداء, يقول ابن تغرى بردى صاحب كتاب "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة " ولو لم يكن من محاسن السلطان الصالح نجم الدين أيوب إلا تجلده عند مقابلة العدو بالمنصورة , وهو بتلك الأمراض المزمنة , وموته على الجهاد والذب عن المسلمين لكفاه ذلك " ثم يقول ماكان أصبره وأغزر مروءته "
      وكانت مصيبة خطيرة جدا على المسلمين , لا لفقد الزعيم الصالح فقط , ولكن لفقدان البديل والخليفة له , وخاصة في ذلك التوقيت والبلاد في أزمة شديدة , وميناء دمياط محتل وجنود الصليبيين في الطريق.
      وهنا تصرفت زوجة السلطان نجم الدين أيوب بحكمة بالغة , وكانت زوجته هي "شجرة الدر " وكانت –فيما سبق- جارية من أصل أرمني أو تركي , اشتراها الصالح أيوب ثم أعتقها وتزوجها , ولذلك فهي في الأصل أقرب إلى المماليك (1) كتاب التتار ص 213 – 219.
      ماذا فعلت شجرة الدر بعد وفاة السلطان الصالح أيوب :
      لقد كتمت شجرة الدر خبر وفاته , وقالت:إن الأطباء منعوا زيارته , وأرسلت بسرعه إلى ابن الصالح أيوب , والذي كان يحكم مدينة تعرف "بحصن كيفا " في تركيا الآن ) وكان اسمه " توران شاه " وأبلغته بخبر وفاة أبيه , وأن عليه أن يأتي بسرعة لتسلم مقاليد الحكم في مصر والشام , ثم اتفقت مع كبير وزراء الملك الصالح وكان اسمه "فخر الدين يوسف " على إدارة الأمور إلى أن يأتي توران شاه, ثم كلفت فارس الدين أقطاي وركن الدين بيبرس بالاستمرار في الإعداد للمعركة الفاصلة في المنصورة , وهكذا سارت الأمور بصورة طيبة بعد وفاة الملك الصالح , ولم يحدث الاضطراب المتوقع نتيجة هذه الوفاة المفاجئة , وفي هذه الظروف الصعبة.
      مع كل احتياطات شجرة الدر إلا أن خبر وفاة الملك الصالح أيوب تسرب إلى الشعب , بل ووصل إلى الصليبيين , وهذا أدى إلى ارتفاع حماسة الصليبيين , وانخفاض معنويات الجيش المصري, وإن ظل ثابتا في منطقة المنصورة.


      موقعة المنصورة :

      وفي يوم الرابع من ذي القعدة من سنة 647 هـ دارت موقعة المنصورة العظيمة , وانتصر فيها المسلممون انتصارًا باهرًا , ثم حدث هجوم آخر على جيش الملك لويس التاسع خارج المنصورة وذلك في اليوم السابع من ذى القعدة سنة 647 هـ ,ولكن الملك لويس التاسع تمكن من صد ذلك الهجوم بعد كفاح مرير.
      وصل توران شاه إلى المنصورة بعد هذا الهجوم الأخير بعشرة أيام فى السابع عشر من ذى القعدة , سنة 647 هــ وتسلم السلطان الشاب مقاليد الحكم , وأعلن رسميا وفاة الملك الصالح نجم الدين أيوب , وولاية توران شاه حكم مصر والشام.
      وبعد خطة بارعة وضعها توران شاه بن الصالح أيوب استطاع الجيش المصري أن يلتقي مرة أخرى مع الصليبيين عند مدينة "فارسكور" في أوائل المحرم سنة 648 هــ , بعد أقل من شهرين من موقعه المنصورة الكبيرة ودارت هناك معركة هائلة تحطم فيها الجيش الصليبي تماما , بل وأُسِرَ الملك لويس التاسع ,وسيق الملك لويس التاسع مكبلا بالأغلال إلى المنصورة , حيث حبس في دار "فخر الدين إبراهيم بن لقمان ".
      ووُضِعَتْ شروط قاسية على الملك لويس التاسع ليفتدي نفسه من الأسر. وكان من ضمنها أن يفتدى نفسه بثمانمائة ألف دينار من الذهب يدفع نصفها حالا ونصفها مستقبلا على أن يحتفظ توران شاه بالأسرى الصليبيين إلى أن يتم دفع بقية الفدية , بالإضافة إلى إطلاق سراح الأسرى المسلمين , وتسليم دمياط للمسلمين , وهدنة بين الفريقين لمدة عشرة سنوات.
      لقد كان انتصارا باهرا بكل المقاييس.
      وتم بالفعل جمع نصف الفدية بصعوبة , وأُطلِقَ سراح الملك لويس التاسع إلى عكا وكانت إمارة صليبية في ذلك الوقت.


      مقتل توران شاه :

      ومع هذا الانتصار المبهر إلا أن توران شاه لم يكن الرجل الذي يناسب تلك الأحداث الساخنة التى تمر بالأمة.
      لقد كان توران شاه شخصية عابثة..! فلقد اتصف هذا السلطان الشاب بسوء الخلق , والجهل بشؤون السياسة والحكم , وأعماه الغرور الذي ركبه بعد النصر على "لويس التاسع " ملك فرنسا عن رؤية أفضال ومزايا من حوله , فقد بدأ يتنكر لزوجة أبيه شجرة الدر " , وكبار أمراء المماليك وعلى رأسهم فارس الدين أقطاي وركن الدين بيبرس ,ولم يحفظ للمماليك جميل الانتصار الرائع الذي حققوا في موقعة المنصورة , فبدأ يقلل من شأن الرجال الذين جاءوا معه من حصن كيفا , وبدا واضحا للجميع انه سيقوم بعمليات تغيير واسعة النطاق في السلطة في مصر.
      وخافت شجرة الدر على نفسها , وأَسَرَّتْ بذلك إلى المماليك البحرية وخاصة فارس الدين أقطاي وركن الدين بيبرس , فوجدت الوساوس نفسها في نفوسهما في ذات الوقت , ومن ثم اجتمع الرأي على سرعة التخلص من توران شاه قبل أن يتخلص هو منهم.. فقرروا قلته..!! وبالفعل تمت الجريمة في يوم 27 من المحرم سنة 648 هـ.
      وبمقتل توران شاه انتهي حكم الأيوبيين تماما في مصر


      دولة المماليك:

      وحدث فراغ سياسي كبير جدا بقتل توران شاه , فليس هناك أيوبي في مصر مُؤَهَّل لقيادة الدولة , ومن ناحية أخرى فإن الأيوبيين في الشام مازالوا يطمعون في مصر , وحتما سيجهزون أنفسهم للقدوم إليها لضمها إلى الشام , ولا شك أنه قد داخل الأيوبيين في الشام حنق كبير على المماليك لأنهم تجرأوا وقتلوا أيوبيًّا... ولاشك أيضا أن المماليك كانوا يدركون أن الأيوبيين سيحرصون على الثأر منهم , كما أنهم كانوا يدركون أن قيمتهم في الجيش المصري كبيرة جدا , وأن القوة الفعلية في مصر ليست لأيوبي أو غيره ,وإنما هي لهم , وأنهم قد ظلموا بعد موقعة المنصورة وفارسكور , لأنهم كانوا السبب فى الانتصار ومع ذلك هُمِّش دَوْرُهم.
      كل هذه الخلفيات جعلت المماليك – ولأول مرة في تاريخ مصر- يفكرون في أن يمسكوا هم بمقاليد الأمور مباشرة , ومادام الحكم لمن غلب , وهم القادرون على أن يغلبوا فلماذا لا يكون الحكم لهم ؟ !.
      لكن صعود المماليك مباشرة إلى الحكم سيكون مستهجنا جدا فى مصر , فالناس لا تنسى أن المماليك – في الأساس – عبيد , يُباعُون ويُشتَرُون , وشرط الحرية من الشروط الأساسية للحاكم المسلم...وحتي لو كثرت في أيديهم الأموال , وتعددت الكفاءات وحكموا الأقاليم والإقطاعات , فهم في النهاية مماليك , صعودهم إلى الحكم يحتاج الى حُجَّة مقنعة للشعب المصري الذي لم يألفهم في كراسي السلاطين. كل هذا دفع المماليك البحرية الصالحية إلى أن يرغبوا بعد مقتل توران شاه في " فترة انتقالية " تمهد الطريق لحكم المماليك الأقوياء , وفي ذات الوقت لا تثور عليهم الدنيا في مصر أو في العالم الإسلامي.
      كانت هذه هي حسابات المماليك الصالحية البحرية. فماذا كانت حسابات شجرة الدر ؟
      شجرة الدر امرأة ذات طابع خاص جدا , لا تتكر كثيرا في التاريخ فهي امرأة قوية جدًّا شجاعة جريئة لها عقل مدبِّر, وتتمتع بحكمة شديدة, كما أن لها القدرة على القيادة و الإدارة , و كانت شجرة الدر ترى في نفسها كل هذه القدرات. وكانت شديدة الإعجاب بإمكانياتها وبنفسها. مما دفعها إلى التفكير في الصعود إلى كرسي الحكم في مصر.
      وفي ذات الوقت وجد المماليك البحرية في شجرة الدار الفترة الانتقالية التى يريدون..إنها زوجة "الأستاذ".. زوجة الملك الصالح أيوب الذي يُكِنُّون له ( ويُكِنُّ له الشعب كله ) كامل الوفاء والاحترام والحب , وهي في الوقت نفسه تُعتَبر من المماليك لأن أصلها جارية وأُعتِقَتْ , كما أنها في النهاية امرأة ويستطيع المماليك من خلالها أن يحكموا مصر , وأن يوفروا الأمان لأرواحهم. وبذلك توافقت رغبات المماليك مع رغبة شجرة الدر.
      وقرروا جميعا إعلان شجرة الدر حاكمةً لمصر بعد مقتل توران شاه بأيام , وذلك في أوائل صفر سنة 648 هـ.


      ثورات الغضب :

      لقد تفجرت ثورات الغضب في كل مكان , وعَمَّ الرفض لهذه الفكرة أطراف العالم الإسلامي , وقامت المظاهرات العارمة على المستوى الشعبي في القاهرة في كل أنحائها , وقام العلماء والخطباء ينددون بذلك على منابرهم , وفي دروسهم , وفي المحافل العامة الخاصة وكان من أشد العلماء غضبا وإنكارًا الشيخ الجليل "العز بن عبد السلام " –رحمه الله – أبرز العلماء في ذلك الوقت. كما أظهر الأمراء الأيوبيون في الشام حنقهم الشديد واعتراضهم المغلظ على صعود النساء إلى كرسي الحكم في مصر , وجاء رد الخليفة العباسي " المستعصم بالله " قاسيًا جدا , وشديدًا جدا ,وساخرًا من الشعب المصري كله ,فقد قال في رسالته:" إن كانت الرجال قد عدِمَتْ عندكم أعلمونا , حتى نُسَيِّر إليكم رجلا! ".
      وهكذا لم تتوقف الاعتراضات على الملكة الجديدة , ولم تنعم بيوم واحد فيه راحة , وخافت الملكة الطموح على نفسها, وخاصة في هذه الأيام التى يكون فيها التغيير عادة بالسيف والذبح لا بالخلع والإبعاد..ومن هنا قررت الملكة شجرة الدر بسرعة أن تتنازل عن الحكم لرجل.. !! أي رجل..!!
      لكن لمن تتنازل ؟!
      لقد فكرت في لعبة سياسية خطيرة وهي أن تتزوج من أحد الرجال , ثم تتنازل له عن الحكم ليكون هو في الصورة, ثم تحكم هي البلاد بعد ذلك من خلاله أو من خلف الستار كما يحدث كثيرا في أوساط السياسة , فكم من الحكام ليس لهم من الحكم إلا الاسم!!كم من السلاطين ليس لهم من السلطة نصيب!! وما أكثر الرجال الذين سيقبلون بهذا الوضع في نظير أن يبقى أطول فترة ممكنة في الكرسي الوثير كرسي الحكم!!..
      عز الدين أيبك:
      وكان هذا الرجل هو عز الدين أيبك التركماني الصالحي وهومن المماليك الصالحية البحرية , أى من مماليك زوجها الراحل الملك الصالح نجم الدين أيوب , ولم تختر شجرة الدر رجلا من المماليك الأقوياء أمثال: فارس الدين أقطاي أو ركن الدين بيبرس , وذلك لتتمكن من الحكم بلا منازع.
      وبالفعل تزوجت شجرة الدر عز الدين أيبك ثم تنازلت له عن الحكم كما رسمت , وذلك بعد أن حكمت البلاد ثمانين يومًا فقط, وتم هذا التنازل في أواخر جمادى الآخرة سنة 648 هـ , وهكذا في غضون سنة واحدة فقط جلس على كرسي الحكم في مصر أربعة ملوك وهم: الملك الصالح أيوب –رحمه الله - ثم مات فتولى توران شاه ابنه ثم قُتِل , فتولت شجرة الدر, ثم تنازلت , فتولى عز الدين أيبك التركمانى الصالحي !
      وتلقب عز الدين أيبك بالملك المعز وأُخِذَتْ له البيعةُ في مصر, وكأن الله سبحانه – بهذه الأحداث – أراد أن يمهد عقول المصريين بقبول فكرة صعود المماليك إلى كرسي الحكم.
      وقَبِلَ الشعب في مصر بالوضع الجديد.. فهو - وإن لم يكن مثاليا في رأيهم – إلا أنه أفضل حالا نسبيا من تولي امرأة.
      واستقر الوضع نسبيا في مصر بزعامة عز الدين أيبك , والذي يعتبر أول حاكم مملوكي في مصر , وإن كان بعض المؤرخين يعتبر أن شجرة الدر هي أول المماليك في حكم مصر لأنها أصلا مملوكة أو جارية.وبدأت شجرة الدر تحكم من وراء الستار كما أرادت , ولكن يبدو أن ذكاءها قد خانها عند اختيار ذلك الرجل , فالملك المعز عز الدين أيبك لم يكن بالضعف الذي تخيلته شجرة الدر , ولا المماليك البحرية , فقد أدرك الملك الجديد من أول لحظة مرامي الملكة المتنازلة عن العرش, وعرف خطورة إخوانه من المماليك البحرية في مصر , وقوتهم فبدأ يرتب أوراقه من جديد , ولكن في حذر شديد.
      وكان الملك عز الدين أيبك من الذكاء بحيث إنه لم يصطدم بشجرة الدر ولا بزعماء المماليك البحرية في أول أمره بل بدأ يقوى من شأنه ,ويعد عدته تدريجيا , فبدأ يشترى المماليك الخاصة به , ويعد قوة مملوكية عسكرية تدين له هو شخصيا بالولاء , وانتقى من مماليك مصر من يصلح لهذه المهمة, وكوَّن ما يُعرَف في التاريخ ب"المماليك المعزية "نسبةً إليه " وَوَضَعَ على رأس هذه المجموعة أبرز رجاله , وأقوى فرسانه , وأعظم أمرائه مطلقا وهو سيف الدين قطز –رحمه الله-
      وفي سنة 655 هـ دبرت شجرة الدر مؤامرة لقتل زوجها الملك المعز "عز الدين أيبك " وتم تنفيذ المؤامرة في قصرها في شهر ربيع الأول من نفس العام , ولينتهي بذلك حكم المعز عز الدين أيبك بعد سبع سنوات من الجلوس على عرش مصر , وهكذا ,تكون شجرة الدر قد قتلت اثنين من سلاطين مصر , توران شاه ثم عز الدين أيبك, وعلم الجميع بجريمة القتل , وأسرع سيف الدين قطز قائد الجيش الذراع اليمنى للمعز عز الدين أيبك , ومعه ابن عز الدين أيبك من زوجته الأولى , وكان اسمه نور الدين علي.. أسرعا ومعهما فرقة من المماليك المعزية وألقيا القبض على شجرة الدر.
      وطلبت أم نور الدين أيبك زوجة عز الدين أيبك الأولى أن يُتْرَكَ لها الأمر في التصرف مع ضرتها شجرة الدر , وكانت النهاية المأساوية المشهورة , أن أمرت أم نور الدين جواريها أن يقتلن الملكة السابقة "ضربا بالقباقيب"..!
      وبعد مقتل الملك المعز عز الدين أيبك, ثم مقتل شجرة الدر بُويِع لابن عز الدين أيبك وهو نور الدين علي ,الذي لم يكن قد بلغ بعدُ الخامسة عشرة من عمره, وهذه مخالفة عظيمة ولا شك , ولكن لعله قد وُضِعَ في هذا التوقيت لكي يوقف النزاع المتوقع بين زعماء المماليك على الحكم , وتلقب السلطان الصغير بلقب "المنصور " وتولى الوصاية الكاملة عليه أقوى الرجال في مصر في ذلك الوقت وهو "سيف الدين قطز " قائد الجيش , وزعيم المماليك المعزية , وأكثر الناس ولاءً للملك السابق المعز عز الدين أيبك , وكانت هذه البيعة لهذا السلطان الطفل في ربيع الأول من سنة 655 هـ.
      وأصبح الحاكم الفعلي لمصر.. هو سيف الدين قطز – رحمه الله –


      من هو سيف الدين قطز؟

      سيف الدين قطز هو واحد من أعظم الشخصيات في تاريخ المسلمين.. اسمه الأصلي "محمود بن ممدود"، وهو من بيت مسلم ملكي أصيل.. وسبحان الله!!.. كم هي صغيرة تلك الدنيا!!.. فقطز رحمه الله هو ابن أخت جلال الدين الخوارزمي!!!.. وجلال الدين هو ملك الخوارزميين المشهور، الذي قاوم التتار فترة وانتصر عليهم، ثم هُزِمَ منهم، وفرَّ إلى الهند، وعند فراره إلى الهند أمسك التتار بأسرته فقتلوا معظمهم، واسترقُّوا بعضهم، وكان محمود بن ممدود أحد أولئك الذين استرقهم التتار، وأطلقوا عليه اسماً مغولياً هو "قطز"، وهي كلمة تعني "الكلب الشرس"، ويبدو أنه كانت تبدو عليه من صغره علامات القوة والبأس، ثم باعه التتار بعد ذلك في أسواق الرقيق في دمشق، واشتراه أحد الأيوبيين، وجاء به إلى مصر، ثم انتقل من سيد إلى غيره، حتى وصل في النهاية إلى الملك المعز عزِّ الدين أيبك ليصبح أكبر قواده كما رأينا..
      ولعلنا نلحظ بوضوح في قصة قطز التدبير العجيب لرب العالمين سبحانه.. فالتتار مكروا بالمسلمين واسترقُّوا أحد أطفالهم وباعوه بأنفسهم في دمشق.. ليُباعَ بعد ذلك من واحد إلى واحد ليصل إلى بلد لم يرها قبل ذلك، ولعله لم يكن يسمح بها في هذه السن الصغيرة.. ليصبح في النهاية ملكًا عليها, وتكون نهاية التتار الذين قاموا بنقله من أقاصي بلاد المسلمين إلى مصر على يديه هو بالتحديد!!! وسبحان الذي يدبر بلطف, ويمكر بحكمة, ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.. "ومكروا مكرًا, ومكرنا مكرًا وهم لا يشعرون"..

      نشأ قطز رحمه الله ـ كبقية المماليك ـ على التربية الدينية القويمة، وتشبَّع بالحمية الإسلامية القوية، وتدرَّب منذ صغره على فنون الفروسية، وأساليب القتال، وأنواع الإدارة، وطرق القيادة.. فنشأ شاباً فتيًّا أبياً محباً للدين معظماً له.. وكان رحمه الله قوياً صبوراً جلداً.. كل هذا بالإضافة إلى أنه وُلِد في بيت ملكي، فكانت طفولته طفولة الأمراء، وهذا أعطاه ثقة كبيرة في نفسه، فهو لم يكن غريباً على أمور القيادة والإدارة والحكم، وفوق كل هذا فإن أسرته قد هلكت تحت أقدام التتار، وهذا ـ ولا شك ـ جعله يفقه جيداً مأساة التتار.. وليس من رأى كمن سمع..

      كل هذه العوامل مجتمعة صنعت من قطز رجلاً ذا طراز خاص جداً.. يستهين بالشدائد، ولا يرهب أعداءه، وذلك مهما كَثُرَت أعدادُهم، أو تفوقت قوتهم..
      لقد كان للتربية الإسلامية العسكرية، والتربية على الثقة بالله، والثقة بالدين، والثقة بالنفس أثر كبير في حياة قطز رحمه الله..
      سقطت بغداد ـ كما مرَّ بنا ـ في صفر سنة 656 هجرية، وبدأ هولاكو في الإعداد لغزو الشام، وحاصر ابنه أشموط (ميافارقين) بداية من رجب سنة 656 هجرية، وبدأ هولاكو في التحرك من فارس إلى الشام مروراً بشمال العراق في سنة 657 هجرية، واحتل نصيبين والرها والبيرة، واقترب من حلب.. وأصبح واضحاً أن هولاكو لن يهدأ حتى يسقط الشام بكامله، وبعد الشام لابد أن تكون الخطوة التالية هي مصر..

      وقطز رحمه الله - وإن كان يدير الأمور فعلياً في مصر ـ لكن الذي يجلس على الكرسي سلطان طفل، ولا شك أن هذا كان يضعف من هيبة الحكم في مصر، ويزعزع من ثقة الناس بملكهم، ويقوي من عزيمة الأعداء إذ يرون الحاكم طفلاً.

      وفي ضوء الخطر التتري الرهيب، والمشاكل الداخلية الطاحنة، واضطرابات وثورات المماليك البحرية، وأطماع الأمراء الأيوبيين الشاميين.. في ضوء كل ذلك لم يجد قطز رحمه الله أي معنى لأن يبقى السلطان الطفل "نور الدين علي" على كرسي أهم دولة في المنطقة، وهي مصر، والتي لم يعد هناك أمل في صَدِّ التتار إلا فيها..
      هنا اتخذ قطز القرار الجريء، وهو عَزْلُ السلطان الطفل نور الدين علي، واعتلاء قطز بنفسه عرش مصر، ولم يكن القرار غريباً؛ فقطز هو الحاكم الفعلي للبلاد، والجميع - بمن فيهم السلطان الطفل نفسه - يدركون ذلك تمام الإدراك، ولكن هناك صورة هزلية مضحكة يتحرك قطز من خلفها، وهي صورة السلطان الطفل، فما كان من قطز إلا أن رفع هذه الصورة الهزلية ليظهر من ورائها الأسد الهصور الذي على يديه ستتغير معالم الأرض، وتتغير جغرافية العالم، ويتغير كثيرٌ من صفحات التاريخ..
      حدث هذا الأمر في الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة 657 هجرية، أي قبل وصول هولاكو إلى حلب بأيام.. ومنذ أن صعد قطز رحمه الله إلى كرسي الحكم وهو يُعدُّ العُدَّة للقاء التتار..
      وستحدث أحداث جسام على أرض مصر..
      وسيُنتَهَج نهجٌ جديد على ذلك الزمن..
      وستُرفع راياتٌ جديدة ما رُفِعت منذ أمد..
      وستُجهَّز جيوشٌ ما جُهِّزت منذ أزمان طويلة..
      وسيكون اليوم الذي لا يشبهه من أيام الزمان إلا قليل..


      موقعة عين جالوت رمضان من سنة 658 هـ. :

      يقع سهل عين جالوت على مسافة 65 كيلو مترًا جنوب منطقة حطين التى دارت فيها الموقعة الخالدة حطين في سنة 583 هـ , ويقع كذلك على مسافة حوالي ستين كيلو مترًا إلى الغرب من منطقة اليرموك حيث دارت المعركة الخالدة بقيادة خالد بن الوليد
      وأبي عبيدة بن الجراح –رضي الله عنهما – ضد الروم منذ أكثر من ستة قرون.
      وفي هذه الموقعة الخالدة انتهت الأسطورة التترية , وبدأ الجنود الذين روعوا الأرض قبل ذلك يتساقطون كالذباب على أرض بيسان – على بعد حوالى عشرين كيلو مترا إلى الشمال الشرقي من عين جالوت –قضى المسلمون تماما على أسطورة الجيش الذي لا يُقهَر , وارتفعت رايةُ الإسلام , وتهاوت رايةُ التتار وجاءت اللحظة التي ينتظرها المسلمون منذ أربعين سنة أوتزيد "يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر الله من يشاء وهو العزيز الرحيم ( الروم: 4 , 5 )
      فقد أُبِيدَ جيشُ التتارِ بكامله ! لم يَبقَ على قيد الحياة الجيش أحد بالمرة.. وهل سمعتم أمرا كهذا ؟! لقد فني الجيش الذي اجتاح نصف الكرة الأرضية.. فني الجيش الذي سفك دماء الملايين , وخَرَّب مئات المدن , وعاث في الأرض فسادا.
      وانتصر الجيش الإسلامي العظيم.
      هنيئًا لكم أيها المسلمون بالنصر العظيم !!
      هنيئا لك يا قطز.. حان وقت قطف الثمار
      وما النصر إلا من عند الله
      ماذا فعل قطز - رحمه الله – عندما رأى جموع التتار صرعى على أرض بيسان المباركة ؟ لقد نزل البطل المجاهد العظيم التَّقي الوَرِع من على فرسه , ومرَّغ وجهه في الأرض.. يسجد شكرا لله – عز وجل –
      ما دخله غرور المنتصرين, وما رفع رأسه بزهو المتكبرين, وما شعر أنه قد فعل شيئًا..
      بل إن الفضل والمنة لله – عز وجل- هو الذي أنعم عليه بأن اختاره ليكون مجاهدا , وهو الذي مَنَّ عليه بالثبات, هو الذي ألهمه الحكمة في القتال , والصواب في الرأي... وهو الذي هداه السبيل.
      التعديل الأخير تم بواسطة flower81 ; الساعة Wed, 25 Aug 2010 22:17:44 +0200 السبب: كبرت الخط وردة

    2. #2
      رئيسة قسم سابقة
      This user has no status.
       
      I am:
      ----
       
      الصورة الرمزية flower81
      تاريخ التسجيل
      Mar 2008
      الدولة
      كل البلدان اوطاني
      المشاركات
      34,709
      معلومات شكر المشاركات
      vBActivity - Stats
      Points
      0
      Level
      1
      vBActivity - Bars
      Lv. Percent
      0%
      الجنس:
      محل الأقـــامة:
      This is flower81's Country Flag

      افتراضي

      معلومات رائعة جدا

      شكرا لهذا الطرح القييم

      سلمت يمناك اخي

      يقييم & يثبت

      تحياتي لك

    3. #3
      مشرف سابق
      This user has no status.
       
      I am:
      ----
       
      الصورة الرمزية DEATH MASTER
      تاريخ التسجيل
      Jul 2007
      الدولة
      IN MY CHAOS
      المشاركات
      10,151
      معلومات شكر المشاركات
      vBActivity - Stats
      Points
      0
      Level
      1
      vBActivity - Bars
      Lv. Percent
      0%
      الجنس:
      محل الأقـــامة:
      This is DEATH MASTER's Country Flag

      افتراضي

      شكرا الج وردة ع الرد الحلو كلش
      وشكرا ع التعديل
      منورة صديقتي الموضوع دائما وابدا

    4. #4
      مشرفة سابقة
      This user has no status.
       
      I am:
      ----
       
      الصورة الرمزية Kylie
      تاريخ التسجيل
      May 2010
      الدولة
      • In My GrAvE•
      المشاركات
      1,069
      معلومات شكر المشاركات
      vBActivity - Stats
      Points
      0
      Level
      1
      vBActivity - Bars
      Lv. Percent
      0%
      الجنس:
      محل الأقـــامة:
      This is Kylie's Country Flag

      افتراضي



      شكراااااااا للمجهود الرائع
      دمت متميزاااا







      Look... The moon is calling u
      See... The stars are shining for u
      Listen... The bird are singing to u
      Hear .. My heart says i miss u





      see u soon

      ........



    5. #5
      مشرف سابق
      This user has no status.
       
      I am:
      ----
       
      الصورة الرمزية DEATH MASTER
      تاريخ التسجيل
      Jul 2007
      الدولة
      IN MY CHAOS
      المشاركات
      10,151
      معلومات شكر المشاركات
      vBActivity - Stats
      Points
      0
      Level
      1
      vBActivity - Bars
      Lv. Percent
      0%
      الجنس:
      محل الأقـــامة:
      This is DEATH MASTER's Country Flag

      افتراضي

      شكرا وردة
      وشكرا الكم ع الردود الاكثر من رائعة

    6. #6
      مشرف سابق
      This user has no status.
       
      I am:
      ----
       

      تاريخ التسجيل
      Jun 2009
      العمر
      20
      المشاركات
      2,803
      معلومات شكر المشاركات
      vBActivity - Stats
      Points
      0
      Level
      1
      vBActivity - Bars
      Lv. Percent
      0%
      الجنس:
      محل الأقـــامة:
      This is NoName281990's Country Flag

      افتراضي

      شوكــرا حبي

      مجهود كولش حلو ورائع

      وشرح مميز فعــلا

      عـاشتــ أيدك

      تحيــاتي


    7. #7
      مستر رائد ♣
      This user has no status.
       
      I am:
      ----
       
      الصورة الرمزية انثى هلاك
      تاريخ التسجيل
      Jul 2009
      الدولة
      بلد استوطنه الاغراب
      العمر
      19
      المشاركات
      4,483
      معلومات شكر المشاركات
      vBActivity - Stats
      Points
      0
      Level
      1
      vBActivity - Bars
      Lv. Percent
      0%
      الجنس:
      محل الأقـــامة:
      This is انثى هلاك's Country Flag

      افتراضي



      شوكــرا حبي

      مجهود كولش حلو ورائع


      وشرح مميز فعــلا

















    8. #8
      مستر مميز
      This user has no status.
       
      I am:
      ----
       
      الصورة الرمزية ALBAGDADIEAH
      تاريخ التسجيل
      Sep 2009
      الدولة
      بين طيات الفراق والسعادة حيثُ ليس كل شيء يدووم
      المشاركات
      7,821
      معلومات شكر المشاركات
      vBActivity - Stats
      Points
      0
      Level
      1
      vBActivity - Bars
      Lv. Percent
      0%
      الجنس:
      محل الأقـــامة:
      This is ALBAGDADIEAH's Country Flag

      افتراضي

      معلومات جداً رائعة وقيمة

      أبدعت بحق بجمال الاختيار الرائع

      سلمت يداك ايها المميز على ماطرحت لنا من

      معلومات قيمة دمتَ دائماً عنواناَ للجمال والابداع

      ودام لنا جمال حضوركَ وروعة اختياراتكَ

      مع خالص تقديري واحترامي




      مسحتُ وداريتُ دموعي بيدي كي لايراها غيري

      فغرقتُ في بحور أحزاني وبعض ذكرياتي

      لكُنني لن أستسلمُ لمعاناتي








      إذا الشّعْبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَاةَ فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَجِيبَ القَدَر

      وَلا بُدَّ لِلَّيْلِ أنْ يَنْجَلِي وَلا بُدَّ للقَيْدِ أَنْ يَنْكَسِر


    معلومات الموضوع

    الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

    الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

    المواضيع المشابهة

    1. ردود: 19
      آخر مشاركة: , Tue, 15 Dec 2009 17:41:28 +0100
    2. ردود: 0
      آخر مشاركة: , Mon, 07 Dec 2009 19:52:08 +0100
    3. ردود: 2
      آخر مشاركة: , Fri, 09 Oct 2009 14:13:35 +0200
    4. اعلان تائج الجولة الثالثة وبدء الجولة الرابعة
      بواسطة نونة البزونة في المنتدى منتدى الخواطر
      ردود: 8
      آخر مشاركة: , Wed, 22 Aug 2007 10:56:18 +0200

    مواقع النشر (المفضلة)

    مواقع النشر (المفضلة)

    ضوابط المشاركة

    • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
    • لا تستطيع الرد على المواضيع
    • لا تستطيع إرفاق ملفات
    • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
    •