كثير من الناس يسألونني عن سر استمرار سعادتنا الزوجية. أقول لهم إننا نخرج الى أحد المطاعم مرتين في الأسبوع، ونسمع بعض الموسيقى لإضافة جو من الرومانسية، ونتحدث بلا تكلف. هي تذهب مع صديقاتها يوم الأربعاء، وأنا أذهب مع أصدقائي يوم الخميس.

بما ان زوجتي تقرأ لي وتقرأني في الوقت نفسه، فمن باب الذوق والحيطة ان أبدأ القول بأنني سعيد في حياتي الزوجية، وكل ما ستقرأه في هذا المقال هو مجرد تخيلات لا تمت للواقع بصلة من رجل يعاني من أزمة نصف العمر أو كل العمر إن أردت الدقة.

كثير من النساء يتساءلن: لماذا نحن معشر الرجال المتزوجين لا نكون برقة العشاق التاريخيين الذين قضوا سنوات عمرهم عشقاً وهياماً بمن يحبونهن؟ جوابي هو ان قصص الحب الرائعة هذه ظهرت عندما كانت الحياة سلسة، والرجال عاطلين عن العمل ومتفرغين للحب. مثال على ذلك صاحبنا فارغ العقل قيس بن الملوح، فماذا نعرف عن قيس سوى التسكع في الصحراء برمالها الحارقة مثل المجنون التائه، ووصف معشوقته ست الحسن ليلى العامرية، وسطر أجمل الأشعار تغزلاً بها؟

لإثراء النقاش لنفترض ان المحروس قيس تزوج من محبوبته ست الحسن ليلى، فهل سيجوب الصحارى هياماً بها؟ هل سنسمع نصف جمال الأبيات التي شدا بها في محبوبته؟

في رأيي المتواضع لا. لأنه وبكل بساطة لن يكون لديه متسع من الوقت لهذه الأمور، سيكون نهاره متعباً من قلة النوم؛ وذلك جراء صياح أطفاله الرضع طوال الليل، هذا بالإضافة الى طلبات ست الحسن التي لا تنتهي من «روح وتعال ومن وين جاي وودني عند أمي... ووين بنسافر هالسنة... الخ». لا داعي للذكر انه سيجبر على سماع جميع مشاكل ست الحسن مع زميلاتها، ويا ويله يا سواد ليله إذا اتخذ موقفاً مغايراً لموقفها. بالله عليكم كم من الوقت سيبقى لهذا المسكين لكي يتغزل بالمعشوقة؟ هذا إذا افترضنا انه لا يزال متيماً بها!

هذا من ناحية مجنون ليلى، أما من ناحية المجنون كاتب هذه السطور فالأمر يختلف قليلاً. فأنا لست والحمد لله بشاعر ولم أصل إلى مرحلة التسكع في الصحارى لأكسب ودها. كانت هناك طرق ملتوية اضطررت لأخذها حتى أكسب ودها. أثناء فترة الخطبة قيل لخطيبتي الكثير عن تفوقي العلمي والاجتماعي والى آخره من كلام تعبت والدتي رحمها الله في حفظه قبل لقائها بها. طبعاً زوجتي عرفت ومن خلال أول لقاء بي بأن الخطيب الجديد يتناسب ذكاؤه مع ذكائها تناسباً عكسياً، ومع ذلك فهي وبكل بلادة قبلت بي وحتى هذه اللحظة لا أعرف ولا أريد ان أعرف كيف ولماذا قبلت!

ومن جهة أخرى كمثال لما يتمتع به زواجنا من رومانسية نحسد عليها من الجميع، انني أصبت من جراء هجوم قطة برية مفترسة ونتج عنها جروح عدة في أنحاء جسمي. أخذت زوجتي وهي تضع الدواء على الجروح تسمع مني بكل حواسها أوصاف هذه القطة المفترسة. وفي المساء سمعتها تتحدث مع احدى زميلاتها عن أمنيتها لشراء قطة وبالصدفة ذكرت لها أوصاف القطة اللعينة نفسها. سبحان الله من توارد الخواطر عند النساء!

الشيء الجميل في زواجي ان أولادي لم يرثوا من جيناتي الشيء الكثير، فهم يبدو عليهم الذكاء. مثال على ذلك كنت أتحدث مع ابنتي الصغيرة عن فوائد أكل السلطة وبالذات بالنسبة لعقل الإنسان وان النتائج الايجابية ستظهر عندما تكبر. التفتت إلي قائلة وبكل برود «يبدو ان السلطة لم تكن متوافرة في صغرك".

بالمقارنة بما حولي، فأنا اعتبر نفسي محظوظاً عندما سمعت من أحد الأصدقاء ان ابنته الصغيرة كانت تريد الذهاب الى إحدى صديقاتها لمشاهدة القرد الجديد في حديقة الحيوان. فقالت لها أمها: لا داعي للذهاب ووالدك سيسهر معنا الليلة. أو حكاية صديق آخر كان يحاول جاهداً ان يشرح لابنه سبب قلقه الشديد عليه من الانحراف فما كان من الابن الا ان أجابه قائلاً "لا تقلق علي يا بابا، لن ارجع لكم البيت وأنا حامل"

يقول الفيلسوف العظيم سقراط "تزوج يا بني، فإن وفقت سعدت، وإلا أصبحت فيلسوفاً" احمد الله أني لم أصبح فيلسوفاً وما زلت أتمتع، ولو بقدر قليل، من الاحترام".






مع أجمل تحياتي
يوسف العاني