المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كتاب ليلة سقوط بغداد



Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 08:50:15 +0200
http://www2.0zz0.com/2007/04/15/09/77838564.gif



احبائي الاعزاء سوف انقل لكم من كتاب ليلة سقوط

بغداد واجزاه الى اجزاء لتستطيعوا قراته

واتمنى ان يعجبكم

البداية
ليلة سقوط بغداد
(المفقود و المولود في تاريخ خرج و لن يعود)

د.احمد خيري العمري

الناشر : مؤسسة الرسالة ناشرون -بيروت

"كـل الشخصيات الوارد ذكرها في هُذا الكتاب حقيقية.. وكل الحوادث المرتبطـة بالشخصيات هي حوادث حقيقية..
أي تشابه، بين الشخصيات والأماكن الوارد ذكرها، مع شخصيات و وقائع وأماكن معروفة، هو تشابه مقصود حتماً، وطبعاً، وبالتأكيد.
.. ويتحمـل المؤلف كافـة التبعات المترتبــة على ذلك "


محاولة اهداء
.. إليها، بغــداد، الأم – التي عقها اولادها-عسى ان يكون ضمادا لجرحها الاليم

وإليهم.. مهمـا كانوا وكيفما كانــوا .. عســى أن يكون طعنــة في الصميــم..


مقــدمة ، بعــد السقـوط

.. عندما دخلت عيادتي لأول مرّة بعد انتهاء الحرب، كان قد انقضى حوالي ثلاثة اسابيع على سقوط بغـداد. وستة اسابيع منذ أن بدءت الحرب. – منذ أن كنت فيها لآخر مــرة..
كان كل شيء كما تركته فيها لآخر مرّة – في تلك الليلة الحزينة التي سبقت الحرب.. بقايا الشاي في الكوب على المكتب. ودفتر المذكرات مفتوح على صفحة اليوم الذي سبق الحرب، وفيها دونت آخر الملاحظات. وفي الثلاجة، كان لايزال هناك ماء – لم يكن بارداً طبعاً، فالكهرباء غادرت منذ حوالي الشهر . لكنني كنت عطشاناً، فشـربــت..
كان مجرد ماء. مجرد ماء. ذرتان من الهيدروجين وذرة من الاوكسجين. أو هكذا كان يبدو. لكنه لسعني بقوة..
.. لم يكن مجرد ماء. لقد كان ماءً ملئته في القنينة قبل الحرب. أنه ماء نادر، ماء سيظل يتناقص ولن يعود بامكاننا أن نستعيده مهما كان. لا تصدقوا تلك الدورة الغبية التي لقنوننا اياها في المدرسة. دورة الماء في الطبيعة. هُذا الماء لن يدور. لن يعود. لقد خرج ولن يعود. كنقطة تجري في نهر يجري. كنقطة ماء في محض سـراب..
أنه ماء يفنى، ولا يستحدث – بغض النظر عن كل النظريات.. أنه ماء ما قبل الاحتلال.
.. وكل ماء سنشربه الآن، ونملئ به القناني والاقداح، ونبرده ونرتوي به، سيكون مختلفاً – سيكون مختلفاً حتى لو لم نشعر بهذا الاختلاف..
.. أنه ماء الاحتلال. ماء بلد فقد استقلاله. بلد محتل.. لابد أنه يكون مختلفاً. كما الهواء مختلف. والغبار مختلف. وكل شيء مختلف.
.. إذن كان الماء –وقــت الطاغيــة- أفضل ؟.
لا. لعله لم يكن كذلك. لكنه كانً ماءً تعودنا عليه. تدجننا عليه. تقولبنا على قوالبه واساليبه إلى أن صارت جزءً من روتين حياتنا – وتعـودنا على المـر الذي فيه..
أما الآن، فحتى الماء يبدو اشد مرارة في فمي، كما لو كانت قوات الاحتلال قد وضعت في المياه مادة معينة لتتسرب الينا وتفتك باجسادنا ؟. هل هو سم لن يظهر في التشريح ؟
هل هو السرطان سيظهر بعد عشرة سنوات ؟. هل سيعقموننا ؟. يبيدوننا ؟. أم أنها مادة تجعلنا كالخراف المطيعة تتقلبهم كجزارين دون أدنى مقاومة..؟
لعلي ابالغ ؟ ربما. أنني متوتر فعلاً. وتوتري يدفعني إلى الوسوسة والشك بكل شيء.
أمامي بندول الساعة وهو يهتز بسرعة مستفزة. بسرعة تزيد من توتري. طالما قال لي مرضاي ذلك. أن هُذا البندول يهتز بسرعة غير طبيعية . كانوا يقولون ذلك عندما يجلسون على

كرسي الاسنان الذي تواجهه الساعة. كنت أقول لهم أن الساعة توقيتها مضبوط، وأن بندولها سرعته طبيعية، لكنهم متوترون بسبب خوفهم من الألم الذي يتوقعونه خلال عملي في اسنانهم.
اليوم يبدو البندول وكانه حفار يغوص في رأسي. يهتز بسرعة ساخرة. التوقيت هو توقيت ماقبل الاحتلال. والبندول يهتز بسرعة. وسط السكون الذي يلف المكان، يبدو البندول كما لو كان لساناً يخرج لي بهزء واستخفاف وسخرية.
.. أود لو أن يقف. اكاد اصرخ بالساعة. اكاد اضربها ليقف هُذا البندول عن الحفر في رأسي.
اذهب لأغسل يدي، اتحاشى النظر في المرآة. اخاف من انعكاس وجهي فيها. بالضبط اخاف أن اجد فيها انعكاسي القديم، لايزال جاثماً بانتظاري. لعله سيلومني.. لعله سيبصق عليَّ، لو رآني..
.. ستنظرون إلي بشك : هـل أنت على ما يـرام ؟. اولاً الماء. ثم البندول. والان المرآة. ربما ستقولون شيئاً مهذباً وتعتذرون وتنسحبون. وتقولون مع انفسكم : لقـد جُـنَّ !
لا لــم أجـن. أنني متوتر فقط، فقد رأيت شيئاً مزعجاً عندما صعدت إلى عيادتي. شيئاً ما كنت اتصور قط أني ساراه يوم تركت العيادة لآخر مرة قبل ستة اسابيع..
مــا هـو هُـذا ؟.
حسناً. لقد رأيت رجلاً يأكل الآيس كريم عند مرطبات الرواد• على الناصية.
.. وماذا في الأمر ؟. رجل يأكل الآيس كريم في "عـز الصيـف". ما المشكلة التي جعلتك تتوتر ؟.
.. في الحقيقة. لم يكن رجلاً فحسب. كانوا مجموعة من الرجال. لكنهم ليسوا أي رجال. كانوا ثلاثة أو أربعة من جنود الاحتلال. يأكلون الآيس كريم وهم مدججون بكامل عدتهم العسكرية، مدججون بادوات احتلالهم، ادوات اذلالنا، بحكمهم المسبق علينا، وبنظرتهم المسبقة وافكارهم الثابتة..
عند ناصية الرواد – وقف جنود الاحتلال، يأكلون الآيس كريم.
.. اكلت أنا العلقم. تجرعته بمرارة..
أمر لن يفهمه إلا من شب وكبر ليصير ركن الرواد جزءً من زوايا ذكرياته واركان حياته.. –كمــا أنـا-

ذلك اليوم : آيس كريم لجنود الاحتلال. وعلقم مرير لي، قبل أن أصعد إلى العيادة..
*******************
شق صوت الآذان، سكون الصمت المحيط .. بدا صوت الآذان غريباً. وحزيناً. ومألوفاً في الوقت نفسه..
كان نفس الصوت الذي تعودت أن اسمعه يرفع الآذان على مدى الاربع سنوات السابقة. لكنه كان منكسراً، ذليلاً، اسيراً هذهِ المرّة.
كان مخنوقاً متحشرجاً، كما لو كان على وشك الاجهاش بالبكاء..
لا بأس بقليل من الانكسار، في الصوت الذي يرفع الآذان. لكن عندما يكون للذي توجه له الصلاة..
أما هُذا الصوت، فقد كان انكساره مختلفاً، كان مشوباً بذل يشبه ذلك من أجبر على رؤية زوجته وهي تغتصب وينتهك عرضها..
.. كان ذلك مفهوماً تماماً .. العلقم ايضاً..
****************************
.. عندما دخلت حرم المسجد وجدته موحشاً مظلماً. كانت هناك بعض الوجوه المألوفة، لكن كان فيها شيئاً غير مألوف..
فكرت أنهم ربما يفكرون بالشيء ذاته نحوي.
.. وعند الصلاة بكيت، تذكرت آخر مرّة صليت فيها قبل الحرب، صلاة العشاء، عشية الحرب –العشــاء الأخيــر !-.. وتذكرت دموعي وقتها.. اشفقت على نفسي. أبكي قبل الحرب. واثناء الحرب. وبعد الحرب. ماذا ستكون النتيجة مع هُذا البكاء غير هُذا الاحتلال والاذلال.. غير هُذا العلقم الذي أجده على لساني أينما ذهبت ؟؟..
**************
.. وعندما خرجت من المسجد، انتبهت إلى صورة ملصقة على بابه. أنه اعلان عن فقدان شاب. من هو ؟ مجرد شاب آخر. اسمه من تلك الاسماء المألوفة الشائعة : فراس عبد الجبار. كان معي، في المدرسة، على الاقل ثلاثة أصدقاء بهذا الاسم. ولزوجتي ايضا ابن عم يحمل الاسم ذاته.
قرأت التفاصيل. كان الاعلان يرجو من يمتلك معلومات عن هُذا الشاب أن يدلي بها عند عنوان معين، "وله الاجر والثواب".




.. كان الاعلان يقول ايضاً أنه فقد في منطقة الدورة، بتاريخ معين..
تأملت التاريخ، 8/4/2003..
أنـها ليلــة سقــوط بغــداد ..
كان الأمر واضحاً جداً. لكن ليس بالنسبة لمن ألصق الاعلان. كان من الواضح أن الشاب قد قتل، وأن واحداً من اولاد الحلال قد دفنه – كمــا حصل للمئـات- وكان من الواضح أن أمه، التي ربما ابيضت عينها من البكاء عليه – ترفــض أن تصـدق- ولا تزال تقف قرب الباب تنتظــر..
تأملت في صورته. كان يبدو أنه في اوائل العشرينات من عمره. وكان مبتسماً في الصورة. ربما كانت الصورة قد التقطت بمناسبة تخرجه..
.. كانت ابتسامته جميلة. ليست على شفتيه فقط. ولكن أيضاً في عينيه..
كان وسيماً. ليس كوسامة نجوم السينما والمشاهير. ولكن كوسامة اولاد الناس الطيبين. اقرباؤكم واقربائي. اصدقاؤكم واصدقائي. أنه يشبههم جميعاً –بشكـل غامـض- يشبهني أنا ايضاً – قبـل عشـر سنــوات- عندما كنت في مثل سنه، وكنت نحيلاً مثله..
كان يشبهنا جميعاً . ذلك الجيل المحبط المضلل المهزوم..
فجأة، وجدت الصورة وقد صارت بمثابة صورة جماعية اصطففنا كلنا لنلتقطها : نحن المخدوعون. نحن المضللون. نحن الاسرى المهزومون..
تأملت في ابتسامته على الصورة : لمن كنت تبتسم يا فراس ؟ للكاميــرا !؟؟ للمصور وتعليماتــه ؟.
للمستقبل الذي كنت تريده لنفسك ؟ للاحلام الوردية التي تناسب سنك ؟ للشعارات الزائفة ؟. للمنافقين الذين يرددونها ؟. لأولئك الذين –بـاعــوك- وهربوا ؟ لأولئك الذين كانوا – أول من استفــاد وانتفـع و لكن ايضا اول من هـــرب ؟..
هل كنت تبتسم لأمــك ؟. لحنانها، لحضنها المضمون دائماً.. لو أنك تراها الآن يا فراس .. لو أنك تراها..
.. أم لعلك كنت تبتسم لفاعل خير مجهول، سيأتي ليواريك التراب، وانت ملقى هناك، ميت في العراء..
.. (أم لعلك كنت اوعى مما نتصور. وكنت تبتسم لتلك الحقيقة، حقيقة أنك صرت شهيداً، هناك عند من لا يجوع عنده ولا يشقــى..)
فراس عبد الجبار، خرج ولم يعد. ليلة سقوط بغداد..
.. وهُذهِ هي رحلة البحث عنه. وعنا.. وعنكم ايضاً..


وان شاء الله ساتابع معكم نقل هذا الكتاب الرائع بحقائقه الواقعية

وبالسماح من من الكتور مؤلف الكتاب بات اتسخ واقدمه لحضراتكم


يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 08:51:43 +0200
انها الحرب!


انها الحرب!
عشرة ايام منها ..
لكن كل شيء قبلها يبدو بعيداً ومغبشاً كما لو كان في عمرٍ آخر وحياة اخرى لاشخاص آخرين.
بالكاد عشرة ايام!!
لكننا جميعاً اصبحنا اناساً آخرين في هذهِ الايام العشرة. صهرتنا الحرب وغيرت ملامحنا وذوبت كل حياتنا السابقة.. وفي عشرة ايام فقط .. ان لم يكن قبلها .. صارت حياتي السابقة وتفاصيلها الكثيرة كلها بعيدة كما لو كانت حلماً لست متأكداً متى رأيته، بل أنني لست متأكداً حتى لو كنت أني قد رأيته حقاً..
كل شيء صار يبدو بعيداً بعيداً جداً، كما لو كان صورة عالقة في ذاكرة طفل يتيم لأمه الراحلة.
كل شيء صار يبدو مختلطاً وغير واضح، مثل حبة سكر وقد ذابت في برميل كبير للقهوة.
كل شيء عن حياتي السابقة قبل بدء الحرب صار يبدو كما لو كان لا علاقة لي به اليوم، عيادتي الخاصة وعلاقاتي واعمالي وصداقاتي واهتماماتي.
كل شيء يبدو بعيداً عن آلاف الأميال، ويزداد بعداً – كل يوم- ميل بعد آخر.. بعد آخر.
كل شيء يبدو أنه كان يهم شخصاً آخر بعد عشرة ايام من الحرب.. وعندما سألتني زوجتي وهي تهم بتفقد روضتها – اذا كنت سأذهب لتفقد عيادتي؟- ارتعبت كمن قالوا له ان على الباب يوجد شخص يطلبه، وقد كان يتوهمه مات منذ عدة عقود ..في اعماقي، وبشكل لاواعي ولا ارادي تماماً – يوجد شخص لم يعد متأكداً الا من الحقائق الشاخصة امامه، لم اعد متأكداً من ان عيادتي لاتزال واقفة في مكانها الخطر ذاك، ولم اعد متأكداً من ان اصدقائي
– هيثم او اثير او آزر- لايزالون اصدقائي، لست متأكداً من انني ذات الشخص الذي كنته..، والذي بذل ومنح وصدق واحب وكره.. فجأة تقلص عالمي، وخصوصاً بعد انقطاع الاتصالات، وجدت نفسي والارض تضيق علي بما رحبت.. وجدت الحقائق في حياتي تقل عدداً وتتضخم حجماً..
فجأة غادرت عالمي التفاصيل – وما كان اكثرها في حياتي السابقة- ولم تعد هناك سوى حقائق قليلة متناثرة – الملمها من بعثرتها لأشكل صورة شاخصة اراها بوضوح وتمييز..
وفي كل مرة. الملم الصورة من شتاتها لا ارى سوى ذلك الصاروخ الحاد النصل يتهددني واولادي…
لا. ليس يتهددني واولادي فقط. ولكن يتهدد كل قيمي وكل معتقداتي وكل كياني وكل ارضيتي وكل ماضيً وكل مستقبلي…
وفي كل مرّة، أعيد لملمة الحقائق، لعلي ارى في الصورة تفصيلاً أخرا يعلمني كيف اقاوم نصل الصاروخ الذي يتهددني واولادي ومدينتي.
ولولاه، لولا يقيني انه لن يخذلني، وانه لن يتركني، وانه لن يخونني، لولا يقيني انه سيخرجني من بطن الحوت، لأنهرت مثل رصاصة طائشة سقطت على شاطئ نهر جاف..
*********************
اليوم العاشر
والمقاومة ضارية، وشرسة، وغير متوقعة.. او انهم يقولون انها لم تكن متوقعة.. بالضبط كمن توقع من القطة ان تسترخي مخالبها وهي تراهم يسرقون صغارها..
نعم. المقاومة ضارية، وشرسة، والدماء الحمراء التي تسيل هناك في الجنوب بيضت وجوهنا..
ولكن، رغم ذلك، في شريعة الغاب السائدة منذ عصور – والمكرسة اليوم كما لم تكرس ابداً – منطق القوة يفوق منطق الشجاعة.
وسينضب دم اولئك الشجعان الذين ما اعطيناهم حقهم يوماً.
.. .. وسيقترب الغزاة اكثر، فأكثر، فأكثر.
وبعد أيام، او أسابيع، سيتمكنون من تطويق المدينة.
.. وسيحاصرونها..
سيحاصرونها.سيحاصرونها..
************
انه اليوم العاشر من الحرب فقط
والعذاب هو ان تجلس في بيتك وحولك صغارك لتنتظر الحصار الذي قد يدوم لأشهر سنرى فيها من القصف والترويع والتجويع ما لايعلمه الا الله وحده.. والهول هو ان العدو الذي يزحف –ببطء نعم، مثخناً بجراحة نعم، عليك لايمثل عدواً يريد امتلاك ارضك وثرواتك فحسب،- وبشكل عابر-.. بل هو عدو يريد تمريغ انفك – وانف قيمكوانف معتقداتك وانف دينك – في تراب موحل قام بتقذيره بنفسه.
الهول هو ان العدو الذي يزحف – هو عدو بشكل شخصي – عدو حاربت قيمه وثقافته ومعتقداته طيلة حياتك، وفجأة ويا للمفارقة، جاء ليحاربك في باحة دارك.. هذهِ المرّة حرباً حقيقية – ليس بالغزو الثقافي – ولا عبر القنوات الفضائية .. ولكن جاء مدججاً بأسلحته ودروعه وتقنياته.. ليقصف وينهب ويقتل ويسلب و يدفع برجله باب دارك..
,, والامتحان هو ان تصمد.
أن تصمد . أن تصمد.
وان لا يتحول أسد القيم الهصور إلى فأر متخاذل مذعور..
.. وان لا تسود وجهك برفع تلك الراية البيضاء المرهقة الذل..
.. وان تصمد.
أن تصمد.
***********
.. الصمود!
.. والصمود في مدينة تتعرض للقصف في كل ساعة، - حتى لا اقول كل دقيقة وتنتشر فيها سحب الدخان الاسود المحترق – مسألة فيها وجهة نظر..
الصمود..
والصمود في مدينة يهجرها أهلها باستمرار، وتلاحظ في كل يوم بيتاً جديداً في الحي قد أحكم بأقفال أبوابه الخارجية – كدليل على ان أهله قد تركوه، هو مسألة تستحق الوقوف والتأمل.
.. والصمود في مدينة مهددة بالحرق حياً بعد آخر، وبالقصف المكثف بالقنابل العنقودية بيتاً بعد آخر، بل وحتى بالخنق بالغازات السامة نفساً بعد آخر.
.. وكحل أخير، لن يتورع عدوك ان يستخدم سلاحاً ذرياً، يقضي عليك ذرة بعد أخرى.
والصمود هو ، أن تعرف ذلك كله، تسمعه كل يوم مائة مرة – وتعيه وتعي عواقبه، ورغم ذلك كله، تحتضن أولادك حولك، وتزم شفتيك، وتكز على أسنانك.. وتقرر آن تبقى.. وان تصمد في مدينة رغم أنها مهددة بالحرق والفناء.
**********
.. والصمود، قبل كل شيء، ليس حياداً سلبياً، ليسَ ان لا تفعل شيئاً، فقط ان تنتظر وتحاول البقاء على قيد الحياة بأنتظار ما ستؤول اليه الأمور..
الصمود مسألة معقدة.
الصمود قضية. الصمود عقيدة. الصمود حكاية طويلة قد يستغرق إعدادها حياتك بأكملها – ربما يجب ان تستمر كل حياتك لتمنحك (مؤونة) لصمود أسبوع او اثنان أو عشرة أسابيع.
الصمود بعد نظر.
الصمود قصة بعيدة المدى..
الصمود، هو ان تبحث في أركان البيت عن مكان قد يحمي أولادك إذا سقطت عليه قذيفة، وان تتأمل في السقف لتبحث في أحجاره عن واحدة تتخيلها اكثر حناناً على جباه أطفالك.
الصمود هو ان تحسب قناني الماء الموجود، وتنظر الى خزاناتك، وتتأمل في البئر الذي حفرته في الحديقة (وانت تعرف ان مائه غير صالح للشرب)، وانت تعرف ان الصيف قادم – ولكن، مع ذلك، تزم على شفتيك .. وتقول: سأبقى..
الصمود هو ان تبقى. ان تحسم انت امرك بينما يحزم الآخرون حقائبهم، وبينما يذهبون ليأجروا غرفة صغيرة في اقصى الغرب او اقصى الشمال، تذهب انت الى الطرف القصي من بيتك ويداك على اولادك، وعيناك تتجهان صوب عين الله وشفتاك تتمسكان بأسمه..
الصمود هو ما تكتشف فجأة، انك تستمده منه بالذات، وبشكل شخصي، ومن اسمه بالذات : الصمد..
الصمود، هو ان تبقى من اجل اولادك – وبينما يقول لك الاخرون معتذرين انهم يغادرون من اجل اولادهم، تبقى انت من اجلهم.. وتصمد انت من اجلهم..
وفي شدة العاصفة، تتمسك انت بجذع الشجرة، من اجلهم..
وتحت القصف، في عز القصف، وعنف القصف، تقف انت تحت السقف، وهو ربما يهتز – لاتشك انت لحظة في صواب قرارك، وتصمد..
***********
.. من اجل اولادي – ايضاً، بطريقة او بأخرى، قمت بأحضار خالاتٍ لي، ليكونوا في امان نسبي في منزلي، طيلة فترة الحرب..
في الحقيقة ان كلمة احضار غير دقيقة، فقد تطلب الامر وقتاً غير قليل، قبل ومحاولة اقناع عجائر في السبعين من اعمارهن بالخروج من منزلهم، هو بالذات حرب.. حتى لا اقول جهاد..
.. وبعد مناورات طويلة، استراتيجية وتكتيكية، واخذ ورد، وعهود ومواثيق، بل وحتى تهديدات، توصلت الى اقناعهم، وتظاهرن هن، بأنهن اقتنعن فقط من اجلي، حتى لا اضطر للخروج يومياً للاطمئنان عليهن في ظل ظروف الحرب.
وفي الأمسية التي سبقت الحرب، وقد كانت امسية مفجعة بهدوئها وقاتلة بأستسلامها- ذهبت لاحضارهما، لكني احضرت واحدة فقط – لأن سيارتي في الحقيقة لم تكفي لحاجياتهما معاً- فقد استنفرت خالاتي كل خبراتهن في الخزن والاخلاء والامداد والتموين- وهي خبرات موروثة من عهود الحروب والازمات السابقة- في الاعداد لحاجات وامتعة ملئت السيارة- وايضاً شقتي الصغيرة- وتبين لنا- حتى الان، انها غير ضرورية.
وبينما كنت انقل الامتعة، وكانت السيارة الاخرى التي ستقل خالتي الاخرى وامتعتها قد وصلت، كانت واحدة من خالاتي تتذمر من عدة اشياء دفعة واحدة. مني، ومن عجلتي، ومن خالتي الاخرى ومن الامتعة المبعثرة في كل مكان، ومن خوفها على قطتها التي ستتركها وحدها.
.. وكانت تتذمر ايضاً – حتى دون تقول- من هذا الوضع الذي يدفعها الى ترك منزلها.. ومنزل والدها.
.. في الطريق الى المنزل، عددت خالتي عدد المرّات التي اضطرت الى ترك المنزل واللجوء الى الاقارب بسبب الحروب او الازمات السياسية التي مرَّ بها البلد في العقود السبعة الماضية..
.. كانت خمس او ست مرّات –عدا هذهِ المرّة، تركت كل منها خطاً من التجاعيد على ذلك الوجه الذي كان نضراً يوماً ما – وربما لحد الآن رغم آثار الزمان- لكن التجاعيد التي تركتها الازمات والحروب كانت مختلفة، تكاد تصيح : ها هنا انا مختلفة ومتميزة : مزيج من الصبر والتحدي والتحمل والمرارة والاستسلام الشجاع للقدر الذي لا مفر من الاستسلام له..
كان منزل جدي – الذي تقطنه خالتاي وحيدتان منذ وفاته في اواخر السبعينات يقع على ضفة النهر قرب محطة الاذاعة والتلفزيون، الامر الذي جعله مستهدفاً دوماً في كل الانقلابات والازمات والاضطرابات السياسية التي شهدتها البلاد. ناهيك عن الحروب.


يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 08:52:49 +0200
كان منزلاً على الطراز القديم. واعني بالطراز القديم ذلك الطراز الذي يستوجب وجود طاقم كامل من الخدم والحشم لادامته وخدمته وخدمة سكانه، بوجود اكثر من ثمانية عشر غرفة في البيت -عدا اجنحة مستقلة ومنفصلة للخدم- وهو الامر الذي كان متوفراً في وقت ما، كان والدهن –الذي هو جدي، ثرياً الى حد كبير، وكان بالاضافة الى ذلك سياسياً تقلد مناصب وزارية عديدة ولعدة مرات في العهد الملكي، وكان ايضاً صاحب مجلس ادبي وسياسي يؤمه علية القوم واشباههم والمتملقين حولهم، وكان وجود عدد من الخدم والحشم جزء مكملاً لأكسسوارات الوجاهة على ما أظن. وفي وقت ما –غابر وبعيد ولا اذكر أي شيء عنه- كان هناك طباخان سائقان، عدا الحرس وخدم التنظيف,
لكن الزمن تغير طبعاً. والمجتمع الذي ضم امكانية وجود اكسسوارات كهذه لم يعد موجوداً. طارت الوزراة، وطار علية القوم- (وجاء بدلاً عنهم آخرون سيعيدون القصة ذاتها فيما بعد) –وذهب المتملقون ليمارسوا نفاقهم ومراهنتهم في مجالس اخرى، وتآلكت الثروة طبعاً – ونشأ مجتمع لم يعد فيه هناك امكانية لممارسة تشاوف كهذا بهذا العدد الكبير من الخدم ]كان ذلك لثلاثة عقود فقط، ثم عاد بأشد مما كان عليه..[ ، وبالتدريج تقلص عدد الخدم الى ثلاثة او اربعة (فقط !) –مما كان يبدو ضرورياً جداً ولا غنى عنها حتى في السبعينات…
ولاتزال ذاكرتي تحتفظ بصورة : طباخ عجوز، وحارس متهالك، وسائق شاب يتبدل بأستمرار بسبب مشاكل السيارة..
بعد وفاة جدي، تغير الأمر، وتغير المجتمع أكثر، لكن الامر كان غير ذلك بالنسبة لخالاتي. يستطيع الخدم ان يولوا ظهورهم، ويستطيع المنافقون ان يكفوا عن المجئ، ويستطيع جدي ان يموت (إذا شاء !) لكن شيئاً من ذلك لم يجعلهم يتركون المنزل..
كان تمسكهن به عجيباً واستثنائياً ونادراً، مزيج من الوفاء والتحدي والتمسك بالزمن الذي راح والعمر الذي راح والناس الذين راحوا، مزيج من التشبث بالماضي من اجل ان يستمر ويصير مضارعاً حاضراً في كل حين –انه رهان خاسر طبعاً ومحاولة محكومة بالفشل. لكن ليس بالنسبة لهن،.. وفيما يتعلق بالبيت : انا ها هنا قاعدون.
.. ومع مرور الوقت، لم تعد المسألة مسألة طراز قديم او حديث. بل صارت طبيعة المكان مختلفة، فمع توسع بغداد الشديد، ونشوء احياء سكنية حديثة وراقية، فرغت الاحياء البغدادية القديمة من سكانها العتق، الذين فسحوا المجال لنوع جديد من السكان، وادى ذلك الى انحدار مستواها –اجتماعياً- اكثر .. فأكثر.. فأكثر.
لكن ذلك ايضاً لم يفت في عضدهن وتصميمهن على البقاء، كما لاينفكن يتذمرن من الجيرة ومن سوئها ومن القاذروات امام الباب ومن كل شيء –لكن ذلك لم يكن معناه ابداً- ولا حتى جدلاً- التفكير في الخروج من المنزل.. وكانت أي ملاحظة او نصيحة او حتى نقاش تبذل من أي من الاصدقاء والاقارب في هذا الصدد تواجه لا بالصد فحسب، بل بالعداء المستحكم ايضاً- بل بالتشكيك في نية الشخص صاحب النصيحة، وربما بالشطب الابدي عليه- إذا الح في الجدال..
وللأنصاف، فنصيحة كهُذه كانت دوماً لها وجهة نظر، خصوصاً في العقد والنصف الاخير.. حيث ادت التحولات الاجتماعية المصاحبة للحصار الى زيادة حالات السرقة المسلحة وغير المسلحة، وكان وجود بيت معروف بالثراء القديم لاصحابه –محاطاً ببيئة مختلفة وشبه معادية- وتسكنه امرأتان وحيدتان، وله منافذ متعددة على شاطئ النهر، ومداخله كثيرة ومخابئه أكثر، كان لابد لكل ذلك ان يكون مغرياً للصوص، وقد امسكت خالتي وحدها باثنين منهما في حادثتين منفصلتين – مجلجلتين.
في الحادثة الاول، اقتحم عليها اللص الذي كان يكثر من مشاهدة افلام الحركة الاجنبية على ما يبدو، إذ كان مرتدياً لجورب نسائي في وجهه، دخل عليها غرفتها بينما كانت تقرأ القرآن، واقترب منها بهدوء ليكممها على ما يبدو، لكن رد فعلها لمشاهدته كان على غير ما يحدث في تلك الافلام، فبدلاً من الاغماء المعتاد او الاستسلام المنشود، كان ان انشبت اظافرها في العمق من رقبته وكان ذلك مفاجئاً له ولخطته، فانطلق هارباً لايلوي على شيء، تاركاً جزء من جلده تحت اظافرها.
رد فعلها في الحادثة الثانية كان حتى اقوى، ففي ذات ليلة كانت تعاني من الارق وذهبت لتشرب في الحمام، وهناك وكما يحدث في افلام الرعب، وجدت في المرآة، بالاضافة الى وجهها وجهاً آخراً، لشخص يختبئ خلف الباب، تسلل على ما يبدو خلال ساعات الليل الاولى، واختبئ في الحمام منتظراً السكون ليسرق ما يستطيع سرقته.
وماذا كانت رد فعلها ؟. لاشيء مما يحدث في افلام الرعب. امسكته من يده –ما الذي جاء بك الى هنا ؟– وارشدته الى الباب الخارجي وسط وابل من السباب والشتائم من العيار المتوسط مما لا يتنافى مع مستواها الاجتماعي .. ((لو انكم ترونها. صغيرة الحجم – دقيقة البنية. لاتكاد تقوى على الوقوف في الحالات الاعتيادية دون ان ترتجف بطولها. لكن قارن ذلك بردود افعالها مع من تتصور انه يعاديها.. انها قطة مستنفرة على الدوام. حادة الطبع صعبة المراس، علمتها رؤيتها للاشياء ان تكون مخالبها جاهزة دوماً- لكن للدفاع عن النفس.))
.. تحت المخالب يوجد عطاء بلا حدود. عطاء اسطوري في عصر يصف الاقارب –عموماً- بأنهم عقارب، كانت خالتي تلك –القطة المستنفرة- خيمةً لنا في اوقات شدة عديدة وصعبة – وخلف تلك الحدة يوجد حنان قد لايلاحظ فوراً- لكنه يتجاوز تفاصيل الحنان التقليدي واساليبه السريعة الذوبان، ليحضر في العمق من تاريخ الشخصية.
.. في تلك الامسية، بينما كانت خالتاي توزعان امتعتهما- كنت احاول ان افكر بهدوء – والحرب تكاد تبدء خلال ساعات، كنت احاول ان ارتب افكاري، كنت اعي انني اعيش لحظات فاصلة، وان الذي سيأتي لن يكون كالذي راح ابداً –وانه منعطف حاد الذي اشهده، بل تقاطع طرق لن يتكرر دوماً.
كنت اعلم – انهاحرب فاصلة. وانها ليست كالحروب السابقة- دون ان يبخس ذلك شيئاً منها، معاذ الله..
لكنها حرب مختلفة : بعد ان يهدأ كل كل شيء، - إذا هدأ !!- ستكون الحرب اقوى، وستطال كل مالم يستطع القصف ان يطاله.
ستكون الحرب بعدها موجهة للبنية الشخصية، بعد ان طال القصف والطائرات البنية التحتية..
ستكون الحرب موجهة نحو كل القيم والعقائد التي جاءوا اصلاً من اجلها .. وبعد ان ينتهي القصف، ستبدء الحرب الحقيقية..
فكرت بذلك والحرب لم تبدء بعد، وفكرت ايضاً إذا صمد السقف بوجه القصف
- علينا نحن ان نصمد ايضاً بوجه الحرب على القيم والمبادئ.. وفكرت ايضاً، واولادي يتحلقون حول الخالات، انهم يريدون ذلك ايضاً، يريدون هذه اللمة وهذا التماسك، يستهدفون بالذات هذا النسيج الاجتماعي الذي يجعل خالاتي يلتجئن عندي في ظروف كهذا،.. فالنموذج الذي يريدون ترويجه لايجعل ذلك ممكناً، بل يجعل مكان خالاتي في دار للمسنين حسب الطراز الغربي، ويجعل كل فرد منغلقً على نفسه وعائلته الصغيرة- و هو يصيح : نفسي نفسي.
انهم يريدون عمق النسيج الاجتماعي. وقد كانوا دوماً يريدون ذلك، صحيح انهم يريدون النفط وبعض الامور الاخرى. لكنهم يستهدفون ايضاً ما هو اهم من ذلك، انهم يريدون تلك البنية التي يمكن لها ان تستثمر –يوماً ما- النفط والاشياء الاخرى

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 08:55:00 +0200
عشية الحرب، وانا افكر بملئ آذان اطفالي بسدادات تقيهم اصوات الانفجارات المرتقبة، فكرت بصمود خالاتي في منزلهن عبر تعاقب الازمات، فكرت بتمسكهن به، ورفضهن التخلي عنه بلا هوادة.. بلا جدال.. بلا نقاش.. عشية الحرب، ذكرت في المعنى من ذلك الذي يرتسم امام عيني قبل ساعات من بداية القصف.
ذكرت اننا ربما نحتاج ان نتعلم منهن – دون حذلقة خطابية وتصعيدات عاطفية- عن الصمود والتمسك..
بدا بيت جدي القديم – والآيل للسقوط في بعض اجزائه- والغير صالح للسكن حسب بعض المقاييس – بدا وكأنه رمز لكل ما ورثناه ولكل ما يريدوننا ان نتخلى عنه..
نعم، كما بيت جدي يحتاج إلى اصلاح وربما الى اعادة بناء في بعض أجزائه، فأن موروثنا كذلك يحتاج الى غربلة واعادة نظر. بعض اجزائه آيلة للسقوط وتحتاج الى ازالة. وبعض اجزائه تحتاج الى ترميم. وبعض اجزائه تحتاج الى نسف من الجذور وبعض الاجزاء يجب ان تضاف اليه..
لكننا يجب ان نصمد. يجب ان نتمسك، ورغم وعينا بالعلل والمشاكل في موروثنا، يجب ان نتشبث..
.. وفي ادمغتنا، تحت قشرتها الرقيقة، يجب ان تنمو لنا تلك المخالب التي تدافع بها القطط عن صغارها إذا هاجمها احد، قططاً مستنفرة يجب ان نصير، ندافع باظافرنا عن وجودنا وقيمنا .. وكيونتنا .. دونما خطابات، كانت خالتاي مثلاً حقيقياً عن امكانية ذلك –صحيح انه مثل يحتاج الى تعديل وتصحيح -.. لكنه مثل واقعي..
فكرت مع نفسي، بل تفلسفت قليلاً، عشية الحرب، وانا ارى احتفال اطفالي واحتفائهم بخالتاي..
وبعد بضعة ساعات، بدء القصف.
****************************************

بعد بضع سنوات من الآن، ستتسرب تقارير صحفية من واحدة من كبريات الصحف الغربية، لسبب او لآخر، وستورد تفاصيل بعضها مأخوذ من كلمة من هنا كلمة من هناك، وبعضها مدعوم بوثائق وارقام وحسابات ارصدة مصرحة، وبعضها اعترافات صريحة لأناس عرفوا وسكتوا وقرروا –ان يتكلموا- لسبب او لآخر..
ربما لن تتضح الصورة من تقرير صحفي واحد، لكن تقريراً سيجر اخراً، كل منهم سيضيف جزءً من الصورة اليها..، وستتكامل الصورة بالتدريج، لتفضح عن اصل ومنشأ ذلك الصاروخ الحاد الذي يتهددني واولادي.. وقيمي..
ستكون هناك شركة ضخمة للسلاح، يعاني مديرها من بعض المتاعب، ويحتاج الى ان يروج لبضائعه بشكل فوري وحاسم، وماذا افضل من حملة دعائية للاسلحة الحديثة غير تجريبها عبر حرب حقيقية ؟..
لذلك وجد هذا المدير ان رش الاموال يميناً ويساراً في بعض اروقة ادارة سياسية ما، سيكون اضمن – وحتى اوفر- من اجل التخلص من متاعبه..
وستكون هناك شركة نفط عملاقة (شيفرون او شل او كلاهما !)- حسبت الامر بدقة ووضوح، و وجدت ان الامر بدء يتسرب من يدها، وان البساط سينسحب من تحت اقدامها لصالح شركات نفط منافسة، فقررت ان الهجوم افضل وسيلة للدفاع، وان (فاز باللذات من كان جسوراً)، وبدلاً من المناورة والمساومة التقليديتين، قررت ان تقفز لتصحح الخطأ الجغرافي الذي جعل بحيرة النفط يقع عندنا لا عندهم، وعينت واحداً من موظفيها في ذلك المركز الحساس، واعطت عمولة ضخمة هنا، و وقعت على صك على بياض هناك .. واكرمت هذا، وانفقت على ذاك، وهددت فلان بما لديها من الصور والوثائق، واغرت علان بمنصب ما في الفترة القادمة..
ستكون هناك شبكة اعلامية ضخمة (فوكس نيوز او سكاي نيوز ؟) وقد جهزت نفسها لتتصدر المحطات الاخبارية واشترت حقوق التغطية الحصرية من البنتاغون، ودفعت من اجل ذلك مبالغ طائلة املاً في الحصول على اعلى نسب المشاهدة، التي تعني، ضمن ما تعني، اعلى اجور في الاعلانات المدفوعة الثمن..
.. وسيكون هناك موظف ما في حملة انتخابية قادمة، ذكي وطموح وافكاره جرئية الى اقصى حد، وجد ان الامور سيئة الى الحد الذي لايمكن معه ان يعاد الانتخاب، الا بمعجزة او بفلم هوليوودي، فكتب تقريراً افكاره تستند الى سيناريو خيالي – قامت بتمويله وانتاجه شركات النفط والسلاح، وقام مخرج ارعن بتحويله الى ارض الواقع..
وربما سوف يكون هناك، ما ندري جيداً ولانشك لحظة انه موجود، لكن لأسباب عديدة لن يكون في التقارير، تلك النجمة السداسية، وذلك الشمعدان اليهودي الشهير، الذي يلم الاطراف، ويحيك الخيوط، سيكون رئيس مجلس ادارة شركة السلاح يهودياً – لن يقول ذلك احد في الصحافة، وسيكون سبعة من اصل عشرة من اعضاء مجلس الادارة يهود كذلك. ولن يقول احد هذا ايضاً..
وستكون شركة النفط العملاقة يهودية بالمال والنسب والمصاهرة، لن يقول احد ايضاً، ان الشبكة الاعلامية ستكون غاطسة تماماً –حتى ام رأسها- في المال اليهودي والفكر اليهودي وحتى الدم اليهودي..
.. وسيكون مدير الحملة الانتخابية يهودياً. ومستشار الرئيس يهودياً. وسكرتير الرئيس يهودياً. ومدير مكتبة كذلك. ونائبه ومساعد نائبه.
وستكون عشيقته يهودية، وعشيق زوجته سيكون كذلك.
أن احداً لن يقول ذلك.
لكننا نعرفه.
****************
وبعد بضعة سنوات من الآن سيكون ذلك على الصحف..
وستحدث ضجة كبيرة. وسيكون سبقاً صحفياً يحسب للصحيفة التي اوردته، وللصحفي الذي اعده..
وستتناقل الوكالات التقرير وتزيده وتعلق عليه – وسيحدث الامر ضجة كبرى، وسيتحدث تحقيقُ ما، وسيستقيل واحد او اثنان من الاسماء التي سترد في التحقيق- ككبش فداء- من اجل الحفاظ على ماء وجه الديمقراطية-سبحوا لمجدها..
.. ورغم اننا نعرفه من الآن. إلا ان الامر سيكون مؤلماً جداً، ومحزناً جداً.
سوف يكون مؤلماً – ولو بعد سنين – ان تعرف بالتحديد اسم الشخص في شركة النفط او شركة السلاح الذي دفع مالاً ليقتلك او يقتل اولادك.
سوف يكون مؤلماً جداً ان ترى صورته وهو يبتسم على صفحات الجرائد وستذكر شفاهاً غادرتها الابتسامة الى الابد، وعيوناً سكنتها الدموع الى الأبد..، و وجوهاً ما عادت تبتسم او تبكي، لأن اصحابها ببساطة، قد قتلوا تحت القصف.
.. انك تعرف طبعاً ان لابد ان يكون هناك احداً ما قد فعل ذلك. لكن ان تعرفه تحديداً، وان تعرف اسمه، وترى صورته، سوف يكون امراً مختلفاً جداً .. سوف تذكر الاشلاء الممزقة. والوجوه المحترقة. وجثث الاطفال الملقاة في الشاحنة.
.. وسوف تذكر جثث الآخرين الملقاة في الشوارع التي تحولت لتصير جبهات قتال وساحات معارك. وسوف تذكر كيف تركت في العراء، دون ان يأتي احد ليخليها ويدفنها، وكيف انها تفسخت وفاحت رائحتها، وكيف ان قلوب امهات اولئك الشهداء ولابد كانت تتفطر من شدة الترقب والانتظار – من اجل خبر من اولئك الراقدين في الشوارع-..
سوف نذكر ذلك كله، وانت تقرأ الخبر – فتعجز عن الحياد- وترى الحروف وهي ترمي عليك الرصاص وتطلق لذاكرتك للعنان..
.. وعندما تعرف الرقم الذي دفعوه من اجل ان يتم ما تم، ستستقله وستسترخص نفسك، لقد باعوك وباعوا اولادك واولاد اخيك واولاد وطنك بثمن بخس، دراهم معدودة
-حتى لو بلغت عدة ملايين- .
ستتأمل في الصورة اكثر. وفي الاسم اكثر. عندما قبض الثمن هل فكر فيك وفي اولادك ؟ هل لديه اولاد ؟ - هل يحبهم ويقلق عليهم كما تفعل تجاه اولادك ؟. لعله فعل ذلك من اجلهم ؟ ومن اجل تأمين مستقبلهم ؟ - هل انبه ضميره – وهو يشاهد آثار الدماء والقتلى الاطفال والاشلاء الممزقة – ام انه اشاح بوجهه متقززاً واعتبر ان الموضوع لايعنيه ولا يهمه- ..
ستمتلئ بحقد لا حدود له. حقد لا علاج له. حقد لا امل في اخفاقه. (وسيجد البعض الحل والعلاج لهذا الحقد بأن يكون وقوداً لعملية استشهادية..).
نعم، ستمتلئ حقداً وقهراً وانت ترى الصورة وتقرأ القصة وتعرف الرقم، لكن لا تكن مغفلاً – فلا تصدق اكثر من اللازم. إذا وجدوا للحكاية كبش فداء يلبسونه التهمة، فلا تكن خروفاً يصدق كل ما يقال له..
أنه صدام الحضارات يا صاح. السيناريو ثابت. لكن التفاصيل قد تتغير.
الاستراتيجية ثابتة، لكن التكتيك قد تغير.
ان لم يكن هذا الاسم وهذهِ الصورة وهذا الرقم – فسيكون آخر- فقط التفاصيل ستتغير. صدام الحضارات سيظل هو هو.
****************
يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 08:57:26 +0200
صدام الحضارات إذن ؟!

اعترف، عندما سمعت بالمصطلح للمرة الاولى – قبل عدة سنوات- وبدءت اقرأ عنه، وتابعه، واصطفت الكتب الصادرة عن الموضوع في مكتبتي بين مؤيد ومعارض، ومصفق ومندد للنظرية، لم اكن اتصور قط، ان الامر سيخرج من الالواح الحجرية القادمة من مجلة الشؤون الخارجية – القريبة من مصادر صنع القرار في الولايات المتحدة، كما يقولون- لتصير واقعاً حياً اسمعه بوضوح كما اسمع هدير الطائرات المعادية والمستفزة فوق بيتي الان في هذهِ اللحظة بالذات.
كل المثقفين، عرباً ومسلمين وغير ذلك، سمعوا عن صدام الحضارات، ربما جلسوا على المقاهي يتحدثون، وادلى كل منهم بدلوه في الموضوع، فهذا ايد وجاء بشواهد، وذاك عارض وجاء بشواهد مناقضة، وربما كتب بعضهم مقالات في الموضوع، فالامر هين والدخول فيه لايمر بحقل الغام كما معظم المواضيع الاخرى – ثم انه صرعة وموضة والكل يتحدث عنها الان سلباً او ايجاباً.
نعم كلهم سمعوا بصدام الحضارات

أما نحن، فقد سمعنا صدام الحضارات، سمعنا صدامها حرفياً. بآذاننا. سمعناها تصطدم فوق رؤوسنا، وتتناثر شظاياها على اسطح منازلنا، وابواب بيوتنا، سمعناها تحترق حاجز الصوت لتخرق آذاننا، وتستفز كرامتنا، وسمعناها ترتطم ببعضها البعض – وكان صوت اصطدامها عالياً يسمع من به صمم، ووضعنا اصابعنا في آذاننا بعض الاحيان، وتراكضنا هاربين على السلم في احيان اخرى، وجمدنا في سكون من هول بعض الاصوات- ولم تتحرك سوى شفاهنا في دعاء بالنجاة والستر..
.. الكل سمعوا بصدام الحضارات. نحن سمعناها تصطدم، سمعناها فقط ؟ . لا . بل رأيناها وهي تصطدم..
رأيناها. رأينا الرعب في عيون اطفالنا. ورأينا الذل المرهق في عيون الرجال، ورأينا الاستسلام في عيون النساء، ورأينا الصدى الفارغ في عيون الموتى المجهولين – على أرصفة الشوارع..
رأينا السيارات المحترقة – والجثث المتفحمة..
- وكل ذلك كان اسمه – بالمختصر- صدام الحضارات..
**********
0. في الحقيقة انني لا اعتقد ان اياً من خالاتي يعرفن هنتنغتون – المنظر الاساسي لفكرة صدام الحضارات- أني اعتقد ان الكبرى منهما قد سمعت به بشكل عابر، عبر تنقلها المستمر بين محطات الاذاعة التي تدمن سماعها، ولو ان حتى مسألة السماع لهذه لا يعول عليها مع خالتي، اذ ان سمعها عموماً لا يعتمد عليه.
كانتا معاً تعيان وتدركان المغزى مما يحدث من هذهِ الحرب وهذا القصف، كانتا تعرفان – رغم النفط ورغم اسلحة الدمار الشامل المزعومة ورغم هدف تغيير النظام- ان الهدف الاساسي من ذلك هو القيم، هو الحجاب الذي فوق رؤوسهن وفوق رأس زوجتي ..، هو كتاب الادعية الذي لاتتركه واحدة منهما، هو صلاتهما، والحلال والحرام الراسخ في تفكيرهما..
كانت تعيان ذلك ببساطة مذهلة، بفطرة اصيلة، دونما ايدلوجيات. دونما شعارات او خطابات. دون ان يعرفن هنتغتون او يقرأن عنه او يسمعن بالردود عليه..
دون تنظير فكري، او ندوات، او مظاهرات ضد العولمة، كانتا – في الجوهر، في العمق، واعيتان الى ما ان يدور حولهما وبهما – ربما منذ عقود- كان يقصد دينهما قبل كل شيء- وبعد كل شيء.
رغم ان سمعهما – كعضو وكحاسة- لم يكن كما يجب، لكن اذنيهما كانتا وعيتان للحقيقة : ان الاصوات التي كانت تنفجر فوق رؤوسنا، واصوات الطائرات وهي تقصف، واصوات الصواريخ وهي تنفلق وتنشر شظاياها على سطوح البيوت – كانت في الحقيقة اصوات صدام الحضارات.
صوت اصطدامها ببعضها البعض، صوت حضارة وهي تغتصب حضارة اخرى، صوت حضارة وهي تمتطي حضارة اخرى – بكل قيمها ومعتقداتها وموروثاتها، صوت اختراق الطائرات لحاجز الصوت في سمائنا كانتا تسمعانه كاختراق لغشاء العذرية في افكارنا ورؤانا.
واعيتين كانتا لذلك، ببساطة مذهلة، بتلقائية مدهشة، لم تكونا تولولان تحت القصف بسب هذا الطاغية او ذاك الرئيس من الاسماء التي تعودنا ان نعتبرها كشماعة نلقي عليها باللوم لما يحدث..
كان الامر بالنسبة لهما – امرأتان في العقد الثامن من عمرهما- شديد الوضوح، شديد الشفافية..
لا اسماء هناك لنلقي باللوم عليهما..، لا نفط، لا دمار شامل صدام الحضارات، لا ايدلوجيات، لا هنتغتون.. انه صدام الحضارات..
رغم انهما لم تسمعا بهنتغون، الا ان ذلك لا يجب ان يعد كأشارة في إلى كونهما بسيطتي التعليم..
فالكبرى منهما، تخرجت في اواخر الاربعينات من دار المعلمين العالية في بغداد، - وهو ما يعادل بكالوريوس تربية في الحالي، وتخرجت الاخرى في اوائل الخمسينات من كلية الحقوق، وان تحصل فتاتان، في منتصف القرن الماضي، على شهادة جامعية، هو امرُ كان ولايزال يذكر..
اتأمل حياتهما، فارى فيها انعكاساً لحقبة تحولات مهمة عصفت بالمجتمع العربي عامة، والعراقي خاصة..
كان انتماؤهما الطبقي يجعلهما تنتسبان للارستقراطية الاقطاعية اذا جاز لنا ان نقبل بوجود تقسيم كهذا، لكن هذا الانتساب لم يجعلهن اسيرات لطبقتهن..
فرغم ان والدهن كان وزيراً في العهد الملكي –كما ذكرت- ورغم انه شمل بقانون الاصلاح الزراعي ] وهو التعبيرالمخفف لحقيقة انه كان اقطاعياً[، الا ان مشاعرهن كانت دوماً مختلفة عن وضعهن الطبقي..
.. ففي حركة رشيد عالي الكيلاني مثلاً، في مطلع الاربعينات، وعندما قام المذكور بحركة انقلابية على الحكم الملكي والاحتلال البريطاني، تأججت المشاعر الوطنية عندهن، ورغم ان والدهن كان قد اعترض على المشاركة في الحركة عندما طلب اليه ذلك كوجه سياسي معروف، إلا ان بناته كلن لديهن رأي آخر، وقد ارسلت الكبرى منهن برقية تأييد الى زعيم الحركة (الموت ولا الخضوع للعدو الغاشم) ، اذيعت في الاذاعة ضمن برقيات اخرى، وكان رشيد عالي يباهي والدهن بتلك البرقية، بينما كان جدي يرد عليه بأن عواقب المشي خلف آراء طالبات الصف الاول المتوسط ستكون وخيمة..
.. وقد كانت وخيمة فعلاً. فقد فشلت الحركة واعدم القادة العسكريين وبعض المدنيين وفرِّ رشيد عالي هارباً الى ايران..
لكن المشاعر ظلت متأججة. وبعد بضعة سنوات جاءت قضية فلسطين لتصب الزيت على نار المشاعر – كتبت خالتي نفسها بدلاً من البرقية مجموعة خواطر وربما بضعة قصائد، وذهبت للتبرع بالدم وتسجل اسمها في قائمة المتطوعين- وكان ذلك نزولاً من البرج العاجي الذي يجعل الفتيات في سن خالتي آنذاك حبيسات شغل التريكو والتطريز وتصفح المجلات..
ثم جاءت الخمسينات. وجاء عبد الناصر – حلماً اخاذاً وخيالاً جذاباً : آمال وطموحات لا حدود لها، وطن واحد من المحيط الى الخليج، استعمار يخرج بالقوة، وقوة عظمى تنشأ من هذا الشتات.. كان ذلك هو المد القومي الذي اعتلته خالاتي جميعاً تقريباً، ضاربات بعرض الحائط بحقيقة ان الحكومات طيلة الوقت تقريباً كانت ضد هذا المد القومي، وايضاً بحقيقة اخرى هي ان هذا المد القومي كان مصاحباً –الى حد كبير- بأفكار اشتراكية كان لابد ان تأتي –اذا أتت- بتغيرات وتأميمات ستطال اموال والدهن..
لكن –الذي جاء- بدلاً عن المد القومي، كانت الافكار الاشتراكية وحدها دون حلم الوحدة والدولة الكبرى، عبر انقلاب عسكري سيطر عليه الشيوعيون واشباههم وجاءوا بقوانين التأميم والاصلاح الزراعي المتلاحقة التي أكلت من اراضي والدهن الجزء الاكبر.
رغم ذلك، ورغم الاضطرابات السياسية المتلاحقة، ورغم السحل والأرهاب، والسلب والنهب، والاستفزاز الذي تعرضن له باعتبار ان والدهن كان من وزراء العهد المباد – والذي وصل الى حد رمي حبال السحل امام السيارة التي تقلهن كنوع من التهديد والوعيد – رغم كل ذلك، فقد ظللن وفيات للحلم القومي..
لكن الحلم القومي لم يكن وفياً لهن. ولا للملايين الذين آمنوا به، فبدلاً من الوحدة كان التفتت، وبدلاً من الحرية كان الاستبداد، وبدلاً من الطبقة الفاسدة التي ازيحت جاءت طبقة اخرى اكثر فساداً وشراهة.
وعلى صخرة الهزيمة المنكرة وضياع قبة الصخرة انتهى الحلم تماماً وبدءت مرحلة جديدة. كفرن بذاك الرجل الذي كهرب احلامهن في الخمسينات، والذي لاتزال خالتي تحتفظ بكل تسجيلات خطاباته، وبدلاً من الولع والايمان صّار هناك السب والشتم له – رغم انهن يعترفن انهن اجهشن بالبكاء بعد ثلاث سنوات عند موته المفاجئ.
وكما حدث مع المجتمع بأسره، حدث معهن. فبرز التدين أكثر فأكثر، ببطء ربما، لكن برسوخ بثبات.
ولم تبدء الثمانينات حتى كان التدين قد صار العلامة الاكثر بروزاً، والسمة الاكثر حضوراً في حياتهن اليومية..
هل سيقول احد انه التقدم في السن هو الذي حتَّم هذا التغيير ؟.
ربما . لكنه كان تغييراً مصاحباً لتغييرات المجتمع، واستطيع ان اقول بالاستعاضة ان المجتمع ايضاً تقدم في السن، نضج اكثر وبعد أن مرَّ بكل تلك المراحل، الصعود والهبوط، الاحلام والانكسارات، وجد نفسه في العودة للدين.
اتأمل حياتهن، بل وحتى حياة والدهن، فأجد فيها قصة هذا المجتمع بأسره..
كان والدهن ليبرالياً الى حد كبير – انتمى الى جمعية الاتحاد والترقي في بواكير شبابه، ثم هجرها عندما توضحت له اهدافها الحقيقية. لكنه ظل وفياً لحلم الدولة على النموذج الغربي والدستور الغربي..
لم يكن جدي متديناً. هذا صحيح. لكن خالاتي يضفن دوماً انه لم يكن ضد التدين. يعتذرن له بهذا، ويقلن ان الوقت كان مختلفاً..
اعتقد انه في اعماقه كان ممزقاً – واعتقد ان وصف خالاتي له كان صحيحاً الى حد كبير لم يكن متديناً – لكنه لم يكن ضد التدين. كان ممزقاً، كما قلت، وكان ذلك يعني انه لم يحسم الامر : بين عدم التدين – وعدم الوقوف ضد الدين كان هناك خيط رفيع جداً – ظل جدي يتأرجح عليه، واعتقد ان جيلاً بأكمله من مثقفي الحقبة العثمانية المتأخرة كان يتأرجح عليه : لا حسم ولا حزم في هذا الامر. لقد فهموا العلمانية بأنها هذا التردد بين الامرين، فلاهم استطاعوا ان يحسموا امرهم ويعلنوا رفض الدين –ولا هم اقدموا على التدين.. لقد كانوا في ريبهم يترددون..، ولا اريد ان اصدر احكاماً، لكني اعتقد ان ريبهم هذا، وترددهم هذا، سيرديهم فيما لا يشتهون..
اذكر ان والدتي مرة، قالت لي، ان والدها، بعد الانقلاب الذي اطاح بالعهد الملكي، وجاء بالعهد الجمهوري، كان قلقاً جداً من ان يعلن الدستور الجديد الدولة العلمانية –على النمط التركي- كان حقوقياً وقانونياً من الطراز العتيق وكان الدستور يشكل صلب اهتمامه..، وعندما اعلن الدستور، وكان جدي قلقاً ينصت باهتمام الى المذياع، واعلن ان دين الدولة الرسمي هو الاسلام، صاح جدي من الفرح : برا فو!.


يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 08:58:36 +0200
تتمة ليلة سقوط بغداد

يبدو الامر الان كنكتة. او كمفارقة. فحسب المفاهيم الحالية نتوقع من رجل كان قلقاً من اجل الدستور، ان يصيح الله اكبر، او لا إله إلا الله، في حالة فرحه باعلان كون الاسلام ديناً رسمياً للدولة، او ان يصيح انا لله وانا إليه راجعون في حالة اعلان الدولة بلا دين..
اما ان تفلت منه صيحة (برافو)، فذلك ما لا نفهمه الآن، رغم انه كان جزءً من طبيعة الاشياء في وقتها. جزء من الموزاييك المتداخل الذي حدد طبيعة الشخصية في ذاك الوقت، والذي اقر انه لا يزال موجوداً الى حد كبير في داخل كل منا..
برافو !، قال جدي يومها – لعله لم يعتقد ابداً ان جيلاً اخراً سيأتي من بعد، من عمر احفاده، ولن يرضى ابداً بالعبارة التي اعجبته – لا لأنه ضدها، بل لأنه يجدها غير كافية، ولن يرضى بأقل من التطبيق الكامل لأحكام الشريعة، واي شيء دون ذلك سيعد كفراً وخروجاً عن الملة – لو قال له احد ذلك لقال برافو ايضاً على النكتة. كان كل شيء يسير عكس هذا، كان كل شيء يبدو انه يأخذ بالدين الى المتحف ليصير تراثاً نحبه ونجله –لكن من بعيد- عبر الزجاج الفاصل بيننا وبينه..
هل اقول ان السحر انقلب على الساحر ؟ ام ان الفصول تغيرت ؟ ام انه المكر الالهي – ام كل ذلك دفعة واحدة ؟
لست ادري. لكني اعرف ان هذهِ الفسيفساء موجودة في تاريخ عائلتي بأكثر مما يتصور المرء للوهلة الاولى. واعرف ان هذهِ الفسيفساء موجودة في بغداد بأكثر مما يتخيل المرء للوهلة الاولى – وان في اعماق كلامنا توجد هذهِ الفسيفساء المتداخلة، حتى دون ان نعي ذلك – احياناً تكون متناقضة منفرة، واحياناً تكون منسجمة متسقة. ربما يكون هذا من مشاكلنا واسباب ضعفنا، وربما يكون هذا ايضاً من اسباب قوتنا وتفردنا..
في العمق يوجد هذا الفسيفساء كلما تأملت وجدت زوايا اخرى : كانت والدتهن
–جدتي- تعزف على البيانو ولديها اشتراك في احدث مجلات الازياء الفرنسية – لكنها ما كانت تخرج من المنزل دون ان ترتدي الخمار..
وكن هن ايضاً نموذجاً لهذا الفسيفساء . فكن سافرات اكملن تعليمهن وهن سافرات، لكنهن كن يستعرن العباءة السوداء التقليدية من الجيران، للخروج في مظاهرة ضد الاستعمار او ضد العدوان الثلاثي على مصر..
- واليوم ؟ .. انهن ينتقدن حتى المذيعات على تبرجهن !!
.. انه الفسيفساء، كما ذكرت. اعرف ان بعض تفاصيله قد تكون معكوسة في بعض زوايا المجتمع، وان هناك من اقران جدي من كان متديناً الى اقصى حد، متمسكاً باهداب الدين وشعائره، لكن الامر صار معكوساً مع بناته واحفاده..
.. نعم . انه الفسيفساء – مرّة نقطة ضعف، ومرّة مركز قوة. مرّة تحليق ومرّة سقوط. مرّة انهيار ومرّة بناء.
اتأمل في ذلك، في خالاتي وحياتهن الشخصية – انهن تاريخ مجتمع- تاريخ معاصر لأمة قد تكون قيد التكوين او قيد الاحتضار..، لكنهن يمثلن الشهادة الحية على ذلك..
..اتأمل، فجأة يصير التجاء خالاتي عندي في شقتي الصغيرة، له اكثر من معنى – يمتد كل منها افقياً وعمودياً وشاقولياً..
فجأة يصير التاريخ لاجئاً عندي .. تحت القصف، تحت دوي المدافع، تحت ازيز الطائرات، عند صدام الحضارات..
وعندما يكون التاريخ لاجئاً في بيتك – من صدام الحضارات- فأنك لا يمكنك إلا ان تنظر للمستقبل .. لأولادك وهم يتقافزون ويلعبون .. ويبدءون في تعلم القراءة والكتابة..
عندما تكون حياتك نقطة تتقاطع فيها الطرق، وبيتك مفترقاً لالتقاء التاريخ بالمستقبل، وسطح بيتك ساحة لتصادم الحضارات.
عندما يكون ذلك، فأنك يجب ان تنظر بتفحص وتأمل لكل ما يتقاطع في حياتك.. لكل ذلك الماضي وكل ذلك التاريخ وكل تلك القيم والمعطيات التي تشكل ذلك الفسيفساء الذي يغطي حياتك..
.. من اجل المستقبل – عليك ان تنظر للماضي..، على الاقل حتى لايتكرر الحاضر..
****************
قصف . قصف . قصف
قصف مدوي مسعور. قصف مجنون مثل بركان انفجر من كل فوهة في السماء.

قصف . قصف . قصف
قصف ينزف عليك من كل فتق في السماء. كل جهة تولي وجهك اليها تجد باب جهنم وقد فتح واندلعت منه السنة النيران والموت والعذاب..

قصف . قصف . قصف
وتجد نفسك وقد دخلت فجأة في كابوس لانهاية له. تريد ان ينتهي وتستيقظ وتقول انه مجرد كابوس.. لكن لا ، هاهي الطائرات مرة اخرى، هاهي الصواريخ تنقض مجدداً، ها انت تسمع صوتها وهي تمر من فوق رأسك، تكاد تخفض من رأسك قليلاً بشكل لا ارادي حتى يمر الصاروخ – ها هو يمر .. وها هو ينفجر بعيداً عن مرمى بيتك..

قصف . قصف . قصف
وفي كل مرّة تتنفس الصعداء وتحمد الله لأن الصاروخ لم ينفجر فوق بيتك ويقتل اطفالك، تعرف انه قطعاً انفجر في مكان آخر، فوق بيت آخر وقتل اطفالاً آخرين، ربما كانوا اقرباءك، وربما كانوا اصدقاءك، وربما ستبكيهم بحرقة عندما تعرف انهم قضوا في الصاروخ الذي اخطأك واصابهم..
.. وربما كنت لاتعرفهم – ولم ترهم يوماً ولم تصادفهم في الشارع ولم تسمع بأسمائهم- لكن ذك لن يخفف من شيء، ولن يغير من شيء. انهم بشر ايضاً ولهم كل ما ستأسف عليه وتخاف عليه وتستقتل من اجل الحفاظ عليه.. هناك اطفال و هناك نساء وهناك اباء وهناك مشاعر وهناك ذكريات.

قصف . قصف . قصف
.. ولن يهون عليك قط، ان الصاروخ قد سقط على هدف عسكري . هذا التمييز بين المدني والعسكري في مجتمع مستهدف بأكمله لا يعني لك شيئاً، كما لايعني شيئاً لاولئك الامهات القابعات في بيوتهن، بينما قلوبهم تتفطر من اجل اولادهن في المواقع العسكرية..

قصف . قصف . قصف
وانت فأر مذعور – وكنت قد اتفقت مع نفسك ان تكون اسداً هصوراً- او قطة مستفزة.. لكن تحت القصف، وامام الأمر الواقع، لست سوى فأر مذعور يحتضن صغاره وهو يرتجف، بينما العالم كله من حوله يرتجف..

قصف . قصف . قصف
.. ورغم ان السماء تصب عليك ناراً وسوط عذاب، إلا انك لا تزال تتوجه إليها، بل إليه، عيناك في عينه وشفتاك ترددان اسمه..، القصف لم يقطع تلك الحبال التي تربط بينك وبينه..
رغم القصف : يوجد أمل.
.. وماذا لديك – تحت القصف- سوى ان تكون فاراً مذعوراً..
ماذا لديك سوى ان تكون ما انت عليه.. ترتجف كما تفعل وتحتضن صغارك كما تفعل..
ماذا لديك وعدوك يضربك من كل مكان. من قارة اخرى، من فوق البحار البعيدة، وحتى من اعماقها السحيقة، من الاعالي الشاهقة، ومن الارتفاعات المنخفضة.. من الاقمار الاصطناعية وربما حتى من الطبيعة..

يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 08:59:25 +0200
ماذا لديك لتفعله ولاتوجد حتى امكانية للمقارنة – بين عدتك وعدتهم – ماذا لديك لتفعله والحرب محسومة النتائج سلفاً، ونتائجها محض ارقام : ارقام لاعادة الاعمار. ارقام لبراميل النفط. ارقام لأسعار النفط. ارقام للاحتياطي المتوقع وغير المتوقع.
.. وايضاً ارقام للضحايا..
.. وماذا لديك سوى ان تدعو الله ان لاتكون من بين هذهِ الارقام.. وماذا لديك وانت واسلحتك من مخلفات عصر آخر، واسلحتهم (تنتمي لعصر آخر ايضاً ولكن في المستقبل) الكترونية ومبرمجة بالحاسوب، وقنابلهم الذكية تسيطر عليها ايدي غبية وادمغة حقودة – حتى اقمارهم الاصطناعية التي تلتقط لبيتك وبيت جدك صوراً- تبدو ممتلئة حقداً عليك وعلى آبائك بشكل شخصي.
.. ماذا لديك لتفعله، وانت الاعزل ابن الاعزل، المنتمي لأمة عزلاء ومعزولة، انفرد بها قاطعو الطرق في ليلة ظلماء، واغتصبوها عنوة، ونهبوا عفتها و متاعها وحتى ذاكرتها، وتركوها عارية على قارعة الطريق..
ماذا لديك لتفعله – ايها الاعزل- امام كل ذلك الجبروت والصلف والطغيان، .. وانت مرمي على قارعة الطريق ؟؟
**************
لكنك لست اعزلاً قط . إذا كان عندك قيمك
لست اعزلاً قط – حتى لو جردوك من سلاحك، حتى لو كنت بلا سلاح اصلاً – إذ1 ظلت معك قيمك..
لست اعزلاً ابداً – لاتقلها ولا تفكر بها- لو انهم لم يتمكنوا من اغتصاب قيمك .. ومن انتهاب قيمك.. ومن استبدال قيمك.
كل تلك الجيوش الجرارة، مشاة البحرية، وسلاح الطيران، قوات التدخل السريع، وفرق الصيانة.. كلها –مجتمعة ومتعدة- لن تصمد امامك، لو انك كان عندك قيمك..
سيهزم الجمع وسيولون الدبر، لو انك استمسكت بقيمك..، سيصبرون على البقاء، سنة او اثنتان، او عشرة – لكنهم سيسأمون ويملون إذا وجدوك صامداً- مستمسكاً بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها – لو تكسر صلفهم على صخرة قيمك وانت تنقلها لأولادك واولادك يعتبرونها الحجر الاساس لحياتهم، لو استطعت ذلك، لهزموا، ولرحلوا..
في صدام الحضارات، النتائج لا تحسب بتقدم القطعات العسكرية الى هذه المنطقة، واحتلالها لتلك – في صدام الحضارات النتائج لا تحسب بالكم الجغرافي : الف كيلو متر مربع او عشرة الاف ميل مربع.. ولاتحسب حتى بالنوع الجغرافي تلك التلة الاستراتيجية هناك، وذلك السهل الذي يحتوي على آبار النفط هناك
في صدام الحضارات، الامر مرتبط بالقيم..
ولو ان مجنزراتهم فشلت في فرض قيمهم – ولو انك استمسكت واستعصمت بقيمك، ولو انك لم تهزم من الداخل، وظلوا يحاصرون بيتك دون ان يحتلوه – وحتى لو اقتحموه- فأنهم لم يقتحموا عقلك.
لو انك صمدت امام معسول وعودهم، وقاومت مناهج تعليمهم. وسددت اذنيك بوجه سمومهم. لو ان ابواب عقلك وقلبك ظلت موصدة بوجودههم، وظل الحاجز يحول بينك وبينهم..
سواء رفسوا بابك ليفتحوه، او حطموه فأقتحموه، او طرقوه وفتحت فدخلوه .. سواء حدث هذا وذاك : فالمهم ان لا يقتحموك ..
والمهم ان ترفض الدسم الذي يقدموه – لأنك متيقن- انهم دسوا فيه السم الذي عبروا المحيطات والقارات ليجعلوك تتجرعه..
.. لا ، لست اعزلاً قط، لو كان معك قيمك..
ولا تهن ولا تحزن. فالامر لم يحسم بعد.
والحسم عند القيم. الحسم عند القيم. الحسم عند القيم.
.. لن يغلبوك ابداً – لو ان قيمهم لم تغلب قيمك..
لا ، لست اعزلاً قط –لا تقل ذلك- لو انك كنت مدججاً بقيمك..
**************************

وماذا لديَّ لكي افعله، انا الاعزل –تحت القصف- إلا من قيمي ومن قلمي .. سوى ان اكتب..
ماذا –تحت القصف المسعور- سوى ان افعل اكثر ما اتقنه واكثر ما ادمنه وكل ما استطيع ان افعله. بأن اكتب.
اكتب، لأدون شهادتي على ما يدور، وعلى ما دار سابقاً، وعلى ما سيدور لاحقاً..
اكتب، لأتذكر، ولكي يتذكر الاخرون،.. واكتب لكي انسى، ولكي ينسى الاخرون..
اكتب من اجل ان احافظ على توازني – وفي هذا الجنون الذي يدور- استطيع ان احافظ على عقلي..
اكتب من اجل ان ارى. اكتب من اجل ان ابصر. اكتب من اجل ان اسمع.
اكتب من اجل ان تستعيد حواسي فاعليتها..
اكتب لكي اعقل ما يدور، لكي اربط بين ما يدور – اكتب لكي اكون شاهداً على ما يدور
اكتب من اجل الماضي-.
اكتب من اجل الحاضر، اكتب من اجل المستقبل..
اكتب من اجل ان اتحسس –في الظلمة- الطريق، وفي العماء المظلم اشعل الحريق..
اكتب من اجل الحقيقة، اكتب من اجل الزيف. اكتب من اجل السقوط ومن اجل الأنهيار..
اكتب لكي اتحدى الموت المفرغ من المعنى، اكتب لكي اؤكد لنفسي اني لا ازال حياً – اكتب لكي اتذكر اني لم اقضِ تحت القصف.
اكتب لكي استمسك بالأمل، وبالضوء القادم من شقوق الجدار.. اكتب كي اقنع نفسي بأن ثمة أمل .. اكتب لكي انشر الأمل..
اكتب لأتحدى الزوال، واكتب من اجل البقاء.. اكتب لكي يتحدى نصل قلمي نصل الصاروخ الحاد الذي يتهددني. اكتب لأني لا ازال..،
واكتب لأنه لا مفر..
اكتب لأثبت اني كنت يوماً هنا. واننا كنا دوماً هنا.
اكتب لاترك دليلاً انني مررت يوماً من هذا المكان، وإذا مت تحت القصف فقد يجد احدهم هذهِ الاوراق تحت الانقاض..
اكتب لأني قد اموت ولكن قد تبقى الاوراق..
اكتب لأن الاوراق قد تحترق – ولكن الكلمات سوف تطير..
*******************
طيلة الاشهر السابقة للحرب، كانت الحرب قد بدأت فعلاً – دون ان يعلم احد.
ودون ان نعلم، كنا جميعاً ضحايا تلك الحرب الصامتة لكن الشرسة، الصاخبة لكن الخفية، القاتلة لكن بدون قتل..
ولأشهر عديدة، سبقت الحرب، كانت حرباً اخرى تمهد للقوات العسكرية تزيح الالغام، تليَّن الدفاعات، تهدم طرق المواصلات، تشل العقول وترمي بالسم في الهواء..

يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 09:00:24 +0200
قبل ان تبدأ الحرب، ربما بخمسة او ستة شهور بدء ذلك القصف الذي لم تتصدر اخباره نشرات الانباء، ولم تنقله بشكل مباشر القنوات الفضائية – كما فعلت مع الحرب الأخرى- ربما لأنها كانت هي السلاح هذهِ المرّة..
نعم. كانت الحرب قد بدأت قبل الحرب، عبر القنوات الفضائية والارضية، عبر الاعلام المرئي والمسموع، عبر الديجيتال والصحن اللاقط بدأت الحرب..
اقول ذلك، وسيأتي يومُ ما، مؤرخ عسكري او محلل سياسي ما، ليثبت ذلك ويوثقه، ويؤكد ان حربنا هذهِ كانت اول حرب تبدأ قبل ان تبدأ، وتنشب قبل تنشب.. وربما تحسم الامر كله قبل حتى ان تطلق الرصاصة الاولى..
.. كانت تلك هي الحرب الاعلامية، غزت الرؤوس والعقول، وارهبت النفوس وارعبت الادمغة – وذلك كله كان مقدمة لشل الاطراف التي تحمل السلاح (كما سيتبين الآن).
قبل ان تبدأ الحرب، ربما بخمسة اشهر، اكثر قليلاً او اقل قليلاً، بدأت تلك الغارات المنظمة التي لم نفهمها كما يجب..
بالنسبة لي، قبل رمضان بحوالي شهر او اثنان، ومع تسرب انباء عن تحرك حاملة الطائرات الفلانية من المحيط الى الخليج، وانباء اخرى عن تحرك البارجة الفلانية التي على متنها كذا وكذا من الصواريخ والاسلحة بدأت سلسلة من الاخبار تتركز –وبشكل شديد الفاعلية- على نوعية السيناريوهات المعدة في البنتاغون. سيناريو اكثر ارعاباً من الآخر، كانت في البداية محض تقارير صحفية، كان المتفائلون من الناس –وكنت احُدهم- يقولون انه كلام جرائد، ويشيحون بوجودهم ويسدون آذانهم.
لكن التقارير كثرت شيئاً فشيئاً، وصارت تحمل تصريحات لأسماء مهمة في البنتاغون والخارجية الامريكية، وكانت السيناريوهات المطروحة اكثر ترويعاً وارهاباً من سابقاتها، وكانت تحمل تفصيلات عن انواع الاسلحة التي سوف توظف في السيناريوهات المطروحة.. لكن المتفائلون (.. وكنت منهم) قالوا انها انتخابات نصف الفترة الرئاسية..
.. وشيئاً فشيئاً، زادت التحشدات العسكرية، وزادت الانباء، وبدلاً من ان تكون مجرد تقارير صحفية، صارت اخباراً رسمية، وبدلاً من ان تكون مجرد تسريبات، صارت تصريحات، وبدلاً من ان تظل شفهية، صرنا نراها صوتاً وصورة..
لكن المتفائلون (..وكمن منهم) قالوا انها السياسة . ويظل هذا محض ضغط على الحكومة.
.. وروجت التقارير والاخبار، تلك التي تتعلق بتفاصيل الاسلحة التي سينوون استخدامها، وتكفلت بترويجها بعض القنوات الفضائية (.. لن اذكرها حتى لا اروج لها..)
- وكانت هناك برامج كاملة- ينبغي ان تصنف كمادة لا تجوز مشاهدتها من قبل صغار السن، لأنها كانت مرعبة اكثر من اشد افلام الرعب الرائجة – كانت هناك قنبلة (تشفط) الاوكسجين- بكل ما يعني ذلك من اختناق ورعب، وكانت هناك قنبلة اخرى تقتل الناس دون ان تدمر المباني، وكانت هناك قنبلة اطلقوا عليها (ام القنابل..) بكل ما يعني ذلك من معاني، وكانت هناك قنبلة تعطل كل الاجهزة الكهربائية، مرّة جاءت الانباء بانها ستكتفي بتعطيل فقط تلك الموصولة بالتيار، ومرّة جاءت بأن الامر سيّان، ومرّة قالت بأن مداها سيكون ثلاثة كيلومترات، ومرّة قيل بأنها لن تتعدى مئات الامتار..
ووصل الامر حد التلويح باستخدام السلاح النووي –بكل صلف وعنجهية- وكانوا يبشروننا بانها ستكون قنابل نووية صغيرة تسلط على منطقة محددة..
.. كان ذلك مرعباً. لكن المتفائلون (.. وكنت منهم) كانوا يقولون انها حملة دعائية لسلاحهم، يروجون له، وفي الوقت نفسه يمارسون الضغط والتخويف..
.. وكانت الصحون اللاقطة تستقبل ذلك كله، وفي كل العالم الصحون اللاقطة تقوم فقط باستقبال البث الفضائي، لكن في دول مثلنا ،في المجتمعات المقموعة التي يمنع القانون امتلاك وحيازة الصحون اللاقطة –فأن الصحن اللاقط يقوم بوظيفة مزدوجة- انه يقوم بأستقبال البث، كما هي الوظيفة الاساسية للصحن اللاقط في كل العالم – ولكنه في المجتمعات المقموععة (بطريقة او باخرى) ايضاً يقوم بالبث .
ورغم ان القوانين تمنع امتلاك الصحون اللاقطة، إلا ان هناك سطوحاً كثيرة وجدت زاوية ما، ركناً ما ، لتخفي صحناً ما، متوجهاً نحو هذا القمر او ذاك.
كان ذاك المنع غباءاً منقطع النظير –كما هو حال سلوكيات عديدة لا مجال لتعدادها-، فقد كان البث الذي يقوم به اصحاب الصحون اللاقطة (المهددون قانوناً بالغرامة او الحبس او كلاهما..) لأصحابهم من اخبار تنتقل من واحد لآخر- وكالعادة التي تتبع في تناقل الاخبار- كانت الاخبار تزيد وتضخم الى درجة مضاعفة بحيث يبدو الخبر الاصلي شديد التخفيف.
كان الصحن اللاقط –الممنوع- شديد الفاعلية في تلك الحرب. فقد اثبت القمع انه مزدوج الاستعمال.. وان الاستعمال عند القمع لديه آثار شديدة السلبية. اكثر بكثير من الاستعمال بحرية..
لقد نشر الصحن اللاقط الممنوع الخوف بأكثر مما لو كان مسموحاً به..، واستطيع ان اشهد على ذلك : ان آلية التناقل والمشافهة التي كان الناس يمارسونها (بلا وعي غالباً) كانت تثير الرعب والاحباط اكثر بكثير من الخبر الاصلي عارياً عن اضافاته، وفي ثلاث او اربع حالات، كنا في البيت نكون قد سمعنها الخبر مباشراً عن القنوات الفضائية، ثم يأتينا نفس الخبر في اليوم التالي وقد ركب له انياباً وارتدى قناعاً لوحش كاسر، ووضع اكليلاً من العظام والجماجم فوق رأسه – كيف ؟
انها بيئة القمع والخوف – البيئة الاكثر مناسبة لادغال الكذب والزيف و التهويل والمبالغة..
والشيء الذي كان يلفت نظري، بل يثير اعصابي، ان الخبر الراجع مزهواً بتضخمه كان يجد آذاناً صاغية من اولئك الذين سمعوه بشكل مباشر من ذلك الصحن اللاقط – المخفي في زاوية من زوايا السطح فوق بيتي..
والصحن اللاقط المزدوج الوظيفة، وبيئة القمع والخوف..، كلها تظافرت لكي ينتشر الاحباط والرعب والخوف لكي تبدأ الحرب قبل ان تبدأ..
كانت تلك الاخبار –والاخبار الاصلية ونسخها المتضخمة- تعمل على دق الجدار، مرة طرقة هنا ومرّة صدمة هناك – مرّة ثقب هنا ومرّة صدع هناك، كان السور العالي يتعرض للانهيار.. وكان خط الدفاع النفسي يتعرض للتليين..
.. وكان المتفائلون (وكنت لا ازال منهم) لايزالون يصرون ان شيئاً ما اخراً سيحدث غير الذي تتناقله الوكالات : صفقة ما او سيناريو سيكشف في الساعة الاخيرة – كانوا يقولون..
ثم في الربع ساعة الاخير. اصبحوا يقولون
ثم الخمس دقائق.
ثم اصبح اسمه : سيناريو اللحظة الاخيرة..
.. وحتى قبل الحرب بيومين، بعدما بدأ واضحاً ان لا مفر من الحرب، خاصة بعد ذلك الانذار بالمغادرة خلال 48 ساعة، كان المتفائلون (.. ولم اعد منهم !) لايزالون يقولون.. سيكون هناك شيء ما..، سيكون هناك مساومة ما..
الآن افكر انه كان متفائلاً سلبياً وهشاً، ومنذ البداية..

يتبع


يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 09:58:58 +0200
لقد كان تفاؤل التهرب والاستنتاج والتحليل – كان تفاؤل يلغي احتمالية الحرب باعتبار انهم (لن يفعلوها) و (لن يجترءوا عليها) و (ما داموا يريدون النفط فلماذا يشنون حرباً ما داموا سيحصلون عليه؟) .. الخ.
كان تفاؤلاً يجنح للحلم بينما كانوا هم يجنحون للحرب..
لم يكن ابداً تفاؤل العمل والمواجهة – انما تفاؤل الامل الفارغ والتمنيات الكاذبة..
كان تفاؤلاً هشاً – بكفية طلقة واحدة، ليصير احباطاً مريراً وعجزاً لا حدود له..
.. وعندما بدء القصف، فهمنا ان الحرب كانت قد بدأت قبله بفترة طويلة..
*****************
كان اكثر همٌ نحمله، قبل ان يبدأ القصف، نحن الكبار، هو هم الصغار ومواجهتهم لحرب ستكون اسلحتها مدوية واصوات قصفها تصم الاذان وترج الارض رجاً (.. او هكذا الاقل كانوا يزعمون..).
كنا نحن قد تعودنا . تفتح بواكير وعيي على الحرب الايرانية، كنت في العاشرة فقط وصار القصف اساساً من اساسيات حياتي.. لا ازال اذكر عندما فاجئتنا الغارة مرّة ونحن في الشارع – كانت من اوائل الغارات، إذ كانت الحرب في بدايتها بعد – وتعرفون طبعاً ان اوائل الاشياء تكون دوماً اقوى – حتى لو تلتها غارات اشد عنفاً- لكن الغارة الاولى يظل طعمها مختلفاً : مثل الحب الاول .. لا يمكن ان ينسى..
كذلك كانت تلك الغارة التي فاجئتنا في الشارع. لم نكن بالشارع بالضبط، بل في مكتبة ما في شارع السعدون، مكتبة كبيرة كان اسمها آنذاك مكتبة البعث، ثم تحولت فيما بعد لتصير معرضاً دائماً للكتاب العلمي. لا ازال اذكر الكتب المعروضة – كان هناك صف من الكتب المرصوصة بترتيب لمؤلف واحد. ابتاعت شقيقتي الاكبر مني واحدةً منها.. ولا ازال اذكر اني اردت ان آخذ عنواناً آخراً – واذكر العنوان جيداً -..
اذكر كيف انطلقت صافرات الانذار، وانطلق القصف بعدها بقليل وتراكضنا لنستقل سيارة اجرة تقلنا الى البيت – وكان الشارع خالياً من السيارات والمارة والقصف مدوياً..
لا ازال اذكر رعبي وخوفي وقتها – رعب ابن العاشرة الذي حاصرته الغارة في الشارع العام..
.. ولا ازال اذكر اني قرأت الكتاب الذي ابتاعته شقيقتي في ذات الليلة. واكملته في ذات الليلة. وكان هناك غارة اخرى.. في ذات الليلة..
.. ولا تزال ذاكرتي تخلط بين اكتشافي للعالم عبر القراءة، وبين اكتشافي للعالم الذي يترصدني ويتربص بي، لا تزال ذاكرتي تربط بين الحقيقة بين صفحات الكتاب، والحقيقة في العالم الخارجي: غارة وقصف وشارع خالي من المارة..
.. وكانت صافرة الانذار تلك علامة فارقة –في ذاكرتي على الاقل- فقد تفتح وعيي عليها، انذرتني وعلمتني ان هناك عالماً آخراً خارج طفولتي يتربص بنا جميعاً..
علمتني صافرة الانذار تلك – ان غارة ما ستكون دوماً محتملة وستكون دوماً قريبة، وستكون دوماً متوقعة..
و عبر العقدين التاليين من حياتي، تأكدت من صدق تلك الصافرة البعيدة، المحفورة في بواكير وعيي..، فحرب تلو اخرى، وغارة تلو اخرى، وقصف تلو آخر.. رسخ في ذاكرتي ووعيي ذلك الشعور بأن الحرب دوماً هناك..
.. ولا ازال ارتعب (ربما حتى الان) من مشهد ارتسم في ذاكرتي – لم امر به بل تخيلته في طفولتي، وتعذبت به واحتبسته في داخلي : مشهد امي وقد قتلت تحت القصف، وحولها تتناثر بقايا وانقاض البيت..
وكنت من السعداء الذين اكتفت الحرب بخطف طفولتهم دون ان تخطف اباً او شقيقاً لهم – كما فعلت مع الملايين من غيري.
رغم ذلك، فقد سكنتنا الحرب بطريقة او بأخرى، وما تعبيرنا المألوف الذي نعلق فيه اننا (تعودنا على الحرب) – ما هو إلا انعكاس لحقيقة اننا تعودنا على اللاأمان واللااستقرار- لقد صارا جزءً منا..
لكنه جزءٌ منا لم نكن نريد ان نورثه اولادنا – هذا التعود على الحرب واللاامان واللااستقرار- لم نكن نريد ان يأخذونه هم ايضاً كما اخذناه نحن –كنا نريد لمستقبلهم ان يكون افضل مما كان ماضينا- كنا نحلم لهم بما لم يتحقق لنا في طفولتنا وفي صبانا.
لكن تعرفون كيف سارت الامور مع جيلنا، وفي اليوم الذي سبق الحرب، كنا وانا وزميل لي نبحث عن سدادة توضع في الاذن، هو من اجل طفله الذي لم يتجاوز الستة اشهر، وانا من اجل طفلاي (خمس سنوات واربع سنوات)، يفهمان تماماً ما معنى الحرب، ولايمكن خداعهما تماماً بالادعاء بأن صوت القصف هو انما صوت الرعد..
يومها تفرقنا كل في صوب، انا وزميلي، لنبحث عن تلك السدادة السحرية التي ستحجز اطفالنا عن كل ما لانريد لهم ان يسمعوه –ويروه- مما سمعه ورآه جيلنا. محاولة خاسرة في الوقت الضائع – لجيل ضائع، وكانت الصيدليات والمذاخر قد افرغت ارففها ومحتوياتها تحوطاً لعمليات نهب وسلب كانت متوقعة لترافق الحرب، .. وكان السؤال عن سدادة اذن يبدو بائساً ويائساً الى حد كبير، وكان البعض من الصيادلة ينظرون الينا بذهول وهم يتذكرون اطفالهم – ويتذكرون ان عليهم ان يبنوا ذلك الحاجز الوهمي الذي يحميهم من عالم الحرب الذي سيقتحم طفولتهم في أي لحظة..
ذهبت محاولتنا الصباحية تلك ادراج الرياح. لكني مساءاً قمت باستغلال سكرتيرتي و وجهتها للبحث عن سدادات اذن بأي وسيلة وبأي طريقة.
كانت موسوسة بالامانة الى درجة مرضية – وهي صفة جيدة بالنسبة لسكرتيرة ولمساعدة طبيب اسنان، ولكن بالنسبة لها ولآمانتها – فقد كان لابد ان تفاصيل وتساوم في السعر، ولذلك، وبعد اكثر من ساعة من البحث سيراً على الاقدام، رجعت، وهي تلهث، لتقول لي انها وجدتها في السعر الفلاني –الذي اعتبرته مبالغاً به واستغلالاً غير شرعي لظروف الحرب- اما انا الذي كنت في حيص بيص بسبب غيابها، فقد صحت بها ان تكف عن تلك المساومة وتذهب لتأتي بالسدادة مسرعة قبل ان تنفذ..
مسكينة وطيبة كانت، ومن فريق المتفائلين الذين كنت انتمي له، ظلت تقول حتى النهاية ان قلبها مطئمن، وان الحرب لن تقع –(اتضح الآن ان قلبها لايعرف شيئاً)- في الليلة الاخيرة ما قبل الحرب، استأذنت ان تخرج قبل موعد خروجها المعتاد – كم يكن هناك دوام في الحقيقة ولا مواعيد المرضى، بل ان معظم ما خف حمله وغلا ثمنه من ادوات العيادة كان قد اخلي في الليلة السابقة، سألتها قبل ان تذهب ان تعذرني اذا كنت يوماً قد غضبت عليها او صرخت بوجهها – سألتها ان تبرؤ ذمتي من أي تقصير، وكان جوابها ان اجهشت بالبكاء بحرقة..
في اعماقنا نحن، فريق المتفائلين، كنا نعرف انها قادمة قادمة، تلك الحرب التي كنا نقول انها لن تأتي، ولم يكن تفاؤلنا اكثر من مستنقع رمال نحاول ان ندفن قلوبنا المرتجفة فيه..
المهم ان سدادات الاذن تلك اتضح انها غير فعالة، وغير ذات جدوى، بل ان اطفالي اعتبروا الامر كنكتة ورفضوا وضعها في اذانهم الا على هذا الاساس..
على العموم، لقد اتضح ان الامر غير ما توقعناه مع الاطفال، وان هذا (التعود) الذي اكتسبناه نحن عبر خبرة متراكمة لحروب متتالية، ممكن ان ينتقل لهم بسهولة شديدة.. ومنذ الغارة الاولى تقريباً..



يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 09:59:46 +0200
لقد اتضح ان الاطفال يقرأون وجوه ابائهم وامهاتهم بعناية، وبأتقان وبمهارة – وهم يتجاوزون الاقنعة و الاصباغ والجمل المتكلفة ليصلوا بسهولة الى العمق- ما وراء الاقنعة وحتى الوجوه.
بامكان الاطفال ان يميزوا قلق الاباء – وان يتحسسوا رعب الامهات، من خلجة في الوجه، من رعشة في الصوت، يلتقط الاطفال عمق الحقيقة ولايأبهون لكلمات التطمين والتصنع التي يحاول الاباء بثها في نفوس اولادهم..
وعندما بدء القصف، واغارت علينا الطائرات للمرة الاولى في تلك الليلة اللامنسية، قرأ اطفالي في وجهي ووجه امهم، وحتى وجه امي وخالاتي، شيئاً اخر غير الرعب و الهلع، قرأوا ذلك الجلد والتحمل – وذلك الصبر الذي اكتسبناه عبر الحروب المتتالية، قرأوا تلك الغارة التي فاجئت طفولتي الغارة وانا في تلك المكتبة في ذلك الشارع، قرأوا الصاروخ الذي اخطأ بيت جدي ليصيب تلك العمارة المقابلة على الضفة الاخرى من النهر، قرأوا الزجاج المتناثر والشظايا المتطايرة التي طرزت العقود السابقة من حياتنا..
.. وخلال دقائق من اول غارة، والنوم لايزال في عيونهم شبه المقفلة، كان واضحاً تماماً ان كل قلقنا كان بلا اسس ولا داعي له، لقد اجتاز الاطفال اختبار الحرب بنجاح، وكما لو كان هذا التعود المكتسب ينتقل عبر الجينات وقد اورثناها لهما، تصرف اولادي بحنكة وتعود من مرّ بحربين او اكثر – واعمارهما لا تتجاوز الست سنوات..، كان يميزان صوت القصف وقربه او بعده بخبرة من مرَّ بالقصف لسنوات، وعندما يكون القصف متوسط القرب، أي انه يهز النوافذ فقط دون ان يفتح الابواب – فأن لعبهما ولهوهما كان يستمر بشكل عادي جداً..
وكما لو بمعجزة، وجدتاطفالي خلال بضعة ايام من بدأ الحرب، بضعة ايام فقط، وهما يلهوان في الممر، والقصف يلعلع فوقنا.
والصغيرة تسأل شقيقها : ماذا كان هذا الصوت ؟
فيرد عليها بلا مبالاة : لا شيء. انه مجردٌ قصفً.
******
اسوء ما في البلايا انتظارها
وكان انتظار الحرب – من الناحية النفسية- اكثر ارهاقاً من خوضها.
قبل بدء الحرب، قضينا اسابيع ونحن ننتظرها ] كان ذلك جزء من الحرب كما افهم الآن. واستطيع ان اضيف انه الجزء الاكثر ارهاقاً..[ .
قضينا الاسابيع نأكل همومنا ونسمع الاخبار. الحرب بعد اسبوعين . الحرب بعد اسبوع. الحرب بعد ثلاثة ايام. لا ،الحرب لم يقرر موعدها بعد. سيجتمعون بعد اسبوعين. سيجتمعون بعد اسبوع. فلان يعارض. وفلان هدد بالفيتو. فلان سيساوم وفلان في النهاية سيرضخ. ونحن نأكل همومنا، ونسمع الاخبار، ونشاهد القنوات، ونبالغ ونحن نتناقل ما نشاهده، ونسمع التحليلات ونهضمها ونحلل نحن ايضاً وقد ننسب تحليلنا لقناة اخبارية ما، من اجل منحه المصداقية وسرعة الانتشار..
.. ونأكل همنا. وهمنا يأكلنا. ونقضم اظافرنا ونحن نتابع جلسات مجلس الامن. فجأة صار وزراء الخارجية نجوماً معروفين باسمائهم الكاملة في بيوتنا. وصدقنا اللعبة . ثم تمادينا في التصديق . صفقنا لهذا. وهللنا وكبرّنا لذاك. شمتنا بهذا . وصفرّنا مستهزئين لذاك.
(.. وهناك وزيرة –امرأة- حصلت خصوصاً على كم هائل من السب والشتائم النابية من العيار اياه، مما لايمكن كتابته اصلاً ولايمكن ان تكون قد تخيلت انها ستحصل عليه يوم خطت اولى الخطوات في السلك الدبلوماسي..).
صدقنا ان تلك الالاعيب ستنتصر على تلك الشركات، التي كانت قد دفعت ووقعت عقود ووضعت الخطط وانتهى الامر..
-وصدقنا- وياللأسف- ان الدبلوماسية بأمكانها ان تلغي صدام الحضارات..
نعم صدقنا، ثم تمادينا في التصديق.
وترقبنا. وارهقنا ترقبنا..
الحرب ستقع في منتصف الشهر. لا في اوئل الشهر القادم. او ربما منتصفه. الحرب متوقعة في نهاية الاسبوع. الحرب قد لا تقع. وايضاً قد تقع. الحرب ستكون خاطفة – كما الموت المفاجئ السريع. لا، الحرب قد تكون طويلة، كما صراع مرير مع سرطان مزمن..
سنصحو ذات يوم نجد الغزاة وهم ينظمون السير. لا، ذات يوم لن نصحو ابداً.. لن نصحو ابداً..
كل سيناريو وله سيناريو مضاد. كل تصور وله تصور مضاد. كل خبر وله خبر مضاد.
كانت عقولنا هي الساحة التي تزاحمت فيها المضادات وكان ايامنا ساحة لذلك الترقب المرهق المذل..
وكان اسوء ما في الحرب انتظارها – وكان ذلك جزء من خطة الحرب- كما ارى الآن.
فقد اوصل الترقب المرهق البعض منا الى انه صار يريد ان تقوم الحرب بأسرع وقت فقط ليخلص من عذاب انتظارها..
صار البعض منا يريدها سريعة وخاطفة، مهما كان الثمن، فقط ليخلص – فقط ليرتاح، من ارهاق الترقب، حتى لو كان قضى هو وصغاره تحت القصف..
صار البعض منا مثل محكوم بالاعدام ينتظر تنفيذ الاعدام به، تمر عليه الايام والساعات والدقائق وحتى الثواني باقسى مما يمكن ان تخترقه رصاصات الاعدام..، في كل لحظة تهوي على رقبته مقصلة الترقب والانتظار، في كل ساعة يموت الف مرة، لكنه.. لايموت والحل ؟ ان ينفذ الحكم به. ان يعدم فعلياً..
بعضنا وصل لهذهِ المرحلة. بعضنا كان يريد لساعة الصفر ان تحين بأسرع وقت ممكن .. مهما كان الثمن.
وكان ذلك جزءً مهماً من الخطة – كما افهمها الآن.
***************
.. قيل لنا، ضمن ما قيل، ان اليوم الاول من الحرب سيشهد القاء ثلاثة الاف قنبلة في الدقيقة الواحدة.
وقبل لنا مرّة اخرى، انه سيشهد خمسة الاف قنبلة في الدقيقة الواحدة، وفي قول آخر، قبل ان هذا الرقم سيكون بالصواريخ، ولكنه سيكون في الساعة الواحدة – لا في الدقيقة الواحدة.
.. وقيل اشياء اخرى، واختلط القول بالمقال ، واختلطت الاكاذيب بالحقائق، والتهويل بالتصديق، الخبر الاصلي اختلط تماماً بالمبالغات والتشويش.
فجأة لم نعد نذكر من قال ذلك بالضبط. هل كانت تلك القناة التي نتهمها بالعمالة، ام الاخرى التي نتهمها بالكذب فقط ؟ هل كان ذلك في نّشرة الاخبار ام انه كان في اقوال الصحف ؟ وهل كان في تلك الصحيفة الصهيونية ام انه كان في صحيفة تدعي الحياد..
وذاك الرقم، هل قاله لك جارك بينما هو يلقي عليك تحية الصباح ؟ ، ام اسرَّه لك زميلك في روتين ثرثرة العمل ؟ ، ام نقلته لك زوجتك نقلاً عن صديقتها التي لديها مذياع يأتي بأخبار لا تشبه كل الاخبار التي تسمعها وتراها انت..
لم تعد تذكر من قال لك ذلك، لكن هناك، في مكان ما من لا وعيك، هناك الوصف المروع المرعب لليوم الاول من الحرب.



يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 10:00:50 +0200
.. وهناك –في اعماق وعيك- وفي الظاهر من عقلك. كان هناك الترقب المرهق لذلك اليوم الاول الرهيب من الحرب.
.. وكان ذلك كله ايضاً.. جزء من الخطة. كما فهمناها فيما بعد.
********************
ولأنك كنت تتوقع خمسة الآف قنبلة في الدقيقة الواحدة، فقد كنت مستعداً لأن تعتبر أي رقم يأتي دون ذلك رحمة ونعمة من الله سبحانه وتعالى..
.. ولأن للغارة الاولى – الافتتاحية للحرب – كانت ولأسباب تكتيكية استباقية تحتوي على اربعين صاروخاً فقط في حوالي النصف ساعة، وهو رقم اقل من المتوقع بكثير، فقد اعتبرت ان دعائك قد استجيب .. وكان الناتج عن ذلك- ان الغارة التي كسرت حاجز الترقب والانتظار المرهق- عدُت غارة فاشلة حسب المقاييس العراقية.
.. واستطيع ان اؤكد –كشاهد عيان- ان شوارع بغداد كانت خالية في اليوم السابق للحرب اكثر بكثير من خلوها في اليوم الاول من الحرب..
كان الانتظار قد جمدنا. قد قتلنا. قتل الحياة في عروقنا، كنا ذلك المحكوم بالاعدام ينتظر هبوط المقصلة.. ليرتاح، كنا ذلك الحمل الوديع ينتظر سكين القصاب دون ادنى مقاومة..
لكن، فجأة، ها قد جاءت ساعة الصفر، وهاهي صافرات الانذار، وها هي الغارة، مجرد غارة اخرى تشبه ما شهدناه من غارات، انها مجرد حرب اخرى، وليست تلك الغارة التي هي لواحة للبشر لا تبقى ولا تذر..
اذن هناك امل. اذن هناك فرصة للنجاة..
فجأة تغيرت الامور، وعندما كسر حاجز الترقب وصحونا لنجد ان الامر لم ينته بعد، دبت الحياة في اجسامنا الهامدة، سرى الدفء في اوصالنا المتجمدة..
ونبتت ارادة الحياة في ذلك الحمل الذي كان مستسلماً لسكين الذبح استسلام الميت بين يدي مغسله..
فجأة حدث ذلك، عندما صحونا فلم نجد الغزاة وهم ينظمون السير في الشارع كما تصور البعض، وعندما صحونا فوجدنا اننا لانزال لم نمت..
كسر ذلك الحاجز الوهمي الذي كان قد حبسنا داخل دائرة الترقب والترويح..
.. وصار نفس البعض – نفس نفس البعض- الذي كان يريد ان تبدء الحرب ليخلص، صار يتابع انباء المقاومة بحماس كبير، يصفق هنا، ويكبر هناك، ويتحمس عند هذا الخبر او ذاك..
.. ولم يكن هذا جزءٌ من الخطة..
(.. نفهم الآن ان شيئاً قدره الله وشاءه وفعله غير بداية الخطة. فقد كانت ساعة الصفر الاصلية تشمل على الغارة الموعودة بكل تفاصيلها الرهيبة. لكن معلومات استخباراتية وصلت لقيادة الغزاة غيرت من ساعة الصفر، وحولت تلك الغارة الموعودة ذات الآف القنابل في الدقيقة الواحدة، الى غارة محددة ومحدودة بأربعين صاروخاً سقطت – على ما يبدو انه منطقة معينة- قبل ان كبار قادة النظام سيكونون فيها..
.. او على الاقل، هكذا برر الغزاة وزعموا عندما كانوا يعتذرون لنا لأنهم لم يسقطوا الالاف الموعودة..
نفهم الان ان الله قدر وشاء وفعل..
.. ولحكمة يراها عزَّ وجل : شاء ان يخفف علينا الغارة الاولى .. ويكسر ذلك الحاجز).
* * *
شيء آخر كسر الحاجز – لكن ذلك كان خاصاً عندي .. ولعله كان عند آخرين ايضاً- لكنه لم يكن شائعاً جداً لأنه كان ممنوعاً قانوناً..
انه ذات الشيء الذي ساهم في بناء الترقب والخوف، جاء وقت وانقلبت المائدة، وساهم في كسر الحاجز الذي ساهم في بنائه..
انه ذلك الصحن اللاقط الموضوع في زاوية من زوايا السطح. بعيداً عن الانظار، والذي كنت قد غامرت بشرائه قبل بضعة اشهر من الحرب، معرضاً نفسي لعدة مخاطر تصل الى الحبس لستة اشهر – دون ان يكون ذلك تنفيذاً لقانون رسمي ومعلن، محض تعليمات امنية تقوم الاجهزة الامنية بتنفيذها لحماية امن النظام.
.. وعندما يكون امن النظام مهدداً من قبل صحن لاقط قد لا يتجاوز قطره الـ 65 سنتمتراً.. فتستطيع ان تقرأ على النظام السلام.. ( او ان تعلم انك ستفعل ذلك بعد الحرب..).
كان ذلك السلوك ليس قمعياً فقط، لكنه كان يتم عن غباء منقطع النظير. ولو كنت من اتباع نظرية المؤامرة، لقلت ان اناساً مدسوسين على النظام كانوا يروجون لتلك التعليمات من اجل تقويضه من الداخل.. لكني اعتقد ان الامر كان ابسط من ذلك، محض غباء، وقصر شديد في النظر، وتسطح هائل في الرؤية.
كان ذلك يعني، ضمن ما يعني، انهم عاجزون عن رؤية ان مساوئ الحرية كانت دوماً اقل من مساوئ القمع..
وكان ذلك يعني، ضمن ما يعني، انهم يتصورون ان الحقيقة مخيفة، وانه ينبغي محاربتها، واخفائها بشتى الوسائل.
.. وكان ذلك يعني، ضمن ما يعني، ان ثقتهم بك معدومة، وانك متهمٌ بالانحياز للغرب والتصديق به لمجرد حيازتك على صحن لاقط..
.. بل ان ذلك يعني، ضمن ما يعني، ان ثقتهم بأنفسهم معدومة، وان اسس بنيانهم كانت هشة وركيكة..
اذكر الآن، في اوقات تشتد فيها حملات مكافحة الصحون اللاقطة، كنا نتوجس الشر من أي جرس يدق على الباب، ومن أي سيارة غريبة تجوب الحي، ونتفق على تبادل تحذيرات هاتفية مشفرة عند الشك بأن الغارة قادمة .
.. اذكر، اننا في الايام السابقة للحرب، الضاجة بالاخبار والمليئة بالتأزم، كنا نتبادل الاخبار وتفاصيلها انا وصديق لي في المنطقة بطريقة لا تدع مجالاً للشك اننا نملك (ذلك الشيء على السطح)، وكنا نتفق انا وصديقي قائلين : اذا نجا النظام، فلن ننجو نحن !.
واذكر كذلك بين الضحك والبكاء، مرّة علمت فيها وانا في دوامي الحكومي الصباحي ان الماء سيقطع عن بغداد لمدة 24 ساعة لأغراض الصيانة او لاغراض تجريبية فأتصلت بالاهل والاقرباء المقربين ليأخذوا احتياطاتهم بملئ خزانات الماء، واتصلت بصديق مقرب لي يعيش وحده بعد سفر كل اهله منذ سنوات، وقلت له، وقد ايقظه هاتفي من نومه، ما بدا له انه شفرة واضحة الحل : قلت له بالحرف :خزن ما تحتاج من ماء لأنه سيقطع خلال ساعات. .. هرول المسكين الى السطح ليخفي الصحن وينقله – متصوراً انني احذره من غارة متوقعة فوراً على منطقته..
واذكر ايضاً – بين قهقة البكاء والاجهاش بالضحك – مرّة مع نفس الصديق، مررت عليه قبل العيادة وكنا متفقين على موعد – ولم يكن موجوداً، ولم تكن تلك عادته، واتصلت به من العيادة- ولم يكن قد جاء بعد، ولم تكن عادته ان يتأخر، وانتظرت ان يتصل هو، ولم يفعل، ولم تكن تلك عادته، وشيئاً فشيئاً. ولأن الامر كله كان خلاف العادة، ولأن الوقت كان وقت اشتداد

يتبع



يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 10:01:22 +0200
(الحملة)، فقد بدء الشك يتسرب الى قلبي، وعقلي، وحتى الى يدي التي لم تعد تجيدان العمل.. لابد انهم اخذوه.. كان الوسواس الخناس يصرخ في اذني .. لابد انهم اخذوه.. ليلاً بعد العيادة، قدت سيارتي الى منزلي والاسئلة تحاصرني، اين يا ترى يعتقلون اصحاب تهم كهذهِ ؟ . وماذا سأخبر اهله في الخارج وكيف سيكون وقع الخبر عليهم ؟ . وماذا سيحل بمعاملة اصدار جواز السفر التي كان قد شرع فيها ؟ بل ماذا سيحل بالبيت اذا ترك لستة اشهر هكذا ؟ .. كانت اسئلة بلا اجوبة غير انها كانت تزيد من قلقي وحيرتي.. وعندما وصلت لأتفحص مكان الغارة ، وجدت ان الانوار مطفئة في المنزل .. مما يعني ان وقت مغادرته كان قبل ان يبدء الظلام بالحلول، وهو الوقت المعتاد للغارات.. اقتحمت الحديقة وجعلت اتلصص من النوافذ بحثاً عن دليل او اثر، كنت اريد ان اعرف هل سلم نفسه طوعاً ام قاوم قبل التسليم..
وفي ضحك كالبكاء اتذكر انه كان يتندر ويقول اني دخلت بحثاً عن آثار السحل !.
كل ذلك لمجرد انه تأخر بضعة ساعات !
مسكونين بهاجس القمع والخوف كنا، - ولا نزال – متهمون دونما تهمة، ومدانون دونما دليل ..
اذكر اننا كنا ننهي رواية مشاهداتنا في الدش بتلك اللازمة التقليدية التي يقولها الجميع ولا يصدقها احد : ( شاهدت ذلك في الدش .. عند صديق لي).
كان كل من يملك صحناً لاقطاً يرمي بخطيئته وعبء امتلاكه على عاتق صديق مجهول يفتح بيته اغلب ساعات الليل والنهار لتدخله وتستلقي امام التلفاز وانت تقلب بين القنوات كيفما تشاء.
كان كل يملك صحناً لاقطاً يملك معه – ولابد وكجزء من عملية نصب الجهاز- صديقاً مجهولاً يلعب دور الجندي المجهول في حياته- يجب ان تتقي من خلاله وعبره نظرات الاتهام والشك وللفصول التي تحاصرك عندما تروي ما شاهدت، لن تجروء على ان تنكر "الدش" – لكنك ستلقي تهمة حيازته ( والتي قد تغري البعض بالإفشاء عليك ما دام لهم مكافئة على ذلك) سترميها على ذلك الصديق المجهول – مجهول الاسم ومجهول العنوان..
وكان صديقي اياه، ينهي رواية أخباره بلازمة أخرى اكثر جرأة، وربما كان البعض يصدقه.. كان يقول ( شاهدت ذلك في الدش .. عند بيت خالتي).. – وكنت أقول له دوماً : انهدم بيت خالتك !- كان يستغل كثرة عدد خالاته، وعدم معرفة عناوينهن لمعظم أصدقائه، وكانت الخالة الوحيدة التي عندها صحن لاقط تسكن في شقة بحيث يصعب على المرء تصور امتلاكها لصحن – واعتقد أيضا ان صديقي لم يكن يستلطف زوج خالته تلك.
كل ذلك من اجل صحن لاقط لا يتجاوز قطره المتر او اقل.. مسكونين كنا بهواجس القمع والخوف.
.. وعندما بدء القصف، ساهم ذلك الصحن اللاقط، الذي كان قد ساهم في بناء حاجز الترقب المرهق، ساهم في كسر الحاجز وتنقيته..
على الأقل، جزء من شعور الأطفال بالأمان، كان مرتبطاً بما يبثه الصحن اللاقط من صور دمار وأصوات قصف –كانت بالنسبة لهم كجزء من فلم حربي يبدو سيئاً لكثرة مبالغاته.
وعلى الأقل، جزء من شعورنا نحن بالأمان، أو ما يبدو انه كذلك، وعدا عن التعود والصبر وخبرة الحروب المتتالية، كان مرتبطاً بدرجة كبيرة بأننا –عبر ذلك الصحن اللاقط- كنا نعرف ما يدور. في الحروب السابقة، كنا نقصف في الظلمة، ونتراكض ونتعثر، في السلم في الظلمة، ونرتعش في الظلمة، و نتوقع ان ينهار البيت و ندفن تحت أنقاضه في الظلمة..
الآن لا . صرنا نعرف ما يدور. في الضوء والنور صار القصف والدمار، أعيننا صارت مفتوحة على اتساعها، وصار الصحن اللاقط لاصقاً بعيوننا، صار مثل عدسة لاصقة تفتح أذهاننا وبصائرنا نحو آفاق واسعة، حتى لو كانت تشمل موتنا وقصفنا ..لن يكون الموت واحداً في الحالتين. فرق كبير بين ان تموت في الظلمة و أنت لا ترى شيئا، و بين ان تموت و انت في قمة وعيك، مهما كان الظلام دامسا في الخارج،فأنك ترى و تبصر..
تعددت الأسباب و الموت واحد؟ أبدا. الموت ليس واحدا.موت عن موت يفرق.فرق كبير ان تموت وأنت تعلم ماذا يدور حولك ومن اجلك، وبين ان تموت في الظلام خلسة..
فرق كبير بين ان تموت مثل خروف مستسلم ، و بين ان تموت كجواد بري استعصى على الصيادين..
فرق كبير، بين ان تموت وأنت تعتقد انك وحدك ضحية، وبين ان تعلم انهم يفعلون ذلك بالعشرات، لا بل بالمئات غيرك..
فرق كبير، كما تعلمون، بين أولئك الذين يعلمون، وأولئك الذين لا يعلمون.
وينطبق ذلك، ربما بالأخص، على الذين هم مثلنا : تحت القصف..
وعلى حافة من حافات الفرق بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون يقف ذلك الصحن اللاقط – ليضيف للبصر (إذا كانت هناك بصيرة..).
.. ويضيف للسماع (إذا كانت هناك أذن واعية..).
.. لذلك اقول، اينما كنت، في أي بلد، إذا تعرضت لحرب ما، من تلك التي تندرج تحت بند صدام الحضارات، فليكن ضمن استعدادك لها، ان يكون عندك –في السطح- ذلك الصحن اللاقط..
.. وارفع صوت التلفاز على أقصاه. سيشعر ذلك أطفالك بقليل من الأمان..
*********************
هناك نوع آخر من الصحون اللاقطة، متخصصة بأشعارك بالأمان..
أنها مختلفة شكلاً ومضموناً عن الصحن اللاقط اياه، ولكنها أيضا –تشبهه- بطريقة اخرى..
ربما لن تضعه في السطح، ربما لن تضطر لإخفائه عن أعين الرقباء – وربما لن تضعه في قفص الدجاج كما فعل صديقي، إذا كنت تعيش مثلنا تحت خيمة نظام قمعي..
لا، لن تضطر لإخفائه والبحث في زاوية من زوايا السطح تكون بعيدة عن أعين الجيران.. لا، فهو لا ينصب إلا في قرار مكين، في مكان معين، في حرز بعيد.
هذا الصحن اللاقط الآخر – لا يمكن ان يكون إلا بعيداً عن الأنظار.. لا يمكن أن يراه إلا ذلك الذي يرى –ويعلم- ما في الصدور..
انه هناك، عند ذاك الصمام، قرب ذلك الشريان. قبل ذلك الوريد. بين هذا الأذين وذاك البطين..
انه هناك، في العمق منك – قبل الدماغ، قرب النخاع، في اللب، بعد الغشاء..
انه هناك، في قلبك – بل هو قلبك- ذلك الصحن اللاقط.. الذي لا تراه.. ولن تراه.. ولكنك ستشعر به يستقبل الاشارات، يعيد بثها وترجمتها لك.. مرّة بعد مرّة .. بعد مرّة..
لست مضطراً لضبطه على قمر معين. فأينما وليت سيكون ثمة وجهه، وأينما اتجهت فسيكون باتجاهك، وسيبث باتجاهك، وستستقبل –بكل حال- ارسالاته.
لست في حاجة لأن يكون بقطر كبير لتتجنب تأثير سوء الأحوال الجوية.. فقلبك الصحن اللاقط – الذي لا يتجاوز حجمه حجم قبضة يد، سيستقبل بكل الأحوال وبأسوئها..
.. سيستقبل البث حتى عندما تغرق عيناك في مطر حزين.. او عندما تشتد العاصفة فتحاصرك كما لو انك في زنزانة سجين ، سيستقبل البث عند الإعصار، وعند الزلزال وعند الموت البطيء ..

يتبع



يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 10:02:18 +0200
سيكون البث موجوداً، عند الأزمة، عند اشتدادها، وعند ذروتها أيضا وعند انفراجها..
سيكون هناك عندما تكون وحدك، وقد تخلى عنك الاقربون..
وسيكون هناك عندما تسقط، وقد شمت بك الآخرون..
.. وسيكون هناك عندما تضيع، وقد ضاع قبلك كثيرون..
سيكون البث موجوداً – في كل الأحوال- وفي أسوء الأحوال..
مرة سيقول لك – قلبك الصحن اللاقط- ان اثبت. وقد ثبت قبلك سابقون..
ومرّة سيقول لك ان اصمد، ولم يخل قرن من صامدين..
ومرّة سيقول لك ان لملم جراحك، وتجاوز مصابك، واستمر، فالطريق لا يزال طويلاً امامك..
ومرّة سيقول لك لا تخف – ولا تخشى من وحشة الطريق لقلة السالكين.. وفي أخرى سيقول لك : لا يغرك درب السقوط لكثرة الهالكين..
مرّة سيشعرك بحبه وحنانه، ومرّة سيغمرك بفيض من غفرانه.. ومرّة سيحذرك من غضبه ومن انتقامه..
.. وفي كل مرّة – سيكون البث هناك، وسيستقبله ذلك الصحن اللاقط، المنصوب في شغاف قلبك..
على السطح صحن لاقط ؟ ربما . لا مشكلة في ذلك . المهم ان يكون في العمق، صحن لاقط – لكن من نوع آخر..
*****************
وإذا كان النظام القمعي الغبي قد حارب الصحن اللاقط على السطح، فأن الغزاة قد جاءوا خصيصاً لمحاربة الصحن اللاقط الآخر – في العمق من قلبك..
صدق أو لا تصدق !. لقد جيشوا الجيوش من اجل ذلك. وعبروا المحيطات والقارات من اجل ذلك. وكسروا الأعراف والقرارات من اجل ذلك..
وصدق أو لا تصدق ! سيفعلون أي شيء من اجل ان تترك قلبك الصحن اللاقط، من اجل تهجره، وتترك الغبار يتراكم عليه..
.. عجيب أمرك و امرهم مع الصحون اللاقطة. نظام يمنعها فتتحايل عليه، وغزو قادم سيحلها ويبيحها من اجل ان يشوش عليك..
.. وبين هذا وذاك، أقول لك، قلبك الصحن اللاقط، تمسك به وتشبث به، ولا تعد عيناك عنه ..، تريد المحطات الآخرى..
اقول لك، رغم الجيوش القادمة، والخطط الاستراتيجية ومناهج التعليم المستهدفة : تمسك بقلبك الصحن اللاقط .. متجهاً نحو ذاك الذي اينما وليت ثمة وجهه..
.. واياك ان تغير المحطة !.
*******************
.
ليس بين يدي الآن أي احصائية تفيد بعدد مشاهدي الجزيرة و غيرها من القنوات الاخبارية المتخصصة،في العالم كله. لكني اعتقد انهم لايقلون عن عدة عشرات من الملايين، ان لم يكن اكثر – لا ادري بالظبط.
من هؤلاء من كان يراقب ما يحدث بحياد تام، يتناول افطاره وينظر الى التلفاز ليشاهد مدينتي وهي تقصف وتحترق كما لو كان ينظر الى فلم حربي – مثير- لا اشعر بأي حقد تجاه هذا الشخص وامثاله.. لقد فعلناها سابقاً مع آخرين، وهاهم الآخرون يفعلونها بنا..
.. وهناك، من هؤلاء، ملايين عديدة، من سيتأثر على ما يشاهد، لسبب او لآخر. ربما لسبب ديني، او قومي، او انساني.. او هكذا –بلا سبب- .
.. هناك من سيبكي من التأثر. وهناك من سيصلي من اجلنا. وهناك من سيرسل رسائل على الانترنت. وهناك من سيخرج في مظاهرة..
.. وهناك ايضاً، من سيتأثر بالمشاهد لدرجة انه سيغير القناة.. ليضبطها على قنوات اخرى اكثر ترفيهاً..
.. كل ذلك متوقع، ومحتمل جداً.
*** **** ****
لكن هناك، بضعة ملايين – معظمهم من عراقيي الشتات، وقليل جداً، بضعة عشرات من الالوف من عراقيي الداخل – كان الامر مختلفاً جداً بالنسبة لهم..
هؤلاء كانوا يتفرجون على شيء آخر، يقصف ويضرب ويحترق .. غير تلك المباني والمنشآت التي كانت تقصف وتضرب على رؤوس الاشهاد .. هؤلاء كانوا يرون ما لايراه الآخرون، ويبصرون ما لا يبصره الآخرون .. لقد كانت حياتهم هي التي تقصف. كان جزءً منهم هو الذي يحترق ، كانت النار تنشب في قلوبهم .. وكان الدمع – رغم غزارته – اعجز من ان يطفيها .. صدقوني .. ليس مسلياً ابداً ان تشاهد – على التلفاز – مدينتك الام وهي تحترق ..
شعوب من اصول وجنسيات قليلة يعرفون عمَّ اتكلم، الفلسطينيون ربما. واللبنانيون اكثر. والآن نحن، العراقيون .. ( واخشى ان اقول ان القائمة ستتزايد لتضم جنسيات اخرى، حسب الخطة شبه المعلنة..).
نعم، .. ليس مسلياً ابداً ان تشاهد مدينتك التي نشئت فيها، وترعرعت وهي تحترق
–وسواء كنت في الداخل او في الخارج- فانك ستحترق معها.. ستحترق معها .. ستحترق معها..
ذلك المبنى الذي دمروه تماماً وصار انقاضاً، كنت تمر به يومياً في الطريق الى المدرسة، عندما كان ابوك يوصلك اليها.. وكان لا يزال..
وذلك المستشفى الذي نقلوا منه صور الضحايا، وكوم الاطراف المقطعة، وتناثر زجاجه بفعل قصف قريب، لقحت فيه ابنك للمرة الاولى عندما ولد، وحررت شهادة ولادته، وربما اصدرت منه شهادة وفاة والدك..
و سوف تنظر الى المتحف و انت لا تصدق انهم ضربوه،سوف يفتحون هم تحقيقا بالموضوع و يعتذرون عن الخطأ غير المقصود-لكنك لن تقضي عمرك في تصديق اكاذيبهم.
سوف تتأمل المتحف و قد اصابت القذائف واجهته المهيبة،و سوف تشعر انهم لم يكونوا قط بهذة الدقة كما كانوا هذه المرة- سوف تشعر انهم اصابوك، انت و تاريخك و ذاكرتك بالصميم-سوف تذهب للمرآة وتنظر ، تتحسس، ستجد اثرا في جبينك
و هنا مررتم ذات يوم انت واصحابك وكنتم تضحكون وتعطلت السيارة. وهنا مررتم مسرعين خائفين من ان تتعطل امام هذا المبنى بالذات، لكن الله ستر ولم تتعطل السيارة..
وفي هذا الجامع الذي قصفوا منارته، وحطموا ساعته، واسقطوا – ربما عامدين- لفظ الجلالة من واجهته، صليت جماعة ذات مرة للمرة الاولى، ولاتزال تذكر ارتباكك و لعلك لا تزال مبللاً بعرقك- و لا تزال تذكر خشوعك فيها ودعائك.. نسيت ماذا دعوت وقتها، لكنك متأكد من انه قد استجاب دعائك..
.. والى هنا قادوك واصحابك في المدرسة في مسيرة تأييد (عفوية) ظلوا يعدون لها اسبوعاً، ومن هذا الشارع الفرعي هربتم متسللين وتسلقتم السياج وسقطت نظارتك وقتها وتحطمت..




يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 10:02:57 +0200
وهنا، في هذهِ الجامعة التي قصفوا حرمها، وتهدمت قاعات مدرجاتها، خفق قلبك للمرّة الاولى (.. او توهمت على الاقل انه فعل ذلك..) ضاعت منك بعض التفاصيل وتساقطت مع الوقت وكنت تعتقد وقتها ان مشاعرك هذهِ ستكون ابدية، وكنت تقول لنفسك انك لايمكن ان ترتبط بأخرى.. (وماذا تقول الان ؟..).. وكنت تعتقد ايضاً ان لا احد يعلم بذلك – والحقيقة هي ان الكل كانوا يتحدثون و يتندرون على ذلك- لا، ليس صديقك الثرثار هو الذي افشى السر، بل انت واذنيك واحمرارهما كلما مرّت امامك –ولو على بعد عشرة امتار- فتاتك..
.. وفي تلك الساحة، التي سقط فيها صاروخ واحدث حفرة هائلة، تحطم قلبك نفسه ذات يوم، وتناثرت اشلاءه..، دست على نفسك بكبرياء، وتماسكت وانحنيت لتلملم اجزاءه..، بعض الاجزاء لم تلحظها – وظلت طوال تلك السنين هناك،.. في ساحة الجامعة، اظنها تحطمت تماماً الآن بأثر هذا الصاروخ..
.. على هذا الحائط، كتبت انت واصحابك يوم التخرج اسماءكم وبعض الذكريات، وبعد سنة اعادوا طلاء الحائط، وجاء غيرك ليكتب واصحابه اسماءهم وبعض الذكريات. كم دفعة تخرجت منذ ان تخرجت انت ؟. احسب معي وسيهولك الرقم . كم مرّة اعادوا طلاء الحائط، لكنه يحتفظ بالاسماء في ذاكرته السرية، وهاهي النيران تشب فيه.. وفي الاسماء اللامنسية.. وفي القلوب التي رسمت عليه ذات يوم، رغم ان المشاعر ليست ابدية..
..والى هذا المبنى ذات يوم استدعوك. وذهبت، فأذلوك، وكنت لا تزال غضاً وبريئاً، وحديث عهد بالاذلال، فدعوت عليهم بحرقة وبحرارة، وقبل النوم طلبت منه ان يقلب عليهم عاليها سافلها. والآن، ها انت ترى ان دعائك قد استجيب، لكن لا شماتة. فقط حزن عميق مرتين. مرّة لأنهم اذلوك، ومرّة لأن الذي فعل بهم ذلك – لم يقصد سوى اذلالك..
من هذا السوق الذي سقط فيه العشرات تسوقت انت ذات يوم – وعدت للبيت فرحاً لتفرح امك لأنك تسوقت دون ان تطلب هي منك ذلك لكنها انبتك وعنفتك (.. حتى لا اقول انها اهانتك)- فاللحم لا يبدو طازجاً، والفواكه اغلى مما يجب، والخضراوات ذابلة – كانت ستقول ذلك في كل الاحوال لأن مزاجها كان سيئاً.. لكنك اخذت كلامها كحجة لعدم التسوق..
.. وفي هذا المطعم الذي عومل كهدف عسكري، كانت لك اجمل الذكريات واعذبها.. لقد ظل بالنسبة لك وللالاف غيرك المطعم المفضل عبر اكثر من عقد من السنين، ظلت المطاعم الحديثة تفتح وتذهب اليها مرّة واثنتين بدافع الفضول.. لكنك كنت دوماً تعود اليه..
سوف تذكر الساعة• وانت تراه وقد تهدم بالقصف، سوف تذكر يوم دخلته للمرة الاولى وقد همسوا في اذنك بأسم من يعتقد انه يمتلكه من ابناء كبار المسئولين. تقطب جبينك . انك تكره الاسم حد الموت، لكن ستعترف مع نفسك: لم تستطع ان تكره المكان.. بالتدريج ستعترف لنفسك انك احببته..
وستذكر اصحابك ولمتكم . وستتأمل الآن فيهم وفي تفرقكم. سوف تتذكر احاديث دارت هناك، وتفاصيل حدثت هناك، ومشاعر مازالت هناك..
و ستذكر مثلي آخر مرة زرت المطعم فيها-فقط اسابيع قبل الحرب- و معي صديق سافر قبل الحرب بأيام،و كنا خارجين للتو من صلاة الجمعة و وقفنا لنأخذ من الساعة غذاء (سفريا )و لا اطيب-و لم تكن تدري عندما ودعت صديقك انك لن تفتقد صديقك و طيبته فحسب-كما تخيلت اول الامر- و لكن ستفتقد،عندما يقصف الساعة،حتى ذلك الغذاء (السفري) الطيب في تلك الجمعة اللامنسية.. كما ستفتقد كل تلك الاماكن التي اضاءت بصداقتكما…
سوف تذكر كيف شهد المكان جزءً من دورة حياتك. كنت تذهب والشباب اصحابك كعزاب. ثم اصبحت تذهب –عندما تزوجت- مع من تزوج منهم في نفس الوقت. وفي العيد الذي تلاه، ذهبتم جميعاً وقد زاد العدد اثنان: طفلٌ لك ، وطفل لصديقك..
وزاد العدد . وعيدٌ بعد آخر يزداد العدد. ويظل المكان مليئاً ببصماتك وبصمات الاصدقاء. يسافرون يغادرون او يهاجرون - او فقط يكفون عن المجيء. لكن البصمات تظل تملأ المكان. وعندما تراه –على الشاشة- وقد تهدم تحت القصف، تملئ الدموع عينيك، والنيران ذاكرتك، والاشواك قلبك..
ويمتلئ فمك بطعم طبقك المفضل الذي كنت تأكله فيه، وكنت تتحمل الانتظار والطابور الطويل من اجل تفضيلك اياه، ستلاحظ الطعم في فمك الآن. وستلاحظ انه مالح قليلاً هذهِ المرّة. لكن لا. الملح من دموعك..
وتتمنى لو انك تستطيع ان تغير المحطة. لكنك لاتقوى على ذلك.. فبغداد التي تحترق، بعد كل شيء هي بغدادك ، شيء يسري في عروقك، ويستوطن احشاءك، هي مولدك وموتك وايضاً كل حياتك، هي امكانية سعادتك وحقيقة عذابك.. بغداد التي تحترق ليست بغداد- الجغرافيا، ولكنها بغداد الملتصقة باهدابك، بغداد جواز سفرك – و لكن ايضاً تذكرة ايابك.
انها سترك وعافيتك وعافية اولادك. انها الامل في عيونهم والفرح الذي تنتظر،منذ دهور، ان يدق ذات يوم على بابك..
بغداد التي تراها على الشاشة، ليست تلك التي يرون –ويقصفون- ويحرقون .. انها بغدادك. شيءٌ خاص يسكن اعمق اعماقك. ويحترق الان في اعمق اعماقك..
.. على الشاشة تراهم وهم يحاولون اطفاء الحرائق..
قل لي : هل سيطفئ الدمع نيرانك ؟.
******************
وبغداد، بالنسبة لخالاتي، كانت بغدادهن، بغداد خاصتهن، بغداد التي توارثنها ابا عن جد عبر مئات السنين، والتي كانت مسجلة باسم واحد من اجدادهن في دوائر الطابو في العهد العباسي..
.. اقول الصدق !. لقد تعاملن مع بغداد دوماً على هذا الاساس، على اساس انها ملكٌ اجدادهن – قسم من هذا الملك بيع، وقسم صودر، وقسم آخر نسي جدهن – غفر الله له – ان يسجله بأسمه.
كانت بغداد هي من ضمن الثوابت القليلة والنادرة في حياة كل منهن. كانت بغداد هي الانتماء الاعرق، والاقوىـ والأوضح – بين انتماءات زائلة وطارئة وسريعة الذوبان..
عبر العقود المتلاحقة، كانت التغييرات السياسية والإدارية تعصف بهن، حكومات وانقلابات واضطرابات واعمال عنف، وأنظمة تسقط وأنظمة تقوم، وقوانين تسن لتنسف بعد حين، ومملكة تتحول إلى جمهورية، وجمهورية برسم التحول إلى ملك وراثي، وأشياء أخرى من هذا القبيل، رغم ذلك، ظلت بغداد في عقولهن بمنأى عن كل التغيرات. ظلت بغداد هي بيت العائلة، ربما كان في بعض اجزائه قد تهدم، وربما كان في بعض الاجزاء يحتاج إلى ترميم، ربما بعض اجزاءه قد استولي عليها، لكن بيت العائلة يظل بيت العائلة، الاشجار في حديقته كلها نسخ مكررة عن اشجار العائلة، تفاصيل تاريخ بغداد بالنسبة لهن هي حكاية عائلية، كل الخلافات والاضطرابات كانت اولاً وآخراً محض خلافات عائلية.
كان انتماؤهن لبغداد هو المطلق الوحيد في حياة غلب عليها النسبي والعابر. اتأمل الآن، فأجد ان اخلاصهن للبقاء في بيت والدهن لم يكن اخلاصاً له ولذكراه بقدر ما كان ربما اخلاصاً لبغداد القديمة التي هي والدتهن وبيتهن وكل ذكرياتهن..


يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 10:03:50 +0200
كانت بغداد هي كل ما يعرفن عن اصل نسبهن. لم يكن حتى متأكدات من ان العائلة كانت عربية الاصل – و رغم انهن آمنَّ بالقومية العربية ايام مدّها ومجدها، كما ذكرت فأن النسب العربي – واقصد بالنسب هنا العرق- لم يكن حقيقة مؤكدة عندما يتعلق الأمر بأصل العائلة..
كان هناك كلام كثير حول هذا الموضوع. فقد كانت حقيقة الارتباط الوظيفي للعائلة بالادارة العثمانية للبلاد يلقي بظلاله حول الموضوع. كانت العائلة قد احتكرت وظائف ادارية معينة لاكثر من قرن من الزمن. فعبر ستة اجيال، ومنذ اواخر القرن الثامن عشر – وحتى العقد الثاني من القرن العشرين عند انهيار الحكم العثماني، احتكر رجال العائلة وظائف ادارية معينة قريبة من السلطة العثمانية- بل ان لقب العائلة نفسه اشتق من وظيفة تسلمها احد رجالاتها لفترة من الزمن – وتراوحت الوظائف البقية بين سكرتارية الوالي، ورئاسة البلدية التي احتكرت تماماً لاربعة اجيال متتالية، وكان لابد لقرب كهذا من السلطة الادارية العثمانية، ان يفسر بأسباب عرقية بأن تكون العائلة من اصول تركية – ساعد على ذلك، كما اراه الآن، ذلك البياض المشرب بالحمرة، وذلك الأنف المختلف التكوين عما هو سائد بين العرب..
.. ومهما يكن، فلا اظن ان الامر كان تهمة وقتها. كما انه ليس تهمة الآن. لا اعتقد ان النسب سوى شيء وهمي – كما قال ابن خلدون- فبعد كل شيء، اليست بغداد بالذات هي التي ضمت ما ضمت من الاعراق والاجناس عبر تاريخها الطويل. الم ينصهر العرب والترك والكرد والعجم في بوتقة بغداد ليكونوا ذلك الموزاييك البغدادي الذي تكمن نقطة ضعفه وقوته في تنوعه واختلافه.
أليست بغداد – ومنذ بداية نشوئها – هي حكاية ذلك الانصهار والذوبان والتلاحم الاصيل العميق بين مختلف الاعراف والقوميات في علاقة النسب والمصاهرة التي شكلت الخلفية للاحداث في التاريخ العراقي ككل..
الم يكن الاخوال والاعمام –هم الاقطاب الرئيسية لكافة الصراعات في تاريخ بغداد – مرّة يكون اخوال الخليفة من الترك، فيقربهم ويعليهم ويبني لهم – كما يبنون له –ويستوطنون ويكثرون..، ومرّة يكون اخواله من العجم، فيزيدون ويتقربون، ويؤلفون ويكتبون، ويبرزون ويظهرون.. مرّة ينتصر الاعمام. ومرّة ينتصر الاخوال، ومرّة اخرى لاينتصر احد – فالكل مهزوم..
واستمر شد الحبل بين الاخوال والاعمام قروناً، إلى درجة انه صار ميزة اساسية من ميزات الشخصية البغدادية، ولا اعلم بغدادياً ينكر انه مرَّ في حياته وبواكير طفولته ونعومة وعيه بذلك التنافس بين اخواله واعمامه في تجاذبه، و التأثير عليه، ولا اعلم بغدادياً ينكر انه قد درب في طفولته على السير على حبل يشده اخواله واعمامه..
وعندما يترجم ذلك ليصير حكاية مدينة، يكف النسب عن ان يكون حقيقة، ليصير محض وهم في نسج التناغم والتنافس الذي يبطن المدينة ويغلفها في آن واحد..
اتأمل في الاصل الضائع للنسب العتيق لعائلة والدتي، فلا اجد سوى قصة المدينة بأسرها، ضاع نسبها بين الحقيقة والخيال والشد والجذب بين الاعمام والاخوال والاصهار والانساب ..
بل اتأمل في قصة من القصص المروية عن اصل تسمية بغداد، فلا اجد سوى قدر المدينة بأسرها مكثفاً ومركزاً في قصة اسمها، حيث يقال ان اسم بغداد قد نشأ من ادماج كلمتي باغ داد والتي تعني بالفارسية مزرعة داد.. وهو رجل كان يملك بستاناً انشئت في ارضها –فيما بعد – مدينة بغداد.. اتأمل في هذهِ الفرضية فتبدو لي اسطورة من اساطير الاولين – لكنها مثل كل اساطيرهم تشبه الواقع إلى حد الاستنساخ..
احاول التأمل في داد – هُذا الرجل الاعجمي الذي كان يملك ذلك البستان الذي صار تلك المدينة والتي صارت عاصمة للدنيا لفترة من الوقت، - واتساءل، ترى ان اخواله كانواً عرباً، ام انه صار هو خالاً للعرب..، وهل كان فلاحوه عرباً. ام انهم كانوا عجماً، ام انهم كانوا جزء من ذلك الخليط الذي هو جزءً من هُذا وذاك..
واتساءل أكثر : هل صار واحد من اولاده – او ربما احفاده – عالماً من العلماء المعروفين في الفقه والتفسير او حتى النحو واللغة ؟ ..
لقد جرت الامور على هذا النحو في بغداد. وربما في غيرها من عواصم الخلافة العتيدة : دمشق والقاهرة وغيرهما – الاخوال والاعمام يتعاقبون والغزاة انفسهم يذوبون – والنتيجة : النسب امرٌ وهمي. والانتساب الحقيقي للسكان العتاق لهُذِه المدن هو المدينة نفسها.. بغض النظر عن التفاصيل.. اتحسس هُذِه الحقيقة اكثر عندما اتذكر ما تردده خالاتي ووالدتي من ان والدهن كان يقول لهن ان العائلة جاءت في اوائل القرن السابع عشر مع السلطان مراد من ديار بكر الواقعة حالياً بين العراق وسوريا وتركيا، والتي ضمت كل الوان الطيف العرقي الساكن حالياً في هُذِه المنطقة.. عرب وكرد واتراك.
اتساءل : تراهم كانوا عرباً من ديار بكر، جاءوا مع السلطان مراد الذي دخل بغداد دخول الفاتحين في 1630 ميلادية، وسكتوا عن حقيقة اصلهم العربي وتركوا الناس يتحدثون عن كونهم اتراكاً من اجل حبك المزيد من التقرب للسلطة.. او من اجل كسب المزيد من الهيبة في عيون الناس المحليين..
يبدو كل ذلك محتملاً. ولا اشعر بأي حرج منه. فالنسب امرٌ وهمي، وبغداد تجب ما قبلها، وتمسح كل الاثار السابقة، تلغي التاريخ لتبدء تاريخاً آخر اشد عراقة وأكثر اصالة.
وخلال حوالي قرن ونيف، عندما عين واحداً من رجالات العائلة حاكماً في ماردين، استقبل هناك بأنه "خليل افندي البغدادي.." – هكذا كان الانتساب إلى بغداد، وخلال فترة بسيطة يلغي كل التاريخ المختلف فيه – السابق.. لقد كان افراد العائلة الاوائل يعرفون الحقيقة حتماً – لكن حقائق اهم واعم سيطرة على حقيقة بادت كالوهم..
هُذِه هي الحقيقة التي هي فوق الايدلوجيات. المدن العريقة لانسب محدد لها. أنها تحتضن الانساب و الاعراق وتصهرها معاً وتضيف عليها من عبق تأريخها (وتحملها ايضاً جزءً من عبء تاريخها..)، بغداد هي الحاضنة التي حوت واحتوت على الاقوام والاعراق والانساب. هي سمع احدكم بطفل ينسب إلى حاضنته ؟ لا. لم يسمع احد. لكن بغداد –الحاضنة التأريخية تفعل ذلك مع من تحتضنهم. وكذلك تفعل كل المدن العريقة. تصير هي النسب تصير هي الهوية وهي الانتساب.
النسب امر وهمي. والفكر القومي مبالغة. لا اقول ذلك لأن الثور الذي يسقط تكثر السكاكين عليه. بل لأنها الحقيقة عندما يتعلق الامر بالمدن الام، اسجل ذلك واسجل في الوقت نفسه احترامي للفكر القومي - لاساطينه و مفكريه ورواده –و الذين اذكر بأن معظمهم كانوا ينتمون لنسب آخر غير الذي اصلّوا له.
*****************
.. والبغادلة العتق – كما يسمون انفسهم – يعتزون ببغداد كما لو كانت ملكاً شخصياً لهم، كلهم مثل خالاتي، يعتبرون ان بغداد كانت ملكاً لواحد من الاجداد الذي نسي – غفر الله له – ان يسجلها بأسمه، فضاعت وصارت ملكاً مشاعاً – لكنها تظل له..
كلهم يغار على بغداد – اولئك البغداديون الاصلاء – كلهم ويتحسرون على ايام زمان عندما كانت بغداد خالية من الدخلاء – الطريف ان مفهومي البغادلة و (الدخلاء) شديدا النسبية، و الشخص الذي يعتبر دخيلاً من قبل البعض، كان يعتبر نفسه بغدادياً عريقاً، ويعتبر آخرين هم الدخلاء ويتذمر منهم..

يتبع


يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 10:04:20 +0200
كانت بغداد تحتضن الجميع، وتقبل الجميع، وتتوسع مساحتها بأستمرار من اجل ان تتسع للجميع، كانت تتسامح مع الجميع ( وهي صفة لم يتعلمها منها الجميع ) .. كانَ كل من يسكن بغداد، وتحتضنه بغداد، يصير بغدادياً بعد فترة وجيزة – يتكلم باللهجة البغدادية، ويفكر بالطريقة البغدادية، وتطبخ والدته الاكلات البغدادية، ويحب ويجادل ويكره بالطريقة البغدادية.
معظم البغداديين قد جاءوا من مكانٍ ما في فترة ما إلى بغداد لكنهم انصهروا تماماً في بغداد، واصطبغوا تماماً ببغداد، وتبغددوا تماماً في بغداد..
.. لكن رغم ذلك، يظل اولئك البغداديين الاصلاء السكان العتاق لعشرة او اكثر بقليل من المحاليل البغدادية العتيقة – يظل اولئك يعتبرون انفسهم هم الاصحاب الاصليين وللمدينة التي زاحمهم فيها الدخلاء – يعبرون احياناً عن تكبر او ترفع او انفة من هذا الذي يجري حولهم ( رغم ان بغداد، كما ذكرت، ظلت تقول : هل من مزيد ؟).
لست انسى ابداً مشهداً من مشاهد التكبر والانفة قامت به والدتي ما غيرها . كانت والدتي – بشكل او بآخر – هي القائدة بين شقيقاتها الاربعة ورغم انها الثالثة في ترتيب العمر، إلا ان شخصيتها القيادية اولاً، وعملها كمحامية دخلت معترك الحياة العملية ثانياً
– جعلاها مؤهلة لتكون المسيطرة بينهن – فضلاً عن كونها وكيلتهن رسمياً ، ومديرة اعمالهن بطريقة او بأخرى.
كان لكل واحدة من خالاتي ووالدتي قطعة ارض منفصلة ومجاورة كل واحدة للاخرى، بني عليها منذ عقود بيوت على طراز واحد – ولأننا وحدنا سكنَّا المنطقة، ولأن والدتي كانت وكيلة عن خالاتي، فأن الناس كانوا يتصورونها مالكة البيوت الاربعة – وكانت هي مسئولة عن ايجار تلك البيوت وتحرير عقود وحتى استلام مبالغ الايجار، .. وخلافه.
وكنا قد تعودنا على تقاطر الناس على بيتنا كلما فرغ بيت من بيوت خالاتي المجاورة، او انتهى عقد دون ان يجدد .. وكانت لوالدتي طريقة خاصة في اختبار الراغبين في الايجار، وهي طريقة سهلة في الحقيقة ولكن قلما ينجو بها احد – كانت والدتي تعتمد على فراستها
–ومن النظرة الاولى – وكان ذلك يعني ان معظم الاشخاص لن يتسنى لهم حتى فرصة طرح أي سؤال، حتى تردهم والدتي على اعقابهم خائبين..
اذكر بالذات شخصاً حاول ان يكون لطيفاً وتباسط في الحديث، لكن محاولته تلك جاءت مع الشخص الخطأ وفي الوقت الخطأ، فقد سأل والدتي، وهو بعد على الباب، من اين انتم – يقصد اصل العائلة من اين – وكان بقصد بسؤاله هذا ان يمد جسور الحديث، لعل وعسى يكون هناك رابط مشترك يسهل الامور التي حدس صائباً انها ستكون صعبة.
" من بغداد " اجابته والدتي ببرود . "كلنا من بغداد يا حاجة، اقصد قبل بغداد اين كنتم؟" رد وكرر وقد بدء يعرف انه سيلقي ما لا يحب ان يلقى.
" من بغداد. نحن من بغداد " كررت والدتي ببرود حاد.
" لكن لابد انكم كنتم قبلها في مكان ما". تعليق منطقي جداً. لكن ليس بالنسبة للوالدة.
" نعم . لكن ليس قبل خمسمائة سنة.، نحن في بغداد منذ اكثر منذ خمسمائة سنة" .. واغلقت الباب!.
*****************
ما الذي افعله بالضبط ؟
هل اؤرخ للمدينة ؟ ام أؤرخ لعائلتي ؟ . ام انني ارصد التداخل بين تاريخ العائلة وتاريخ المدينة ؟. ام ان الامر اصلاً متداخل ولا سبيل لوضع حدود فاصلة بين المدينة والناس لأن المدينة هي الناس، والناس هم المدينة ..
مالذي افعله بالضبط ؟.
هل اكتب النعي، ام اكتب دعوة الشهادة ؟؟
هل احرر شهادة وفاة ؟ ام اكتب شهادة ولادة ؟
هل ارصد الاحتضار – ام اراقب صرخات المخاض والولادة ؟
هل ارسم الديناصور الذي برسم الانقراض – ام ابشر بالعنقاء التي ستقوم من تحت رماده..
مالذي افعله بالضبط ؟ - والحدود بين المدينة والعائلة غير واضحة ؟ حدود البلد محترقة، والسماء ملتهبة، وبغداد تحترق امام عيني و في الشاشة، والقصف يزعق ساخراً من كل شيء.
مالذي افعله بالضبط ؟.. وكل ما افعله يبدو بلا جدوى، بلا معنى وبلا هدف.
ومالذي استطيع ان افعله، سوى ان اتمسك بما افعله – واتشبث بما افعله- وانظر لما افعله.. ثم اعتبر انه كل ما يجب عليَّ ان افعله..
.. ومالذي افعله بالضبط – وقد اختلطت اوراق، واحترقت اوراق، وضاعت اوراق، وزيفت اوراق..
مالذي افعله بالضبط – وكل ما استطيع فعله هو ان اضيف اوراقاً على الاوراق.. واسطر اوراقاً على الاوراق - .. واقنع نفسي بأنها لن تكون كبقية الاوراق.

*************************

قال لي صديقي وهو يبرر قراره بالمغادرة إلى عانة – اقصى الغرب قرب الحدود السورية : "نفر من قدر الله إلى قدر الله..".
لو لم اكن اعرف صدقه ولو لم اكن قد خبرت اخلاصه، لقلت ان في خزينة الادلة والاحاديث والحوادث ما يتسع لتفصيل أي فتوى حسب الطلب وبأي حجم كان..
سكت. لم اقل له، ان القدر في النهاية، ليس سوى مجموعة خيارات نتخذها في مفترق طرق..
لم اقل له، ان هناك قدر زكام، وقدر جذام، وقدر سرطان.. وان القصف وهوله قد لايبدو بعد عشر سنوات من الآن، سوى حالة زكام شديد وربما التهاب رئوي.
لكن قدر الخروج – الذي يبدو اليوم اختياراً آمناً – قد يبدو بعد عشر سنوات انه كان قدراً قد جلب مرضاً خبيثاً يتقدم ببطء – ولكنه يقتل بشكل اكيد.. لم اقل له ذلك. فقد كنت اعرف الضغوط عليه..
"نفر من قدر الله إلى قدر الله ؟" لا، بل اتمسك بقدر الله، وبقدرة الله – وبرحمته وبحكمته..
لا افر من قدر الله – بل اتمسك به، واعض عليه بأسناني، واتشبث بأظافري، واتعلق به كما يتعلق غريق بخشبة، وكما يتأمل غريق بخشبة..
لا. لا افر من قدر الله. بل اتخندق بقدر الله. واتحصن بقدر الله. واتسور داخل قدر الله لأحتمي بقدر الله..
لا. لا افر من قدر الله – إذا كان الفرار يعني ان تفر من بغداد..
فبغداد كانت ولازالت جزء من قدر الله – ومن قدرة الله – ومن حكمة الله. ومن عزة الله.



يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 10:05:25 +0200
بغداد، التي يفرون منها كما يفرون من مريض بالجذام، اتمسك بها وتتمسك بي، احتمي بها وتحتمي بي – اهرب منها إليها، وافر من قدر الهروب إلى قدر الصمود، ومن قدر الفناء إلى قدر البقاء..
وبغداد، احملها في حقبتي، في جعبتي، اودعها قبضة يدي واضعها في صدري في عيون اطفالي الاغلى من عيوني – ولا اقول ابداً اني افر من قدر الله إلى قدر الله..فلا احد يستطيع الفرار من يده، او من صدره او من عيون اطفاله الذين هم اغلى من عيونه.
******************
بين الحين والآخر، يجب على المرء ان يدفع ضريبة ما، ليثبت انه يستحق جدارة ما يمتلك.
وبين الحين والآخر، يجب على المرء ان يدفع تكلفة ما، ليجدد تملكه لما يملك..
نستطيع ان نقول انها ضريبة او حتى زكاة. وقد يسميها البعض اتاوة.. قد يدفعها البعض عن طيب خاطر. ويضيق البعض الآخر متبرماً منها، ويتحايل الآخرون في التهرب من الدفع..
لكن بين الحين والآخر، وربما دون ان نعي ذلك. يحدث ان ندفع دائماً ما يجدد ملكيتنا لما نملكه..
تعودنا ان يحدث ذلك وبشكل واضح مع ممتلكاتنا المادية – بالضريبة او بالزكاة، او حتى بالاقساط التي نسددها تباعاً..
لكننا، ودون ان ندري – ندفع ضريبة اخرى - او زكاة من نوع آخر – على ممتلكات اخرى غير مادية .. لنثبت ملكيتها لنا .. ونجدد امتلاكنا لها..
الامهات مثلاً، يمتلكن شعور الامومة والذي هو –كما يدعين- ربما اعظم واجمل شعور يمكن للانسان ان يمتلكه. لكنهن يدفعن مقابل ذلك ثمناً باهظاً. انهن مثلاً يدفعن القسط الاكبر من الثمن عبر مخاض الولادة. لكن الامر لا ينتهي هناك في صالة الولادة. بل تبدء عملية تقسيط (غير مريحة بتاتاً) لتستمر العمر كله.. وبين الحين والآخر، قد ترتفع قيمة قسط ما، عند مرض او شدة، من اجل ان تثبت الام امتلاكها لما تمتلك..
لا يكون الشعور متشابها عندما تكون الولادة بلا الم، يتم تسليم الاطفال بعدها إلى مربيات (مستوردات او محليات). كما يحدث في مجتمعات عدة، وطبقات عدة..
حتى الشعور بالابوة له ضريبة، لايمكنك ان تنفذ منه، لايمكنك ان تتمتع بهم وهم يتقافزون فوقك دون ان تدفع مقابلاً لذلك من وقتك واعصابك والدم الذي يسري في قلبك..
كل الروابط الحقيقية التي تتجاوز الدم والبيولوجيا تحتاج إلى ان تبرهن على استمراريتها –بل على وجودها اصلاً- بدفع من نوع ما..
..حتى الافكار و العقائد- نتحدث عنها و نتشدق بها و نتوارثها ،لكن بين الحين والآخر، تختبرنا بينما نتصور انها نختبرها، ونتخلى عنها. بينما نتهمها انها هي التي تخلت عنا، ونتهمها انها قد هربت، بينما نكون قد هربنا – بل تهربنا..
بين الحين والآخر، على كل امرء ان يدفع ثمن ما يؤمن به، ويملكه ويفتخر بامتلاكه.
بين الحين والآخر، على المرء ان يدفع ضريبة ما، ليبرهن – لنفسه على الاقل – انه جدير بأمتلاك ما يمتلكه..
.. وكلما كان الشيء موضع التساؤل غالياً وقيماً كلما زادت قيمة الضريبة التي ينبغي دفعها لاستحقاق الشيء..
وبين الحين والآخر، وفي معظم الاحيان، عندما تتراكم الضرائب والمستحقات دون دفع، يفقد المرء حق التملك.. ويسقط حتى حق الحيازة..
.. وبطريقة او اخرى – وربما دون ان يشعر البعض، كانت الاملاك – الافكار والعقائد والانتماءات تصادر وتستملك، وبعد فترة كان هذا البعض ينتبه، ويفتقد، ويبحث .. ويسب ويلعن.. غير مدرك انه قد فقد حقوقه كلها، يوم كف عن دفع ضرائبه..
*****************
.. اتحدث عن بغداد بالذات ..
فأن تمتلك ولو بقدر شبر من التاريخ والتراب، في مدينة كانت عاصمة التاريخ ومكان ترابها اغلى تراب، ليس امراً هيناً ولايمكن ان يمر دون دفع ضريبة ما..
ان تنتمي لمدينة عمقها اكثر من الف سنة – وطولها اكثر من الف سنة، وعرضها أكثر من الف سنة، ليس أمراً عابراً- ولايمكن ان يمر دون تحمل عبء ما..
.. وان تسكن في مدينة سكنها قبلك تاريخ، واستوطن فيها تاريخ، واستمر فيها تاريخ، وتناسل فيها تاريخ، امر‘’ استثنائي ولايمكن ان يحدث كل يوم..
.. وان ترث، في قيمة ميراثك – مدينة كانت – حصرياً- عاصمة الخلافة (ايام كانت الخلافة خلافة)، تمتد من ذلك المكان البعيد في اوربا إلى ذلك المكان البعيد في اسيا، وكان العز و المجد، و كان الانفتاح و الصد،و كان الطوفان والسد، وكان الجواب والرد – وكان العالم اجمع اعجز من ان يكون ند..
نعم. قد تجد مدينة شوارعها انظف و هواؤها الطف، زحامها ومستوى دخلها افضل.. لكن من الصعب جداً ان تجد مدينة يلعب التاريخ الكرة في شوارعها مع الأطفال، ويتسامر مع متقاعديها في المقاهي..، ويكتب ذكرياته على الجدران في الشوارع العامة..
تذهب لتزور مدينة اجنبية ما، فيخبرك قائد الفوج السياحي انه سيأخذكم إلى مكان اثري مهم، فتتأهب لعدة الاف من السنين – كما هي الحال عندنا، ولكن تفاجأ ببيت عادي عمره اكثر قليلاً من قرن واحد- فقط. وانت بيت جدك عمره يتجاوز القرن والنصف. ستنظر لزملائك في الفوج من الاجانب الذين صادقتهم في الرحلة فتفاجأ اكثر بذهولهم واعجابهم بالآثار، والتقاطهم الصور التذكارية في المكان. وتحاول ان تجاريهم فلا تستطيع، لقد كنت دوماً تمر بأزقة عمرها بضعة مئات من السنين دون ان تلتفت اصلاً – فضلاً عن ان تقف لتأخذ الصور..
نعم. انه شيء استثنائي وخاص وحصري، ان تلد وان تولد في مدينة استثنائية وخاصة وحصرية كبغداد، وان تتنفس هواءَها الذي يعاد ويكرر منذ اكثر من الف من السنين. وان تموت فيها وتدفن فيها فلا تكون وحيداً في قبرك، لأن ترابه تكون من رفات المئات الذين ماتوا قبلك عبر مئات السنين.
.. ولو تسنت لك الفرصة ان تتعرف عليهم وانت في القبر، لتعجبت من تعدد اعراقهم و تنوع اجناسهم، ستجد عرباً من الجزيرة، واحد منهم استشهد في المدائن عند فتح العراق، وآخر استشهد في النهروان. وآخر مات عندما سقطت بغداد..
وستجد رجلاً جاء من طشقند ( في اذربيجان اليوم…) جاء ليطلب العلم في بغداد، وستجد آخراً جاء من الصين، وآخر من اسبانيا اليوم – كل‘’ جاء من حضارة مختلفة ومجتمع مختلف وقارة مختلفة، ووحدتهم تلك الحضارة العظيمة التي كانت ذات يوم، وبرزت ذات يوم، واستوعبت العالم ذات يوم، وجعلت التراب الذي يدفن فيه، يتكون من ترابٍ دفن فيه كل هؤلاء من قبل..
وسترى ايضاً، رغم ظلمة القبر، زنجياً مات في واحدة من اعظم الثورات من اجل الحرية في التاريخ، وسيجاوره في القبر امير من الامراء قتل لأنه كان معتزلي الفكر في عصر انقلبت فيه امور المعتزلة، وفوقهم جميعاً سيكون هناك عبد رومي، خطف وبيع مرات عديدة في سوق النخاسة، واسلم وحسن اسلامه، بل انه صار اتقى واورع من سيده العاهر الفاجر..
.. وسيكون هناك تاجر جاء من اصفهان ليتسوق في بغداد، فطاب له السوق وعاش في بغداد ومات فيها..

يتبع



يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 10:06:31 +0200
تقول نظرية المسطرة والزوايا القائمة انهم إذا كذبوا في هُذِه فسيكذبون في كل شيء!!
يفرح قلبك للنظرية. يطمئن بها. (تسأله إذا كان مطمئناً حقاً فيكذب عليك هو الآخر).
انك تعلم انهم يتقدمون. بل انهم يتقافزون مثل الضفادع مرّة هنا – ومرّة هناك. فجأة تقاومهم هنا، وفجأة تجدهم هناك..
انك تعلم انهم يتقدمون بأتجاهك. وفي واحدة من هُذِه القفزات سيفتحون ثغرة باتجاه بغداد..
بل انك تعلم ما لا يعلموه وما لن يفهموه : انهم إذا استطاعوا فتح تلك الثغرة باتجاه بغداد – ولو ثغرة واحدة – فأن كل شيء سينهار، وكل شيء سيتساقط : المعنويات والمقاومة والخطط .. وكل شيء .. اعلم انا ذلك. ويعلمه اهل بغداد دون ان يقولوه – رغماً عن كل الخطط العسكرية المعدة – اسوار بغداد بعيدة عنها – على بعد ما لا يقل عن 50-60 كيلومتراً – والوصول إلى قرب كهُذا سيصدم اهل بغداد – سيحبطهم وسيجردهم عن اهم اسلحتهم .. آمالهم ..
تنظر إلى الخريطة ، إلى تلك النقاط التي يتقافز فيها الضفدع – التئين..، وعينك تشخص إلى بغداد – وتعلم ان تلك المدن والقرى انما تقاتل نيابةً عن بغداد، ووكالة عن بغداد ودفاعاً عن بغداد .. وان بغداد انما تقاتل هناك، بينما هي متوترة ومتوثبة هنا..
هاهي نشرة اخبار ثانية. تترك الخريطة وتستمع من جديد. ثم تعود إلى الخريطة والمسطرة، تزداد كآبة واحباطاً .. وتقل درجة الاضاءة في وجهك وفي تلك النقاط..
تشيح بوجهك عن الخريطة. لكن عينك تظل على بغداد..
****************
لكل منا بغدادهُ
لكل منا بغداد خاصة به، هي مسقط رأسه ومحط احلامه وآماله – وهي مختلفة عن بغداد التي في رؤوس الآخرين –
وبينما ينظر الجميع إلى بغداد على الخارطة – فأن بغداد كان تتشظى وتنشطر إلى ملايين الـ (بغدادات).. لكل منها كيان خاص مستقل، كل منها عاصمة شخص واحد، ومركز لعالم هو عالم شخص واحد..
بغداد التي في رأسي هي اطفالي – ولافتة عيادتي الضوئية ومكتبتي في البيت. وكوب الشاي خاصتي. ودفتر الهاتف. واصدقائي الذين سافروا معظمهم. بغداد هي اوراقي ومشاريعي.. وحفنة من الطموحات المعلقة – كما كل شيء ..- واشياء اخرى..
.. وبغداد التي في رأس زوجتي، هي اطفالها، والروضة التي تديرها، - والتي تطمح بأن تكون اكثر من مجرد روضة –وصولاً إلى رؤوس الصغار وقلوبهم..، بغداد هي حلمها بأن تستطيع ان تحول روضة الصغار إلى مجمع تدريسي يكبر معهم..
.. وبغدادي في رأس والدي هي البوم الصور القديمة الذي لا يفارقه، وحياته المهنية التي لم يتمها بسبب المرض. ومقالات كتبها ورفضت نشرها الصحف بسبب الخوف. ومشاريع كتابية اقعده المرض عنها..
.. وبغداد بالنسبة لوالدتي هي ذلك الصبر الطويل على عمر لم تعشه حقاً، وعلى حياة قضتها كممرضة لوالدي المشلول اكثر مما قضتها كزوجة له، .. وهي الضحكة في عيون احفادها تعوضها في لحظة واحدة عن ذلك الصبر كله..
.. وبغداد بالنسبة لخالاتي هي شبكة التفاصيل التي تحيط بحياة كل منها، وبتلك الفوضى التي تعج بها حياتهم ( وهي فوضى يدعين انها منتهى التنظيم ) - هي كل كلمة قالها والدهن المتوفي قبل ثلاثة عقود – وكل حركة قامت بها والدتهن المتوفية قبل خمسة عقود. بغداد هي ذلك العهد الغابر الذي لايغيب عن بالهن، وذلك العهد البائد الذي لم يباد بالنسبة لهن، بغداد هي ذلك النهر الذي لم ينقطع يوماً عن المرور امام بيتهن..، وهي شاي الصباح الذي يحتسينه على شطه.
بغداد هي كل تلك التفاصيل اليومية الصغيرة بالنسبة للملايين الذين يسكنونها. صغيرة نعم ؟. لكن بالنسبة لأصحابها كبيرة. قد تكون بغداد بالنسبة لاحدهم صلاة فجر في جامع عمره الف سنة. وقد تكون قدح من الشاي على الفحم بعد شيش كباب لايمكن ان تأكله في أي مكان آخر في العالم، وقد تكون بغداد هي لمة عائلية على افطار صباحي مكون من الكاهي والقيمر، جاءَ به احد الاقارب دون سابق انذار. بغداد هي ان يدق بابك فجأة أحباب واصحاب، بلا موعد – بلا اخطار، فتفرش لهم عيونك، قبل ان تفرش لهم الدار..
.. وبغداد، قد تكون سريراً في مستشفى. وعلاج شهري باهظ التكاليف، لطفل هو نور عيون والديه، لكنه مصابً بالسرطان..
وبغداد قد تكون ايجار الشهر القادم، يأتي المؤجر ليستلمه اول كل شهر – لايقنع ابداً، ويظل يطالب بالمزيد..
وبغداد قد تكون صورة معلقة في الدار لأب شهيد. لم يرَ اطفاله يكبرون. لم يرَهم يضيعون او يرشدون. لم يرَهم ينضجون – ولا يعودون اطفالاً، ويتزوجون – ويرون اطفالهم وهم يكبرون..
(.. وقد تكون ذكرى دامية لعريس فقيد. لم يكن قد مضى على زواجه اسابيع، عندما دق الباب زوار الفجر، واقتادوه إلى مكان بعيد، ثم اتصلوا وقالوا سيخرج ليلة العيد – لعبوا باعصابهم – واعطوهم جثة هامدة ليلة العيد. واكثر من هُذا قالوا : توفي بسكتة قلبية. فتح اهله التابوت ورأوا اثار التعذيب.. سكتة قلبية؟ ربما- بسبب التعذيب.
.. لم يدر ذاك الذي مات تحت التعذيب ان اسابيع عرسه قد تركت جنيناً في احشاء زوجتة – سيكبر ليواجه عالماً قاسياً من حديد – اخذ منه اباه الذي لم يعرف حتى ان له ابناً في الطريق.
بغداد هي تلك الذكرى الدامية، في عيون تلك العروس التي ترملت منذ زمان بعيد. كبرَّها الزمن، وكبرت معه، ومبكراً ليست ثياب الحزن والسواد، ومبكراً اكلت الهم واقتاتت بالصبر، وطيلة سنين – كبّرت ابنها- الذي لم يعرف والده انه في الطريق – ورصدها، عينها عليه – وقلبها عليه – وعقلها لا يعمل إلا عليه. تخاف عليه من كل دقة باب، من زوار فجر محتملين، من اصدقاء السوء ومن اصدقاء الخير على حد سواء، تخاف عليه من حوادث الطريق، ومن الحسد ومن عيون البنات -فهو شاب وسيم-، ستخاف عليه اساساً من حظها العاثر، الذي بدء يوم بدء من دقة باب.. ذات فجر حزين..
.. وستعترف مع نفسها – انها لم تعد تذكر ملامح عريسها الفقيد. وستواجه نفسها ذات ليلة لتحاول ان تتخيله، فاذا بملامحه قد ذابت مع الزمن، وحلت محلها ملامح ابنها الذي كان في الطريق..
.. وستعترف مع نفسها انه لو حدثت معجزة ما – واتضح انه كان هناك خطأ ما .. ودق الباب الآن زائر فجر آخر هو بالذات عريسها الفقيد – لو حدث ذلك لما تصرفت إلا كما تتصرف مع غريب. ولهرعت ترتدي حجابها امامه – كما ينبغي وحسب الاصول. لقد غربتها عنه السنين، وعاشت عمرها ارملة، ولم يكن العرس سوى اسابيع..
.. وعندما سيثمر صبرها خيراً، ويتخرج ابنها طبيباً او مهندساً، ستجهش هي بالبكاء –كما لم تفعل حتى يوم كان ما كان- ستبكي بحرقة : هل أشرفَ عملها كان الانتهاء ؟ وستبكي بألم : لأنه لم يرَ ابنه اليوم – لأنه لم يعرف حتى ان له ابناً في الطريق.. وستبكي بندم. لو انها اخبرته انها حامل، كانت صغيرة وخجولة وتريد ان تتأكد فلم تخبره. الآن تبكي بندم وتسأل نفسها : لو انها اخبرته ، هل كان سيفيد ؟
تداري دموعها ولا يجدي شيئاً. لا تريد ان تفسد عليه فرحته، لكن الامر كان بالنسبة له اعمق من الدموع. والآن هاهي الدموع تسيل من عينيه، ومن عيون من حوله.. فجأة تسود الدموع، ودون ان يقول احد شيئاً، سيكون الجميع يفكرون بالشيء ذاته..
أنهم يفهمون .. كما تفهمون)
بغداد هي الآف القصص من هُذِه النوعية. هي التفاصيل المختلفة لقصة الفجر الحزين هُذِه .. بغداد هي المرور بذلك. والسكوت على ذلك. والصبر على ذلك..
.. بغداد هي استمرارية الحياة، رغم كل ذلك..، بغداد هي الجرح يحمل في ذاته قابلية التئامه، هي الناس يواصلون السير في الطريق رغم تكرار مصابهم والآمهم..
بغداد هي عجلة الزمن – لا شيء يوقفها حقاً – لا شيء حتى يجعلها تتباطأ قليلاً
– تظل تدور وتدور – تدوس على البعض، وترفع البعض، وتخفض البعض، وتحني على بعض وتقسو على البعض.. لكنها تظل تدور وتدور..
بغداد هي الملحمة الكبيرة للتفاصيل الصغيرة. هي حيناً " لا " وحيناً " نعم ". هي حيناً توحيد خالص وحيناً خضوع لصنم. هي الالم حيناً، لكنها ايضاً مغالبة الالم..
.. بغداد هي المطر الذي انحبس. والكسر الذي ما انجبس. هي الحقيقة تضيع بين الشك واللبس.
.. بغداد هي عرس جماعي. واعدام جماعي. ومقبرة جماعية، وصورة جماعية لحفلة تخرج جماعية – ستبقى ذكرى لتجمع ستفرقه للظروف شذر مذر..
.. بغداد هي لعبة في الشارع يلعبها الاطفال : واحد منهم سيموت و واحد سيهاجر وتنقطع اخباره، و واحد لن يهاجر – لكن ستنقطع اخباره ..، ويظل اطفالاً آخرين يلعبون نفس اللعبة في نفس الشارع..
بغداد هي العود على بدء . والبدء ثم البدء.
.. بغداد هي النهوض من جديد. والطرق على الحديد. وحرز عتيق تضعه ام لأبنها المريض بالسرطان.. لعله يفيد..
بغداد هي التناقضات التي نكره. والتناقضات التي نعشق.. والتناقضات التي علينا ان نتعايش معها..
يتبع

يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 10:07:08 +0200
بغداد هي اعلى قمة في الجبل – وهي ايضاً اوطئ نقطة في السهل.
بغداد هي منتهى العشق والكرم. لكنها ايضاً كره وحقد دونما ندم.
بغداد هي الفصول الاربعة – تتعاقب كلها اكثر من مرّة واحدة في يوم واحد..
بغداد هي كل ما تعرف. وكل ما لا تعرف. وكل ما تتذكر. وكل ما لا تتذكر.
....
*******************
لكل بغداده..
فبغداد – بالنسبة للملايين الخمسة الذين يقطنونها، والذين تقطنهم هي امر شديد النسبية، مثل حقائق اخرى كبيرة..
من بين الحقائق الاخرى الكبيرة، هناك حقائق – قليلة – تتجاوز الوضع النسبي – وتذهب باتجاه المطلق..
هناك حقائق مكانها هناك، لايمكن ان تكون إلا في المطلق – ولا يمكن ان تتخيلها وقد نزلت إلى النسبي..
.. وهناك حقائق، تسكن المطلق احياناً، وتنزل عنه في بعض الاحيان – حسب المتطلبات – وحسب الظروف -.
.. وهناك حقائق – تقترب من تخوم المطلق حتى تكاد تمسه، وتجاوره.. العمر كله..
في مكان ما هناك توجد بغداد : جارة المطلق !.
نعم. هناك بغداد اخرى غير تلك التي – انشطرت إلى ملايين الكيانات في رووس سكانها..
هناك بغداد – الحقيقة المطلقة – او على الاقل : جارة المطلق ..
هناك بغداد التي هي فوق النسبي – وفوق العادي ..
.. وكما مع كل الحقائق الكبيرة – فأن الناس تتجاوز المطلق وتنشغل عنه بالنسبي والعادي والمكرر..
كذلك بغداد – لكل منا بغداده التي تشكل مركز عالمه وهمومه وتفاصيل اهتماماته – لكن بغداد الاصل – بغداد – جارة المطلق لم تكن في قائمة اهتماماتنا..
نعم، مقصرون نحن في فهمها وفي التفاهم معها : غارقون في نرجسيتنا وفي رسم عوالمنا التي لا تتجاوز حدود جماجمنا..
نعم. بغداد جارة المطلق بعيدة عن محل سكنانا. إذ نحن نسكن داخل الحدود الدنيا لاهتمامات دنيا..
.. لكل بغداده. لكني قررت ان اترك بغداد خاصتي – بغداد بيتي و عيادتي واوراقي واكوام كتبي ومقبرتي – لابحث عن بغداد – جارة المطلق..
واطلب منكم كذلك – ان تنزعوا رؤوسكم، وتتركوا بغدادكم .. وترحلوا إلى بغداد اخرى – تعرفكم ولا تعرفونها – قريبة منكم ولكنكم بعيدون عنها..
بغداد اخرى، تسكن قرب المطلق.
*******************
عندما صُـِرَح لنا، دونما سبب محدد، وببرود ولا مبالاة، ومن قبل وزير الدفاع العراقي، ان بغداد ستحاصر وستطوق خلال خمسة إلى عشرة أيام، هبطنا من حالق. ووضعنا التصريح امام واقع مرير كنا نحاول ان ندفن رأسنا في الرمال لنتجنبه.
في الحقيقة – لم تكن الاوضاع سيئة لهُذه الدرجة. كانت المقاومة لاتزال عنيفة. وكان الغزاة يتخبطون في الصحراء بل ويطلبون الامدادات..
.. سمعنا التصريح. واحبط معنوياتنا.. وتعالت التحليلات والصيحات.. انها مؤامرة. مؤامرة، والوزير اعدم بعد التصريح..
انها خطة لاستدراج الغزاة.. انها جزء من تكتيك مسبق..
وبين نظرية الاعداد المسبق و نظرية المؤامرة – الجاهزة على الدوام - كان لابد للتصريح ان يفعل فعلته. وان يضعنا ومعنوياتنا على المحك : حسناً. ماذا كنتم تتوقعون ؟.. هل كنتم تتوقعون اننا سنصل إلى واشنطن ؟. هل كان يمكن لنصر كهُذا ان يقع ؟ ..
لا. طبعاً، كانت طموحاتنا اقل بكثير. كنا نراهن على المزيد من الوقت الذي سيؤدي إلى المزيد من التخبط.. وعندها توقعنا ان تكون هناك مبادرة سياسية ما، من طرف ثالث، من اجل هدنة ما، او وقف لأطلاق النار، او فلنقلها بصراحة : صفقة ما..
كنا نريد ورطة للغزاة مثل ورطة فيتنام. نتمكن بعدها من فرض شروط ما للخروج نحو السلام..
لكن فروق اساسية كانت تبعدنا عن مثل هُذِه الورطة. اولها ان حرب فيتنام حصلت في عالم آخر كان فيه الاتحاد السوفياتي يقف سياسياً ومادياً ومعنوياً بثقله خلف الفيتناميين.. اما نحن فقد كنا معزولين تماماً، محاصرين تماماً خلف حائط اجوف وهش..
ثاني هُذِه الفروق ان الغزاة في فيتنام تورطوا في ادغال واحراش ومستنقعات مكنت اهل البلاد من قيادة حرب عصابات شديدة التأثير. هُذِه الميزة الجغرافية لم تتوفر في حربنا حيث كانت هناك صحراء منبسطة ممتدة امام الغزاة دون رادع او حاجز جغرافي.
اما ثالثها واهمها – واكتبها و انا خجل من نفسي ومن اولادي ومنكم ومن اجيال قادمة- اننا كنا نريد ورطة مثل ورطة فيتنام – شريطة ان لا نضطر ان نكون كالفيتناميين..
نعم، القلم في يدي الان مصدوم من هُذِه الحقيقة كما لو انه لم يكن يعرفها – فقد تعودت الاقلام عندنا على كتاب الايدلوجيات ان يصعدوا الحماسة ويثيروا المشاعر ويروجوا للاستشهاد ولمثل وقصة اصحاب الاخدود وشهداء احد – ثم يكونوا اول من يولوا الادبار او يقفلوا ابواب بيوتهم..
نعم، لنكن صرحاء : لم نكن مستعدين بما فيها الكفاية لخوض التجربة – إلا بالكلام والجعجعة – كنا اساتذة في ذلك..
.. وكانت تصوراتنا في الاسبوعين الاولين مطابقة للواقع – كما ذكرت – فقد كان تخبط الغزاة واضحاً وعثراتهم بينه، بل انهم تبادلوا التهم فيما بينهم بخصوص من وضع الخطة الهجومية، والتي تبرأت كل الاطراف من تبيعها – فوزير الدفاع يرميها على رئيس الاركان وذاك يردها له ولمستشاريه لأيام.. بدا ان الورطة للغزاة مقبلة ولابد..
وكان السؤال الذي يلح في عيون الناس المرهقة، واذهانها المتعبة : هل سيبقى الطاغية بعد كل شيء ؟؟
كانت المناطق التي تقاوم وبشراسة مذهلة، هي بالذات التي كانت ترزح تحت نير جلاوزة الطاغية اكثر من غيرها، ذلك الجنوب الحزين الفقير والذي قمع بقوة وبوحشية في الحرب الاولى، والذي كان الغزاة قد بنوا جزءً من خطتهم على ان دخولهم اليه سيكون اسهل من دخول السكين الساخن في الزبدة..، ذلك الجنوب الجائع المقموع المكبوت – نهض رغم هزاله واحباطه يمسك بسلاح شبه بدائي ويقاوم اعتى قوة في العالم الجديد.. كان ذلك مفاجئاً للجميع. للغزاة وخطتهم. وللنظام واستعداداته. ولنا نحن ايضاً – فلنعترف – لم نكن نتوقع منهم شيئاً كهُذا.
قالت لي واحدة من مريضاتي، وهي سيدة محترمة ومثقفة وتعود بأصولها إلى ذلك الجنوب الحزين – الناصرية تحديداً – قالت لي، عن اهل الناصرية الذين كانوا يقاومون بضراوة في ذات اليوم الذي اتصلت بي بحثاً عن علاج طارئ لمشكلة في اسنانها، قالت لي : لو انك تراهم ! من يعد ثرياً هناك، بالكاد يملك نعلَ حذاءَه ..
.. وكنت قد رأيتهم فعلاً صباح اليوم ذاته – على الجزيرة – رأيت طائرات الاباتشي تقصف بيوتاً على النهر. ورأيت جنود المارينز يقتحمون بيتاً فقيراً – وكاميرات الاعلام معهم تصور دقائق الاقتحام السينمائي كما لو كان اهم مهام العميل السري جيمس بوند. تدخل المارينز إلى غرفة عارية من الاثاث من الواضح انها غرفة نوم ومعيشة واستقبال وربما مطبخ في آن واحد. في طرف الغرفة الفقيرة كان هناك لحاف فقير من الواضح ان هناك (شيء) ما ينام او يختبئ تحته. تصوب الرشاشات كلها نحو اللحاف، والكاميرات ايضاً بأنتظار تسجيل الحدث الجلل – من تحت اللحاف المهترئ يظهر بأرتباك وخوف وجه امرأة عجوز انهضتها الجلبة من نومها – لثوان تنظر وهي غير واعية لما يدور، تمد يدها لتضع نظارتها الطبية على عينيها – لتتأكد حقاً مما يدور، حدث ذلك في الناصرية. ونظرة تلك العجوز لأولئك المارينز الذين اقتحموا عليها الدار – كانت نظرة مميزة، ونقلتها الكاميرا – وشاهدتها على الجزيرة في ذلك الصباح. كانت نظرة تلخص نظريات، وتلغي نظريات، وتقيم نظريات. كانت نظرة تمزج بين الرعب والكره وعدم التصديق واستطاعت تلك الكاميرا ان تلتقطها جميعاً، بدلاً عن قائد ارهابي موهوم..
ورأيت ايضاً في ذات الصباح، المارينز وهم يرفسون بأقدامهم باباً متهالكاً لمنزل متداعي، ينفتح الباب على عائلة تتراكض نسوتها وهن حاسرات الرأس، ويقتاد الشباب بذل وخضوع، ورؤوسهم ليست حاسرة بل مغطاة باكياس نايلون لأسباب لا اعتقدها امنية بقدر ما اتصورها نفسية – للاذلال المحض – كانوا يرتدون ملابس رياضية بسيطة، من تلك التي تراها عندما تذهب للسوق او لأي مكان عام. الناس ترتدي هُذِه الملابس في البيت او في الخروج دون قصد ممارسة أي رياضة – كانت نوعية رائجة جداً ولون رائج ايضاً واستطيع ان اعدد عدة اشخاص كانوا يمتلكون نفس النوع ونفس اللون. وعندما تراهم وهم يقتادون بتلك الطريقة، اولئك الشباب الذين لا اظنهم تجاوزوا العشرين – وهم يرتدون ثياباً تعودت ان تراها- يراودك شعور غامض وغير مريح بأنك تعرف هؤلاء الشباب. سبق ان رأيتهم من قبل.
سيطر عليَّ هُذا الشعور. ومع الطريقة التي اقتادهم بها، كان الامر غير مريحاً البتة. لكن اين اين رأيتهم قبل وانا لم اصل يوماً للناصرية ؟
وفجأة تذكرت. نعم لقد رأيتهم. وايضاً في الناصرية..
فقبل اكثر من عشر سنوات، راج شريط عن تلك الانتفاضة التي حصلت في الجنوب – او ما سمي وقتها باحداث الغوغاء – كان الشريط يصور الطرق الوحشية التي قمعت بها الانتفاضة، ولم اشك للحظة واحدة ان الذي روج للشريط كان جهازاً من اجهزة السلطة القمعية

يتبع

يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 10:07:45 +0200
ذاتها، دون أي اعتبار لدواعي الاستتار، وكانت الرسالة واضحة المقصودة في الترويج لشريط الرعب في الناصرية واضحة تماماً : اعتبروا يا اولي الالباب ..
من بين مشاهد الرعب المتعددة كان هناك مشهد لم انساه ابداً، شابان في العشرينات من العمر، ربما كانا في عمري آنذاك – يقتادهما الجلاوزة باذلال، برفسات، وسباب بذيء.. إلى اين كانوا يأخذونهما ؟ ..
.. لا أدري. لم تهتم الكاميرا. وربما لا أحد يدري. ربما إلى هُذِه اللحظة لا أحد يدري، وربما اهلهما لحد الآن ينتظرون خبراً، او رسالة.. او دقة اليفة على الباب.
- وربما سيظلون ينتظرون..
- وكانا يرتديان ملابس رياضية ايضاً.
طبعاً لا يعقل ان يكونا ذاتهما. لايعقل ان تكون عجلة الزمن قد وقفت بهما طوال تلك الفترة. قلت لنفس ذلك وانا احاول ان اطرد الخاطر العجيب..
لكن لو دققنا اكثر – لوجدنا انهما نفس الشخصين!. انهما نفس نفس الشخصين. او نسخة طبق الاصل مع بعض التحويرات هنا او هناك. انهما نفس الشخص لأن الاذلال كان نفسه. والاستعباد كان نفسه، والاقتياد كان نفسه.. والخضوع كان نفسه.. لم يتبدل في المشهد سوى اشياء ثانوية غير مهمة. لكن الشيء الذي ظل ثابتاً لم يتغير هو الشيء الجوهري والاساسي في المشهد المتكرر : انه الاستعداد للاذلال. انه القابلية المتوارثة والمتأصلة لأن تمكنهم من نفسك. مرة جلاوزة الطاغية. ومرّة الغزاة. ومرّة جلاوزة الطاغية الذي يليه.. وهُكذا، تتكرر المشاهد ذاتها عبر العقود (حتى لا أقول : القرون ) والثابت في المشهد هو العامل الاساس في المعادلة : ليس السفاح وجلاوزته. ولا الغازي واسلحته. ولكنه الفرد السلبي الذي كان مهزوماً من الداخل. مجوفاً من الداخل. هشاً ومعرضاً من الكسر من الداخل. عبر عقود – بل سأقولها هُذِه المرّة : عبر قرون . تأصل ذلك . وتأسس ذلك، وبني على ذلك كلَ ما يمكن ان ينتج على ذلك.
ذلك التشابه الصارخ بين المشهدين في الناصرية، اثار في داخلي تلك الافكار كلها، وعندما كانت في النشرة اخباراً اخرى عن المقاومة في نفس الناصرية الحزينة، بل وعن عملية استشهادية بالذات في الناصرية، بدا في ذهني ان الامر بدء بالتغير. وان المشهد المتكرر لم يعد مكرراً جداً بعد كل شيء. وان المعادلة قد تشهد عنصراً جديداً يعكس تفاعل القهر والاذلال.
لم اقل كل ذك لتلك السيدة التي تعود اصولها إلى الناصرية. لكني قلت شيئاً مشابها. كانت محترمة ومثقفة كما ذكرت. ومناضلة قديمة ايضاً. وكانت عقلانية جداً في طرحها للموضوع – رغم ان النظام كان قد اعدم شقيقها منذ فترة ليست بعيدة جداً – وهو استاذ اكاديمي معروف ومحترم ايضاً.
قالت لي، بعد ان سمعت بتفاصيل المقاومة في الناصرية، هل يعقل ان يبقى النظام بعد كل شيء ؟. هل يعقل ان نصمد امام الغزو ليبقى الطاغية يتحكم فينا من بعد ؟.
كان ذلك سؤالاً مطروحاً جداً في تلك الايام. وكانت المقاومة وشراستها هي التي تجعله وارداً..
قلت لها : ان الشعب الذي قاوم الغزاة سيكتشف ما لم يكن يتصور انه موجود في داخله. سيكتشف انه بامكانه الرفض. وبأمكانه التحدي . وبامكانه الصمود. وبامكانه المقاومة.
سيكتشف تلك الكلمة التي كان يتصورها مفقودة في قاموسه : لا.
.. وذلك سيغير الصورة كلها. مشهد الخضوع والاذلال لن يتكرر. المعادلة التي عكست مع الغزاة لايمكن ان تعود ادراجها لتعكس باتجاه القهر مع الطاغية.. لقد دخل عنصر جديد للتفاعل كله ولايمكن ان يحذف بسهولة..
هُذا العنصر سيغير الانسان. وسيكون تغيير الانسان هو المقدمة الحتمية لتغيير النظام..
بدت مقتنعة. او بدت كما لو انها تريد ان تكون مقتنعة. كان تاريخها النضالي ومبادئها ( التي اجزم انها كانت لاتزال ثابتة..) كان يمنعانها من ان تتمنى ازالة النظام القمعي بغزو واحتلال مساوئه ربما أكبر. كانت حرقتها الشخصية باعدام اخيها واضحة جداً
–لكنها لم تخرجها عن موضوعيتها- وهو امر احترمته كثيراً.
قالت لي، قبل ان تذهب، معلقة على ما قلت : "نحتاج بختاً ".
في الاحوال الاعتيادية، كنت اعرف ان الامور تحتاج اشياء اخرى كثيرة قبل البخت.
ولكن اليوم، وفي ظل تلك الظروف، بدا لي حقاً اننا نحتاج إلى الكثير من البخت. البخت الجيد طبعاً.
فقد كانت المعادلة تحتاج إلى عناصر اخرى لكي تتحرك وتنفعل.
.. عناصر كانت ضرورية تماماً لاجل ان نصل إلى مرحلة ما، تزدحم فيها المقاومة بالصمود بالورطة بالمبادرة السياسية..
لكن ذلك كان يحتاج إلى الكثير من البخت الجيد. كما قالت تلك السيدة.
.. والمبادرة السياسية – التي كان يفترض ان يقوم بها احد ما، دولة ما، بطريقة ما- لم تأت.
خبر بعد اخر، نشرة بعد أخرى، كان بعضنا ينتظر ان يسمع تلميحاً عن مبادرة – عن صفقة ما تحت السطح او فوق السطح..
لكن العالم كان ساكناً يتفرج علنيا ونحن نقصف ونذبح ونحترق. لم تكن هناك أي بادرة –أي لمحة – أي شيء عن أي صفقة..
.. في لحظة صعبة بدا ان الصمود سيكون بلا جدوى، ما دام لن يجد منفذاً سياسياً ليحوله إلى مرحلة استراتيجية اعلى..
.. في لحظة صعبة بدا ان تلك الدماء كانت تروي ارضاً سبخة – لا فائدة من الاستمرار في ريها..
في لحظةٍ صعبة بدا ان الكابوس سيصير واقعاً مريراً لا فكاك عنه ولا مهرب منه..
(وفي لحظة صعبة، جاءنا صوت قبيح لم نتعوده، بلهجة باردة لم تألفها من وجه قاسي الملامح كنا بالكاد نعرفه، ليقول لنا، قولاً ثقيلاً لم نتوقعه : خلال 5 ايام او عشرة ايام، سيحاصرون بغداد..)
.. كنا قد تعودنا، عبر خبرة الحروب المتعاقبة ان يحافظ الناطق العسكري على نغمة الحماسة وبيانات النصر والخطابات الواعدة بنصر مؤزر والمزدحمة بعبارات فجة عسرة الهضم وعلى الاستيعاب. لم نكن نلقي بالاً لهُذهِ الخطابات ولم تكن تحمسنا لغتها المريضة، لكننا كنا قد تعودنا عليها – صارت جزءً من اسلوب نظام اضطررنا للتعايش معه عبر عقود، وكنا نستقي الاخبار من اذاعات اجنبية طوال تلك الحروب، وغالباً ما كنا نميز في البيان الحماسي العرمرم جملة واحدة مفيدة يمكن ان نربطها بالحقيقة التي سمعناها في الاذاعات الاخرى. وحتى عندما تكون الامور سيئة جداً على الجبهة، كان البيان الرسمي اياه، وبالعبارات التي تتحدث عن النشامى والاشاوس والاجداد وبعض المعارك التاريخية، وضمن ذلك الزحام كانت تكون هناك اشارة خفية ومبطنة إلى السوء على الجبهة ربما بعبارة عامة مثل الصبر والحث عليه، لم يكن يمكن لمراقب اجنبي ان يفهم الاشارة – فهي مشفرة تماماً، لكننا تعودنا على فك الشفرة وحل رموزها..
كانوا يكذبون، وكنا نعلم انهم يكذبون. وكانوا يعلمون اننا نعلم انهم يكذبون. وكان ذلك كله جزءً من بروتوكولات التعايش التي اضطررنا للانجرار لها والانسياق إليها..
(ثم فجأة : الوجة القاسي الملامح. بالصوت القبيح المخنوق. وباللهجة الباردة المصطنعة. يقول لنا – بلامبالاة :خلال خمسة او عشرة ايام سيصلون إلى بغداد، ويطوقونها.)
قالها كما لو كان الامر لا يعنيه. كما لو كان مذيعاً مبتدئاً وبلا خبرة ولا حضور ولا أي شيء وهو يقرأ نشرة الاحوال الجوية المتوقعة في قارة لا تعنيه وليس فيها احد من اقاربه ومعارفه..
.. قالها بفجاجة. قالها ببلادة. كأن المدينة لا تعنيه. كأن بغداد ليست بغداد. كأنها مجرد مكان آخر. ناحية حدودية في قضاء في محافظة بعيدة..
.. قالها هُكذا، دون ان يسقطها باداة شرط تجعلها قابلة للتأويل والتحويل: مثل " حتى لو وصلوا بغداد.. " او " اذا وصلوا بغداد .."
ابداً . قالها بحدتها وبحماقتها.
لن نصدق طبعاً ان القيادة قررت تغيير خطة الكذب اخيراً، وستتبع سياسة المصارحة مع الجماهير. لا هي ادعت ذلك، ولا لهجته كانت توحي بذلك..
ولم يكن يمكن ابداً ان نفهم ان ذلك كان من قبيل اعداد الناس للاسوء. فقد كان ذلك هو الاسوء حتى ساعتها. ان يتحدث وزير الدفاع بهُذهِ اللهجة وهُذهِ الطريقة المحبطة..
ربما سيكشف التاريخ لاحقاً الحقيقة : هل كان ذلك جزء من مؤامرة معدة ؟. ام انه كان مجرد غباء من قيادة تنتمي لنظام غبي وقمعي ؟..
وربما سيكشف التاريخ لاحقاً هل كان في الامر صفقة ما ؟ . ام انه كان تكتيكاً ؟. وإذا كان تكتيكاً فهل كان تكتيكنا ام تكتيكهم ؟؟..
ليقل التاريخ ما يقوله. لحين ذلك سأقول انه لو كانت هناك اسوار افتراضية لبغداد فأن الثغرة الاهم فيها احدثتها لا الصواريخ الموجهة ولا طائرات الشبح ولا القنابل النووية المحددة – ولكن احدثها ذلك التصريح الذي بدا غبياً وبلا مبرر – في مساء ذلك الخميس الحزين…
.. اقول ذلك لانه احدث ثغرة في داخلي، وفي دواخل الكثيرين ممن اعرفهم..
اليوم التالي كان جمعة كئيبة. وقال كثيرون انهم مرضى بسبب التصريح . كانوا محبطين. التصريح اطفأ محركاتهم الداخلية او كاد ان يفعل. لم ينتظر أي احد من النظام ان يساعد فعلاً او يسند الروح المعنوية..
ولكن .. ان يساهم بقتلها بهُذا الشكل ،لم يكن امراً متوقعاً..
.. في الصلاة علا النحيب. وتوترت المشاعر. سالت الدموع وعلا صوت الشهيق..
لقد وضع الناس وجهاً لوجه امام الحقيقة – وبوجه سافر ساخر اخرجت الحقيقة لسانها هازئة منا : وهي تشير لنا : خمسة إلى عشرة ايام فقط واكون قد وصلتكم..

يتبع



يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 10:08:31 +0200
وبكى الناس..
لقد اكتشفوا – اكثر من أي وقت – انهم يحبون مدينتهم.
**************
عدا الحب احست بالتقصير تجاه بغداد ..
فبينما كان هناك ناس يتزاحمون قوافلاً للخروج من المدينة، كان هناك في داخلي زحام من المشاعر المتضاربة والمتدافعة والمضطربة والمضطرمة..
عدا الحب، كان ذلك الشعور بالتقصير – مؤلم ومعذب مثل شعور غامض بذنب لست مسئولاً عنه بشكل مباشر..
كان الشعور بالتقصير تجاه بغداد مثل شعور حفيد تجاه جده المحتضر على فراشه العتيق. قلما يزوره احد، وقلما يكلمه احد..
وقلما يسمعه..احد
وفجأة، عندما حانت الساعة اياها، وقالوا لك انه يموت، تشعر بذنب غامض وندم غريب لأنك لم تسمعه جيداً – وكنت تظنه يخرف – وستندم لأنك لم تسأله – وكنت تظنه لايسمع – وستندم لأنك لم تقض كل لحظة معه – وكنت تتصور البقاء معه مضيعة للوقت، ومجاملته واجب ثقيل..
احست بشعور مشابه، عندما بدا لي بوضوح ان بغداد ستسقط لا محالة..
احسست اني لم اعرفها كما يجب. واني لم اتعرف عليها كما يجب. لقد عرفت بغداداً اخرى غير بغداد الحقيقية – عرفت بغداداً شخصية وذاتية إلى حد بعيد.. وفاتني التعرف على بغداد- جارة المطلق..
احسست ان الوقت يفوت. وان الزمن مقبل على انعطافة قد تطيح بجارة المطلق.. وقد لا تترك فيها حجراً على حجر..
كان الناس يجمعون اغراضهم يتزاحمون ويتدافعون بسياراتهم ليبتعدوا عن بغداد،و كنت استجمع حواسي ومدركاتي كلها لأقترب من بغداد – المركز – اعني المركز الحقيقي لا الجغرافي وسط المدينة.
كانت بغداد تدور في منعطفها ذاك، وكان دورانها على ما يبدو يولد قوة .
كانت بغداد تدور في منعطفها ذاك، وكان دورانها على ما يبدو يولد قوة طرد وابعاد للآخرين عن مركزها..
لكنه كان يولد قوة جذب بالنسبة لي – باتجاه المركز.
كنت اريد ان التصق ببغداد أكثر، اتماهى معها اكثر، كنت اريد ان احتضنها في لحظتها تلك. حتى لا اندم لأني لم افعل ذلك، بعد تلك اللحظة.
********************
اؤمن ان الحقيقة لا تسكن في الكتب.
لكني اؤمن ايضاً، اننا لكي نصل إلى الحقيقة يجب ان نمر بالكتب.
بعض الكتب سنمر بها لكي نحرقها. وبعضها لكي نمزقها. وبعضها لكي لا نقرأها. وبعضها لكي نؤمن بعكسها..
وبعضها لكي نقرأ ما بين سطورها..
والقليل منها – القليل جداً – لكي نقرأها..
نعم. الحقيقة لا تسكن الكتب. لكنك لكي تصل اليها عليك ان تقرأ الكثير وتمزق الكثير، وترفض الكثير..
الحقيقة لا تسكن الكتب. انها تسكن الآفاق. وتسكن الهوامش الصغيرة بين السطور. تسكن ما لم يجروء الكاتب على كتابته. وما لم يجروء الناشر على نشره. الحقيقة تسكن احياناً في تفاصيل صغيرة تبدو ثانوية غير مهمة، تسكن الهموم والتنهدات، والمخاوف والآهات. تسكن الهواء الطلق. والفضاء الرحب. كما تسكن الصدور، واحياناً القبور..
المشكلة انك لكي تتمكن من اقتناص الحقيقة في عناوينها الحقيقية، عليك ان تتمرس مع الكتب.. من بين بضع مئات سيكون هناك كتاب واحد يوجد بين سطر من اسطره مفتاح ما، ومن بين بضع مئات سيكون هناك كتاب في حواشيه هناك اشارة إلى الطريق الصحيح.. ومن بين بضع مئات من الكتب سيكون هناك كتاب واحد يغمز لك باتجاه علامة هنا او هناك..
الامر اشبه بلعبة الكنز. او برواية لأجاثا كريستي. عليك ان تقرأ الكثير، وتمر بالكثير، وتحذف الكثير، لكي تصل إلى خيط صغير.. قد يؤدي إلى خيط اكبر منه قليلاً.
قد يستغرق الامر بعض الوقت . ( وربما العمر بأكمله..) من اجل الوصول اليها.. لكني للأسف لا اعرف طريقاً آخر..
********************
تعمق شعوري بالذنب والتقصير عندما ذهبت لأبحث عن بغداد – الحقيقة في مكتبتي الخاصة. وتمثل امام عيني الجد المحتضر الذي لم يكتشف حفيده اهميته إلا عند فوات الاوان..
كانت هناك كتب من كل نوع ولون وحجم، يمكن جداً ان تنضم تحت أي تصنيف معمول به..
كانت هناك كتب عن البنيوية والحداثة وعن ما بعد الحداثة وعن الرأسمالية وما بعد الرأسمة والعولمة والخوصصة وعن الثورة الجينية والثورة الزراعية والثورة الصناعية والثورة الثقافية، وكانت هناك ايضاً كتب عن علم النفس وعلم الاجتماع والفلسفة وعلم الفلك،.. وكانت هناك كتباً تدعي الصلة بالفكر الاسلامي – كتب قديمة مذهلة لتجددها الدائم، وكتب حديثة مقرفة بتخلفها المذهل..
وكان هناك كتب شعر تتحدى الزوال. وكتب هذيان تدعي انها شعر. وكانت هناك روايات وقصص واساطير.. واشياء اخرى لا تندرج تحت كل هُذا.
كان هناك شيئاً عن "المدينة الفاضلة " عن مدن غير فاضلة..
لكن كان الاقل من القليل عن بغداد.
نزلت إلى مكتبة والدي. اضافت عنوان او اثنين لا أكثر – رغم أنها مكتبة عامرة جداً - لكن ليس بما يتعلق ببغداد. ذهبت إلى بعض الاقارب. نفس الظاهرة تكررت. كتب من كل لون ونوع وصنف وجنس. لكن بغداد : كتابان لا أكثر.
لاحظت ذلك في اربع او خمس مكتبات شخصية عامرة استطعت زيارة اصحابها في تلك الظروف.
ولاحظت ايضاً ردة فعلهم تجاه بحثي. نظرة كئيبة وتساؤل حزين عن السبب. وشرود حتى قبل الجواب..
كانوا يعون السبب بلا وعي مسبق. وكان بحثي عن الكتب يفجر لا وعيهم المكبوت ويظهره على سطح مشاعرهم وانفعالاتهم..
كنت انشر الشعور بالذنب والتقصير – فقط عبر سؤالي عن كتب عن بغداد..
*************
بغداد. كومة من الكتب بلا ترتيب ولا تنظيم،.. حوالي عشرة كتب. وقرص مضغوط واحد. يضم الآف الكتب..
اتأمل الكتب. مجلدة وغير مجلدة. طبعات فاخرة واخرى شعبية.. كتب اوراقها صفراء ومهترئة، واخرى لم تفتح قط..
-واتأمل القرص المضغوط. قرص صقيل وناعم وصلب في آن واحد.. تخاف ان تلمسه. تخاف ان تخدشه. تخاف عليه حتى من نسمة هواء عابرة.. لوهة اولى سيبدو الكتاب عملياً اكثر. تستطيع ان تأخذه معك للسرير، ويستطيع ان يتحمل اهمالك وتجاوزاتك : بقعة من المرق هنا. ونقطة من الشاي هناك. لكن عندما تفكر بالحيز المكاني والزماني الذي يوفره القرص، لا تستطيع إلا ان تعيد النظر في فكرتك. قرص واحد لا تتجاوز مساحته 25 سنتمتراً مربعاً، يحتوي على الآف الكتب المجلدة التي لابد ان تحتل مكتبة (عامرة) بخزائنها المتعددة – وبدلاً من مئات الساعات التي تقضيها في البحث في فهارس تحتاج إلى فهرسة، نقرة واحدة على (الفأر) – وتصل إلى ما تريد..
.. لا فائدة من المقارنة. الموازنة لن تكون في صالح الكتاب..
تستطيع مشاعرك ان تنحاز للكتاب. ربما لأنك تعودته. وربما لأنه ملائم أكثر لوضعية الاستلقاء التي تقرأ بها. وربما لأن الرفوف الفارغة في مكتبتك معدة لتملى بالكتب لا بالأقراص. وربما لأن الناس سيعلمون كم انت مثقف او سرت في أي مكان ومعك كتاب. وربما لأنك لم تتعودا القراءة من شاشة الحاسوب، وربما لأن وضعية الجلوس امامه تؤذي ظهرك..
.. وربما – لكن هُذهِ لن تكون واعياً بها – لأن اجدادك اسهموا فعلاً في صنع الكتاب. في مكان ما، هنا او هناك حول بغداد وجنب بغداد – فوقها او تحتها –ولد اول حرف في العالم. كان مسقط رأسه هنا. قرب مسقط رأسي أنا. وقرب مسقط رأس بغداد.
اقدم الابجديات في التاريخ شهدت المخاض في مكان ما قرب المكان الذي اكتب منه الآن. ولدتها الحاجة، وشهد ولادتها الابداع. عانت عقول مبدعة الام المخاض. واجاءهم المخاض إلى ما سيصير ملكاً للانسانية جمعاء.
في مكان ما، قرب هُذا المكان، وجدت الابجدية وعاءً يحتويها ويحفظها، تفاعلت مع الطين فأخذت من خصوبته ومنحته من خصوبتها، وتفاعلت مع الصخر فأخذت من صلابته ومنحته من شفافيتها ومرونتها.. و لان الصخر فصار طيناً، و لان الطين فصار ورقاً..
هنا، في مكان ما قريب من هنا – سطرت اول قصيدة حب. كما سطر اول تشريع سماوي. هنا، حفر على الصخر اول دستور في العالم. وهنا سطر اول بيان تحريضي.. و حرر اول بيان رسمي.. هنا كتبت اول شكوى في العالم، واول امر بالقمع.. واول همسة ثورية، هنا اصدر اول حكم عادل، ونفذ اول امر جائر..
هنا طارت اول فراشة في حقول الابداع، وهنا تراكض خلفها احدهم ليقتنصها ويحولها إلى كلمة خالدة تتحدى الزوال..
هنا صارت الدمعة حرفاً. تسامى الالم فتشكل حروفاً ممزوجة بعرق التجربة و الوان الابداع..
.. نعم، لن يمكنك ان تنسى ان اجدادك ساهموا في صنع هُذا الكتاب. سيكون ارثك بشكل او بآخر. لذلك لن تحس معه بالغربة..
وعندما تحول عينك لتنظر إلى القرص الصلب، ستشعر بالبرد، لم تساهم في ابداعه. لم تساهم في صنعه – للأسف – لم تساهم في تطوير تقنيته. لم تكن سوى ذلك البدوي الذي يستقبل بضائع الاخرين ويستهلكها. لم تكن سوى المستهلك المستلب الذي يستورد البضائع ويجترها مبهوراً سلبياً لا علاقة له حقاً بما يدور.
نعم. مع القرص الصلب ستشعر بالغربة. وربما بالاغتراب ، لكنك تعلم ان الموازنة غير ممكنة، والمواجهة بين الكتاب والقرص – على الصعيد العملي على الاقل – محسومة النتائج.. ستحاول ربما ان تفكر بطريقة اكثر عملية. وستقول ان الامر مرتبط ايضاً بطريقة ما، وان الابجدية التي ولدت في مكان هنا او هناك (قريباً جداً من هنا..) اوقدت تلك الشعلة التي اضاءت الطريق الطويل وصولاً إلى هُذا القرص الصلب الذي ضغطت فيه الآف الكتب من تلك التي سطرها اجدادي..
سترشي نفسك بهذهِ الطريقة، ستقول ان شيئاً ادى إلى الآخر، وانك ساهمت بطريقة او بأخرى في صنع هذا القرص الصلب الماثل امامك.. انها رشوة بائسة كما تعلم. ومحاولة فاشلة لتستطيع ان تواصل لعب دور المستهلك السلبي بضمير مرتاح..
كومة الكتب امامي. تحتل حيزاً لابأس به وسط الغرفة.
والقرص الصلب امامي ايضاً. شيء اكبر قليلاً من قبضة اليد.
بلا عواطف وانحيازات، كنت اعلم اني بحثاً عن مادتي الاولية، سأحتاج إلى القرص الصلب أكثر.
*****************
لا اشعر اني قد ابتعدت عن الموضوع. بل اشعر اني قد اقتربت اكثر..
.. فبغداد التي لعبت دوراً ما في ابداع الابجدية وترسيخها، لم تصل إلى ما وصلت إليه يومها – إلا عبر دورها ذاك..
يتبع


يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 10:09:10 +0200
والآن، والسقوط على الابواب، استطيع ان اقول انها لم تهبط إلى المستوى الذي هبطت له، إلا لأنها لم تنتج القرص الصلب، ولم تساهم في انتاجه، ولم تكن سوى المستهلك السلبي المبهور.. بين اول ابجدية ابدعت والقرص المضغوط درب طويل. طويل جداً. واكثر من محطة من محطات البداية كانت في الجوار من بغداد.. لكن الدرب بدء من هنا، ولم يمر بعدها هنا ابداً..، وللأسف الشديد ها نحن ندفع ثمن ذلك : ثمن التاريخ الذي قضيناه في أي شيء سوى الابداع والانتاج..
اتأمل القرص المضغوط : بلا غربة ولا اغتراب. ربما عيناي لم تتعودا القراءة عبر الشاشة. سأعودهما. ربما ظهري سيؤلمني من طريقة الجلوس امام الحاسوب. سآخذ المسكنات. ربما القرص لا يناسب طريقتي في القراءة باسترخاء. اعتقد ان وقت الاسترخاء قد انتهى..
مع القرص المضغوط على ان اتكيف. علي ان اضغط على نفسي. على ان ادخل داخله. وافهم دواخله – ربما لأن هناك خطوات اخرى في الدرب ربما نتمكن ان نخطوها.، وهناك محطات اخرى قد نستطيع ان نجعلها تكون في الجوار..
للمرة الاولى اجد رابطاً بين كوم الكتب. وبين القرص المضغوط. واشعر اني اقتربت من بغداد الحقيقية – بغداد جارة المطلق، حتى قبل ابدء البحث..
***************
اتأمل العناوين امامي. وابحث في الفهارس، اقلب الصفحات. واتصفح في المعاجم. مئات العناوين قد تغني البحث. عشرات المؤلفين شبه المجهولين قد يشاركون معي. ربما المغمور سيكون اكثر فائدة من المشهور. وربما صاحب المؤلف اليتيم افضل من شخص سطر مئات المجلدات. عندما تبحث عن الحقيقية، فأنك لن تعرف قط اين تقع "حبة البركة"..
أتأمل العناوين. واسماء المؤلفين. بعضهم معروف جداً، وبعضهم غني‘’ عن التعريف وبعضهم مجهول تماماً ولم تسمع به وربما لم يسمع به إلا الأكاديميون من أصحاب التخصص الضيق. لا اشعر بالانبهار تجاه الأسماء المعروفة، ولا بالتعالي تجاه الأسماء المجهولة. ولا اعتقد ان الظروف وقتها كانت مختلفة عن الآن : بعض الأسماء المعروفة جداً لا تملك أي موهبة حقيقية غير موهبة التزلف والتملق والتمسح بالآخرين. وبعض الموهوبين جداً يسقطون صرعى كرامتهم وتحسسهم وكرههم ان يتقربوا للمهمين.
لن تقدس التاريخ لدرجة أن تفترض أن الأمور كانت مختلفة. ولن تحابي المؤلف المجهول لمجرد انه كذلك.
ستقرأ. وستقرأ ما بين السطور. وستحاول ان تصل إلى الحقيقة. إلى العمق. إلى ما لم يقال، وما لم يكتب.
ستذكر ملايين الكتب التي احرقها التتار عندما دخلوا بغداد، ربما احترقت الأوراق، لكن الكلمات ولا بد افلتت وطارت، ولا بد إنها لا تزال تهيم على وجهها في الهواء وتنتظر من يقتنصها، ويقرأها، ويعيدها إلى عالم الورق.. – ستقف على الشرفة لتستنشق الهواء جيداً.
ستذكر انهم رموا الآلاف المؤلفة من الكتب في مكتبات بغداد في دجلة، لدرجة إن النهر اسود لونه من الحبر الذي ساح..، ستلاحظ ان النهر الأسود لم يزل يجري لكنك لست متأكداً اين بالضبط. وستقول لنفسك ان الكلمات التي ساح حبرها التحمت مع جزيئات الماء، وان الكلمات التي ذهبت لتصب في البحر مع مياه النهر، بقيت تدور مع دورة المياه في الطبيعة، ولو فتحت الآن صنبور الماء – وحدثت المعجزة وكان فيه ماء!- لربما وجدت كلمة طافيةً في قطرة الماء، ذبحت مع سقوط بغداد ،ولكنها وجدت طريقاً للبقاء..
.. وستذكر كلمات لم تسطر، وكتباً لم تكتب، جالت في أذهان مؤلفيها بإلحاح
لكن التمعت في عيونهم سيوف الجلادين.. – وكان سيف الجلاّد - -للأسف – أقوى من فراشة الإبداع.. وكان سيف الجلاد هو الذي كتب الخاتمة في قصة الإبداع..
وستذكر كتباً كتبت، فكان أن تدحرجت رؤوس، وطارت رؤوس، ونقلت عبر البلدان رؤوس..
وستذكر ان التتار عندما القوا الكتب في نهر دجلة استطاعوا العبور عليها – من كثرة عددها- كجسر بين الكرخ والرصافة. وستعجبك الفكرة، نعم، تريد أيضا ان تعبر على الكتب. ليس بأتجاه الكرخ او الرصافة الجغرافيتين . ولكن بأتجاه ضفتي الحقيقة، أوجهها المتعددة اللانهائية..
نعم ! . تريد ان تعبر على الكتب. مرة ستدخل بين السطور. ومرة ستحلق عالياً مع الطيور. ومرّة ستستوقفك عبارة فتتدخل لتعرف ما في الصدور..
ستتجمع الكتب أمامك. والقرص المملوء بالآف الكتب امامك. وفي الافق هناك ملايين الكلمات التي تقل والكتب التي لم تسطر..
.. وكلها أمامك !
******************************************

انتهى الفصل الاول وسناتي باذن الله على الفصل الثاني



يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 10:09:49 +0200
الفصل الثاني


الابحار في ذاكرة مدينة، بينما هي على وشك السقوط

بسم الله تبدأ
سيقولون لنا، وسيعيدون ويكررون، عن بغداد، أول ما يقولون، أول ما يكررون : بناها المنصور..
حسناً، إنها معلومة أولية جداً. ومكررة جداً. وتقليدية جداً. وتستطيع ان تكون سؤالاً عابراً في برنامج مسابقات تقليدي.
لكننا اتفقنا ان نمحص. وان نقرأ ما بين السطور. وان نبحر بحثاً عن ذلك النهر الأسود الذي يصب في بحر المطلق.
ترفض ان تبدأ بداية تقليدية. بل ترفض ان يفرضوا عليك البداية كما يريدون هم
– أولئك الكهنة الذين يتوهمون انهم احتكروا الحقيقة..
لا. سترفض بضاعتهم. ستردها إليهم. لفتة تمردية بسيطة منذ البداية كي لا يتمكنوا منك..
بناها المنصور ؟ لا. لم يبنها المنصور. ستقول بحزم و تأكيد. لم يبنها المنصور.. انه خطأ تاريخي شائع.. وقد آن آوان تصحيحه..
بنى بغداد أولئك البسطاء الكادحون الذين لا يذكرهم أحد – ولا يعرفهم ولا يفكر بهم أحد..
بنى بغداد أولئك المرهقون، العاملون بقوت يومهم، الراكضون خلف لقمة بالكاد تكفي اودهم – أود عيالهم..
بنى بغداد أولئك المجهولون، السواعد لونتها الشمس، والظهور أضناها العمل..، الوجوه تشبه الوجوه، والملامح تشبه الملامح،.. والجوع هو الجوع..
ربما ضاعت أسماءهم، وربما لم يكن هناك من يعرفها حتى في ذلك الوقت، ربما نسب الفضل والمجد لسواهم..، وربما طمسوا تماماً كأنهم لم يكونوا أصلا..
لكنهم هم الذين بنوا بغداد .. (حتى لو كتب غير ذلك..).
.. وهل تعتقد انك لم تراهم ؟ . بلى. لقد رأيتهم. انهم لا يزالون هناك ولا يزالون مجهولين. ولا يزالون قيد النسيان : تضيع أسماءهم، وتهدر حقوقهم، ويبنون وتحنى ظهورهم – وينسب الفضل إلى غيرهم..
.. في كل عاصمة من عواصمنا. بل كل مدينة من مدننا، في ركن من أركانها، على الرصيف يقفون بالطوابير – من الفجر يصطفون وينتظرون سماسرة الرزق ومحتكري العمل.. ربما لم تراهم وأنت تقود سيارتك وربما أشحت وجهك عنهم ودست على كابح البنزين أكثر – وعندما كنت تضطر لاستخدامهم كنت تتعامل معهم بحذر وربما عبر وسيط هو سمسارهم المحتكر إياه.. كنت لا تأمن لهم وتعتبرهم دوماً مشاريع مجرمين دائميين. بل انك لم تكن تستلطفهم وتتحاشى ان يمس أحدهم ملابسك – وعندما كنت تضطر ان تقلهم بسيارتك كنت تتأفف وتقول لنفسك انهم سيتلفون المقاعد.. هؤلاء الأجراء البسطاء. هؤلاء العمال الفقراء. يعرقون لتستمر .. ثم تطمس أسماءهم. ويأتي من يقول : بناها المنصور.
كم مرّة جاء واشرف على البناء بنفسه ؟.. نعم، ربما مرة أو اثنتان. جاء وجلس في الخيمة بين جواريه وغلمانه ورياش نعّامه، واطل برأسه على مواقع البناء، وزّع أموالا هنا وهناك، وهزَّ برأسه موافقاً، وربما دار هنا أو هناك أعطى بعض الأوامر والملاحظات.. ستشعر انك رأيت المشهد من قبل. ربما بصيغة معاصرة، رأيتهم يقصون الشريط. ويضعون حجر الأساس. ويلتفتون للكاميرات ليتأكدوا انهم دخلوا التاريخ. ثم يلتفتون ليركبوا سياراتهم المكيفة – بدلاً عن خيم الحرير وريش النعام..
.. وسيقال، فيما بعد، بناها فلان، كما قيل عن بغداد، بناها المنصور.. لا شيء عندك ضد المنصور بشكل شخصي ( حتى الآن على الاقل..) لكن لا يمكن لك ان تحذف من ذهنك صور أولئك المسئولين وهم يمتصون المجد والمال والشهرة وعرق الناس الكادحين.
ولا يمكن لك ان تحذف صور أولئك العمال المساكين الذين طمست هوياتهم ونسيت أسماءهم في غياهب التاريخ، أولئك الأجراء المجهولين الحقيقيين، ربما كانوا أكثر شرفاً وأمانة وصدقاً من الامراء والخلفاء الذين جلسوا في الخيام بين الجواري، أو قصوا الشريط بين أضواء الكاميرات..
بناها المنصور ؟. ترفض الأمر الواقع. وتقترب من الحقيقة.. لست شيوعياً كما تعلمون. ولست منحازاً للشغيلة بشكل خاص .. لكن انحيازي هو للحقيقة..
***************************
حسناً . لم يبنها المنصور . بناها أولئك البسطاء في عهد المنصور.
انه تعديل مناسب واكثر قرباً للحقيقة من الأمر الواقع.
تقلب الصفحات. إذا كان في عهده فيجب ان تتعرف عليه اكثر. وبنفس الطريقة.
تمسك هويته الشخصية لتقرأها. تقرر مسبقاً ان لديك مشكلة مزمنة مع الحكام والرؤساء وامثالهم بسبب التجارب التاريخية المعاصرة التي جعلت سوء ظنك مبرراً تماماً.
.. وتقرر في الوقت نفسه – ان تاريخك عودك على احترام الخلفاء أولي الامر إلى حد التبجيل والقداسة. وفي كل عصر من عصور الخلافة المتعاقبة تبرز عدة أسماء لتستقر في سجل المحرّمات التي لا يجوز انتقادها. (.. ومن ضمن هُذهِ الأسماء في العصر العباسي : المنصور..)
.. وهُذا لا يعني إمكانية انتقاد الأسماء الأخرى بلا حدود أو سقوف لا يجوز تجاوزها. فالخلافة منحت الشرعية والحصانة لعشرات بل مئات الأسماء من الخلفاء الذين عوملوا باعتبارهم ظل الله على الأرض، وكان مجرد سكوت ( أو رضا ؟) علماء الدين عن هؤلاء الخلفاء – كفيل بمنحهم هُذهِ الحصانة المتعاظمة تدريجياً..
ستمسك الهوية وستقرر ان الأمر
لا يعنيك. ستترك حسن الظن الذي ورطك التاريخ به، وسوء الظن الذي جرّك الواقع إليه.. وتقرر انك ستقرأ في هويته بلا أحكام مسبقة. لا سلباً ولا إيجابا.
تقلب الصفحة
تقرأ بعين جديدة..
(.. هو أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي الهاشمي العباسي المنصور وأمه سلاَمهَ البربرية).
أمه بربرية ؟. تبدو لك هُذهِ المعلومة جديدة. لماذا لم يخبرك بها أحد من قبل؟. لا شيء عندك ضد البربر بالذات. فهم شعب آخر كأي شعب من شعوب الأرض – وما لصق بهم من صفات كان ظلماً و تعميماً لا يقبله عقل ولا منطق- مع ذلك، تحس انك كان يجب ان تعلم ان الأخوال كان برابرة..
(..ضرب في الآفاق ورأى البلاد وطلب العلم قبل كان في حباه يلقب بمدرك التراب..)
تشعر انه كلام إنشائي لن يقدم ولن يؤخر خطوة واحدة في الدرب إلى الحقيقة..
(.. وكان اسمر طويلاً نحيفاً مهيباً خفيف العارضين معرق الوجه رحب الجبهة كأن عينيه لسانان ناطقان).. لن تهمك التفاصيل رغم إنها قد تلهب خيالك.. لكن العبارة التالية ستستوقفك طويلاً طويلاً (.. تخالطه أبهة المملوك بزي النساك تقبله القلوب وتتعبه العيون..).
قلبك لا يرتاح لهُذا المدح والثناء. لقد ضاق صدرك بمدح الحكام – تشعر بطريقة ما انه يساعدهم على التمادي في اخطائهم و كوارثهم. بل تشعر بطريقة اوضح – ان المدح والثناء هو الذي اوصلهم إلى اخطائهم وكوارثهم – فهذا المدح يجعلهم غير متقبلين للنقد وضيقي الصدر باي ملاحظة توجه لهم..
(.. وكان فحل ابن العباس هيبة وشجاعة ورأياً وحزماً ودهاء وجبروتاً..)
كل كلمة من هُذهِ تحتاج إلى ان تضع خطاً تحتها وتؤشر عليها لتسير اغوارها وتفهمها..
كل كلمة تقود إلى الأخرى.. وتلتقي مع الاخرى.. وتجتمع مع الاخرى لتشكل نسيجاً من المدح قد يفيد الذم.. او ذم بصيغة المدح.. فحل ابن العباس ؟ .. حسناً . ليكن. لكن
كيف ؟!
سيجيبك : هيبة وشجاعة وحزم ودهاء وجبروت..
انها كلمات مطاطة كما تعلمون. وتسع كل شيء، منتهى الظلم كما منتهى العدل..
(.. وكان جماعاً للمال حريصاً ..) – هو ايضاً ؟. الصورة المرسومة تذكرك باشخاص سمعت بهم ورأيت صورهم وربما عانيت منهم ..
جماعاً للمال ؟؟ تعرف اناساً كهُذا. وربما كنت انت واحداً منهم. تركض ليل نهار من اجل قوتك او قوت اولادك. او ربما من اجل حياة افضل. او من اجل ان تعلمهم احسن تعليم وتكسيهم احسن ملابس. لا تشعر أن ثمة مشكلة في ذلك، بل لقد فصلت طريقة حياتك لتنسجم مع ذلك. درست وتعبت وكافحت لتنال عملك. حتى لو كنت غنياً، ومكتفياً، و وارثاً ارثاً يكفيك –فمن العيب – حسب قوانين المجتمع – ان لا تعيل عيالك..
.. لكنك تعلم، ان جمع المال، لايكون عبر الكدح الشريف فقط – ولا عبر الدراسة والسهر وإعالة العيال.. وهناك اشخاص (معلومون ومفهومون ومهمون) جماعون للمال.. وبطرق مختلفة تماماً.. هناك السرقة. هناك التزوير. هناك المصادرة. وهناك الاستملاك..
.. كان المنصور جماعاً للمال ؟. بأي طريقة يا ترى ؟. بطريقتك وطريقتي وطريقة الناس الشرفاء.؟ ام بطريقة اولئك الذين خلفوه بطريقة او بأخرى على سدة الحكم ؟



يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 10:20:55 +0200
(.. اباد جماعة كباراً حتى توطد له الملك ؟..)
نعم. هُذهِ الان اكثر وضوحاً. وربما نستطيع ان نقرأ العبارات السابقة باثر رجعي بضوء هُذهِ الفقرة.
(اباد جماعة كباراً حتى توطد له الملك..). نعم. في تاريخك الشخصي توجد ذاكرة لحوادث كهذهِ : حوادث ابادة واعدام من اجل توطيد حكم. هل تريد ان نعدد ام ان التعداد سيتحول إلى تعديد ؟.. حوادث كثيرة و حمامات دم كثيرة تزخر بها ذاكرة الشعوب – التي هي ذاكرتك..
ستضم المنصور إلى القائمة ؟. ربما. رغماً عن حصانته. رغماً عن خلافته.
(.. ودانت له الامم على ظلم فيه..)
ستشعر ان العبارة فيها خلل. تريد ان تمد يدَك لتخترق التاريخ و تصلح هُذا الخلل.
على ظلم فيه ؟. لا. بسبب ظلم فيه. ليس بالرغم من ظلم فيه. بل بسبب هُذا الظلم. بسبب الاستبداد. بسبب الابادة. بسبب الخوف من القتل والسحل وسمل العيون – نعم، لقد دانت له الامم بهُذا الاسلوب..
(لكنه يرجع إلى صحة اسلام وتدين في الجملة وتصون وصلاة وخير..)
تسكت. تصدم. تصدمك هذهِ العبارة التي يلقيها الذهبي كما لو كانت جملة اعتيادية : صحة اسلام ؟
كيف ينسجم الاسلام الصحيح مع الظلم، ومع الابادة ؟.
كيف يمكن لأسلام صحيح ان يكون في شخص – يقتل ويذبح ويظلم ويبيد ؟
ثم هُذهِ العبارة : وتدين في الجملة ؟ .. ماذا تعني بالضبط ؟ - تدين في الجملة – ربما يقصد ان هناك بعض التفاصيل – في التدين – غير موجودة، حسناً. الكمال لله وحده، ولابد، لكل متدين ان يعترف ان في تدينه تفاصيلاً منقوصة، لكن هل تتساوى التفاصيل حقاً ؟. هل يتوازن تفصيل السهو والخطأ غير المتعمد مثلاً، مع تفصيل الظلم والابادة ؟.
.. تكمل بصعوبة وانت تكاد تنفجر (.. تدين في الجملة وتصون وصلاة وخير..).
يخيل إليك انك سمعت بشيء مثل هُذا من قبل. لا تدري اين. لكنك سمعته. ربما في خطبة الجمعة. وربما في برنامج تلفازي. لم تعد تذكر. بل ربما انك رأيته ايضاً ولم تسمعه فقط. ربما رأيت صوراً لزعيم او قائد ما – وهو يسجد او وهو يصلي لله امام الكاميرات. تستطيع ان تعد لثلاثة او اربعة مستبدين شاهدت صورهم وهم يصلون – (ربما كانت واحدة من الصور للمنصور شخصياً ؟). لكن لا. لايمكن ان يكون ذلك. ولا داعي اصلاً لذلك. فالمهم هو المضمون المتكرر لحاكم يظلم ويقتل ويبيد – بل يبني اسس حكمه على ذلك – ثم يأتي من الوعاظ والفقهاء والمؤرخين من يقول : صحة اسلام وتدين في الجملة وتصون وصلاة .. وخير.. وسوف تستعرض في ذاكرتك صور الزعماء والقادة والملوك وهم يستعرضون في خطاباتهم واحاديثهم حرصهم على الدين والتدين او مفاهيمه. وسوف تذكر كيف انهم تلكئوا وهم يستشهدون بآيات واحاديث عامة وجعلوها دليلاً على ما لا دليل عليه من شنائعهم وفظائعهم..
.. وسوف تسرح قليلاً وانت تذكر ان لا احد من الناس الذين تعرفهم وربما الذين لا تعرفهم يأخذ اقوال الحكام على محمل الجد. لا احد يخدع بهم وبأستشهاداتهم واستدلاتهم المفضوحة. لا احد غبي وساذج لهُذِه الدرجة. لكنك ستتذكر ان طبقة من منافقي الخطباء و وعاظ السلاطين من صاعدي المنابر يكررون هُذهِ الاستشهادات ويروجون بواسطتها لاستبداد الحكام ويمنحون عبرها شرعية لظلمهم وطغيانهم..
وستفكر : هل يا ترى كان الامر آنذاك كما هو الآن ؟.. وكان لا احد يصدق بصلاة الخلفاء وبأسلامهم (الصحيح !) وتدينهم الذي على (الجملة) أي انه – بلا تفاصيل – ؟ هل كان كلامهم وخطبهم واستشهاداتهم كلها ترويجاً لسلعة كاسدة لا يأخذها احد محمل الجد.
.. وسيذهب بك التفكير بعيداً، الى حدود محرمة نوعاً ما، ستقرر مع نفسك انه كانت هناك ولابد نفس الطبقة من المنافقين والمداهنين والمرائين من رجال الدين – يروجون لنفس البضاعة المزجاة ويشرعون لسلطة الاستبداد ..، وستقرر انهم – كتحصيل حاصل كانوا مقربين من السلطة، يستندون إلى قوتها وجبروتها وهم يمرون منتفخي الاوداج يوزعون بركاتهم وفتاويهم على الناس.
ستذهب خطوة أبعد : هل كان حجة الاسلام فلان الفلاني او شيخ الاسلام علان العلاني الذين تعودنا احترامهم من هُذهِ الطبقة المنافقة القريبة من السلطان ؟..
ستتأمل قوائم اسماء العلماء الاجلاء. ستستبعد بعضهم – لا لأنهم من المحرمين جداً – فالقائمة برمتها محرمة ومقدسة ومحاطة بحقل الغام – ولكن لأنك تعلم عن تاريخهم الشخصي ما يبعدهم عن حبال التزلف والتملق..
.. تتأمل الاسماء الاخرى. وتقول لنفسك : من يدري – قد يكون من هؤلاء من تسعر بهم نار جهنم اول ما تسعر.
تكاد تشعر بالنار وهي تستعر وتلتهم القائمة. تبعد وجهك من حرارتها.. وتسمع صوت زمجرة قريبة منك.
.. وتسمع صياحاً واصواتاً تحذرك من التمادي في افكارك..
*******************
لعل التاريخ هو الذي يزمجر، ويكشر عن انيابه..
لا. التاريخ لا. لكل كهنته ربما. قديسيه ورهبانه وسجانيه وزبانيته وتجاره، المعتاشين عليه والمتوظفين في المؤسسات المعتاشة على امجاده،.. محتكريه مروضيه ومعذبيه وجلاوزته وسيّافيه.. والناطقين الوحيدين والرسميين بأسمه..
هؤلاء سيزمجرون بوجهك. ويكشرون عن انيابهم. سيحركون سياطهم. ويلوحون بهراواتهم. وسيتلون عليك قائمة الاتهامات التي يمكن ان يوجهوها لك، فيما لو تماديت اكثر..
سيقولون لك : هؤلاء هم العلماء. والعلماء ورثة الانبياء. انهم ذخر الامة. وحملة الراية. انهم السلف الصالح. والصوت الصادح. انهم السيف البتار بوجه الكفار.
.. سيزيدون ويعظمون، من اجل ان يشعروك بالخطر من الاقتراب والتلصص. ربما سيصل بهم الامر الى تكفيرك – او على الاقل التلويح لك بان وضعك يقترب من مرحلة كهُذهِ..
.. لكن للأسف لم تعد تشعر بخوف من تهديداتهم. لم يعد التكفير سلاحاً يكفي لردعك – هاهي مدينتك تكاد تسقط بيد الغزاة- وليست أي مدينة، وليس أي غزاة .. انها بغداد.. بغداد.. وانهم..
لا تخوفك التهديدات. ستمضي في البحث غير آبه بسياط الجلد ومزاعم الاحتكار – مدينتك تسقط. عصر سيولي وعصر سيأتي ليفرض نفسه عليك، وفي منعطف الطريق ذاك عليك ان تقف لتعرف كل ما كان وكل ما ادى إلى كل ما كان.
تقلب الصفحة
*******************
(.. وكان يبذل الاموال في الكوائن المخوفة(=الخارجة عليه) لاسيما لما خرج عليه محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة واخوه ابراهيم..)
كان يشتري الولاءات إذن. يبذل الاموال يميناً ويساراً من اجل جذب الناس إليه –او من اجل ابعادهم عن معاداته ؟– تتذكر ما قرأته قبل قليل من ابادته لاعدائه، فتتأكد انه استعمل سلاحي الترهيب والترغيب في توطيد دعائم حكمه..
تكاد تشعر بالغثيان، تحس ان القصة قديمة جداً ومع ذلك فهي معاصرة جداً ومتكررة جداً لدرجة انها موجودة في حياتك اليومية.
تتذكر ان اولى فصول القصة بدءت في عصر محرم تماماً ولا يجوز انتقاده، في العصر الذي تلى عصر الخلافة الراشدة تحديداً، وستذكر العطايا التي اجزلت والهبات التي منحت، وستفهم كيف ان بعض الصحابة استطاعوا النجاة من شرك العطايا عبر الرفض الصريح تارة – وعبر توزيعها العلني والمباشر على الفقراء تارة اخرى..
وسوف تذكر انك رأيت بعض الفصول الحالية من القصة المستمرة منذ اكثر من الف سنة، رأيت كيف تشترى الولاءات بالمناصب وقطع الاراضي والسيارات الحديثة والامتيازات، رأيت كيف يستدرج بعض الشرفاء بالتدريج، في البدء بمجرد وظيفة في مركز مرموق، ثم بالمحافظة عليها التي تتطلب بعض التساهل، ثم بالمزيد من التساهل وربما الكثير من التملق.. ورويداً رويداً.. يسقط الضحية في فخٍ سار فيه بنفسه..
.. وسوف تفهم، اكثر واكثر، وبغداد تكاد تسقط، ان ثنائية الترغيب والترهيب التي استخدمها الحكام لتوطيد حكمهم كانت فاشلة على المدى البعيد، فالترهيب ولد عداءً مزمناً تحت الرماد – والترغيب بنى ولاءً مزيفاً يمكن له ان يباع لمن يدفع اكثر..
.. وبغداد تكاد تسقط، تعرف ان ثنائية الترهيب والترغيب التي استخدمت وبضراوة ستنقلب هُذهِ المرّة على مستخدمها كما انقلبت دائماً وابداً.. بل انك تكاد تشعر ان ذلك سيكون من ضمن آليات السقوط نفسه، فالناس الذين ابيد اهليهم واعدم اقرباءَهم واصدقائهم ارهبوا فعلاً والجمهم الخوف عن ممارسة أي شيء ضد السلطة، لكن كان هناك الحقد المزمن والرغبة المتحينة للثأر، والسكين الذي يتصيد الثور بعد سقوطه..
.. والناس الذين عودتهم آلية الترغيب على بيع ذممهم واحترفوا التعود على التملق والتزلف واصطياد الامتيازات – اولئك سيكون ولاءهم معروضاً للبيع في اول فرصة، ستتصور انهم سيخجلون ويقبعون في بيوتهم عندما تتغير الاحوال ؟. ابداً. ربما انت سيقتلك غمك وتقبع في البيت. اما هؤلاء، فستحركهم خبرتهم في التملق والنفاق نحو المزيد من البيع..
.. تشعر بالغثيان . وتنقلب معدتك..
.. وتقلب الصفحة
******************
(.. ثبتت في الدواوين فأنه اعطى في يوم واحد كل واحد من عمومته عشرة الآف الف..).



يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 10:21:30 +0200
تشعر بالدوار. هُذا التكرار لايمكن ان يكون مصادفة. لايمكن ان يكون مجرد حدث يشبه حدثاً آخر..
ستذكر اقرباء الرئيس وعشيرته الاقربين. طبقة كاملة متسيدة على كافة الطبقات داخل المجتمع. وستذكر رعبك منهم. وحتى من الاقتراب من شيء قريب منهم. ناهيك عن الاحتكاك بهم. أي خطأ ولو غير مقصود قد يتحول إلى كارثة تكلفك كرامتك وربما حياتك.. ستذكر انك كنت دوماً تسير جنب الحائط الاكثر بعداً عن أي شيء متعلق بهم.. لتتقي شرورهم – وكل ما فيهم لا يذكرك إلا بالشر.. ستذكر تعاليهم وتعجرفهم – ومعاملتهم المتكبرة للناس من حولهم، وستذكر ترفهم وبطرَهم وثراءَهم الفاحش الذي كثيراً ما استفز الناس بصمت ولكن بألم كبير. ستذكر قصورهم المترفة – الفارغة دوماً لأنك لا تعرف اين يسكنون حقاً – والناس حيارى من اجل سقف يستطيعون دفع ايجاره، وستذكر ما سمعته من انهم يأكلون لحم الغزال كوجبة روتينية على موائدهم، وتذكر ان الناس يركضون من اجل الخبز الحاف حيناً و المغمس بمرق العرق حيناً آخر..، وتذكر اولئك الذين يبيتون احيانا بلا عشاء،.. والآخرين الذين يؤخرون تناول غذاءَهم للتحايل على موعد العشاء، وآخرين تكيفت حياتهم مع حمية دائمية..
.. وستذكر كيف دمع قلبك بلا دموع، عندما ذكرت لك ام‘’ ما، ان صغارها يبيتون احياناً بلا عشاء..
.. وستذكر اولئك المترفين البَطرين، التافهين الفارغين، الاغبياء الاغنياء – لن تكون ذاكرتك الشخصية هي التي تتذكر، ولكن ذاكرتك التاريخية، سيكون تاريخ ما قبل ولادتك بقرون شاخصاً في ذاكرتك، .. ويستعرض ذات الشواهد التي خبرتها، ذات المضمون الذي تألمته، سيتكرر عبر العصور..
.. ستحقد حقداً لا حدود له على كل اولئك. لن يهمك ان كانوا ينتسبون إلى النسب المكرم الفلاني، او العشيرة المعظمة الفلانية..
.. ستحقد على القرابة بأسرها .. ما دامت تسلب وتنهب وتتمتع والناس عرايا .. وجياع..
.. وتريد ان تقلب الورقة ؟
وهو كذلك!
اسهل من ان تعمل انقلاب !.
*********************
(.. وقيل انه خلف يومه في بيوت الاموال تسع مائة الف الف درهم..).
ستفرح لموته. ثم ستسأل . من اين ؟..
تعرف طبعاً من اين. منك ومني. ومنهم اجمعين . حقي وحقك . كدحي وكدحك. عرقي وعرقك ايضاً ومن عرقهم اجمعين.
من الثروات. من الزكاة. من المكس. من الجزية. من الضرائب. من بيت مال المسلمين الذي عومل كما لو كان بيت ابيهم اجمعين.
من الاختلاسات. من المصادرات. من العمولات. من الرشاوي ومن الصفقات. من الخزينة التي يسمونها عامة ويعدونها خاصة. من ميزانية الدولة التي كانت كفتيها دوماً ملكاً لهم..
ستفرح لموته. ولن تسأل –عن تركته- من اين.
فأنت تعرف !.
*******************
مات اذن. فهل انتهينا ؟
لا، للأسف. مات، وما انتهينا.
فدوماً تتكرر نفس القصة. احياناً نفس التفاصيل. يموت خليفة ويعيش خليفة. يموت سلطان يأتي آخر. يموت ملك، ويعيش دوماً ملك.
دوماً هناك نفس المضمون. واحياناً نفس التفاصيل. شدة وابادة وقتل للخصوم من اجل الوصول للحكم. ترغيب – بذل للاموال ومناصب وعطايا – وترهيب – قتل وسحل وسمل للعيون ورؤوس مقطوعة ترسل عبر الامصار..
.. وتقريب للقرابة. وبذل للقرابة.. وتوطيد للقرابة..
والملك ملكهم. والمال مالهم. والفئ دوماً فيئهم.. تستطيع ان تستحضر اسماء معاصرة تشبه المنصور في خطوط عريضة. ربما هناك بعض الاختلافات التي لا تشكل فروقاً عامة عن السياق. ربما الترغيب هنا أكثر او الترهيب هناك اكثر. لكن الخطوط العامة للصورة ستظل متشابهة إلى حد التطابق..
بين الخطوط سيكون وجود الفقهاء المنافقين في الصورتين واضحاً. ستعزي نفسك بأنهم اضحوا بلا فاعلية اليوم، لا احد يصدقهم لأنه لا احد يسمعهم اصلاً - ] ام ان الامر ليس كذلك حقاً.. وان هناك من يسمعهم ويصدقهم – ويتحجج بفتاويهم ؟..[.
لكن عزءَاك هُذا – بانهم بلا فاعلية وبلا أهمية – سينبهك إلى ان اسلافهم الاوائل في درب النفاق والتزييف كان لهم فاعلية لا حدود لها، اهمية تخطت الابعاد المحدودة لعصرهم، فقد انتجوا فكراً وفتاوي لا يزال يمارس تسلطه علينا، انتجوا آليات فكر وطريقة في التفكير لا تزال موجودة، ولا تزال تمارس تسيدها وتجبرنا على ان نفكر بطريقتها.. نفس الفتاوي التي افتوا بها يوم لا تزال موجودة. نفس الدعوة للسلطان. نفس التكريس لطاعة اولي الأمر..
لم يموتوا. ظلوا موجودين. ومنحهم تقادم العهد قداسة اضافية وحصانة تضخمت مع الوقت.
لم يموتوا. كانوا افراداً متناثرين وظاهرة فردية واصحاب فتاوي هنا او هناك. لكنهم بالتدريج صاروا مؤسسة. صاروا طاقماً كاملاً لفكر بكافة تجهيزاته. لقد صاروا فكراً يجول في رؤوس الناس مزوداً ومتقوياً بتفسيرات معينة لادلة معينة.. ومكرساً لنمط تفكير سلبي واستسلامي..
خط أحمر ؟ وصافرة انذار ؟؟..
والكهنة يزمجرون ويلوحون بالتهديدات اياها..
بغداد تكاد تسقط. فلتسقط الخطوط الحمراء اذن، فلتسقط المخاوف التقليدية، فليسقط رعبنا من مواجهة انفسنا وتاريخنا – بغداد تكاد تسقط، وخلف الكواليس، وبين السطور، خلف القضبان هناك حيثيات القضية، هناك ربما الاسباب الكامنة التي ادت وادت اليه حتى الآن – وممكن ان تؤدي إلى اكثر : السقوط.
********************
ماتوا ايضاً. ولم ننته..
كما مات زعماء وقادة وحكام وسلاطين.. ولم ننته..
ستتأمل في التأريخ – المعاصر القريب والغابر (القريب ايضاً بطريقة او بأخرى..) وستسأل نفسك سؤالاً وجيهاً جداً – وقد بان لك الشبه بين حكام الامس وحكام اليوم – ستتعجب كيف لم تسأل من قبل : لماذا تكررت الصورة ؟.. لماذا جاءت النسخ المتكررة لتحكمنا ؟.. لماذا تبدلت اسماء واشكال وتكرر المضمون ؟. لماذا حكم العسكر كما السلاطين، واباد العلمانيون كما فعل المتأسلمون، ونهب الارستقراطيون كما سلب الاشتراكيون ؟..
ستسأل، ومن حقك ان تسأل، عن السر في القضية – لماذا تبدلت الاسماء ونظم الحكم والشعارات والاهداف، وبقي عامل مشترك واحد ووحيد بمنأى عن التغييرات – وبمعزل عن التأثيرات : هُذا العامل هو الاستبداد. الاستبداد. الاستبداد..
من حقك ان تسأل عن السر. بل من حقك ان تتعجب كيف لم يدور في بالك من قبل – وستقول ربما لأنهم عودوك عليك ان تعتبر تاريخك كله مضيئاً جميلاً ومثالاً يجب ان يحتذى-..
ستسأل لماذا انغمس الماضي والحاضر في الاستبداد والاستفراد ؟.. ولماذا اتفق الجميع على نقطة واحدة من بين مئات النقاط التي اختلفوا فيها ؟؟
لماذا انفقوا على سلبنا ونهبنا، قمعنا وكبتنا، قتلنا وتكميمنا، وارهابنا وترهيبنا، واختلفوا على ما عدا ذلك؟
اهو شيء فيهم ؟؟
ام هوَ شيء فينا ؟؟..
ام شيء فينا – مكن ذلك الشيء فيهم من التمكن منا ؟؟
ام هو مزيج من هُذا وذاك – شيء فيهم وشيء فينا ؟
ام ان المعادلة كانت تحتوي على عنصر آخر، لا فيهم ولا فينا، سايرت التفاعل بهُذا الاتجاه، ولولا هُذا العنصر لربما كان هناك تفاعل آخر.. (.. وسيطوف بالك قصة لست متأكداً اين سمعتها، او قرأتها، ولعلك لم تسمعها ولم تقرأها، لكنها موجودة في لا وعيك وحدسك وحسك التاريخي)..
ستطوف في بالك خليفة محصن ومحاط بالغام واسوار شائكة، وصل إلى سدة الخلافة وسط ظروف غير طبيعية، وكان ذكياً إلى حد وصفه بأنه من دهاة العرب، كان لديه جميع الادوات، ويعرف كل قوانين اللعبة، ويتقن المحافظة على التوازنات، بما فيها تلك الشعرة الشهيرة اياها، - على الحد الفاصل بين الترهيب والترغيب..
.. ولم يكن متديناً جداً – لم يعرف عنه ذلك ولم يروج بطانته لذلك، لكنه اجاد استعمال النصوص الدينية وجعلها في صالح توطيد سلطته..
.. قال لهم : انه قضاء الله ومشيئته التي اوصلتني لسدة الخلاصة .. افلا تشاءون إلا مشيئة الله ؟..
.. وقال لهم ايضاً .. لقد اعطاني الله الذي لا مانع لما اعطى.. ومنع غيري وهو الذي لا معطِ لما منع..

يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 10:22:02 +0200
.. وقال لهم وقال ، وقالت معه بطانته – وفيهم بعض اولئك الذين نعرف – وكانت الناس قد تعبت من حرب اهلية مدمرة. وكان هناك الترهيب. وكان هناك الترغيب .. لم يقنع الناس. لكنهم سكتوا في بادئ الامر.
.. وبعد عشرين عاماً من السكوت، ومن الترهيب والترغيب، ومن تكرار اسطوانة المشيئة الالهية و شماعتي القضاء والقدر.. بدء الامر يتسرب من افكار الناس، إلى الفكر نفسه – إلى العقيدة نفسها – الايدلوجيا، ان شئتم..
.. وعندما مات الخليفة، فأنه لم يمت حقاً، لأنه الذي جاء بعده استخدم نفس اسلوبه، نفس منظومته في الحكم – ربما كان الترهيب اكثر وربما كان القتل اشنع.. ربما بعض التوازنات افلتت هنا او هناك.. لكن الاسلوب ظل واحداً – ظلت الصورة الواحدة تتكرر..
.. وبعد سلسلة من الحكام الذي كانوا صوراً مكررة المضمون وان اختلفت بعض التفاصيل، صار الامر الواقع فكراً مقدساً محصناً بنصوص ارغمت دلالاتها على ان تسير بهُذا الاتجاه..
وبعد بضعة قرون كان الامر قد صار مكرساً ومهيمناً و عميقاً في فكر ساد وانتشر، وفقه زاد وازدهر..- وكان التأثير في نهاية الامر منصباً على البشر..
نعم. فقد صار الانسان الذي تلقن هُذا الفكر وتتلمذ على هُذا الفقه سلبياً يقبل بأي من يحكمه، ويتابع صراعهم على السلطة كما لو كانت مباراة لاتمسه ولا تهمه..
نعم. انها السلبية فينا هي التي تنمي الاستبداد فيهم..
هُذهِ هي المعادلة المتداخلة المتوازنة المستمرة في التفاعل منذ قرون : فكر نتج عن وضع مريض، ندع السبية والضعف بين الناس، مكن المستبدين من الظلم والاستبداد..
وجاء حكام تخصصوا في سب ذاك الخليفة. لكنهم كانوا نسخة مضخمة بل ومشوهة عنه.. خط أحمر !.
تقلب الصفحة ؟
لا. تريد ان تمزقها اولاً. تستأصلها تماماً. تحذفها وتحذف ارهاصاتها ونتائجها..
تقلب الصفحة ؟
لا. بل تواجهها. تقتحمها. تتصارع معها و –ربما- تصارحها.
لا، لن تقلب الصفحة، فلا فائدة من قلبها. بل ستفردها. ستقرأها مراراً. ستهضمها. وتتفاهم معها : ما ستحاول ان تعيد كتابتها –
تريد ان تقلب الصفحة ؟. لا. بل تريد ان تقلب نفسك، و واقعك وتاريخك..
***********************
بينما تبحث في الكتب والوثائق، ستجد شهادة اخرى مغايرة لتلك التي قرأتها ممجدةً وباذلة المدح والثناء لخليفة تناغم فيه حسب الشهادة "الظلم" وحسن الدين.
.. ستجد شهادة اخرى تقول بعكس التيار . و تسير بعكس التيار. وتصرخ بعكس التيار..
(.. اسمر طويل نحيف قبيح الوجه دميم الصورة ذميم الخلق اشح خلق الله واشده حباُ للديناء والدراهم سفاكاً للدماء كتاراً بالعهور غداراً بالمواثيق كفوراً بالنعم قليل الرحمة.. وكان جالَ في الارض وتعرض للناس وكبت الحديث واحدث في المساجد وتصرف في الاعمال الدنيئة والحرف الشائنة..
.. في الجملة والتفصيل كان دنيئاً وخسيساً كريهاً شريراً وامر بعد دور اهل الكوفة خمس دراهم، فلما عرف عددهم جباهم اربعين درهم اربعين درهم..).
ستخاف قليلاً. لم تتعود هُذهِ الصراحة والجرأة في الحديث. ستتخيل ان الكلام موجه‘’ إلى حاكم بلادك. وتلتفت يميناً ويساراً خوفاً من ان تكون تحت المراقبة.
انها مجرد شهادة اخرى. من معارض حاقد ربما، لماذا تصدقها اكثر من سابقتها ؟.. ربما لأنها تنطبق مع واقعك أكثر. ربما لأنها تنسجم مع الصورة التي تسود على سدة الزعامة أكثر. ربما لأنك قرأت بين السطور رغم المدح والثناء والتمجيد اشارات إلى هُذهِ الصورة..
لن تهمك الاشارة إلى قبح الوجه ودمامته، فلقد كنت تعاني من دمامة الاخلاق اكثر مما عانيت من دمامة الوجه، بل انك تعتقد ان دمامة الاخلاق هي التي اثرت على شكل الوجه.. فبعض من اضطهدوك وسلبوك وظلموك كان لهم وسامة مميزة من الناحية الشكلية، لكنهم صاروا رمزاً للقبح والشر وللشيطان في اذهان الملايين من امثالك..
ستتأمل في اسم المؤلف. الطاهر بن المطهر القاسمي. مجهول بالنسبة لك. ليس مثل للاسم الشهير جداً الذي قدم شهادة المدح والثناء. تتساءل : هل كانت صراحته هُذهِ هي التي جعلته مغموراً، وكيف انتهت حياته يا ترى ؟ هل دفعها ثمناً لهُذهِ الشهادة او سواها ؟..
ستتأمل في سنة وفاته. بنو العباس كانوا لا يزالون في الحكم. هل احتملوا هُذا الكلام في واحد من أهم مؤسسي دولتهم ؟. ام انه كتب في حماية توازنات معينة ضمن صراع الأخوال والأعمام إياه ؟..
ستتأمل شهادته دونما أحكام مسبقة. وستفرح لأن أحدهم تجرأ وكتب .. وستفرح لأن الكتاب نجا من الحرق. ومن الغرق.
رغم انه لم يضف لك إلا ما كنت تعرف، مسبقاً.
**********************
(.. فيها ابتدأ المنصور في بناء بغداد .. وسبب ذلك انه كان قد ابتنى الهاشمية بنواحي الكوفة، فلما ثارت الراوندية فيها/ كره سكناها لذلك، ولجوار أهل الكوفة ايضاً، فأنه كان لا يأمن من أهلها على نفسه، وكانوا قد افسدوا جنده فخرج بنفسه يرتاد له موضعاً يسكنه هو و جنده..).
تتأمل في هُذهِ الحقيقة بحياد. كان خائفاً ويتنقل من مكان لآخر. كان مرعوباً رغم جبروته وشدته وإبادته وظلمه.. بالرغم من جبروته ؟. لا. تحتاج إلى تصحيح العبارة. كان مرعوباً بسبب ظلمه، كان خائفاً لأنه أباد خلقاً كثيرين .. ثم تفكر مرّة أخري: عجيب أمرهم. انهم يظلمون ويبيدون ويتجبرون من اجل توطيد حكمهم. لكن ذلك لا يمنحهم الأمان. بل يسكنهم بالخوف المزمن الذي يجعلهم يتهيبون حتى من ظلالهم، ويقضون حياتهم وهم يتنقلون خوفاً من مؤامرة موهومة..
ستذكر "عدلت فأمنت فنمت" – رغم انه اغتيل غدراً فيما بعد.
- وستذكر الحراس الشخصيين لزعماء بلادك وفرق الحراسة الخاصة المكلفة بحمايتهم و حماية عوائلهم، واسلحتهم ومدرعاتهم وكلابهم – يكادون يكونون جيشاً آخراً مستقلاً عن جيش بلادك – ولن تشك للحظة ان الميزانية المخصصة لهم والامتيازات التي يتمتعون بها – تفوق ما يتمتع به جيش بلادك..
.. وستذكر قصورهم التي يتصورونها منيعة. واسوارها المكهربة العالية. ونقاط الحراسة المستنفرة قبلها بكيلو مترات بعيدة. واشارات ممنوع التصوير. وممنوع الاقتراب. وممنوع استنشاق الهواء..
.. وستذكر ما سمعته انهم يبتيون كل ليلة في مكان مختلف من قصورهم المختلفة. حتى لا يكونون صيداً سهلاً لمؤامرة ليلية، وستذكر أيضا ما سمعته من ان كل القصور تكون مهيأة لاستقبال الزعيم كل ليلة، بما في ذلك إعداد قائمة الطعام الموحدة في كل القصور..
وربما ستذكر ما لم تصدقه كثيراً – واعتبرته وقتها مجرد مبالغات بوليسية : عن وجود شبيه، نسخة طبق الأصل من الزعيم، تكون عوضاً عنه في بعض المناسبات والظروف الخاصة.



يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 10:22:33 +0200
ستسأل : كل ذلك الجنون لماذا ؟..
سيكون الجواب سهلاً، لأن المعادلة إياها فشلت : عدلت فأمنت فنمت. ظلموا، فخافوا، ففارقتهم الطمأنينة وهجرهم النوم..
هل تصدق انهم كانوا ينامون أصلا – رغم الخطط والتحوطات والأسوار العالية المكهربة وأجهزة الإنذار المتطورة و القوات المسلحة المكرسة للحراسة، هل تصدق انهم كانوا ينامون، وهم يشكون بحراسهم، وبطباخيهم، وبسائقيهم، وبأبناء عمومتهم و بالذات بأبنائهم ؟؟..
لا. لا نوم.. وكل ذلك فعلوه من اجل ان يأمنوا إلى حكمهم، لكنه لم يمنحهم الأمان، لم يمنحهم حتى النوم.
ستتأمل في الأسباب التي دعت إلى بناء مدينة بغداد، وسوف ترى فيها قصة الطغاة مع شعوبهم، كيف يظلمون ليأمنوا، فيفشلون، ويهربون، ويظلون يتنقلون بحثاً عن الأمان..
ستتخيل المنصور وهو يهيم على وجهه وينتقل من مكان إلى آخر – معه جنده وحراسه ووزراءه- لكنه لا يشعر بالأمان. من الكوفة إلى الهاشمية، ومن الهاشمية إلى جرجراية.. كان المنصور يبحث عن أمان لا يجده. الناس ثاروا عليه هنا. الناس جعلوا الجند يثورون عليه هناك. الناس تمردوا هنا وتمردوا هناك..
ستتأمل في قصة بناء بغداد، فتجد فيها قصة كل المدن العريقة. بأمر الحكام بناءَها من اجل ان يحصلوا على الامان، - يتوهمون لفترة انهم يحصلون على ما يبغون، لكن المدن تمكر بهم، بمنحهم الوعد بالامان، ثم تغدر بهم.. وتسلبهم الأمان، والراحة.. والنوم..
تتخيل المنصور وهو يبحث بين الموصل و واسط عن مكان ليبني فيه أمانة وملجأه، فتحترم عبقرية المكان التي استدرجت المنصور إلى البناء فيها – المدن العريقة تكون موجودة قبل ان تكون – المدن العريقة ليست بنيان واسوار وطرق ومخازن. إنها روح تسري في المكان. إنها عبقرية تسكن المكان، تتحين الفرص للانبثاق، للتجسد، تتصيد الوقت السانح لتخرج من القمقم، وتتحول إلى مارد هائل يسد الآفاق..
إنها روح وعبقرية المكان – هي التي تشجع هؤلاء الذين يقررون- في لحظة خارقة- ان يختاروا هُذا المكان تحديداً – دون ذاك – لوضع الحجر الأساس لمدينة..
انهم يسقطون في الفخ. يسقطون في الشرك المنصوب بإتقان الذي تحيكه المدن العريقة الموجودة قبل ان توجد..
تقرأ القصة فتحب المكر الذي مكرته بغداد ( قبل أن تكون )، من اجل ان تكون.. وتقرأ التفاصيل والأسباب التي دعته إلى (النزول في ذلك الموضع) فلا تقول سوى إنها مشيئة الله أرادت لبغداد – أخيرا – ان تكون..
صعد وهبط. حلَّ وارتحل إلى، الموصل صعوداً، وإلى النهروان نزولاً، مرة يريد الجبل. ومرة يقرر السهل. ولا يستقر حقاً على شيء..
ثم فجأة، ولسبب رمد في عينيه تخلف أحد قواد جنده عنه، فبقي في المدائن (..فسأله الطبيب الذي يعالجه عن سبب حركة المنصور فاخبره، فقال انا نجد في كتاب عندنا، إن رجلاً يدعى مقلاصاً يبني مدينة بين دجلة والصراة اسمها الزوراء فإذا أسسها وبنى بعضها، أتاه فتق من الحجاز، فقطع بناءَها واصلح ذلك الفتق، ثم أتاه فتق من البصرة اعظم منه، فلم يلبث الفتقان أن يلتئما ثم يعود إلى بنائها، فيتمه ثم يعمر عمراً طويلاً، ويبقى الملك في عقبه.. فقدم ذلك الجندي إلى عسكر المنصور وهو بنواحي الجبل فاخبره الخبر فرجع وقال : أنى انا كنت ادعى مقلاصاً وأنا صبي.. ثم زال عني..).
كان الطبيب حاذقاً. فقد لعب على تلك الأوتار التي كان لابد أن تؤثر على من هو مثل المنصور.. هؤلاء الحكام مهووسون بفكرة ان يد القدر هي التي تختارهم وتسيرهم، وان الإرادة الآلهة قد انتقتهم من بين ملايين البشر لينفذوا غاية إلهية عليا، ربما لأن هُذهِ الفكرة وهُذا الهوس ستخففان عليه عبء ما اقترفت يداه من جرائم وذنوب..
لذلك قال الطبيب، الذي كان - نصرانياً على الأغلب – ان هناك في كتبهم كذا وكذا، ليداعب في المنصور تلك الرغبة الأكيدة، الرغبة في التمدد عبر الزمن والقدر، وهاهيَ ذا تتحقق : لديه الفرصة ان يكون ذكره قد ورد في كتاب سماوي، قبل الإسلام..، لم يكن بإمكانه ان يلوي نص شرعي قرآني إلى هُذهِ الدرجة، فالأسهل إذن إن يلقي بالعبء على كتب النصارى (ومن سيتحقق أصلا من وجود نص كهُذا عندهم..).
وهُذا الاسم : مقلاص ؟..
العقل البارد لن يعطي سوى احتمالين لا ثالث لهما، الأول ان المنصور كان فعلاً يسمى كذلك في صباه، وان الطبيب عرف ذلك من المقربين في الحاشية، فدس الاسم كُطعم لابد من التقاطه..
او ان الطبيب الذي كان حاذقاً في فهم نفسية المنصور وامثاله، كان مدركاً تماماً أن المنصور كان سيقول عن أي اسم انه كان يدعى به في صباه..
فليكن مقلاصاً إذن. (.. ولعل الطبيب ضحك في سره من الاسم..)
حسناً. لماذا فعل الطبيب ذلك ؟. ليتودد. ليتزلف. ليتقرب من الخليفة،او بلا سبب محدد أي كما يفعل الكثيرون في زماننا مع سلاطين زمانهم.
ربما الأمر أكبر قليلاً ؟.
ربما كان الأمر متعلقاً بطائفة كانت تريد أن تبرز اكثر في عهد خليفة جديد كانت له طموحات جديدة وجريئة.
وربما كان الأمر اقل من ذلك. ربما كان متعلقاً بأرض دير من أديرة النصارى متاخم لتلك المنطقة التي أشار إليها الطبيب..، وربما كان أصحاب الدير يطمعون بتعويض، او يتأملون بحظوة، او يخططون للإفادة من الموقع بعد ان يصير جزءً من عاصمة الدولة، كما في الصفقات المريبة والمقاولات الفاسدة التي تحدث اليوم – وحدثت دوماً كل يوم..
وربما كان هُذا كله، النيات الطيبة والنيات السيئة ممتزجة معاً، في تلك النصيحة التي وجهت المنصور إلى بغداد..
كلها كانت محض أسباب عابرة. كان الأصيل والباقي في الموضوع هو إرادة الله التي كانت تريد لبغداد ان تكون، كانت تريد لعبقرية المكان، لروح المكان، ان تتحقق، أن تتجسد، ان تتجسم في البناء..
وبين الأسباب والمكر تأتي الإشارات في مقولة الطبيب الحاذق، التي تبين ما تبين وتوضح دون ان توضح : (فتق من الحجاز، وفتق من البصرة)..
إنها الاضطرابات المستمرة في الدولة الناتجة أساسا عن الظلم والإبادة التي استخدمها المنصور لتوطيد حكمه – فتوق ؟. لفظ مخفف للتمزقات التي انتجها الظلم والاستبداد والتي عانى منها رداء الدولة الواسعة.
(.. ثم يعمر عمراً طويلاً..) مداعبة اخرى لخيار ورغبات الحكام. كل منهم يريد ان يخلد في العمر، ان يبقى في الحكم، وفي النهاية : سيكون له في القصاص حياة..
(.. ويبقى الملك في عقبه..) كانوا دوماً يتهربون من حقيقة أن الموت آتيهم ولابد، بالتعويض عن ذلك كانوا يحرصون على تسليمه لابنائهم وأحفادهم كما لو انهم يستمرون
- بطريقة او بأخرى – عبرَهم..
كان الطبيب حاذقاً. وكان الفخ محكماً..
.. وكانت بغداد تتربص بالمكان..
****************
.. ونقرأ في تفصيلات المقاولة أسرارا صارت جزءً من شخصية المدينة ربما دون ان نعي ذلك – نحن – سكانها وابنائها – بوضوح (.. فكان أول ما ابتدأ به منها انه أمر بخطها بالرماد ..، ثم أمر أن يجعل على الرماد حب القطن، ويشعل بالنار ففعلوا، فنظر إليها وهي تشتعل ففهمها وعرف رسمها..).
هل فهمها حقاً ؟..
هل قرأ إنها ستظل بين الرماد والنار – وان ثنائية الرماد والنار ستلازمها كالقدر. وإنها ستظل تجر خمود الرماد، ومكر الرماد، وخبث الرماد، وصمت الرماد – مع لسعة النار، لذعة النار، وقوة النار وجبروت النار..
هل فهم إن بغداد ستظل هناك – بين النار والرماد، مرة ستغرق في الرماد، ومرة ستحترق بالنار، مرّة ستنهض من بين الرماد، ومرة ستضيئها النار، مرة ستصير هي الرماد، ومرّة ستطهرها النار، مرّة لن يبقى منها سوى رماد وسيظن الجميع إنها النهاية، وفجأة ستنبثق منها النار..
.. وبين النار والرماد.. ستخط بغداد واحدة من اعظم ملاحم الانسانية، مرة ستتوهج كالشمس بالنار، ومرّة ستخبو كالرماد، مرّة ستضج حيوية ودفئاً وعشقاً كالنار، ومرّة ستنطفئ مثل جثة كئيبة كالرماد.
.. وبين النار والرماد – ثنائية الحياة المتلازمة، كانت هناك حبات القطن : ازاهير القطن وأشواكه، وجه آخر من اوجه الثنائية نفسها: الزهور والشوك – اللذان يؤديان إلى الثمرة -..
.. لا أظن المنصور فهم شيئاً من هُذا، لم يدر انه كان يشاهد موجزاً عن بغداد في ومضة واحدة.
لكنه هزَّ رأسه بوقار يليق بمقامه..
لم تكن يده هي التي خطت بالرماد..
لكنه القدر. قدر بغداد..
****************
(.. فاستشاره (خالد بن برمك) في نقض المدائن، وإيوان كسرى ونقل نقضها إلى بغداد، فقال : لا أرى ذلك لأنه علم من أعلام الإسلام يستدل به الناظر على انه لم يكن ليزال مثل أصحابه عنه بأمر الدنيا، وانما هو على أمر دين، ومع هُذا ففيه مصلى علي ابن أبى طالب، قال



يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 10:23:27 +0200
المنصور لا أبيت يا خالد إلا بالميل إلى أصحابك العجم !، أمر بنقض القصر الأبيض فنقضت ناحية منه وحمَل نقضه فنظر مكان مقدار ما يلزمهم له أكثر من ثمن الجديد، فدعا خالد بن برمك فاعلمه ذلك فقال يا أمير المؤمنين قد كنت أرى ان لا تفعل، فأما إذ فعلت فأني أرى أن تهدم لئلا يقال انك عجزت عن هدم ما بناه غيرك..).
.. كان ذلك جزءً من ميلادها، ومن هويتها الشخصية، إنها تعلمت هُذا الدرس مبكراً، لايمكن لك ان تلغي الآخر. لمجرد انك انتصرت عليه مرحلياً، لايمكن لك ان تمحوه وتمحو إنجازاته..
تعلمت بغداد الدرس، (أم إنها هي التي علمته الآخرين ؟).. لايمكن لك ان تلغي حضارة اخرى لمجرد إنها قد خسرت الحرب معك – او لمجرد ان حضارتك قد استطاعت ان تحرز انتصارات عليها..
كان فشل المنصور في نقض قصر كسرى وإيوانه علامة على ذلك الدرس المهم : لا تلغ الآخر. بل استوعبه. افهمه. تفاهم معه. وافهم نقاط قوته. من يدري ؟.. قد يفكر هُذا الآخر بأن يتوحد معك – بهُذه الطريقة.. ومن يدري ؟.. قد تذوب خصوصياته في إطارك، وقد تنصهر مميزاته في مميزاتك لتتفاعل تفاعلاً متجراً يثريك ويثريه ؟..
.. فشل المنصور في نقل الإيوان إلى المدينة الجديدة، يذكرنا بحقيقة اخرى كانت جزءً من شخصية بغداد منذ ولادتها : انك لا تستطيع أن تحوز مجد كسرى بمجرد ان تنقل قصره إلى عاصمتك..
بعبارة اخرى – اكثر معاصرة : لايمكن لك حقاً ان تستورد حضارة .. الحضارة غير قابلة للاستيراد او للتصدير.. إنها تبدع فقط.. وتصنع فقط، وتولد فقط..
أي محاولة لاستيراد الحضارة – او التوهم بأن استيراد منتجاتها سيجلبها هي أيضا – سيكون محاولة محكومة مسبقاً بالفشل ..
بغداد كانت تفهم الدرس جيداً آنذاك . كان جزءً من كينونتها. من شخصيتها .. أقول الآن : تحت القصف، والقنابل العنقودية والحرارية تتساقط، وبغداد تكاد تسقط، أقول : بغداد فهمت الدرس آنذاك..
ليتنا فعلنــا !!
************************************************** *
(.. ونقل أبواب مدينة واسط فجعلها على بغداد، وباباً جئ به من الشام، وباباً آخر جئ به من الكوفة..) (ونقل المنصور أبوابها من واسط وهي أبواب الحجاج وكان الحجاج أخذها من مدينة بازاء واسط تعرف بزندورد يزعمون انها من بناء سليمان بن داود عليه السلام وأقام على باب خرا سان باباً جئ به من الشام من عمل الفراعنة وعلى باب الكوفة جئ به من الكوفة من عمل خالد القسري.. وعمل هو باباً للشام..) ] معجم البلدان / ح1/ ص460[.
تتأمل في حكاية الأبواب هُذهِ، فتدخل من خلالها إلى عوالم اخرى من الرموز والدلالات..
تتأمل في الأبواب، واحد منها تعبر به إلى عصر النبوات، وواحد تعبر به إلى عصر الفراعنة، وواحد تعبر به إلى عصر الفتوحات..
تتأمل في بغداد – لن تدخلها إلى إذا دخلت هُذهِ العصور الثلاثة مجتمعة : النبوات، والفتوحات، والحضارات القديمة..
وتتأمل اكثر، لن تخرج من بغداد، إلا إذا مررت أيضا بهُذهِ العصور .. كما لو إن المدينة قد احتوت هُذهِ العصور، قد ضمت بين أسوارها هُذهِ العصور واحتوتها جميعاً، هضمتها واستوعبتها..
ستتأمل في الابواب، فلا تصبح مجرد أبواب للدخول او الخروج من المدينة، ولكنها ستكون بواباتٍ للتفاعل مع العالم، ضوابط وقيم ثابتة للانفتاح على العالم..
.. ليست أبوابا فحسب. بل ضوابط للانفتاح على العالم.. على الآخر.. كل ما سيدخل بغداد سيمر عبر هُذهِ القيم والثوابت، وكل ما سيخرج منها سيمر عبر نفس القيم والثوابت..
انها الصمامات التي تتحكم بالتفاعل مع العالم القديم، من اجل ان يولد عالم جديد..
بغداد انفتحت على العالم ضمن شروطها هي..، ضمن ضوابطها هي، ضمن ثوابتها هي : النبوة. الحضارة. والفتح – فكان أن كانت وصار أن صارت..
بغداد فهمت هُذا الدرس جيداً، وكان جزءاً منها كما كانت جزءً منه – أقول : وبغداد تحت القصف، والسماء تمطر قنابل عنقودية وصواريخ موجهة، ليتنا فهمنا !!.
*********************
(.. وجعل المدينة مدورة لئلا يكون بعض الناس اقرب إلى السلطان من بعض..)
(.. ولم نعرف غيرها بين المدن مدورة..)
تتأمل هُذهِ الإشارة. تتجاهل تعليله الذي له يصدقه إلا من كان مفرطاً في الغباء او في حسن النية..
ستفهم من إشارته شيئاً واحداً : انه قصره كان في المركز.
.. يبدو ذلك واضحاً جداً ليس للسبب المذكور (لئلا يكون بعض الناس اقرب.. الخ).
ولكن هؤلاء كانوا لا يفهمون إلا بأن يكونوا هم المركز، وكل الناس حولهم تدور وتسبح. كانت النظرة العلمية القديمة تقول ان الأرض مركز الكون – وكان هؤلاء يحسبون أنفسهم مركز الكون.. ويتصرفون كما لو انهم فعلاً كذلك – وكان على الكون – وما فيه، ومن فيه – أن يتأقلم مع مركز جديد كل بضعة سنوات، وان يتكيف مع أمزجة وأوامر وطبائع حكام يتصورون انهم – فعلاً وحقاً – مركز هُذا الكون، .. وان العالم كله سيسقط في فراغ رهيب ومطلق لو رفعوا أيديهم عنه..
لن تقنعك تلك التبريرات بأن لئلا يكون بعض الناس اقرب من بعض إلى السلطان، وستجد في بعض الوثائق التالية ما يبرر عدم اقتناعك.. لكنك ستقول في نفسك، انه كان على حق – بعد كل شيء – في اختيار بغداد مدورة.. حتى لو كانت بغداد أولى المدن المعروفة مدورة – فكل المدن العريقة مدورة في الحقيقة بغض النظر عن تخطيطها الهندسي ومنظرها من الجو.. كل المدن العريقة مدورة، تدور فيها الدوائر، ويدور فيها الزمن، ترتفع فيها طواحين، وتهبط طواحين، يعز ناس، ويذل ناس، وترتفع طبقات، وتسحق طبقات.. نعم، كل المدن العريقة مدورة، ربما لأن الحياة بطبيعتها مدورة – وليس فيها خط مستقيم ودائم الاستقامة، وربما لأن المنحنى هو المستقيم الثابت الوحيد، ولان الدوران هو المحور الوحيد، ولأن الثبات هو التبدل الوحيد – او التبدل هو الثبات الوحيد.
كل المدن العريقة مدورة، ما دام يسكن فيها التاريخ، فهي مدورة، تأخذ من الزمن دورانه، ومن التاريخ دورته، ومن عجلة القيادة استدارتها، تدور في المدن العريقة الدوائر، وتجتمع فيها الدوائر، وتحاك فيها الدوائر، وتتحد فيها الدوائر، تصير دائرة واحدة… لتكون دائرة المدينة العريقة – المدورة حتى لو لم تكن مدورة…
والحاكم؟. خليفة او سلطان او زعيم او رئيس – نعم. انه يتصور نفسه مركز الدائرة.
وهو على حق – بطريقة او بأخرى. فهو مركز الدوائر كلها – عندما تدور عليه الدوائر، وتنقلب عليه الدوائر، وتتمركز عليه الدوائر.
دائرة في دائرة داخل دائرة. يكون الحاكم مركز الدائرة الأصغر – الهدف – المركز، عندما تصوب عليه الأسلحة… وتطلق عليه الرصاصة القاضية… كل المدن العريقة تفعل ذلك بأولئك الذين يتخيلون أنفسهم مركزا لها … كل المدن العريقة تمكر بهم، وتترك لهم الخيال ليسرحوا به، ثم تغدر بهم… وتدور عليهم.
كلها مدورة.
بغداد كانت التجسيد الهندسي الأول لهذه الحقيقة – البديهة… وبغداد كانت تفهم هذه البديهة منذ ولادتها الأولى…
أقول الآن، والدوائر تدور علينا، وبغداد تكاد تسقط في دائرة الاحتلال… ليتنا فقهنا!!
* * *
بالمناسبة لم يكن المنصور واعيا بما يدور… لم يكن مدركا أن الأبواب التي آتى بها من هذا المكان او ذاك سيكون لها هذا المغزى العميق… ولم يكن يفهم معنى ان تكون المدينة مدورة…
كان على الأغلب، يتصرف مثل محدث نعمة يخبره مهندسه ومصمم ديكوره عن التحفة الفلانية التي ستزين الركن المعين او الشكل الفلاني الذي ستكون عليه الواجهة الامامية…
لم يكن يعي المعنى في الاختيار. لم يكن معنيا أصلا بما يدور… ولم يكن له القدرة على الاستشراف والاستقراء فيما يدور…
* * *
(… وكان القصر غير مستقيم على القبلة، … ، وكان الحجاج بن ارطأة هو الذي خط المسجد، وقبلته غير مستقيمة يحتاج المصلي إلى ان ينحرف إلى البصرة لانه وضع بعد القصر…).
بعض الحقائق تكاد تصعق في دلالاتها. لو أنى أردت فبركة وقائع تاريخية لأبني عليها هجوما وانتقادا، لما جمح خيالي إلى الابتكار لهذه الدرجة…
لكن ها هي الوقائع تخرج عن صمتها، ظلت مسطورة لعشرات القرون في الكتب. لكنها كانت مكممة، مغيبة، محكومة بالصمت المؤبد مع الشغل والنفاذ…
لكن فجأة – ولأن بغداد تكاد تسقط – لابد للكمامات أن تزاح، وللقيود أن تحطم…
وفجأة، تخرج الوقائع المسطورة عن صمتها، وتنتظم مع بعضها البعض لتلتحم وتشكل حقيقة اخرى، ويخرج مارد الحقيقة من قمقم التفاصيل..
وهاهي ذي الحقيقة : كان القصر غير مستقيم على القبلة !.
القصر غير مستقيم على القبلة ؟!. أي دلالة ، أي رمز، أي شهادة..



يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 10:24:11 +0200
وتتراءى في عينيك الانحرافات. والاعوجاجات. والميلان. بعضها عشتها او عاصرتها وعانيت منها، والبعض الآخر سمعتها وعانى منها إباؤك..، والبعض منها قديمة جداً – لكنها مستمرة .. وكلها من مصدر واحد : ذلك الانحراف القديم عن القبلة ..
ليس مجرد مصادفة. انه حجر الأساس نفسه قد وضع بالاتجاه الخطأ، انه العقد بين الراعي والرعية كان على أسس خاطئة – ومخطوءة..
.. كل شيء كان منذ البدء جداً، مبنياً على بدايات خاطئة، على غير القبلة، منحرفاً عن الصراط المستقيم لتلك القيم والمعاني المحتواة في تلك الشريعة – القبلة ..
كان التوجه خاطئاً – في القصر : العلاقة بين الحكام والمحكومين – وتراكمت الأخطاء بعدها، بسبب ذلك الخطأ الأول..
بسبب أن (القصر كان غير مستقيم على القبلة ..).
ماذا يريدون اكثر من هُذهِ الحقيقة ؟ ماذا إدانة اكثر من هُذا الدليل ؟..
هاهي الوقائع تخرج من الكتب والأقراص لتصرخ .. وتتهم.. وتشير بأصابع الاتهام.
(القصر كان غير مستقيم على القبلة ..)، رغم انهم كانوا يسمونها "خلافة إسلامية"، ورغم ان من يسمونه الخليفة كان عنده (تدين في الجملة).. ورغم إن بعض الحدود كانت تطبق ..
إلا ان القصر كان غير مستقيم على القبلة. النظام كله كان منحرفاً عن القبلة..
أسجل هُذا، وبغداد تكاد تسقط، لست متأكداً إن كانت بغداد قد فهمت المسألة..
لكن الأكيد إننا لم نفهم..
.. وهانحن نكاد نسقط..
********************

.. من بين الأوراق والوثائق، والكتب والاقراص، يطل علينا المنصور بخطبة تكاد تقسم انك سمعتها من قبل.
لست متأكداً متى. ولا أين . لكنك تعرف انك سمعتها. ربما كانت مغروسة في لاوعيك وفي تلافيف دماغك وذاكرتك. لكنها هناك. قد تكون بعض تفاصيلها مختلفة، وقد تكون سمعتها بلهجة مختلفة – وربما بلغة ركيكة ومتخلفة.
لكن هاهو المنصور يطل عليك، ليلقيها بالنيابة عنهم جميعاً. ليقولها بصراحة ربما لم يمتلكوها. ليعبر شفاهاً ما سيطبقونه عملياً.
سيطل المنصور، ليقول بالكلمات ما سيكرره الآخرون بالأفعال. لا يفهم من هُذا انه قصر بالأفعال طبعاً. أبدا. كان رائداً فيها أيضا. لكن لعل الآخرين لم يمتلكوا جرأته في الكلام.. قال المنصور، موجهاً خطبته لنا نحن – عبر القرون، عبر الحدود، لا لرعاياه المباشرين، بل لجميع أولئك المتضررين من كون (القصر غير مستقيم على القبلة..).
سيقول المنصور لنا، ما سمعناه دوماً بشكل او بآخر إنما ليس بهُذهِ الصراحة، وما علمناه دوماً إنما ليس بهُذا الوضوح – وما شاهدناه دوماً إنما دون أيديولوجية – كنا نظن إن الأمر محض (سوء في التطبيق).
أبدا. لقد كان الأمر دوماً احسن تطبيق لأسوء أيدلوجية.. هُذهِ الأيديولوجية التي سيحدثنا عنها المنصور في خطبة عرفة، في يوم عرفة.. (أيها الناس : إنما انا سلطان الله في أرضه. أسوسكم بتوفيقه ورشده، وخازنه على ماله، اقسمه بإرادته أعطيه بأذنه، وقد جعلني الله عليه قفلاً فأن شاء أن يفتحني لاعطياتكم، وقسم ارزاقكم فتحني، واذا شاء أن يقفلني قفلني، فارغبوا أيها الناس إلى الله وسلوه في هُذا اليوم الشريف أن يوفقني للصواب ويسددني للرشاد ويلهمني الرأفة بكم والإحسان عليكم ويفتحني لأعطياتكم.. وقسم ارزاقكم بالعدل..).
أظن سمعناها. بطريقة او بأخرى، الخطبة مألوفة، ربما الكلمات صريحة اكثر من المعتاد لكن المعاني مألوفة جداً..
لكن، لابد أن تكون المعاني مألوفة، بعد كل شيء، فالذي بيننا وبينها عشرة ليست بالقليلة. عِشرة أعمار كاملة. عِشرة أجيال كاملة، عِشرة قرون متطاولة.. وبغداد تكاد تسقط، ونحن نكاد نسقط، لابد أن نعترف أن الخطبة كانت لسان حال معظم من تعاقب علينا من حكام..
وان ما مررنا به كان احسن تطبيق لأسوء أيديولوجية..
***************
.. في العقود الأخيرة، كان البعض من المراقبين والمحللين المهتمين لسبب او لآخر بالانقلابات العسكرية في بلداننا، ينتظرون – بصبر فارغ – أن تمر مدة الثلاثين عاماً التي تشترطها وكالات المخابرات المركزية العالمية للإفراج على وثائقها السرية..
البعض ينتظر من اجل الفضيحة، والبعض من اجل الحقيقة..
- والبعض سيفضل الموت قبل انقضاء المدّة؟؟
نحن نعرف إن بعض الحقائق تكون سرية لدرجة انها لا تسطر على الوثائق، حتى لا يأتي وقت ويفرج عنها، لكن بطريقة او بأخرى – عدم تسطيرها على الورق يجعلها طليقة، يجعلها حرّة، وذات يوم ستداعب مخيلة أحدهم وتجعله يربط ما بين الوثائق الأقل سرية والتي سيفرج عنها بعد تلك المدة، ويربط ما بين الحقائق المتناثرة هنا او هناك، وينسج ذلك الجسر الذي يوصل إلى تلك الحقيقة الطليقة التي أرادوا لها ان تكون سرية لدرجة الشفاهة.. لدرجة الكتمان..
.. لكن لا شيء – مهما كان – يظل سراً إلى الأبد.
**********************
.. وفي بعض الأحيان تكون الوثائق منشورة، والحقائق مسطورة، لكن لا أحد يحلل، لا أحد يجرؤ على القراءة المختلفة، لا أحد يجرؤ على اختراق أسوار الحصانة والقداسة التاريخيتين..
(.. وكانت الأسواق في المدينة فجاءَ رسول لملك الروم، فأمر الربيع فطاف به في المدينة، فقال كيف رأيت ؟ قال رأيت بناءً حسناً إلا أني رأيت أعداءك معك وهم السوقة. فلما عاد الرسول عنه أمر بإخراجهم إلى ناحية الكرخ..).
من أقبية المخابرات تخرج هُذهِ الوثيقة ؟
لا. بل من بطون أمهات الكتب – من المجلدات التي اعتدنا تقديسها وتقديمها واعتبارها المرجع الوحيد للمعرفة..
الخليفة، الحاكم، الزعيم – التسميات غير مهمة حقاً فالمسمى واحد – يراسل الأعداء التاريخيين ليمنحوه المشورة.
الروم تحديداً – مع كل الاسقاطات المعاصرة المحتواة ..
والروم لا يبخلون في المشورة، في تبادل خبرة القمع مع الخليفة.
فينبهوه إلى أن الأعداء قريبون جداً من القصر.
الأعداء ؟. من هم الأعداء الذين ينبهه عليهم الروم ؟. أعداء أكثر من الروم أنفسهم؟.. من هم هؤلاء الأعداء الذين خطرهم على الخليفة اكبر من خطر الروم ؟؟.
آه . نعم . انهم السوقة. أهل السوق. الناس. الناس الذين يسيرون في الأسواق ويأكلون الطعام .. العامة..
هؤلاء هم الأعداء الحقيقيين للخليفة – او سمه ما شئت.
ستتأمل قليلاً وقد أذهلتك الحقيقة. ستزفر زفرة طويلة تخرجها من أعماق صدرك.
ستذهلك الزفرة نفسها : ستجدها عميقة جداً، وعريضة جداً، وطويلة جداً، ستجد ان آخرين قد زفروها معك، وشاركوك فيها، وأنها خرجت من صدورهم ايضاً، وانهم خرجوا أيضا مع تلك الزفرة.. ستراهم جميعاً وزفرتك – زفرتهم تخرج من صدرك.. ستراهم مثلك، قوافلاً من أمثالك : مهمومين محزومين مصدومين ومحبطين.. (كأن مدينتهم تكاد تسقط، مثل مدينتك.)
.. ستتأمل في تلك الحقيقة وأنت بين الغضب والذهول : الروم ؟.. والخليفة ؟.
أنت من شعب تعود المغفرة لحكامه في أي شيء يفعلوه – إلا الخيانة. إلا الخيانة..
تتأمل في هُذهِ الحقيقة فتحسها طعنة في ظهرك – وظهور الآلاف غيرك – عبر القرون المتطاولة . تتحسس ظهرك، فتجد الندبة لاتزال هناك وتجد بعض اثر من دمٍ لا يزال ينزف.
لن يهدأ غضبك. أبدا. حكامك (المعاصرين) الذين طعنوك بالظهر كانوا عملاء (صغاراً او كباراً) للروم او لنسخهم المعاصرة..
أما انت، يا خليفة، يا صاحب دولة الخلافة التي تمتد من الأندلس إلى الصين، فما عذرك في الطعنة التي في ظهري؟..
لماذا، يا خليفة، أدخلت الروم بينك وبين ناسك – واعتبرتهم أعداءك.
.. لماذا يا خليفة، أخرجت من قربك، الناس، وسمعت مشورة أعداءك – وأنت أصلا لا تسمع مشورة أحد..
.. وتقرأ ما بين السطور ما لم يكتب، لكنك تعرف انه حدث لأنه حدث على وقتك وزمانك، لابد ان الروم دسوا بين الناس، السوقة، العامة، ما يثيرهم ضد الخليفة، ويروج بينهم التساؤلات حول نقلهم بعيداُ عنه..
.. تزفر مرّة اخرى. لقد كنت هنا من قبل. لقد شاهدت هُذا من قبل. هُذا (الفلم) كنت فيه، وعشت فيه، وعانيت منه طويلاً حتى صار التنهد شهيقك – والحسرة زفيرك..
كنت هنا من قبل. واليوم، وبغداد تكاد تسقط، تعرف انهم الروم مرة اخرى، على الأبواب.. وتكاد تعرف انهم بطريقة او بأخرى كانواً دوماً على الأبواب..
وان سبباً من أسباب كونهم على الأبواب واسباب دخولهم سيكون أن الخليفة اعتبر
-بمشورة الروم- ان الناس أعداءه .. و أبعدهم عنه..
*********************



يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 10:25:00 +0200
من بين الوثائق ستجد وثيقة اخرى ستحرجك فيما لو كنت لا تزال ميالاً إلى الأخذ بصيغة (الإسلام على الجملة) للمنصور واقرانه..
فالفارق الأساسي – في نظر الكثيرين من إسلاميين وغيرهم- بين المنصور و الخلفاء، وبين الحكام المعاصرين هو إن المنصور – على استبداده، كان مسلماً (على الجملة) – أي بلا تدقيق في التفاصيل. وقد يذهب البعض إلى حد قول إنه (اجتهد فأخطأ) فله اجر واحد و هي المقولة التي تعني حسب هؤلاء – ان هؤلاء الخلفاء مأجورين على ارتكابهم الفظائع والشنائع باعتبارهم اجتهدوا فأخطأوا..
أما الحكام المعاصرين – برأي هؤلاء – فهم كفار كفراً صريحاً لا تجدي معه علميات التزويق والتجميل. فهم – والرأي لا يزال لهؤلاء الإسلاميين كما لغيرهم – منطلقون من أيديولوجية كافرة مضادة أصلا للإسلام ومنطلقاته..
أتحفظ على الرأي كله. كما أتحفظ على مسألة التكفير الآن، واتركها لذاك الذي يعلم ما في الصدور..
أتأمل في الأفعال – المحك الحقيقي لمصداقية الايمان وزيفه.
الأفعال. واضع خطاً تحتها. الافعال، لا التبريرات التي تساق من اجل تبرئة فلان او علان..
الأفعال. مجردة عن النيات، التي لا يعملها إلا ذاك الذي يعلم ما في الصدور..
************
لو قيض لمعارضة إسلامية ما، في دولة معينة، بغض النظر عن طبيعتها، ان تتأكد
- عبر وثائق وتسجيلات واعترافات – ان الحاكم الذي تعارضه، يعتمد، وبشكل مباشر ودائمي – على المنجمين في اتخاذ قراراته وتحديد مواعيد تنفيذها..فأن خبرا كهُذا سيكون صيداً سميناً وثميناً لأي معارضة. فعدا عن جانب الإثارة في الموضوع، والجانب الغرائبي الذي يثير الفضول، والجانب التشهيري الذي لا يمكن تجاوزه. هناك، بالنسبة للإسلاميين خاصة، جانب تكفيري في الموضوع، سيتوقفون عنده طويلاً.
سيتوقفون ؟. بل سيتحركون. وسيخرجون ألسنتهم ويشهرونها سيوفاً حادة ومسمومة ان شاءوا..، وسيخرجون الأدلة اللازمة للعملية من الجعبة، وسيكررون .. ويستنتجون، ويعيدون ويقيسون ويفتون..
سيخرجون بالأدلة من أحاديث وآيات لتكفير الحاكم. وهل يأتي المنجم إلا الكافر ؟. وهل يستشير المنجم إلا كافر ؟. وهل يصدق المنجم إلا كافر ؟..
.. ماذا تريدون اكثر من هُذا ؟. وماذا بعد الكفر إلا الضلال ؟، انه ليس كافر فحسب. بل هو متخلف أيضا. يؤمن بالشعوذة والدجل. ويطبقها أيضا. وخلف كل شعاراته وأيديولوجياته لا يوجد سوى عقلية جاهلية تؤمن بالسخافات.
صيد ثمين طبعاً.
لكن للأسف ليس عندي شيء من هُذا.
فالوثيقة التي بين يدي لا تخص هؤلاء المسلمين. بل تخص المنصور (المسلم على الجملة) والذي سقطت منه تفاصيله مهمة – على ما يبدو، وحسب الوثائق..
(وضع (المنصور) أساسها (=بغداد) في وقت اختاره له نوبخت المنجم)..
(ثم ذكر بعض المنجمون، قال لي المنصور لما فرغ من بناء بغداد هذا الطالع لها، فنظرت في طالعها وكان المشتري في القوس فأخبرته بما تدل عليه النجوم من طول زمانها وكثرة عمارتها وانصباب الدنيا إليها و فقر الناس إلى ما فيها قال ثم قلت له أبشرك يا أمير المؤمنين انه لا يموت فيها احد من الخلفاء قال فرأيته تبسم. ثم قال الحمد لله) البداية والنهاية 10/98.
(.. وقد اتفق سجن المنصور في ايام بني امية فاجتمع به نوبخت المنجم وتوسم فيه الرياسة فقال له ضمن تكون فقال من بني العباس فلما عرف نسبه وكنيته قال له أنت الخليفة الذي تلي الأرض..، فضع لي خطك في هُذهِ الرقعة آن تعطيني شيئاً إذا وليت فكتب له فلما ولي المنصور أعطاه ثم كان من أخص أصحاب المنصور) البداية والنهاية 10/122.
المنجم كان من أخص أصحابه !.
درب طويل جداً، ووعر جداً، ولا يستقيم أبدا، بين أن يكون الشخص مسلماً، - على الجملة وأيضا بالتفاصيل- وبين أن يكون من أخص أصحابه : منجم. درب طويل – ولا يصل أبدا – بين تلك المعاني العالية، والقيم السامية، التي ترفض الخضوع إلا لله، والاستسلام إلا لله، والانقياد إلا لله – وبين ان تحتار فتلجأ لمنجم. وترتبك فتأخذ المشورة من منجم، وتستشير فتستشير منجم..
أقول : درب طويل، وقد لا يصل أبدا بين تلك المعاني وهُذا الحضيض – ولا أخوض في مسألة التكفير.

.. وكان المنجم حاذقاً أيضا، مثل الطبيب قبله (أو بعده ؟). كان يعرف ما يقول، وكيف يقول، وكيف يجعل ما يقول مؤثراً، كيف تتوغل كلماته في الأعماق. ترسم الآمال، وتشيد الممالك، وتبني القصور..
قال له : ستملك الدنيا ! – وهل يملك السجين الثائر الطموح الذي تتوسم فيه الرياسة إلا ان يتشبث بهُذهِ النبوءة ؟..
(فإذا وليت فاعطني شيئاً) – قالها وطلبها من كذا شخص ربما في السجن ذاته، ربما في الزنزانة نفسها، توسم فيهم أيضا الرياسة، وقال لهم، وهو يركز نظراته الثاقبة في عيونهم :ستملك الدنيا..
خابت كذا مرّة. وصابت مع المنصور.. ثم كان من اخص اصحابه..
واخبره، عن بغداد، وهو يستعد للبدء ببنائها، اخبره عن طول زمانها، وكثرة عمارتها، وانصباب الدنيا إليها، وفقر الناس إلى ما فيها. ثم قال له بشارته التي ينتظر، والتي كوفئ عليها حتماً فيما بعد : أبشرك انه لا يموت فيها احد من الخلفاء أبدا.
فتبسم الخليفة المنصور.
ثم قال الحمد لله.
(.. يا حاجب : أعطه مائة ألف دينار..).
وربما قال المنجم : الحمد لله.
***********
.. كل تلك التفاصيل التي قالها المنجم عن بغداد من الواضح إنها لم تكن تهم المنصور بقدر البشارة.
بقدر ذلك الحلم المستحيل الذي يداعب كل أولئك الحكام المهووسين بفكرة الخلود..
(لا يموت فيها من الخلفاء احد..)
هل يصدق احد انه صدقها ؟ - تلك الكذبة المفضوحة – ذلك الدجل الذي لا يتكلف حتى أن يغطى بغطاء الواقعية..
هل يصَدق انه كان بهِذه السذاجة ؟..
ربما نعم. وربما لا. لكنه ذلك التمسك بالأمل الزائف – بالخلود المستحيل – حتى لو كان بحبال مهترئة..
.. وسيموتون فيها طبعاً. وبكافة اشكال الموت وتعدداته.
سيموتون طعناً . وسماً. وخنقاً.
وسيموت آخرهم آخر بني العباس أقصد – ركلاً – امام اولاده..
.. لن تحميهم بغداد ولن ترحمهم بغداد. بل ربما ولن تكترث بهم عندما يموتون..
.. الاكثر من هُذا. انهم عندما يموتون.. كان البعض من الناس يبتسمون..
.. ويقولون : الحمد الله..
*********
تتأمل ما قاله المنجم عن بغداد، وهي تكاد تسقط، فتشعر انه كان يتكلم عن مدينة أخرى غير مدينتك التي تحترق وتقصف وتكاد تسقط والتي أمضت عقداً طويلاً مريراً في حصار ظالم.. وكانت قبلها قد أمضت عقداً طويلاً مريراً آخراً في حرب ظالمة..
لا. ليست هُذه بغداد التي تعرفها، يتكلم عنها هُذا المنجم – انه يتكلم عن وجه واحد من بغداد التي تملك اوجهاً متعددة. الوجه الذي عرفه ورأى أن يزينه وهو يقدمه للخليفة..
لكن. للحظة، ستذكر انك رأيت هُذا الوجه ايضاً، وانك في حياتك رأيت اكثر من وجه لبغداد..
وان الزمن دار أكثر من مرّة ببغداد، وأنت فيها..
ستذكر، وأنت طفل، لا حرب ولا حصار، والناس في بحبوحة إلى حد كبير، والهموم التي تحملها يومياً وتركض بها من اجل أطفالك – لم يحملها والدك بالضبط، لأن حياته كانت اسهل، وهمومه اقل..
نعم. لقد دارت بغداد – التي بنيت مدورة- وتنقلت انت، خلال ثلاثة عقود من عمرك بين أكثر من وجه : وجه الرخاء. وجه الحرب. وجه الحصار. والآن وجه القصف وربما وجه السقوط..
بين هُذهِ الوجوه المتقلبة، المتسلسلة، كان هناك وجه مهيمن ظل موجوداً في الرخاء كما في الحرب كما تحت القصف، وربما كما عند السقوط.. انه الوجه الذي ظل مهيمناً على كل الوجوه : وجه الظلم والاستبداد. كان دوماً هناك..
وبغداد تكاد تسقط، اقول، الآن، ربما كان الظلم – منذ البداية – هو الذي سيؤدي إلى هُذهِ النهاية ..
****************



يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 10:25:43 +0200
لم يخبره المنجم عن الوجوه الأخرى..
اخبره عن العز والرخاء. وانصباب الدنيا إليها. وفقر الناس إلى ما فيها..
لكنه لم يخبره عن الفقر الذي سيصيب الناس. والجوع الذي سيعم الناس، والموت الذي سيحصد الناس..
لم يخبره عن قوافل الشهداء، عدة ملايين ، يموتون-احيانا- دونما سبب، دونما قضية، دونما هدف،..
لم يخبره عنهم – وحتى لو اخبره، فماذا كان سيهمه منهم، هم الذين اختطفتهم الحرب – وهم في عز شبابهم – من اجل إرضاء نوازع شخص مثله، لا يهمه شيء مثله، ولا يهتم لأحد مثله – باستثناء الكرسي – مثله.
لم يخبره عنهم، مليون أو اثنان، ماتوا في زهرة شبابهم، في عز شبابهم، قسم تفحموا، وقسم تمزقوا، وقسم تفرقت أشلاءهم..
.. لم يخبره عن احلام تحطمت. وحكايات ما انتهت. واسئلة، عبثاً طرحت .. ولم تجد..
لم يخبره عن مشاعر عادت محمولة بالتوابيت. وذكريات لفت بالسواد،و أسماء علت لافتات النعي..
ولم يخبره عن الأمهات، الأمهات : تمر العقود، وتمضي العقود – وهن لا ينسين. الدموع قريبة، وبعد عشرين عاماً تظل قريبة. ويكفي اقل من القليل لتظهر على السطح : على الوجه، وتنساب بصمت. أحيانا بصوت.
.. لم يخبره عن الأمهات، ينتهزن الفرصة لدخول أي عزاء، للبكاء بصوت عال. حتى بعد عشرين عاماً..
.. ولم يخبره عن الأرامل. والهم. والصبر. والوحشة والوحدة والعزلة في مشوار عمر لم يكن يتخيلنه كذلك..
.. ولم يخبره عن اليتامى. جيل كامل سينشأ محروماً من الأب – لا اقول من حنانه، بل من الأب كيفما كان ولو كان محض خيال مآتة..
.. لم يخبره عن (المسفرين). أولئك الذين سينتزعون من بيوتهم – بكل تفصيلاتها، أدق الدقيق من دقيق تفصيلاتها – دونما سبب وجيه، فقط، لأن واحداً من أجدادهم (ربما الرابع والخامس او حتى الأبعد) كان قد قرر – لسبب أو لآخر – وربما بلا سبب على الإطلاق، أن يسجل نفسه في تبعية دولة دون أخرى .. ( وكل العراقيين_ كلهم_ كان عليهم ان يكون تبعاً لدولة دون أخرى، لأن العراق لم يكن قد صار دولة بعد ..)..
.. كانوا أيضا بغادلة منذ قرون. وانتزعوا ذات يوم دونما شفقة، دونما أي اعتبار لأي اعتبار، كما ينتزع رضيع من صدر أمه..، وقد ظلوا بغادلة حتى بعد أن انتزعوا، أسقطت جنسياتهم، لكن لم يمنحوا جنسية البلد الذي سفروا له، وظلوا في منزلة بين المنزلتين، لا إلى هؤلاء، ولا إلى أولئك..
لم يخبرهم عنهم – لأنه لم يعرف قط – وقلوبهم كل يوم كانت تهدر بالشوق و الحنين مثل محرك طائرة ألجمتها الحدود، وتريد ان تطير وتحلق لتعود..
لم يخبره عنهم. وكل شوق لكل صغير وكبير في تلك البيوت التي تركوها دون ان يتركون. لصنبور الماء الذي لا يغلق جيداً. وللشق القديم في جدار الواجهة، للحائط الذي عليه الصور، وللصور، ولزمان الصور.
سيظلون يشتاقون لتلك البلاطة غير المستقرة عند باب المطبخ، ولباب الثلاجة الذي يحدث صريراً عند الفتح والإغلاق، ولطعم الماء البارد المختلط برائحة الثلاجة_ وحده يروي_ في ليلة صيف بغدادية قائظة..
سيشتاقون لرائحة التراب المرشوش بالماء، المشبع بالرطوبة، في امسية صيف لا منسية ضمتهم و احباب و اصحاب في تلك الحديقة الخلفية (اللامنسية ايضا)..
سيشتاقون لصياح الأطفال وهم يلعبون في الجوار، ولصوت أمهاتهم يناديهم، سيشتاقون حتى لنهيق الحمار المزعج، وصوت سائسه بائع النفط – الأكثر إزعاجا.
.. سيشتاقون لنخلة الجار. ولعتبة الدار. ولطير السعد، الذي حط – للحظة – ثم إلى الأبد طار..
سيمضون حياتهم وهم يفكرون ببغداد – أمنيتهم، ليست حفنة من تراب بغداد، بل اقل من ذلك، مجرد حيز من هواء بغداد، يستنشقونه – مرة واحدة إلى الأبد – ثم لا يزفرونه ابداً.. حتى لو ماتوا اختناقاً.. المهم ان لا يخرجوا هواء بغداد من صدورهم.
لم يخبره عنه، لم يعرف، انه الظلم الذي بدء ذات مرّة في عمق التاريخ ربما قريباً من عصر المنجم، هو الذي اخرج هؤلاء من ديارهم، ذات فجر، أو ذات صباح مشمس، أو ذات أمسية كانت تبدو إنها ستكون لطيفة – ثم حدث ما غيرها، وتغيرت حياتهم بعدهما إلى الأبد..
لم يخبره عن السجون المظلمة. وعن زنزانات لا يدخلها الضوء. وانفاق تحت الأرض تضم أحياء كالأموات – فقدوا الإحساس بالزمن، فقدوا تعاقب الليل والنهار عليهم – لم يعد سوى الليل هناك، في الركن، عند الزاوية، وفي السقف، عند تلك الفتحة، لا شيء سوى الليل في ذلك الكون الذي مساحته متر مربع واحد..
لم يخبره عن مقابر جماعية. وأولئك الذين قتلوا و أبيدوا وضاعت اسماءهم، ولم يبق ما يدل عليهم – بين الهياكل العظمية – غير علامات فارقة قاومت الدود : نظارة طبية. أو عكاز طبي. أو ملابس سميكة ارتدوها قبل ان يخرجوا في رحلة اللاعودة..
لم يخبره عن التفنن في التعذيب. والتمتع بمشاهدة التعذيب. والتلذذ بتصوير التعذيب..
لم يخبره عن القصف، وابواب جهنم تندلق على البيوت، والناس فئران مذعورة تحتضن صغارها، والسنة النار من فم تنين جهنمي يسكن فوق رؤوسهم ويطاردهم من مكان لآخر..
لم يخبره عن بغداد – الأخرى – الكرب والبلاء، والقحط والشقاء، والمرض والعناء..
لم يخبره عن السقوط قبل السقوط، والهزيمة قبل الهزيمة، والاحتلال قبل الاحتلال.. قال له شيئاً أَسعده، فتبسم وقال : الحمد لله..
******************
.. انظر إلى بغداد – الحقيقية التي لم يعرفها المنجم ولم يتحدث عنها – انظر من نافذتي الى سحب الدخان المنتشرة والممتدة على طول وعرض وعمق الافق.
انظر إلى بغداد، أحاول أن ابتسم، افشل في ذلك، تكاد دمعة تفلت من عيني..
.. و لكني أقول : الحمد لله..
****************
أتأمل في الأوراق واقلب الحقائق، يموت الخليفة، ويعيش بعده الخليفة.. ثم ماذا ؟..
لا أجد في موته استثناءً، لكن في قصة موته يوجد رمز صغير، يطب من خادم ان يقرأ له شيئاً من القرآن وهو على الفراش يحتضر..
فيقرأ له ... وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون الخادم شيئاً ذا دلالة
فيغضب . ويطرده.
ثم يموت. وينقلب مع الذين ظلموا والذين نعلم جيداً أي منقلب سينقلبون..
***************
على كوم الأوراق والحقائق، التي استخرجها من بطون الكتب والاقراص، اجد نفسي احفر نفقاً، أمر عبره إلى بغداد الحقيقية – بغداد، جارة المطلق.
اعترف، عندما بدأت البحث، لم اكن مدركاً تماماً أنى سأجد في بغداد – الماضي – بغداد – التاريخ، كل هُذهِ الإرهاصات عن بغداد الحاضر، وبغداد المستقبل..
.. لم اكن اعلم ان صورة بغداد الماضي، ستضم ملامحاً كثيرة- إلى هُذهِ الدرجة – من بغداد الحاضر..
.. ولم اكن اعلم، إن بغداد المستقبل تكمن ملامحها في مكان ما من الصورة نفسها، نشكلها نحن، بالاتجاه الذي نريده، إن بالشكل الذي ساد وانتشر..
.. مرآتان متقابلتان في غابة من المرايا، تلك هي وجوه بغداد المتعددة.. متشابهة، ومتداخلة، ومن الصعب حقاً الدخول فيما بينها..
لم اكن ادري إن العوامل المشتركة ستكون غالبة لهُذهِ الدرجة، وان المادة الأولية لبحثي عن المطلق المستمر في بغداد ستكون متوافرة لهُذهِ الدرجة..
لكن، هاهي الصورة تتضح، وهاهي الوثائق تنطق، والأسطر تتصارع لتمزق أكمامها، والأوراق تصرخ، والمجلدات تكف عن خرسها..
هاهي الحقيقة تخرج عن الأمر الواقع – عن التفاصيل – عن الدقائق..
.. هاهي الحقيقة النائمة مثل تنين داخل أسطورة عتيقة، تصحو وتريد لتخرج من قدر السبات المخيم عليها منذ قرون..
هاهي العنقاء تقوم من قدر الرماد، وتتمرد على سجن الرمال الذي سجنت فيه منذ عقود متطاولة..
هاهي الحقيقة تصرخ، وتشير إلى عوامل الخلل، فتكتشف إنها ليست مستحدثة، وإنها كانت هناك منذ البدء. منذ وضع حجر الأساس بالاتجاه الخطأ، منذ إن كان العقد بين الراعي والرعية قد حرر بلغة مغلوطة، وبني على اساس خطأ..
انه الاستبداد والظلم والطغيان.. من قبل الرأس.
والقابلية الكامنة على ذلك، الاستعداد على ذلك من قبل المرؤوسين..
كان ذلك .. منذ قرون، واستمر لقرون، ولقرون أدى إلى ما أدى إليه،.. وتراكم القرون – اليوم – أوصلنا إلى إن تصير بغداد ركاماً، على وشك السقوط بيد الغزاة.
*********************

يتبع

sahwat-aliraq
, Sat, 13 Oct 2007 11:27:24 +0200
بطله انتي عاشت ايدج

وبس انكول حسبيا الله ونعم الوكيل

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 18:54:12 +0200
اسمع اصواتهم، تحت القصف – ورغم القصف. وهم يعترضون طريقي عبر ذلك النفق الى الجانب الآخر من الحقيقة..
سيقولون : هل تقارن حقاً بين المنصور وهُذا الطاغية الذي اوصلنا إلى ما اوصلنا إليه ؟.. هل يمكن لك حقاً ان تقارن هُذا الكافر الملحد العلماني بواحد من اهم خلفاء الدولة العباسية ؟..
سبق ان قلت شيئاً عن هُذا. لعلهم لا يسمعون .
سيقولون : مهما كان. ومهما حدث. ومهما كان الظلم الذي تدعي انه وقع في عهده، فقد كان ذلك كله مصحوباً بانجازات عظيمة للحضارة الاسلامية.
انجازات ذهبت وذابت ولم يبق لها اثر. وظلم تجذر واستبداد تأسس بل وتقدس ودخل في دهاليز اللاوعي لملايين من الناس.
سيقولون : يا اخي هُذا المنصور صار رمزاً لمجد الامة الاسلامية، رمزاً لعزتها وهيبتها – صار رمزاً لدولة الخلافة التي امتدت من الاندلس إلى الصين عبر قارات العالم القديم الثلاثة..، وتشويه هُذا الرمز بهُذا الشكل يشوه قيم الامة والاسلامية ومجدها وعز دولة الخلافة – التي نريد ان تعود – والتي يجب ان تحافظ على الاحترام لها في ظل اللهجة الغربية التي تستهدف قيم الامة .. الخ.
.. واقول – ربما لن يفهموا و لعلهم لن يسمعوا : كفانا ما كان، كفانا تمسكاً بالاشخاص. كفانا خلطاً بين الاشخاص والقيم. والاشخاص والمعان. والاشخاص والعقائد.
كفانا " شخصنة " لكل الامور.
المجد مرتبط بشخص. والعقيدة مرتبطة بشخص. والفقه مرتبط بشخص ]او بمجموعة اشخاص[ .. والقيم كلها مرتبطة بشخص..
كفانا ارتباطا بهُذه النظرة التي تختزل كل الامور إلى اشخاص، مجرد اشخاص، ربما كان ارتباطهم عابراً بالقيم والمعاني والعقيدة، وربما لم يكن هناك ارتباط حقيقي اصلاً..
كفانا كل ما كان. كفانا هُذه الوثنية المبطنة. في البدء يكون الاحترام، ثم يزيد الامر : يصير تبجيلاً وثناء وتمجيداً – يتجاوز الحدود المقبولة بالتدريج، ليفرض سوراً مانعاً سيزداد حصانة مع الوقت.. والوقت سيأتي بالتقديس لهؤلاء الاشخاص.. نعم. الوقت وتقادمه، مع نظرتنا المشخضة للأمور، سيمنحانهم القداسة..
انهم مرّة خليفة لا يجوز انتقاده. ومرة عالم من العلماء لا يجوز التعقيب على ما قال. – او صاحب مذهب او تلميذ لا يمكن الاقتراب منهم. ومرّة شخصية سياسية او رئيس حزب معاصر تتحول وصاياه إلى الواح محفوظة في اذهان اتباعه ومريديه..
في كل مرّة، في كل قضية، في كل مسألة، هناك دوماً "شخص" ما. هناك دوماً الشخص، الذي يعني اشياء تكون على الاغلب اكبر منه واهم منه، لكنه مرتبط بها، وهي مرتبطة به، فاذا ضرب، او انهار – لأي سبب – كان ذلك انهياراً لكل تلك القيم والمعاني والعقائد..
انه الشخص. ننتظره حتى قبل ان يولد ليحل مشاكلنا كلها : هناك دوماً المهدي المنتظر. والمجدد الموعود. والزعيم المخلص. كل واحد من هؤلاء هو شخص ترتبط به احلامنا وآمالنا وسلبياتنا واحباطاتنا – كل مشاريعنا واعمالنا مؤجلة بانتظار "الشخص" – الذي لن يأتي حقاً كما نريد، لكن سيأتي شخص ما، مستغلاً انتظارنا للشخص، مستغلاً افكارنا التي تشخصن كل شيء، ومراهناً على استعدادنا لتقبل كل ما يفعله، وقبول كل ما يأمر به ويشير إليه.. لأننا تكوننا بهُذا الاتجاه – وتكون هو بحيث يسيطر على هُذا الاتجاه..
انه الشخص دوماً. مرّة يكون الخليفة المنصور. ومرّة يكون طاغية معاصر. مرّة يكون فقيه مشهور، ومرّة يكون سياسي بارز..
الشخص دوماً وابداً. ما دامت كل الامور مشخصنة.
***************
لم يسمعوا. ولعلهم سمعوا، لكنهم ما فهموا ..
سيقولون : هُذا الهجوم على شخص المنصور يحسب لصالح طائفة معينة اضطهد المنصور واحداً من ائمتها الاعلام..
.. واقول : وهل نجا من اضطهاده احد – إلا المنافقون ؟. الم يضطهد ايضاً عالماً من اهم علماء بل واصحاب مذاهب الطائفة الاخرى، وظل يراقبه ويطالبه، وظل ذاك يتهرب ويتملص ؟ - رغم ان واحداً من تلامذته ومن منظري ومؤسسي المذهب من بعده، سار في درب الافتاء للخليفة، والتقرب من الخليفة،.. حتى لا اقول التزلف والنفاق للخليفة.
.. سيقولون – كما يقولون دوماً عندما لا يجدون شيئاً آخراً يقولونه : انها مؤامرة يهودية. مؤامرة ماسونية. مؤامرة صهيونية للكيد من رموز أمتنا وشموخها.. مؤامرة . مؤامرة..
بالتأكيد وماذا غير ذلك ؟..
**************
.. وليس المنصور سوى رمز‘’ بسيط للدلالة على ان التاريخ لا يزال مستمراً. لن اقول شيئاً تقليدياً مثل "ما اشبه الليلة بالبارحة" او ان التاريخ يكرر نفسه.
بل اقول : التاريخ لايزال مستمراً.
لايزال مستمراً. لم ينقطع. لم ينته. لم يستدر.
انه يناور. انه يساوم. لكنه دوماً مستمر. بطريقة او باخرى : لا يتوقف ابداً.
.. كنت متأكداً من ذلك. والان صار تأكدي يقيناً، فبعد الحقائق التي وجدتها في كتب التاريخ، والتي استمرت وتجذرت في واقعنا اليومي – برغم التاريخ، برغم الزمن، برغم العصور التي تعاقبت و الحقب التي توالت.. كانت هناك دوماً عناصر أكثر خبثاً ومكراً من تعاقب الدهور، ظلت مستمرة.. وظلت تمارس دوراً تسلطياً علينا..
التاريخ لم يخرج منا. نحن خرجنا عنه، اما هو فقد اختبئ في داخلنا، في جيناتنا، في عظامنا في النخاع منه..
ورغم ان كتابنا وديننا – هما الكتاب والدين الوحيدين – الذين اسسا العقيدة على استراتيجية "فك الارتباط" بالاشخاص والحوادث التأريخية،.. إلا ان كل شيء عندنا بني على اساس الارتباط بالاشخاص والحوادث التاريخية، (حتى لو حاولنا ان نقول شيئاً غير ذلك)..
اتأمل في الكتب والاقراص والمجلدات والوثائق.. اتأمل في اوراقي وتحليلاتي واستنتاجاتي..
اتأمل في الارتباط. وفي ذلك الارتباط..
اجد ان المسافة بينهما – بين قصة الارتباط، وبين الاساس في فكه، هي ذات المسافة الفاصلة بين الحقيقة. وبين الامر الواقع..
وهي نفس المسافة الفاصلة بين ما يجب ان يكون. وما هو كائن.
وهي ذات المسافة بين بغداد – المطلق. وبغداد – التي في ذهن كل واحد منا.. اغرق في هُذهِ الحقيقة، ولكن يرجعني قصف شديد إلى ارض الواقع.
******************
كان هُذا هو اقرب قصف، واشد قصف مررنا به – إلى حينها..
كانت ثمانية صواريخ مرت فوق رؤوسنا وسمعنا صوتها – وهي متتالية – وهي تمر فوقنا وصفيرها يكاد يصك آذاننا قبل ان ترتطم بشيء ما فتهز الارض تحتنا والجدران من حولنا و السقوف من فوقنا.. ناهيك عن زجاج النوافذ الذي لولا لطف الله واللاصق المتعاكس الذي وضعناه على الزجاج ليلة الحرب، لكان تناثرَ علينا وحولنا إلى اشلاء متناثرة..
.. كان الارتطام ايضاً من اقوى الارتطامات التي مرت بنا – عبر الحروب المتعاقبة. لا استطيع ان اصفه بأكثر من انه يشبه ارتطام سفينة عملاقة بجبل جليدي ضخم في المحيط. اقول هُذا رغم اني لم اجرب ذلك – اعني اني لم اكن مرّة في سفينة في المحيط اثناء ارتطامها بجبل جليدي، لكني اعتقد ان الامر مشابه..
حدث الارتطام الاول. ثم جاء الصفير الثاني. قريباً جداً وعالياً جداً. شعرنا بالصاروخ يمر فوق رؤوسنا بالذات، وبحركة لا شعورية، وجدنا انفسنا –جميعاً تقريباً – نخفض رؤوسنا قليلاً كي نتفادى الصاروخ، كما لو كان جذع شجرة تمر تحته ونحن على الدراجة، في طفولة غابرة تبدو بعيدة جداً عن لحظات القصف هُذه.
حدث الارتطام الثاني. بدا لنا اقوى من الاول بكثير. اهتزت اللوحات المعلقة وكادت تسقط. وركضت ابنتي إلى حضن امها والتصقت بها. والتصقت بها أكثر كما لو كانت تريد ان تعود إلى بطنها. لم ارَ الخوف في عينيها. انما شيء آخر : شيء يشبه اللوم – كانت توجهه إلى امها – لأنها اصلاً اخرجتها من رحمها إلى هذا العالم المروع الغريب..
مرّ الصاروخ الثالث. مع مروره مرَّ في ذهني تذكرت ما كنت قد تعلمناه سابقاً من خبرات الحروب السابقة من ان الصاروخ الذي تسمع صفيره ستنجو منه – وان الناس الذين ارتطم ببيوتهم وبحياتهم، انما فعل ذلك دون ان ينذرهم بالصفير الذي سمعناه.
كان ذلك من بعض ما تعلمناه في الحرب الايرانية. لذلك عندما سمعت صفير الصاروخ الثالث قلت لنفسي : نجونا ! – وعدت وتذكرت ان الامر قد يكون اختلف مع التقنيات الامريكية الاكثر حداثة وتدميراً التي لا شك انهم يخصوننا بها هُذهِ المرة. ربما يكون اولئك الذين يرتطم بهم الصاروخ الحديث يسمعون صفيره قبل ان يأخذهم وبيوتهم واحلامهم واطفالهم..
لم يكن من الممكن الاستفسار منهم عن ذلك للأسف.
قبل ان انهي تأملاتي حدث الارتطام الثالث. معه صار واضحاً ان الامر لم يعد ممكناً السكوت عليه !.
وللأسف : لم يكن هناك غير السكوت..
بدا لنا مع الارتطام الاخير ان الصاروخ قد سقط في المنزل المجاور، او على الأبعد الشارع الخلفي. كان من المؤكد انه لم يسقط علينا – ما دمنا لم نمت..



يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 19:07:08 +0200
مع الصفير الرابع، صار واضحاً ان الامر سيتكرر، مادام انه يبدو اقرب في كل مرّة، فسيكون اقرب، واقرب، هذهِ المرّة..
كان في المرّة السابقة قد بدا انه في المنزل المجاور. هُذهِ المرّة قد يبدو انه – عندنا في المنزل – او في الحديقة.. او في غرفة النوم..
.. مع حصول الارتطام الرابع، كنا نتراكض جميعاً على السلم للهبوط إلى الطابق الارضي، فقد تعلمنا ايضاً من خبرات الحروب السابقة، ان الصواريخ عندما تسقط على الجوار، فأن البيوت المجاورة عندما تتضرر، فأن الطوابق العلوية هي التي تتضرر اكثر – بمعنى انها قد تطير تماماً بمن فيها.. ، ربما ليس الامر نفسه مع الصواريخ الحديثة التي قد تجعل كل الطوابق، علويها وارضيها في اسفل سافلين.
.. مهما يكن، فقد طبقنا الخبرات السابقة، وتراكضنا جميعاً، احمل ابنتي ومعي ابني وزوجتي وخالتي، على السلم – وصولاً إلى الطابق الارضي.. اثبت هُذا التطبيق العملي فشله الذريع فيما لو كانت الصواريخ تسقط في الجوار فعلاً، ففي خلال الثواني العشرين التي استغرقت هبوطنا على السلم، سقطت اربعة صواريخ اخرى، سمعنا صفيرها وهي تمر فوق رؤوسنا، اهتززنا لدوي ارتطامها بشدة، كانت الصواريخ الاربعة الاخيرة اقوى بكثير من سابقاتها. اقوى بحيث ان كوننا قد هبطنا إلى الطابق الارضي لم يخفف من وطأتها. بل على العكس بدا لنا ان الطابق العلوي أكثر امانا..
مرت بعدها ثوان لم نسمع فيها صمت صفير الصاروخ التاسع.
ارهفنا السمع، ثوان اخرى، لا شيء.
بعد دقائق، تنفس الكون الصعداء. على الاقل الكون المحيط بنا تنفس الصعداء. وكان يبدو انه سيختنق قبلها بقليل..
اسرعت إلى السطح لأمارس هواية عراقية محببة في الصعود فور انتهاء الغارة – او حتى قبل انتهائها في بعض الاحيان – الغرض المعلن من هُذهِ الغارة كان – عادة الاستطلاع وارضاء الفضول. كان هناك دوماً غرض آخر خفي، كنت المحه في العيون وفي الاصرار على الصعود والتباهي به : انه اظهار الرفض. اظهار التحدي. اظهار اللامبالاة. اظهار الرفض لقدر ان تتحول بيوتنا الى جحور فئران نخبئ خلفها ذلنا ورعبنا..
كانت دوافعي مزيجاً من هُذا كله، وان غلب الاستطلاع، اعترف، عندما تسللت إلى السطح متجاهلاً تحذيرات خالتي – التي كانت توسوس بصوت عال – وتوسلات ابني الذي اعتبر الصعود مغامرة اين منها الصعود إلى القمر..
كان الليل ساكناً ما زال – ربما من الهول – هول الصدمات المتتالية التي تلقاها.. وكانت هناك رائحة مميزة وغريبة تلف هُذا السكون وتبطنه. اظنها رائحة البارود.
البارود ؟. هل لا زالوا يستعملونه اصلاً. ام ان معلوماتي من مخلفات الحرب العالمية الاولى.
لست متأكداً من شيء. لكن هُذه الرائحة، هي بالتأكيد رائحة المادة المتفجرة التي ملئوا بها الصواريخ التي انفجرت بالقرب من هنا. لها رائحة تشبه رائحة الموت، وتذكر بتراب المقابر المهجورة التي لايزورها أحد..
.. كان هناك صوت ايضاً. صوت منخفض لا يشق السكون بل يتكامل معه. ربما كان صوت هسيس النيران المشتعلة. او انين المباني التي تحطمت..
وكان هناك عمود هائل من الدخان ينبعث من مكان ما خلف المنزل، يحجب مكان انبعاثه عني الحائط لمبنى الشركة الروسية المجاور لمنزلي، حاولت تحديد الاحداثيات بقدر الامكان، وقدرت ان المكان الاكثر احتمالاً هو ملعب الشعب الدولي والمباني الرياضية الملحقة به..
قبل ان استرسل في تأملاتي وذكرياتي عن الملعب – وهي قليلة بكل الاحوال لأني لم اكن يوماً من هواة الرياضة – سمعت صفيراً حاداً ومتقطعاً يشق سكون الليل. كان صوتاً عالياً وقبيحاً يشبه صوت فأر مزعج سقط في مصيدة، او ربما صوت صرير باب يفتح عنوة عند منتصف الليل
قبل أن افهم شيئاً، كان هناك وميض غطى العالم. بالضبط خيل إلي للحظة انه البرق..
لحظة اخرى وتأكدت انه لم يكن البرق. فقد حدث انفجار هائل زلزل السماء قبل الارض، بالضبط الزلزال هي الكلمة التي اتصورها معبرة عما حصل، خيل لي ان قواعد البيت واساساته قد اقتلعت مم مكانها ثم ارجعت بقوة لترتطم مرة اخرى بالارض..
قبل ان افوق من الزلزال كان هناك الوميض مرة اخرى – والزلزال مرّة اخرى. ست مرّات تعاقب الضوء والزلزال على السطح وانا احاول التشبث بالهواء الذي استنشقه.
عرفت هناك – على السطح – معنى ان يكون الضوء مرادفاً للظلمة.
عرفت معنى ان تظلم السماء – عدا ظلمة الليل – بضوء بارد وقبيح وباهت ومستفز لعله يشبه الاضواء الساطعة التي توجه على المعتقلين السياسيين اثناء تعذيبهم.
لا مجاز في ذلك. كان وميض الصاروخ شيئاً مشابهاً لهُذا..
.. كان اتجاه الصواريخ مختلفاً هُذهِ المرّة. كنت اعرف بالضبط اين سقطت الصواريخ.
في المكان الذي كنت انتظر فيه باص المدرسة، ، لمدة ست سنوات صباحاً،قبل لقل من عقدين من السنين تبدو الآن كما لو كانت الاف السنين الضوئية.
******************..
كما تمزق الحرب اغشية التعود، فأنها تحطم القوالب التي تقسرنا مهننا واوضاعنا الاجتماعية على ولوجها والتنمط بها طيلة الوقت.
وبالنسبة لي، كطبيب اسنان، فقد وجدت نفسي بلا وظيفة تقريباً طيلة فترة الحرب، إلا وظيفة الموظف التقليدي الذي تعود ان يذهب إلى مكان عمله دون ان يستطيع ان يؤدي أي خدمة حقيقية لأي مواطن – فقط يذهب لكي يثبت لنفسه ولزوجته ولأطفاله انه لا يزال له مكان و فائدة في هُذا العالم الذي تجاوز الافراد المهمشين من امثاله – وكان عدم اداء أي خدمة حقيقية نابع اصلاً من الموقع الجغرافي للمركز الواقع في قلب منطقة صناعية في قلب بغداد، وهي منطقة اقفرت تماماً واغلقت كافة محلاتها ومعاملها منذ بدء الحرب..
لكن، وكما قلت، تجبرنا الحرب احياناً على الخروج من انماطنا التقليدية التي تلبسنا اياها مهننا واوضاعنا الاجتماعية اللصيقة بها.. وإذا كان طبيب الاسنان قد وجد نفسه مركونا على الرف بلا فائدة حقيقية، فأن شخصاً آخراً، مفيداً جداً، وعملياً جداً، قد نبت مكان طبيب الاسنان الاجرد..
*****************
.. امام بيتنا، وبالذات امام شرفتي، توجد حديقة عامة واسعة، كانت لها ايام عز لا افطن لها شخصياً، وكانت هناك عبر العقود الماضي فترات اهتمام عابرة بالحديقة، وما تلبث ان تهمل من جديد، لتعود، كما كانت، ساحة واسعة يلعب بها صبيان المنطقة كرة القدم..
.. منذ بدء الحرب، وانقطاع الخدمات، وبالذات عدم مجئ سيارات البلدية التي تحمل القمامة من البيوت، بدء الاهالي برمي القمامة في الحديقة..
كما في كل الاخطاء، يبدء الامر بشخص واحد فقط، يتسلل ربما تحت جنح الظلام ليرمي بقمامته ويخلص منزله منها..
وعندما يصحو الناس في اليوم التالي، ويجدون ان احدَهم قد تخلص من مشكلته بتحويلها إلى الحديقة العامة (أي التي لا تخص احداً بعينه، في رأيهم..) فأن واحداً اخراً او ربما اثنين – سيتسللان – تحت جنح الظلام ايضاً، ليلقوا بالقمامة في ذات المكان..
.. وفي اليوم الثالث، سيشارك الجميع في تلك المهمة بحماس، ويتخلص كل بيت من مشكلة القمامة الخاصة، يتحويلها إلى مشكلة عامة..
.. وبعد ثلاثة ايام، فاحت رائحة المشكلة العامة التي تخلص كل بيت منها على حدة.
وبعد ثلاثة ايام اخرى، صرت ارى سيارات من الشوارع المجاورة تأتي لتفرغ قمامتها في الحديقة العامة..
ولم يمض اسبوع حتى كانت الشرفة التي اضطررت ان الجأ اليها للكتابة – لأنه لم يعد لي مكان آخر في البيت بعد ان تم احتلاله بالكامل من قبل خالاتي – اقول، لم يمض اسبوع إلا وكانت الشرفة تطل على المزبلة العامة التي تم انشاءها عفوياً من قبل اهالي المنطقة..
اكثر من كل ذلك، ان القمامة بدءت تتعدى حدودها عند حافة الحديقة، لتحتل مساحة من الشارع بحيث انها بدءت تضيق الطريق على السيارات، وكان تفسير ذلك واضح جداً، فالناس حتى لم تعد تتكلف عناء رمي قمامتها في العمق من المزبلة، ربما لأن ذلك سيجعلهم يضطرون للخوض فيها – وهو امر سيتجنبونه بالتأكيد..
هل تظنون انني خرجت عن الموضوع ؟.
ابداً. انني الأن ربما في صلبه اكثر من أي وقت مضى.
هُذا المشهد يلخص، في لقطة واحدة، كل ما مضى، وكل ما سيأتي. وكل ما يمكن ان يأتي..
هُذا المشهد يوجز ، في لقطة واحدة، مكثفة جداً، ودقيقة جداً، اسباب الانهيار، واسباب الانحلال . واسباب السقوط..
انه مشهد مكرر جداً. وعادي جداً. وروتيني جداً في الظروف الاستثنائية جداً التي مررنا بها، واستطيع ان اؤكد للمثقفين الذين سيتهولون الامر ان كل العواصم الاخرى – إذا تعرضت لظرف مثل هُذا – فأنها ستشهد الحدائق العامة وهي تتحول إلى مزابل عامة تبطئ السيارات قربها، وينزل شخص محترم، او على الاقل هُذا ما يدل عليه مظهره، ليفرغ سلة من القمامة، بكامل محتوياتها، داخل حديقة عامة..



يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 19:12:02 +0200
بطله انتي عاشت ايدج




وبس انكول حسبيا الله ونعم الوكيل

منووور عيوني
هو الكتاب طويـــــــــــــــــــــــــل هواية ان شاء اله اكدر اكمله:z06:

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 19:18:10 +0200
اقول هُذا ، لأنني من شرفتي شاهدت من الناس الواناً واشكالاً، محترمون او تدل مظاهرهم على ذلك – على الاقل، اطباء ومحامون، واساتذة جاميعون، وآخرين بسطاء وربما اقل مكانة، لكن محترمون ايضاً، اجتمعوا جميعاً على رمي القمامة – في تلك الحديقة العامة..
********************
.. كان هناك رمز‘’ صغير في ذلك كله.
رمز صغير ؟. لا . كانت لوحة سريالية مليئة بالرموز والدلالات، وجدتها منصوبة على الافق القريب من الشرفة..، وكانت في حقيقتها تمثل مقطع عرضي للمجتمع : الانهيار القادم لا محالة ...ترى في هُذا المشهد، أن الناس عندما حكوا مشاكلهم الخاصة، بتحويلها إلى ممتلكات العامة، تنما كأنوا يعبروا عن حقيقة أنهم لم يؤمنوا قط أن الممتلكات العامة، هي عامة حقاً – بمعنى أنها تخصهم ايضاً بطريقة او بأخرى..
.. وترى في هُذا المشهد – أن مجموعة الافراد هنا لا يجتمعون ليكونوا مجتمعاً واحداً، وأنما يظلون افراداً منعزلين كل داخل اسرته وبيته وهمومه الخاصة..
.. وترى في هُذا المشهد، أن الواحد زائد واحد لا يساوي اثنأن، بل يظل واحداً، فرداً منفرداً اعزلاً ومعزولاً داخل سياج بيته الذي يشكل حدود عالمه الخاص..
.. وترى في هُذا المشهد، أن العلاقة بين الفرد والجماعة مبهمة، وغامضة، ومعقدة أن لم تكن مفقودة ومعدومة اصلاً.
وأن كل فرد من هؤلاء لا تجمعه روابط حقيقية بالافراد الآخرين خارج نطاق اسرته الضيق.. كل فرد من هؤلاء – مهما تحدث و تمنطق وقال وصال وجال – فأن شعاره الحقيقي – ساعة الحقيقة : لن يكون سوى نفسي نفسي … نفسي نفسي..
وكانت ساعة الحقيقة مشهداً بسيطاً، اختلفت فيه المفاهيم والقيم والشعارات وخطط العمل، ونتجت عن ذلك كله ساحة لرمي القمامة..
كأنت ساعة الحقيقة تقول حقيقة بسيطة بأختصار، أن الدولة بكل مؤسساتها واجهزتها الاعلامية والامنية والقمعية، وخبراتها البيروقراطية والتكنولوجية، فشلت في اهم مهمة كان يفترض أن تقوم بها، وهي أن يشعر الناس أنهم مواطنون فيها، وأن تتأصل في سلوكياتهم وافكارهم مسألة المواطنة برمتها.. وكأن ذلك يعني أن الدولة فشلت في أن تكون دولة ولم يكن ذلك فشلاً للدولة فقط. بل كان فشلاً للجميع.. كان فشلاً لكل من تصدى للتغيير – سواء كانت التيارات العلمانية بمختلف تدرجات اطيافها من الالحاد الشيوعي المباشر إلى الليبرالي اللامبالي.. كلها فشلت في أن تؤصل المواطنة فكراً وسلوكاً في نفوس المؤمنين بها..
وغير بعيد عن ساحة القمامة العامة تلك، كانت هناك منارة لمسجد قريب، تنتصب كدليل على فشل المسجد في ما كان السبب الاساسي لتشييده يوم بني اول مسجد على الاطلاق: أن يجمع الناس، أن يحول الافراد إلى جماعة، ويذيب الاسواء التي تعزل الفرد عن الجماعة، أن يحل تلك الاشكالية المزمنة العالقة بين " الأنا" و الـ "نحن ".
كانت تلك هي العقيدة الاولى، وذلك هو الحجر الاساس الذي بني عليه اول مسجد، والذي بنيت عليه ايضاً مؤسسات تلك الحضارة التي لم نرث سوى اسماءً من منجزاتها، دون أن نحوز على معانيها وقيمها..
بين كوم القمامة المتصاعد، وتلك المنارة الشاهقة، كانت المسافة ليست بعيدة، وكانت تدل على درب بعيد – اوغلنا فيه – في البعد عن القيم والمعأني التي جعلت المنارة – ذات يوم – تكون مناراً للآخرين – بل جعلت هُذهِ المنارة، تطل، اينما كانت، على ثلاث قارات، هي كل ما عرف العالم من قارات أنذاك..
ذلك الدرب بين المنارة والقمامة، هي قصتنا جميعاً، هي قصة أنحدارنا وأنحلالنا وزوالنا..
أنها القصة غير المروية بعد، لكل ما كان، ولكل ما سيكون.
أنها قصة سقوط بغداد.
*******************
كأن ذلك التفلسف متقناً جداً. او على الاقل هُذا ما يبدو من وجهة نظري.
لكن فيه مشكلة واحدة – على الاقل – أنه لا يخفف الرائحة الكريهة المنبعثة من القمامة امام شرفتي.
وكما لن ينتفع المريض من الوقوف عند حد تشخيص المرض، دون المضي قدماً في العلاج..، فكذلك أن تدبيج النظريات وأنشاء الخطابات في اسباب التخلف و وسائل النهضة لن تجدي نفعاً – ما لم تصاحبها خطوات عملية تترجم القول إلى فعل..
.. أن مشكلة "لم تقولون ما لا تفعلون . كما أن كونها واردة في نص قرأني لا يجعلها" ليست خاصة بالمنافقين في عهد الرسول خاصة بالتيارات الاسلامية فحسب. في الحقيقة أنها مشكلة النخب كلها على اختلاف اطيافها و تلون اتجاهاتها.
أنها تلك الازدواجية الموجودة في اعماق تلك النخب. أنها الهوة القائمة بين الفكر والسلوك والتي تسقط فيها هُذهِ النخب..
أنها الشيوعي الذي يصبح بالماركسية ويمسي باللينيية، ثم عندما تحين لحظة الحقيقة فأنه يعود عشائرياً طائفياً لا يؤمن بغيرها كأنتماء له ولأولاده من بعده.
أنه الليبرالي الذي تنتفخ اوداجه وهو يتحدث عن المساواة التامة المطلقة بين المرأة والرجل، وبالذات في قأنون الاحوال الشخصية الذي يطالب بتعديله او الغاءه تماماً – لكنه عندما تحين لحظة الحقيقة، وتتوفى اخته المتزوجة بلا اولاد ذكور، فأنه يطالب بحقه (الشرعي) المذهبي إلى اقصى حد ممكن..
وأنه الاسلامي – وياللأسف – الذي يرفع شعارات سامية ويتغنى بأهداف اكثر سمواً. ثم عندما تحين لحظة العمل.. لاداعي ، تعرفون طبعا :خيبة أمل !.
نعم. هُذهِ هي مشكلة النخب على اختلاف اطيافها. أن أنتماءَها الاكثر وضوحاً هو لجبهة واحدة تضمها جميعاً هي جبهة "كثرة الجعجعة وقلة الطحن".. أنها تنتمي لتلك الهوة الواسعة بين الفكر والسلوك. والازدواجية التي تعزل القول عن الفعل..
لكن في لحظة معينة، يكون عبء الحقيقة اثقل من أن تتحمله الهوة الواسعة بين الفكر والسلوك – وتكون رائحة القمامة اقوى من أن تحجبها حواجز القول واغشية الجعجعة..
احيأناً – يصير لابد لاحدهم أن يواجه – أن يزحف عبر تلك الهوة.. وعبر ذلك الدرب المفروش بالاشواك والزجاج المطحون، الفاصل بين القول والعمل، والفكر والسلوك..
اختراق تلك الهوة قد يكون صعباً إلى حد كبير، وقد يكون مروعاً للبعض مثل اختراق حاجز الصوت فوق قرية هادئة..
لكنه، عندما تحين لحظة الحقيقة – والتي تدون دهوراً إذا لم يتقدم احد – عندما تحين لحظة الحقيقة، لابد أن يتقدم احد..

اقول : لابد. وعندما تكون القمامة اقرب شيء إلى منزلك، فأن هُذا الاحد يجب أن يكون أنت.
أي أنا.
*****************

لعدة اسابيع، كأنت وظيفتي الحقيقية التي لها اهمية وفاعلية في خدمة المجتمع – بعيداً عن منظر الوظيفة التقليدي التي جعلتها الحرب مع وقف التنفيذ..
كل فجر، وقبل أن تطلع الشمس، ومباشرة بعد صلاة الفجر، كنت اتسلل، مع كمية من النفط في عبوة ملائمة، إلى تلة القمامة، أنثر النفط عليها بالتدريج، واحرقها شيئاً فشيئاً..
اما لماذا اتسلل تحت جنح الظلام وافضله على نور الشمس توقيتاً لحرق القمامة فلذلك عدة اسباب، اعترف اولها كأنت تلك النظرة التي يمتزج فيها الاستغراب بالسخرية بالاستهجأن في عيون الآخرين الذين كأنوا يستكثرون أن تنقلب الامور لهذه الدرجة، بحيث يصل (بالدكتور) إلى أن ينزل من برج مكانته المهنية العاجي، ليحرق القمامة..
شيء آخر، ربما اكثر احراجاً من الاول، هو تلك التعليقات الطفيلية التي كأن عليَّ أن اتلقاها من أناس ينتمون – دون أن ينتموا .. لجبهة كثرة الجعجعة وقلة الطحن – كأن المجعجعين يزعجهم أن يروا احداً يتخلص من مشكلتهم ويقوم بالفعل .. بالطحن..
جاءتني اول الامر جارة لنا لتقول أن اتجاه الهواء يأخذ الدخان إلى بيتهم وأن زوجها ينزعج من الرائحة. ولما كان تغيير اتجاه الهواء أمر خارج عن قدرتي وكانت تتفهم ذلك، فقد اقترحت السيدة أن اقوم بتغيير مكان القمامة بحيث لا يؤثر الدخان المتطاير على أنف زوجها العزيز..
قلت لها – من بين اسناني – وبأكبر قدر تمكنته من التهذيب، أن تفعل ذلك هي، وزوجها شخصياً..
هزَّت كتفيها بلا مبالاة، فهي تجعجع فقط والطحن ليس من اختصاصها، وقالت أن قمامتها قليلة جداً وهي لا تلقيها إلا مرّة واحدة في الاسبوع.
في مرّة اخرى، وقفت سيارة بالقرب مني وأنا احرق القمامة، ومن نافذتها جعجعَ احدُهم ليعلق على طحني، قائلاً أن القمامة منتشرة اكثر مما يجب، وأن من الافضل لمها اكثر، في تلة اعلى وعلى مسافة اقل، مذكراً أن ذلك سيستهلك وقوداً اقل، وأنه سيكون اقل خطراً على السيارات المارة..
واحد آخر جعجع قائلاً أن الامر قد يتطلب تفتيش القمامة قبل حرقها. لئلا يكون فيها مواد تنفجر عند الاشتعال..
.. واشار آخر إلى احتمالية أن تعد النيران المتصاعدة دليلاً او اشارة للطائرات إلى موقع يجب قصفه..



يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 20:11:06 +0200
.. وهكذا، كأن لكل طفيلي ومار أن يدلي بدلوه في تلة القمامة المكومة امام شرفة بيتي، قليلاً من الجعجعة لن تضر لأي احد منهم – بل ستجعلهم مطمئنين أن الطحن هو المضر، وهو الخطر، وهو الذي يجب تجنبه وتجنب عواقبه قدر الامكأن..
بالرغم من كل ذلك، لم اتخلَ عن قراري بحرق القمامة.. لكني و بسبب كل ذلك قررت أن اجعله فجراً، قبل أن تبزغ الشمس.
********************
وبما أن الشيء بالشيء يذكر، فأني اؤمن تماماً، بأن اكوام القمامة في حياتنا تحتاج إلى من يجسر الهوة، ويجتاز تلك المسافة الفاصلة بين القدرة على الجعجعة والعجز عن الطحن..
اؤمن بأن الكثير من سلوكياتنا، وقمنا، وافكارنا، وحتى بعض عقائدنا لايمكن أن تنتمي إلا القمامة.. ولا يجب أن تكون إلا هناك..
.. واؤمن ايضاً، أن مكانتنا هُذهِ، التي أنحدرنا إليها، كأنت بشكل او بآخر بسبب افكار القمامة هُذهِ، وقيم القمامة، وسلوكيات القمامة..
.. واؤمن ايضاً بأن احدهم عليه أن يتسلل تحت جنح الظلام. من اجل أن يحرق القمامة، حتى تشرق الشمس، حتى يطلع الفجر.. فالقمامة تمنع شروق الشمس، وطلوع الفجر، وتكرس السواد، تروج للظلمة..
نعم. لابد لاحدهم أن يتسلل حاملاً وقود الجرأة والتجديد، وقود الافكار الجديدة الحارقة الخارقة، لابد لأحدهم أن يكون (فدائياً) – بطريقة ما – وينزل من برجه العاجي المعلق في اوهام الماضي وامجاد التاريخ الزائلة، ليتماس مع الواقع او حاله وقمامته.
.. وسيواجه هُذا الفدائي الكثير من الجعجعة التي ستسفظع حرق القمامة او حتى المساس بها، فالقمامة صارت – بحكم القدم – جزءً من البيئة، جزءً من التعود، جزءً من الروتين المحيط بالناس، والمساس بهُذا الروتين وهُذهِ البيئة سيكون مساساً مباشراً بالناس والمجتمع..
بالتأكيد سيكون كذلك، فالكثير من السلوكيات والقيم التي نجترها مكأنها في القمامة، لكنها مستقرة ايضاً في نخاعنا، في ادمغتنا، حرقها سيكون حرقاً لنا، ونزعها سيكون حتماً مؤلماً كنزع الجلد والاظافر على يد معذب محترف..
في القمامة رموز نجلها ونحترمها، وشخصيات مركزية نقدسها، و اقوال مأثورة تشكل وعينا وسلوكنا، وفتاوي فقهية وحيل شرعية وغير شرعية وآليات للفقه والتنظير التصقت بمرور الوقت بالنصوص الدينية حتى صارت تبدو كما لو قد جاءت معها، رغم أنها اقحمت عليها وقسرت معها – ووحده الزمن جعلهما يبدوأن ملتحمين معاً..
في القمامة توجد سلبيتنا، نخفيها خلف ما نسميه ايماننا بالقدر واستسلامنا لكل ما تأتي به الرياح..
وفي القمامة يوجد تلك القيود التي تحيط بوعينا. بعقولنا : هنا لا تقترب، وهنا احذر. وهنا خطر سريع الاشتعال..
في القمامة توجد الخطابة التي لا تقول شيئاً والتي تعودنا عليها، والسجع والطباق، والالفاظ التي تناور وتساوم، والمقدمات التي لا تؤدي إلى شيء.. وتلك اللهجة الممجوجة المكررة التي نجترها منذ قرون..
وفي القمامة يوجد تاريخ الأنحطاط الذي قدسناه، واسباب الأنحطاط التي كرسناها، ونتائج الأنحطاط التي عشناها..
.. وفي القمامة توجد فرديتنا، عجزنا عن الذوبان في الجماعة، عجزنا عن فهم مقاصد شريعتنا، وعجزنا عن تحويلها إلى واقع نافع رغم ولعنا بالتحليلات والاستنتاجات.
.. في القمامة يوجد ذلك الدرب الطويل الذي أنحدرنا إليه من تلك المنارة العالية التي كنا عليها، إلى كوم القمامة العالية ايضاً – والتي غرقنا فيها.. تماماً.
أنظر، إلى كوم من القمامة موجود بالضبط في ركن الجامع المواجه للقبلة، وأنظر إلى قمة المنارة المزودة بالاضواء الحديثة – ربما كانت كورية الصنع او صينية – ومكبرات الصوت كانت اجنبية ايضاً، اعتقد أنها سويسرية على ما اذكر..
اجهزة التكييف في الجامع كانت يابانية، مثل معظم السيارات التي تقف في الباحة امامه..
وحده كوم القمامة، كان محلي الصنع.
ربما كانت الاعمدة والزخارف والنقوش المرصعة بالخط العربي الذي خطت فيه الآيات القرأنية جميلة جداً، وتاريخية جداً، لكنها محض ديكور، محض رسوم وصور..
لكن الواقع الماثل – الواقع المعاصر، كأن مجسداً اكثر في كوم القمامة الموجودة امام الجامع..
مؤسف جداً..
ولابد لفدائي ما – أن يحرقه..


********************
بين قصف وآخر، هناك دوماً مجال لقصف آخر..
تمر الساعات في اليوم الواحد والقصف متتابع دون أنقطاع. يشتد حيناً ويخف بعض الاحيأن. لكنه موجود، بين الصواريخ والطائرات، والقذائف والمضادات..، يمر يومنا ونحن نحاول أن أن نمارس قدراً معيناً من الحياة – من الوعي، من التنفس، من التشبث بالحياة (او بما تبقى منها.. )..
وبين قصف وآخر، كأنت معلوماتنا عن الاسلحة تزداد وخبرتنا تتوطد، صرنا نميز بين هدير طائرات الشبح والفأنتوم، وصوت صواريخ الكروز، والأنفجارات المتتالية للقنابل العنقودية، وقذائف الـ (57) واصوات مقاومات الطائرات وصواريخ سام التي كأنت تختلط وتتشابك فوق رؤوسنا، ثم صرنا نميز بينها بالاسم والفعل وصار حتى ابني الصغير يتباهى بقدرته على التمييز.. عندما لايكون القصف قريباً بحيث يعطل الخوف حاسته على التمييز..
تقاربت الغارات، مع الوقت، وتشابكت، ولم نعد نعرفها رأسها من قدمها، ولم نعد نحدد متى بدءت هُذهِ الغارة ومتى أنتهت تلك. بل لم يعد هناك داعي لاطلاق صافرات الأنذار، رغم أنها كأنت تطلق بين الحين والآخر، كما لو كانت تذكر بأنها موجودة..
صار اليوم.. وابتداء منذ منتصف الاسبوع الثأني من الحرب، عبارة عن غارة طويلة تتخللها احيأناً بعض التقطعات.
.. أنتظمت حياتنا على اصوات الأنفجارات، صرنا نحاول أن نمارسها بشكل طبيعي باكبر قدر ممكن من التعايش مع الموت..، مع القهر، ومع ذلك الصلف الذي يعبر عن نفسه ببذور الموت التي تحصدنا حصدا..
.. وبين الحين والآخر، وبالضبط قبل أن ننغمس في النسيان، ويتمادى الصلف في قهرنا، يأتي من مكان ما، صوت يحاول أن يكون قوياً، ويحاول أن يكون معبراً وحنوناً في الوقت نفسه..
يأتينا الصوت، كأنما من عالم آخر، ومن زمأن آخر، يصلنا بشكل معجز، بدون مكبرات صوت، لكن كأنما اقوى مما كان يصلنا قبل، عندما كأن يأتي ممزوجاً بالكهرباء والالكترونات الموجبة والسالبة، الأن يصلنا نقياً، فطرياً مشحوناً بالرغبة في ايصال تلك الحقيقة البسيطة التي ربما غابت عن اذهأننا في زحام الحقائق المتساقطة من الطائرات..
بين الحين والآخر، كان هناك صوت يذكرنا بتلك الحقيقة الواحدة الوحيدة، الحقيقة الكبيرة، بل الحقيقة الاكبر التي ربما ينساها البعض وربما يتناساها آخرون، في غمرة الذعر من القصف والدمار..
بين الحين والآخر، كان هناك صوت، يهمس لقلوبنا، ويخاطب فينا عقولنا، كأنما يقول لنا، رغم القنابل الكبيرة، ورغم الصواريخ الكبيرة التي تنطلق من الطائرات الكبيرة، ورغم الدمار الكبير الذي تخلفه، ورغم أن اعداءنا كبار، ورغم أن زعيمتهم كبيرة الكبار.. كان الصوت يذكرنا بحقيقة اخرى مختلفة ومخالفة..
كانت الغارات والطائرات والقنابل تقول لنا أن امريكا كبيرة، وكأن الصوت يقول لنا أن " اللــه أكبــر" !..
***************************
قبل أن تبدء الحرب بفترة، حوالي اسبوع او اقل، وعندما بدا واضحاً أنها واقعة واقعة لا محالة، غزت الجامع – قرب البيت – وجوه جديدة تماماً..
واقول هذا أنها غزت – لأن الامر كأن كذلك فعلاً. كأن غزواً حقيقياً بحيث أن المصلين الاصليين في الجامع وجدوا أنفسهم اقلية ضائعة ضمن طوفان الوجوه الجديدة التي حاصرت المكأن من كل جهة..
لماذا اتحدث بهُذهِ اللهجة العسكرية ؟..
نعم، بالتأكيد لسبب وجيه. ذلك أن الوجوه الجديدة التي اعنيها، كأنت وجوه لضباط وعسكريين ينتمون لبعض الدوائر العسكرية القريبة، او لبعض المواقع (البديلة) – وهي دوائر عسكرية نقلت كوادرها وحتى اسلحتها من مقراتها الاصلية، المعروفة مواقعها بالنسبة للغزاة وطائراتهم، إلى مواقع بديلة، قد تكون منشئات مدنية، او مخازن، او مدارس او حتى بيوت مستأجرة..
فجأة، تضاعف العدد لعدة مرّات، فجراً وعشاءً وفي معظم الاوقات، فقد كأن الوضع الطارئ يحتم عليها التواجد في دوائرهم بشكل دائم، .. وفي كل صلاة كانوا يأتون..
للوهلة الاولى – وايضاً الثأنية – لايمكن للمصلين إلا أن يفرحوا، وهم يرون الناس تأتي لصلاة الجماعة افواجاً.. أنا وغيري كنا نتمنى ذلك دوماً، وكنا نفرح في رمضان عندما يأتي الجدد، متمنين أن يمضي الشهر ويتركهم متمسكين في المسجد وصلاة الجماعة..


يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 20:13:07 +0200
لكن والحرب على الابواب، بدا الامر غريباً بعض الشيء. ومثيراً لمشاعر اخرى : غير الفرح..
كان هناك تساؤل : هل الامر طوعي ؟. هل يأتون للمسجد طواعيةً بهُذا الكم غير المسبوق – ام أن هناك تعليمات في الامر ؟.. هل يأتون للمسجد مساقين بدافع اللجوء إلى الله في وقت المحنة ( وهو دافع مفهوم جداً وطبيعي جداً حتى لو جاء متأخراً بعض الشيء) – ام انهم كأنوا يأتون مساقين بالسياقات العسكرية والتعليمات القادمة من ذلك الهرم العسكري الذي تعود أن يأمر فيطاع..؟
كنت شخصياً اشعر بالتعاطف مع البعض منهم بالتحديد، دونما سبب واضح غير شعوري بأن في داخلهم معدناً طيباً اصيلاً، يصلي حقاً حتى لو كان يسير حسب السياقات..
وبعد كل شيء، فقد كانوا بشراً رغم الرتب العسكرية الموجودة على اكتافهم، وكانت لهم عوائل، واولاد، ومشاعر ومخاوف، يمكن أن يكون أي منهم قريباً لي او قريباً لك.. او قريب لأي احد هنا..
.. إلى جانب التساؤل المطروح عن الدوافع الحقيقية، كان هناك الشك التقليدي والمبني على خبرة قديمة مستقاة من تجارب متكررة – شك مر وحقيقي كان يستهدف أي حركة يقوم بها النظام من اجل اضفاء صبغة دينية على موقفه..
كنا واعين تماماً لهُذهِ المسألة. ولعل الاعلام وحده كان يمكن أن يخدع بها – ويخدع آخرين في بلدأن اخرى ممن لا يعرفون حقيقة الوضع..
كنا واعين تماماً : ونذكر تماماً أنه لكل واحد من المصلين الاصليين المترددين على الجامع، كأن هناك ملف بأسم في الدائرة الامنية المختصة بمنطقة سكنه – حيث أن مجرد تردده على المسجد كان تهمة كفيله بوضعه تحت المجهر الامني والرقابي، ناهيك عن الوقت الذي كانت تهمة كهذه كفيلة بالسجن وربما بالأعدام..
وكنا نذكر تماماً، أن هؤلاء العسكريين أنفسهم، قد مرّت عليهم فترات، ليست بعيدة عن ذاكرتهم ولا عن ذاكرتنا، كأن مجرد اداء الصلاة – حتى لو بشكل فردي، كفيل باجراء تحقيق امني في الوحدة العسكرية بحثاً عن الدوافع وراء هُذهِ الصلاة. وكم مرّة يصلي فلأن. وهل يصليها في وقتها ام أنه يؤخرها. وهل يجمع في صلاته ام أنه يصليها بخمسة صلوات..
وسنذكر، كما يذكر هؤلاء، - اللذين يساقون اليوم إلى الصلاة بالأوامر العسكرية، أن تلك الرقابة والتحقيق قد ادت وقتها إلى أحجام الكثيرين من اصحاب المعادن الطيبة عن الصلاة خوفاً على ترقياتهم، وعلى رواتبهم، وحتى على حياتهم..
وستذكر أن هُذا الاحجام – قد أدى – إلى ما ادَّى اليه حتى عند بعض اصحاب المعادن الطيبة – من الأنسياق في الفحشاء والمنكر الذى تنهى عنه الصلاة – الممنوعة –. ستذكر ما عرف عن حياة الضباط من لهو وعبث وسكر وعربدة، وستقول أن ذلك حدث بعد أن تم تجريدهم من الحصانة، بعد أن تم منعهم من الصلاة..
أتذكر ذلك كله، واتأمل في الجموع حولي: عسكريين وقادة، ضباط كبار وصغار، ورتب عالية، ومسؤولين حربيين ورجال امن،.. واتمنى لو كأن الامر غير ما نعرفه. اتمنى لو أن القرار كان اصيلاً وناتجاً عن تاريخ حقيقي ومتصل ومنسجم مع نفسه..
أنظر اليهم. لاشك في أن بعضهم صادق في صلاته، في دعائه، في ذلك الخشوع وفي تلك الدموع في العيون..
لا اشك في ذلك.
لكني لا اشك في ذات الوقت أن النظام يستخدمهم، يستخدم صلاتهم ودعائهم، وايمانهم كورقة اعلامية – لا أكثر ولا أقل..
لا اشك للحظة واحدة، أن النظام يريد منح صبغة معينة لما يدور، صبغة فقط، دون الوصول للمضمون – دون أن يتجاوز السطح إلى الاعماق..
لا اشك للحظة واحدة، أن النظام يريد تعبئة المشاعر، يريد تجييش العواطف والقوى الايمأنية لتكون صفاً واحداً معه في معركته الخاصة – دون أن يعني ذلك أنه يؤمن بتلك المشاعر وبتلك العواطف.
ولم اكن اشك ايضاً – أن هناك من السذج والطيبين – من سيقول: أنها التوبة.. والله يقبل توبة اشد الظالمين..
.. لكني لم اكن اشك أن الافراد يتوبون، اما الأنظمة .. فلا..
الأنظمة – حتى لو كانت تشاهد نهايتها – حتى لو كانت تغرغر .. فأنها لا تتوب .. ولا تعود ادراجها..
نعم. الافراد يتوبون، ويصلون، ويتضرعون.. ويخشعون..
اما الأنظمة، فلا فرصة في ذلك.
*****************
كل ذلك لخصته لقطة واحدة، شهدتها على الباب الخارجي للمسجد، ذات صلاة ظهر في يوم من ايام الحرب..
على الباب كأن هناك ضابط ما، رائد او عقيد – لم اعد اذكر وربما لم أنتبه حتى وقتها، كأن وجهه مألوفاً جداً وكنت قد أنتبهت له منذ أن بدء الغزو – كان يبدو مريحاً، وابن ناس، وكان وجهه يقول أن معدنه طيب، وأن مجيئه للمسجد لم يكن طاعةً للسياقات العسكرية..، ولكن نابع‘’ من التجاء حقيقي لله – وكنت اتساءل مع نفسي لماذا لم يكن يأتي للصلاة من قبل، واتحسر على المئات غيره من اصحاب الوجوه المريحة والمعادن الاصيلة- ممن حجزتهم التعليمات القديمة داخل اطار بعيد عنه عزَ وجل..
كان يهم بالدخول، عندما اوقفت سيارتي قرب الباب الخارجي، رأيته يقف ويلتفت خلفه إلى جندي صغير في السن كان يقف مستنداً إلى الحائط. ومن الواضح أنه كان ينتظر احداً ما كان قد دخل للصلاة في المسجد..
وكان من الواضح – أن الضابط – رغم رتبته الكبيرة، يمتلك علاقة ودية مع الجندي البسيط الواقف على الزاوية .. (ربما كان ودياً مع الجميع..).
التفت إليه، واشار له بيده، مع ابتسامة صغيرة، أن ادخل وصل كما يصلي الناس.
تمتم الجندي بشيء لم اسمعه. اعتذار خجول على الاغلب.
"هيـا" قال الضابط . " تعال وصل وكف عن هُذا".
كأنت نبرته صادقة. كان معدنه الاصيل واضحاً من خلال ذبذبات صوته.
ابتسمت في سري. كان حدسي صادقاً هُذهِ المرّة ايضاً. لطالما آمنت به،حدسي هذا، وصدقته، لا أنكر أنه اخطأ عدة مرّات، لكنه غالباً ما كأن يتقن التنقيب في المعادن عبر محض قراءة الوجوه..
ظل الجندي مكبلاً باعتذاره : سيدي . لن استطيع..
كان من الواضح أن الضابط لن يستسلم بسهولة. مدَّ يده ليتجاوز كل الفوارق والحواجز وسلسلة المراجع التي تفصل بينهما – مد يده و وضعها على كتف الجندي الشاب..
" هيـا. تعال وصل ولا تتعبني معك"، كان صوته يختزن الامل والالم معاً. وشعرت بالدم الساخن يصعد في وجهه، وبطرف عينه تختلس النظر لترَ أن كأن هناك من يراقب المشهد..
كان محرجاً بالتأكيد. وكنت اقدر شعوره لأني سبق ومررت به..
كان الجندي – وبشكل مفاجىء- مصراً على رفضه، وكان الاحراج بادياً عليه مثله مثل سيده – وأن كان مصدر احراج منهما مختلف..
قال الجندي، وهو يتكلف ابتسامة لتغليف خجله، وهمسة صغيرة تكاد لا تسمع على شفتيه، لا استطيع.. لا استطيع..
تمادى الضابط في آماله وهو يكاد يجر الجندي جراً – حركة حاول أن يجعلها تبدو طبيعية وفي اطار رفع الكلفة، لكن من الواضح أنها كانت تدل على يأس شديد بدء ينتابه..
كان الجندي، الحريص هو الآخر على اظهار مقاومته على أنها امتداد لرفع الكلفة بينه وبين ضابطه..، حريص ايضاً، في مقاومته للضابط، أن لا تمس قدماه ارض الجامع..
وفهمــت !
بدا لي واضحاً سبب تمنع الجندي عن الدخول اصلاً إلى المسجد. وبدا لي واضحاً ايضاً أن الضابط لم يكن قد فهم بعد..
قال الضابط، ويده لا تزال تحاول سحب الجندي للدخول، تعال، لعلك لا تعرف الوضوء .. سأعلمك كيف.. تعال..
ذكر الوضوء استفز الجندي على ما يبدو : ارتفعت نبرته قليلاً وهو يقول : الوضوء لن ينفع يا سيدي..
بدا على وجه الضابط أنه لم يفهم بعد.. وأن كان يبدو أنه اشرف على الفهم.
ثم بنبرة اوضح وأن كانت اقل علواً، قال الجندي مكرراً : الوضوء لن ينفع يا سيدي.. أنني وسخ.. وسخ يا سيدي.. علي أن اغتسل اولاً..
جمدت يد الضابط على كتف الجندي. وسحبها ببطء كما لو كانت جذعاً خشبياً اجوفاً لشجرة ميتة..
أظن الضابط قال شيئاً مفككاً ومرتبكاً يوازي إحباطه واحراجه والحاحه، شيئاً حاول أن يبدو فيه متفهماً لينسحب بهدوء.
استدار الضابط ودخل إلى المسجد بخطى ثقيلة. لم اجرؤ على النظر إلى وجهه – وكنت متأكداً من التعبير المرتسم عليه، ربما لأنه نفس التعبير المرتسم على وجهي.. ربما كنا متشابهين جداً – كوجه و انعكاسه في مرآة – في تلك اللحظة.
سبقني الرجل بخطوات. لاحظت للمرّة الاولى أن ظهره محني قليلاً – ربما اكثر من المتوقع بالنسبة لعمره الذي لا اظنه يتجاوز الاربعين..



يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 20:21:21 +0200
لاحظت ايضاً أن النسر الموجود على رتبته، على كتفيه مقصوص الجناح، مكبل، مقتول وايضاً محنط..
من ورائي جاء صوت الجندي ينادي سيده، ربما كان يحاول أن يطيب خاطره..، ربما ندم قليلاً لأنه عصى امراً بدا له أنه ربما كأن عسكرياً..
من ورائي جاء الصوت "ربما في المرّة القادمة،.. يا سيدي".
التفت سيده، في وجهه كأن هناك الاحباط والخيبة والذل والشعور المرير بالمرارة من كل شيء..
احسست أنه يريد أن يقول شيئاً. فتح فمه ليقوله، ثم تردد. وسكت. واستدار ليكمل سيره البطيء..
كنت اعرف ما اراد أن يقول. فقد قلته في نفسي ايضاً. وبان في وجهي كما بان في وجهه..
في نفسي، وفي نفسه، في وجهي، وفي وجهه.. كأن هناك ذلك الرد على صوت الجندي الآتي من الوراء وهو يقول : ربما في المرّة القادمة، سيدي.. وكأن الرد – عندي وعنده – واضحاً : ربما لن يكون هناك مرّة قادمة ..
*****************
كأن ذلك المشهد مليئاً بالكثير من الرموز والدلالات. كما هي الكثير من مشاهد حياتنا لو أننا حاولنا التوقف فيها للنظر والتأمل والتفكير..
.. كأن هناك ذلك الضابط الذي يشبه الكثيرين منا، مدفوعاً بدوافع بسيطة وواضحة لتلك الصلاة التي كانت الاوضاع و الاعراف العسكرية تمنعه من ادائها، وهاهو الأن، يجد نفسه مأموراً باداء علناً وجماعياً كأن ممنوعاً أن يؤديه حتى سراً وأنفراداً.
ذلك الضابط ذا المعدن الطيب، كان لايزال لديه امل، كان عنده رجاء – كما عند الكثيرين – بأن هناك فرصة لأنقاذ ما يمكن أنقاذه..
كان يتصور أنه ربما كانت هناك فرصة للنظام، وأن توبة اللحظة الاخيرة قد "تنفع".
الجندي كأن اكثر وضوحاً، وواقعية، قال " لن تنفع ".
قال، ببساطة ورمزية مذهلتين، أن الوضوء لن ينفع، لأنه كأن قد وقع فما لا يزيله الوضوء..
.. كأن يحتاج للتطهر والاغتسال إذا اراد أن يصلي..
لن ينفع فقط أن يتجه للوضوء..
كذلك الامر بالنسبة للنظام .. لم يكن ينفعه أن يرفع بعض الشعارات هنا وهناك
– ويأمر جيشه وامنه ومخابراته بالصلاة – وكفى الله المؤمنين القتال..
كان هناك ذلك التراكم المرير مما لايمكن لمحض وضوء أن يزيحه ويغسله، كأن هناك الدرب الطويل في البعد عن الله، والإيغال في الكبائر والذنوب بل وحتى الكفر – مما لايمكن لمحض شعار مرفوع أن يلغيه..
.. لم يكن الامر بالنسبة للنظام مجرد صلاة او امتناع عنها .. – كان الاختلاف من الاصول، من جذور الجذور،.. ولم يكن منع الصلاة سوى مظهراً متأخراً من مظاهر الاختلاف ذلك – ولذلك لن يكون الأمر بادائها فجأة- عند ساعة المحنة، سوى قناعاً مزيفاً ترتديه السلطة لاخفاء ما يمكن اخفاءه، وأنكار ما يمكن أنكاره، والادعاء بما لايمكن تصديقه..
كان ذلك مثل حجاباً اسلامياً ترتديه مومس عريقة في الأنحراف – لن يكون في النهاية سوى قطعة من القماش..
.. كنت اعرف أنه لن ينفع. ربما كنا نتمسك ببعض الرجاء – ونهلك أنفسنا في الدعاء.. لكن – في النهاية، هناك اسباب موضوعية حتى في الاستجابة للدعاء، هناك سنن كونية تحكم هُذا الامر كما تحكم كوننا كله..
"ولن ينفع"!
وكنت اعرف أن هُذا الجندي الذي نطق بتلك الرموز، كأن – على الاقل – اصدق من غيره.. كأن هناك حتماً من الداخلين والواقفين في صف الصلاة من مثله بل واسوء منه، وكانوا يحتاجون إلى ما هو اكثر من الوضوء واكثر حتى من الغسل من الجنابة..
لكنهم نفذوا التعليمات..
وكنت اعرف تماماً، أن هناك من المصلين، حتى اولئك الذين لا علاقة لهم بالاوامر العسكرية، وحتى الذين يأتون وهم على وضوء، بعضهم، على الاقل، كان نجساً، دخلت النجاسة والادران والاثم تحت جلودهم – ولم يعد ينفع لا وضوء ولا اغتسال..
نعم. كنت اعرف، وأنا ادخل المسجد للصلاة، أنه لم يعد ينفع..
.. وأنه لن تكون هناك "مرّة اخرى".
******************
وفجأة اختفى الجميع.
كأنت صلاة الظهر وأنتهت إلى أن الجميع قد اختفى، وفجأة.
اقصد تلك الوجوه الجديدة التي جاءت مع السياقات والاوامر العسكرية الجديدة.
قلت في نفسي، أنهم، كموظفين، اولاً وآخراً، ربما قد ارتبطوا بأجتماع طارئ معين تصادف وقته مع صلاة الظهر..
فاتتني صلاة العصرفي الجامع يومها.
عند صلاة المغرب، بدا أن الامر لايمكن أن يكون اجتماعاً طارئاً.. لابد أن شيئاً ما قد حدث وطرد تلك الوجوه، بصادقها وكاذبها، بمنافقها ومؤمنها – بأولئك الذين اغتسلوا وتوضئوا وتوجهوا حقاً للحي القيوم – واولئك الذين لن ينفعهم لا اغتسال ولا وضوء..
سألت المؤذن ببساطة عن السبب في اختفاء "الجماعة"، فأجاب بطريقة توحي أن الامر خطير أنه لن يتمكن من افشاء السر هكذا بمجرد أن اسأله.
حسناُ إذن، لن اسأله.
كنت اعرفه جيداً واعرف طبعه هُذا. مغرم‘’ بتضخيم الاخبار وخصوصاً بأنشاء مقدمات مفخمة لها، من اجل لفت الأنتباه وسرقة اسماع الحاضرين.. أنما ليس معي.
اشحت بوجهي عنه وكأن الامر لم يعد يعنيني. كنت اعرف أن هُذهِ الحركة تقضي على مقاومته وتجعله يعطي كل ما لديه – بعكس أي مساومة اخرى، تجعله يزيد في التمنع وفي الشعور بالأهمية..
جاء خلفي "لكني سأخبرك مع ذلك يا دكتور".بالتأكيد…
.. عندما روى لي ما حدث، لم اصدق حرفاً واحداً مما قال. ليس لأنه كذاب، ولكني كنت اعرف طبيعة المبالغة الموجودة اصلاً والتي تزيد حتماً في ظروف كهُذهِ..
لكن الخبر تأكد من مصادر أخرى مطلعة. وكأن خبراً مفاجئاً تماماً..
فقد كان خادم المسجد يعمل في الحديقة قبل يوم واحد، عندما وجد جهازاً مرمياً في الساقية بين شجيرات الورد. كان جهازاً نظيفاً كما قال، وصفه بأنه يشبه البوصلة او الساعة..، ولم يكن معطلاً كما يتوقع المرء من جهاز مرمي في الساقية.. لذلك فقد تصور أنه ربما سقط سهواً من احد المصلين من العسكريين وتدحرج ليسقط في الساقية – أنتظر اول صلاة ليأتي بالجهاز إلى واحد من العسكريين من اصحاب الرتب العالية، كان الحارس بسيطاً واميناً، وربما لم يقصد اكثر من اداء الامأنة او على الاقل الظهور بهُذهِ الصفة. لم يكن يعلم أنه ربما يفعل افضل شيء في حياته كلها..
امسك سيادة اللواء بالجهاز – في اللحظة الاولى دونما اهتمام. لحظات وبدء لونه يتغير. يقول الحارس أن هناك ثلاث الوان على الاقل ظهرت على وجهه قبل أن يهب واقفاً وينادي على مساعديه..
خلال لحظات، يقول الحارس، كأن الجميع قد اختفوا، تراكضوا نحو سياراتهم وقادوها مسرعين خارجين من المنطقة بأسرها..
ظل الحارس مذهولاً دونما فهم. يقول، لولا أنهم اخذوا الجهاز معهم، لتصور أنها قنبلة موقوتة..
كأن الامر اسوء من قنبلة موقوتة.
فقد تبين أنهم اخبروا امام المسجد – للتحذير فقط، وربما للاحترام، وربما ايضاً للتهديد، وكلها احتمالات واردة – أن يفتح عينيه جيداً ليراقب من يتردد على الجامع – لأن الجهاز الذي وُجدَ في الحديقة، كأن أنما جهاز ارسال مصغر لاعطاء ترددات الى تلك الاقمار الصناعية القبيحة التي تزيد الليل ظلمة وعدوأنية – تلك الترددات المنبعثة، من ذلك الجهاز المرمي في الساقية..، كانت تعطي لتلك الاقمار، وبالتالي لتلك الطائرات، احداثيات لمواقع يجب أن تدك .. وتقصف..
هُذهِ المرّة كأن الموقع المقترح عبر التردد هو جامع الحي.
.. وكأن اختياراً موفقاً، ففيه يتجمع لأربع او خمس مرّات في اليوم، العشرات من الضباط بل ومن كبارهم – ومن مسئولي الامن والحزب، كلهم متجمعون في مكان واحد ولمرّة واحدة – في فخ وسهل التمييز. ومفتوح للضرب حتى من البحر الاحمر..
كان مكانا ضخماً، وبه منارة، كأنما لتدل الصواريخ والقذائف لكي تصيب الهدف دونما خطأ..
حتى الطيار قليل الخبرة والتدريب، كان سيصيب الهدف دون صعوبة كبيرة..
كأن اختياراً موفقاً دون شك – لكن شاء الله واختار خادم المسجد أن يعمل في الحديثة في تلك الساعة..
.. نظرت إلى شجيرة الورد التي وَجِدَ الجهاز تحتها. كانت شجيرة قصيرة ولكن نشطة. وردها احمر – بلون الدم الذي كأن من المفترض أن يسيل..
يقولون، لا ورد بلا شوك. لكن هُذهِ المرّة، يبدو الموضوع اعقد بكثير : الورد مختلط بالقذائف العنقودية. وبالصواريخ الموجهة وبالموت القادم عبر البحار..



يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 20:25:02 +0200
تأملت في المسجد، في ذلك السرف المفهوم ولكن غير المبرر، في تلك المنارة التي كأن من المفروض أن تطل على قارات العالم اجمع، وتلك القبة الرائعة التي كأن يفترض أن تجمعنا جميعاً تحتها،..
تأملت في تلك النقوش والزخارف التي تمثل خلاصة فنية لحضارة استعصت على الموت لعشرات العقود..، وتذكرت كيف أن اللون الذي طليت به لم يعجبني اول الامر، ثم تعودت عليه وصرت اجده مناسباً تماماً..
.. وتأملت في الثريات الضخمة المعلقة في السقف، هناك بالذات واحدة منها كان يجلس تحتها دوماً مسئول الامن الذي كان يزعجنا بتقاريره ورقابته المسلطة على رقاب المصلين. وكنت اتمنى دوماً أن تسقط الثريا الضخمة على رأسه – قضاءاً وقدراً- فتخلصنا منه ومن تقاريره..
وتأملت في المنبر، كأن من المفترض أن يكون منارةً ايضاً – بطريقة او بأخرى – يطل علينا ليهدينا سواء السبيل : يمنحنا الوعي والرؤية والبصيرة في بحر الظلمات وغيابات الجهل.. يقول لنا "لا" عندما تجب ال "لا" – ويشير لنا أن نعم عندما تجوز الـ "نعم".
.. للأسف، لم يكن هناك سوى اللف والدورأن. ولم يكن سوى المزيد من الظلمة ومن دوار بحر الظلمات. لم يكن سوى التكرار والمزيد من التكرار، بل ومن الاستغفال والضحك على العقول، في بعض الاحيان..
..اتأمل في ذلك كله، وفي المصلين ايضاً، كان من المفترض أن تختلط اشلاءهم بالزخارف وبالطابوق بحديد السقف وبخشب المنبر وبزجاج الثريات المطحون..
كأن من المفترض أن نموت هنا، وأن يموت معنا اولئك العسكريين المستهدفين، وأن تأتي الكاميرات و وسائل الاعلام بعدها – لتشهد مأساة القصف الدموي الذي يستهدف المنشئات المدنية ولا يستثني حتى دور العبادة..
.. وكأن من المفترض بعدها، أن يقول احدهم – من الناطقين بأسم وزارة الدفاع – الامريكية – في تلك القاعدة المنصوبة على ارض عربية، أن الامر لا يعدو أن يكون خطأ غير مقصود. سيقول بدم بارد – أنه سيفتح تحقيق في الموضوع.. ( ولن تظهر نتيجته ابداً..) كان من المفترض ان نكون هدفا استراتيجياً لخططهم وصواريخهم وتقنية قنابلهم الذكية، وكان النظام سيستخدمنا كورقة في كل الاحوال، لقد استخدم المسجد عندما كأن قائماً كورقة لتجييش المشاعر وتعبئة العواطف، وعندما يقصف المسجد، فأن الورقة ستصبح اقوى اعلامياً.. و ستجيش العواطف اكثر. .
اقول، كان من المفترض، لكن شاء الله أن خادم المسجد سيجد شيئاً ما، في الساقية، بين شجيرات الورد.. وسيفعل بعدها افضل شيء فعله في حياته..
******************
تأملت كثيراً بعدها فيما لم اره شخصياً. ولم يرَه احد على وجه الدقة والتحديد.. تأملت في شخص ما، لا اعرف شكله، ولا يعرف احد‘’ شكله على وجه الدقة.. ربما كنت رأيته، وربما رآه غيري..
تأملت فيه، ربما كان قد دخل معنا ليصل، وربما كان يصلي معنا منذ فترة، وربما فعل مرّة وتسلل، وعندما خرج رمى ذلك الشيء في الساقية..
تأملت فيه. وفكرت فيه كثيراً.. وتخيلته –شكلا ومضموناً-، وطرحت على نفسي، وعليه - في خيالي – اسئلة..
كانوا قد عرضوا ثلاثة او اربعة، من هؤلاء الجواسيس، على التلفاز، بعضهم استعمل مثل هُذا الجهاز، والبعض استعمل هواتف الثريا.. والكل كانوا مجندين منذ فترة ليست طويلة، فقط ليؤدوا هُذهِ الخدمة لقوات العدو..
.. والذي فاجئني كثيراً، في اقوال هؤلاء، أن الاجرَ الذي كانوا يتقاضونه، كان بخساً للغاية.
لا يستحق المخاطرة. ولا المشقة..
فضلاً عن أنه لا يستحق أن يكون ثمناً لوطنهم..
********************
فكرت في ذلك طويلاً. خصوصاً أن ما كشف عنه كان – كما قيل – قمة صغيرة من جبل هائل..، وأن عدد هؤلاء كان كبيراً جداً : بالمئات كما قيل ..
فكرت فيهم كاشخاص.. كأفراد. كأبناء، وكأخوة، وربما كآباء.. كيف وصلوا لهُذهِ المرحلة ؟. كيف وصلوا إلى أن يبيعوا كل ذلك بمبالغ بخسة كتلك التي تقاضوها ؟..
قال واحد‘’ منهم أنه تقاضى ثمأنية اوراق ( .. ويعني ذلك ثمأنمائة دولار) .. وقال واحد آخر أنه استلم ستة اوراق تقاسمها مع شريك له. وقال الثالث أنه استلم رقماً مقارباً لما يعادل هُذهِ الارقام بالعملة العراقية..
وكان ذلك الرخص ملفتاً للنظر..
لا اقصد أن المبلغ لو كان كبيراً لكانت الخيانة امراً مبرراً – فالخيانة ستظل امراً بشعاً بالمطلق. مهما كانت التسعيرة..
لكن هذا الرخص كان يعني اشياء اخرى كثيرة، لافتة للنظر..
************
في كل الاوقات، وخاصة الحروب، هناك أناس يكونون معروضين للبيع – وبتسعيرة محددة سلفاً. وغالباً ما يطلق عليهم الطابور الخامس.
لا اتصور حرباً – في هُذا العالم كله – بلا طابور خامس.. ولا اتصور عداءً – حتى لو لم يصل لدرجة النزاع المسلح- بين دولتين، في هُذا العالم، دون طابور خامس.. بل أنني استطيع أن اتصور عدم وجود الطوابير الاخرى – رغم أني لا اعرف ماهي تحديداً .. دون أن استطيع تصور عدم وجود الطابور الخامس..
نعم. هُذا الطابور هو جزء من اساسيات كل صراع – وكل نزاع..، بعض دوافع الأنتماء له هو حتماً : المال. المال الذي يغري لدرجة المخاطرة بالحياة.. ومن دوافع الأنتماء له ايضاً، الرغبة في الأنتقام. ودوافع الثأر المختلطة..
ومما يسهل الأنتماء للطابور الخامس – عدم وجود أنتماء..
ومما يسهل ايضاً – على هؤلاء الافراد – الأنتماء لهذا الطابور، أن لا يكون هناك اثراً مادياً مباشراً محسوساً للمعلومات او الخدمات التي يقدمونها.. مثلاً أن تصب تلك المعلومة هنا او هناك في خضم بحر هائل من المعلومات والتفاصيل، بحيث أن الضرر المباشر للمعلومة التي قدمها فرد‘’ ما، قد لا يكون محسوساً – لهُذا الفرد بالذات..
كل ذلك، يجعل مسألة الأنتماء للطابور الخامس، مسألة مفهومة ضمن هُذهِ الحدود الضيقة بين النزاع العسكري والطبيعة الشخصية..
لكن، عندما يكون عدد المنتمين لهُذا الطابور كبيراً، بحيث أنهم يشكلون طبقةً كاملة (بشكل او بآخر)..
وعندما يكون الثمن المدفوع لهؤلاء بخساً بحيث أنه بالكاد يكفي اودَهم، فضلاً عن أنه يكون ثمناً لحياة كل واحد منهم ما دامت احتمالية الأنكشاف تعني الموت المباشر والوحشي، ناهيك عن أن يكون الثمن كافياً لبيع الوطن..
.. وعندما يكون الاثر المباشر للخدمة التي يقدمها هؤلاء، واضحاً وسريعاً وشديد الضرر، بحيث أنه يؤدي إلى قصف وتفجير مباني كاملة – بمن فيها من بشر – وبمن في ما حولها ايضاً، خلال ساعات، أن لم يكن اقل.. من عملية الاخبار هُذهِ..
كل ذلك –مجتمعاً- يعني أن الامر يخرج عن ذلك الطابور الخامس المحصور بين النوازع الشخصية الشريرة، والنزاعات العسكرية السياسية..
كان الامر اكبر من مجرد طابور..
.. و كان ذلك الشيء المرمي في الساقية في حديثة الجامع، يعني الكثير..
*****************
من السهل طبعاً اصدار احكام اخلاقية بحق هؤلاء الجواسيس.، فخيانة كهُذهِ، وبالذات في وقت الحرب، وبالذات مع ما ينتج عنها من دمار لبنى تحتية ومؤسسات خدمية – وموت محقق لأناس ابرياء حتماً..، هي خيانة بشعة بالاطلاق، ولايمكن أن يوجد لها مبرر بأي شكل من الاشكال..
نستطيع أن نقول أنهم بلا قيم.. بلا اخلاق. بلا اصل وبلا فصل.
نستطيع أن نصدر عنهم احكاماً اقوى : أنهم منافقون. أنهم كفار. أنهم في الدرك الاسفل من جحيم احكامنا وجهنم اقولنا..
نستطيع أن نهيئ لهم عقوبات تليق بجريمتهم، وندعو لاستئصالهم من ذاكرتنا، ونبيدهم تماماً من افكارناً..
ونستطيع أن ندعي أنهم مجرد فئة ضالة، ثلة قليلة العدد لا تشكل أي نسبة مهمة – مجرد طابور خامس يمكن أن يوجد في كل مكان في العالم..
للأسف سيكون ذلك مجرد كذبة اخرى نسكت بها ضميرنا..
ربما علينا أن نتعلم من كل ما فات، أن نحاكم اولاً – ثم بعدها نصدر الاحكام..
********************
.. لن اقول أن اعدادهم كبيرة تحديداً..
(لكني اعرف –يقيناً- مما كان يقال ويدور – أن اعدادهم لم تكن صغيرة)..
لكن الاخطر من عددهم الحقيقي، هو اعدادهم الكامنة – عددهم المحتمل – عددهم الذي يختبئ بين الناس، بين العادي من الناس..




يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 20:28:31 +0200
عددهم المخيف هو عدد الذي يملك الاستعداد لأن يفعل ذلك – دون أن تكون له الفرصة- وربما دون أن يمتلك الجرأة – ولكنه في الوقت نفسه لن يمتلك الحصانة –المناعة- التي تجعله يرفض شيئاً كهُذا..
هُذا العدد كان كبيراً حقاً. وهو الذي يخيف حقاً..، ويقلق حقاً..
المشكلة لم تكن في أن شخص هنا او هناك كانوا يتركون اجهزة للارسال – المشكلة في أن الثمن كان بخساً- والعدد كبيراً- والاثر مدمراً..
المشكلة كانت، أن خلف هُذا العدد الذي حصل على فرصة الخيانة، كان هناك عدد أكبر مستعد لذلك- فقط لو كانت هناك فرصة..
كان ذلك مقلقاً ومخيفاً. نلمسه في التعليقات العابرة – نسمعها هنا او هناك – او على الاقل نلمس عدم الاستهجان والاستنكار واضحاً في التعليقات..
.. وكان ذلك يمتلك دلالات كبيرة..
*******************
اذكر واحداً من هؤلاء. كان موظفاً معي عندما كنت اعمل في احدى النواحي في القرى والارياف.. كان موظفاً للتحليلات المختبرية بمؤهل علمي متوسط. نسيت اسمه لكن لم أنسَ ما قاله لي ذات يوم..
قال لي، وهو يقطر مرارة وحقداً، ولا ادري مالذي قاده إلى أن يقول ما قال، ولا اذكر اصلاً بماذا كنا نتحدث عندما أنفتح ليخرج من داخله قيحاً شديد القبح والنتانة، سقط القناع – الذي لم يكن جميلاً اصلاً – ليكشف عن وجه بشع مليء بالدمامل والبثور..
قال لي، أنه مستعد من اجل الخروج من العراق، أن يفعل أي شيء، وأن يذهب إلى اي مكان، بالذات حدد اسرائيل – حتى لو عمل هناك حّمالاً حقيراً..
صدمتني كلماته. كأنت هُذهِ هي اول مرّة اسمع كلاماً كهُذا ( بعدها سمعته مراراً وتكراراً وبأساليب مختلفة ومتنوعة..).
كانت بيني وبين اسرائيل حواجز واسوار وحقول الغام عقائدية ونفسية – من الصعب أن لم يكن من الاستحالة تجاوزها- وكنت اعتقد أن الامر سواء مع الجميع..
عندما حاولت أن استدرجه إلى الحيثيات التي تقع خلف قبح كهُذا، كأن القبح اشد والقيح اكثر نتانة. كأنت هناك رائحة زنزانة قذرة هواؤها السل وترابها الجذام. قضبانها صارت جزءً من القفص الصدري لسجينها..
اذكر بالضبط أنه قال لي، أنه يريد أن يؤذي نفسه، أن ينتحر.. وتذكرت ما كنت اعرفه عن سلوك الاسرى والسجناء الذين يتعرضون للاذى من قبل سجانيهم وزملائهم على السواء، يضطرون في النهاية، وللتفريغ عن الكبت والقمع الذي يتعرضون له، لايذاء أنفسهم بأنفسهم – جسدياً او نفسياً..
لكل فعل، رد فعل – حتى على المستوى النفسي..
وكان هناك فعل القمع والكبت والايذاء المتراكم عبر قضبان زنزانة القفص الصدري..
وكان هناك رد الفعل الناتج عن ذلك، والذي يريد أن يعبر عن نفسه فلا يجد مساحة متاحة، غير الشخص نفسه.. يؤذي نفسه بنفسه..
هذا السلوك المعروف طبياً كظاهرة سلوكية عند الاسرى، تتجلى احيأناً في مظاهر ايذاء بسيطة تتدرج إلى حد الأنتحار..، هو ما شاهدته في ذلك الاسير الطليق – ابن بلدي الذي يريد أن يذهب ليعمل حمالاً حقيراً في اسرائيل..
افكر الأن، بأثر رجعي، فاتذكر أن عمر الحصار كان – وقتها – خمس سنوات واتذكر ايضاً، أن هُذا الشاب – الذي اظنه كأن في عمري – كان ميسور الحال – نسبياً. كأن يمتلك، إلى جانب وظيفته، معملاً صغيراً للعلف في جنوب بغداد، بالاضافة إلى عمله الجانبي في مختبر للتحليلات المرضية..
لم يكن الوضع الاقتصادي فقط هو السبب.
كأن الامر اعقد بكثير..
****************
نستطيع أن نعلق ونطلق الاحكام الاخلاقية، والدينية، ونتفلسف حول ذلك بقدر ما نريد..
لكني اعتقد أني سمعت ما قال ذلك الموظف، فيما بعد، وعبر السنوات المتعاقبة، باشكال مختلفة..
مرّة صدر القيح والقبح نفسه من تلك النخب ( او التي تعد نفسها نخباً مثقفة) وكلام فضفاض ومرواغ عن العولمة والشرق اوسطية والتطبيع والسوق المشتركة..
.. ومرّة صدر القيح والقبح من ناس بسطا سلبَ الفقر والجوع وعيهم : أنهم لايريدون اكثر من الحياة الكريمة .. ( مهما كان الممر اليها يبدو عدوانياً)..
.. ومرّة صدر – مغلفاً ومبطناً – عن سلبية لا تقرر شيئاً ولا ترى شيئاً ولا تفعل شيئاً. بل تنتظر ما تأتي به الرياح..
.. ومرّة صدر قبيحاً ووقحاً وصريحاً – واستلم عنه اجراً بالدولار، في ذلك الشخص الذي رمى بذلك الشيء في الساقية..
.. ولم يحصل ذلك إلا بالتدريج بعد اثنتي عشر سنة من الحصار..
..و بعدد لايحصى من عهود الاستبداد..
*************
من برجنا العالي نصدر فرماناً بالكفر وبعدم الأنتماء وبسوء الاخلاق بحق هؤلاء..
لكن الواقع – خلاف البرج العالي – سيجبرنا على أن نعترف، أن حتى الاحكام الاخلاقية لها اسباب موضوعية، لها بيئة تنمو فيها وتزدهر..، صحيح أن حب الوطن من الايمأن، وأن "بلادي وأن جارت علي عزيزة"- إلى آخر الشعارات التي اؤمن بها بل واتشبث بها شخصياً- لكن اليس صحيحا، أن البلاد التي لا تجور تكون اعز من البلاد التي تجور..
واليس صحيحاً، أن الايمان نفسه، عند البعض، قد اهتز، أن لم يكن قد اختفى، بحيث أن ادراج حب الوطن تحت راية الايمان لن يكون ذا قيمة كبيرة..
واليس صحيحاً، أن المجتمع الذي يكثر فيه الفساد والجريمة والأنحراف، - بشكل اكثر من مجرد نسبة شاذة، هو مسؤول ايضاً بطريقة او بأخرى عن هُذا الفساد والأنحراف.
اليس صحيحاً، أن مجتمع، تتحول نسبة من ابنائه إلى طابور خامس كامن، او طبقة خامسة كامنة، مستعدة – ولو بالحياد السلبي- أن تشارك في جريمة قتل هي اشبه بالأنتحار، هو مجتمع يحتاج إلى أن يراجع نفسه، ويحاسب نفسه قبل أن يحاسب ابنائه الجانحين..
واليس صحيحاً، أن المجتمع احيأناً، هو الذي يدفع إلى الجنوح دفعاً، ويعبد الدرب إلى الأنحراف، وإلى الأنسلاخ عن القيم التي يفترض أنها تؤسس له..
واليس صحيحاً، أن المجتمع، عندما يتحول إلى زنزانة، جدرانها الفقر والحاجة، وسقفها الكبت والقمع، وارضيتها القهر والتمييز..، هو مجتمع يدفع بابنائه دفعاً إلى عدم الأنتماء.
.. واليسَ صحيحاً، أن قانون اسقاط الجنسية، الذي تفرضه بعض القوانين في بعض الدول، في بعض الظروف – يمارس سلوكياً ونفسياً وبوعي او بلا وعي من قبل بعض الناس دون أن تطالهم القوانين او تكشفهم الاجهزة الامنية..، بعض الناس يسقطون الجنسية بأنفسهم – دون محاكمة او اصدار حكم- يتقدمون إلى دواخلهم، ويقطعون أنتماءهم عن بلدهم ووطنهم ومجتمعهم – ربما دونما وعي حقيقي- لكنهم غالباً ما يكونون مدفوعين دفعاً إلى ذلك..
دونما خيار حقيقي.
**********************
لست في موضع دفاع عن أحد..
والخيانة – بشكل مطلق – امر بشع وخارج عن كل القيم – لا فرق بينهم اذا ارتدت شكلاً ثقافياً نخبوياً يتشدق بالتطبيع والشرق اوسطية والعولمة – او كانت صريحة وفجة مثل ذاك الذي يريد أن ينتحر بالذهاب للعمل كحمال حقير في اسرائيل، او كانت خبيثة ورخيصة، مدفوعة الاجر بالدولار، لترمي ذلك الشيء بالساقية..
كل تلك الأنواع تصب بنفس الساقية – في النهاية، وترمي بذلك الشيء في الساقية-وأن تنوعت اساليبها..
.. وكلها خيانة، ولا شيء يبرر الدفاع عنها..
ولكــن..
*********************
دعونا نعترف، أن هناك جيلاً او اكثر – وجد نفسه في زاوية ضيقة جداً، محاصر تماماً ومدفوع دفعاً لكي لا ينتمي – سواء كأن عدم الأنتماء هُذا ممثلاً، في مقولة ثقافية، او في عمالة مباشرة، او في محض سلبية محايدة..
هناك جيل او اكثر – عبر ثلاثة عقود – وربما يزيد : وجد نفسه الضحية الدائمة والجاهزة دوماً للذبح والتقديم على قربان الشعارات الجاهزة والمثل الرنانة..
كانت هناك تلك المغامرات العسكرية الحمقاء – تحت شعارات الدفاع عن الوطن وحدوده – التي اتضح أنها ليست ثابتة، فمع كل مغامرة كأنت الحدود تتمدد في بدايتها، وتتقلص في نهاية الامر..
وكانت تلك المغامرات الحمقاء، تتحول إلى حروب تجر الويلات والنكبات، بل وتحصد ارواح الملايين – من الذين يدفعون ضريبة الدم من ارواحهم، ويدفع اولادهم وامهاتهم واخوأنهم ضريبة اليتم والثكل والافتقاد بقية اعمارهم..
.. وكان هناك الظلم والاضطهاد والقمع : كلمة واحدة فقط كانت كفيلة احيأناً – لو جاءت امام الشخص غير المناسب في الوقت غير المناسب – بالرمي وراء الشمس – والعودة منها : باعدام .. حتى بلا محاكمة ولا حكم..
وكان هناك الفقر والحاجة والعوز، خصوصاً مع ذاك الحصار الذي يبدو اليوم أنه المقدمة الطبيعية لما نحن فيه، وكأن اصعب ما في الفقر، اسوء ما في الحصار، أنه لم يمر على الجميع بالتساوي، على العكس، لقد سحق البعض تماماً وكسر كواهلهم – بدلاً من أن اقول اثقلها، بينما رفع البعض، واغنى البعض، واثرى البعض ثراء فاحشاً
لم يكن هناك عدل‘’ في الظلم الذي اتى من الخارج، بل تعرضَ لتقنين في الداخل، وتوزع بشكل غير متساوي، في غاية الاجحاف، والبعد عن الأنصاف..
.. وكانت هناك الرشوة، والمحسوبية، والواسطة، و"ابن فلان" و"اخو علان"،.. وكلها قضت تماماً على معظم المنجزات التي كانت قد تحققت فعلاً، في عقود سابقة..
.. وكان هناك الاعلام الموجه الضد – والعالم خارج الحدود الذي يبدو أنه متخوم بالفرص والامكأنات..
.. وكان هناك الوعي المستلب. والوعي المغيب. والوعي المحنط..
وكل ذلك، .. واكثر، كان السماد الافضل، والتربة الأنسب، للشيء الاسوء..
لجيل بلا أنتماء. لجيل يقول من يقول فيه أنه مستعد أن يذهب ليعمل كحمال حقير في اسرائيل – بمختلف اللهجات..
لجيل يستعد من يستعد فيه أن يبيع نفسه بثمن بخس – دولارات معدودة – من اجل أن يرمي بذلك الشيء .. في الساقية.
لجيل مستعد، وهُذا هو الاسوء والاكثر أنتشاراً، أن يكون حيادياً حتى تجاه الطلقة المصوبة إلى جبينه..
.. وكل ذلك، كأن مقدمة لما بدأنا نراه، كل ذلك كان اشارة إلى أن اسوار بغداد الافتراضية كما يسمونها، تحتوي على ثغرات افتراضية..
.. وتلك الثغرات، في ذلك السور، حفرتها اولاً تلك الظروف المعقدة..
لن يبرر ذلك الخيانة. لكنه سيفسرها.
************************************

اشكر كاتب هذا الكتاب واشكر الناشر

لانهم سمحوا لي بنشره

يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 20:29:43 +0200
الفصل الثالث


التاريخ في عنق زجاجة
عبر توالي ايام الحرب، كن خالاتي يجدن فرصة للتسلل إلى بيتهن، شيء للاطمئنأن والتفقد.. وشيء لنقل المزيد من الاغراض كن يكدسنها في تلك الحقائب المعدنية الضخمة والتي غالباً ما تذكر بالمهاجرين في دول البلقان – كما كنا نراهم على الشاشات.
ولم تكن تلك الحقائب، التي كانت تأتي تباعاً، تحتوي على أي شيء يستفدن منه عملياً في اقامتهن عندي، لكنها كانت ملأنة بما يذهبن لتفقده في البيت..
.. صحيح أن بعض الاشياء كانت قيمة مادياً – لكــن- عنــدهن- قيمتها المعنوية كانت لا تقل – أن لم تكن تزيد عن القيمة المادية..فحقيبة الفضيات –الثقيلة جدا-كانت قيمة ماديا و قيمة معنويا: لأنهن ورثنها عن والدتهن..
في حقيبة اخرى، معدنية ايضاً وتشبه ايضا تلك التي نراها في نشرات الاخبار عند حدوث ازمات في البلقان، لكنها كانت اقل ثقلاً..
في تلك الحقيبة، كانت خالتي قد وضعت كل البومات الصور التي جمعتها عبر اربعة او خمسة عقود من السنين التي اعتبرت أنها تستحق أن توثق وتسجل.. وتحفظ في تلك الصور المرصوصة في تلك الالبومات في تلك الحقيبة المعدنية..
****************
من بين كل تلك الالبومات – كان هناك البوماً ضخماً واحداً متفرداً وغريباً، فاجئت خالتي وهي تتصفحه اكثر من مرّة، لم تكن تبكي، لكني اعرفها جيداً : في الداخل كأنت تنتحــب ..
كان البوماً غريباً لأن كل صوره– التي تربو على المائتين – كانت لا تحتوي على صورة لأي شخص – قريب او بعيد او من أي درجة.. كانت صوراً خالية، بالابيض والاسود، التقطتها خالتي قبل حوالي نصف قرن، لبيتها – وبيت والدها – للبيت الذي ولدت فيه..



يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 20:31:19 +0200
لقد اخذت صوراً للمكان. للزوايا. للاركان. للممرات..
لم تنادِ احداً ليصطف ويأخذ مكاناً في الصورة..
أنما كانت الصور – كلها – للمكان.
**************************
يخيل إلى أن هناك حلقة مفقودة في الحديث.
لقد كان بيت جدي الذي اعرفه، والذي فتحت عيني وتفتح وعيي عليه، هو ذات البيت على شاطئ النهر والذي تسكن خالاتي فيه، ويقمن برحلات مكوكية لتفقده بين يوم وآخر..
لكن ذلك لم يكن بيتهن الاصلي. لم يكن البيت الذي ولدن فيه، ونشئن فيه، وتكونت ذكرياتهن وتواريخهن فيه..
لقد كان بيتاً آخراً، اضعنه جميعاً.
*****************
لا اذكره ابداً. كأن قد ضاع تقريباً عندما ولدت .. – لا اذكر سوى شرفة بعيدة متهالكة توشك على السقوط من عل مثل نجمة تنتحر بينما هي تضيء، قالت لي والدتي مرّة أنها كانت غرفتها..
كان ذلك هو بيت العائلة – الاصلي. البيت الذي توارثه جدي عن جده، في تلك المنطقة في قلب بغداد القديمة: الحيدرخانة..
اتأمل في الالبوم وصوره المائتين، صورة للمدخل. صورة للفناء الداخلي. صورة للشناشيل القديمة . صورة للباحة الخلفية..
فجأة تكف الصور عن أن تكون خالية – يأتي الصوت اولاً من بعيد، ثم تأتي الصور، مغبشة اولاً، ثم تتوضح ملامحها وخطوطها بالنسيج، ويزيد الصوت – يصير ضجيج...
تكف الصور عن أن تكون بالابيض والاسود. تهب عليها الالوان شيئاً فشيئاً، باهتة اولاً، شاحبة شحوب الموتى، ثم تدب الحياة فيها، تضج وتشع بالحيوية..
اتأمل فيها من جديد، بعض الوجوه مألوفة جداً – سبق أن شاهدتها في صور اخرى بالابيض والاسود – لكن اراها مألوفة اكثر – ليس اللون فقط هو المختلف –لكن حيويتها جعلتني اعيد النظر فيها..، فجأة اكتشف كم يشبه ابني واحداً منهم بالذات..
فجأة اصوات القصف تعلو، تهز الارض أنفجارات لا تبدو بعيدة..
في مكان ما، لا يبدو بعيداً، هناك منازل صارت قاعاً صفصفاً – مثل بيت جدي الذي ضاع – وأناس دفنوا تحت الأنقاض، عما قليل ستلم اشلاءهم وتودع في صناديق ما..
اشعر اكثر بتواصل مع الصور في الالبوم. أنها تقول لي أن الامر لا ينتهي بسهولة، وأن البيوت التي تنهار وتسقط – لسبب او لآخر – وأن الناس فيها يموتون لسبب او لآخر.. لكن الامر لا ينتهي ابداً..
- تحت القصف – والبيت يهتز، وخالتي تعيد وضع البوماتها، اشعر بتواصل اكثر مع الصور، ومع البيت الذي كان، ومع البشر الذين لم يظهروا في الصور..
اشعر بالبيت ينهض من قاعه، يعيد تركيب قواعده، وتنتصب اركانه ويعيد بناء نوافذه وجدرأنه..
- بمواجهة القصف – اشعر بالبيت يكلمني، واشعر بحاجة إلى أن اكلمه، وافهم منه، لماذا ضاع؟ – وكيف ضاع – وهل هناك جدوى حقاً في المقاومة – هل هناك جدوى في التساؤل.. وفي الاستجواب..؟
*********************

.. الحرب، والقصف الذي يمطر علينا من السماء، وذلك السقوط الذي يتربص بنا على الابواب، تجعلنا نعيد النظر حتى في اكثر الامور رتابة وروتينية وتقليدية..
طيلة حياتي تعاملت مع سلوك خالاتي في التمسك ببيتهن على ما هو عليه – كسلوك طبيعي لنسوة لايملكن سوى الماضي. والماضي فقط..، تعاملت مع معاملتهن هُذهِ على ظاهرها- محض حنين مبالغ به للماضي يرتدي احياناً ثوب الوفاء حتى لو كان طرازه قد ولى ومضى..
لكن الأن – ربما لأنها الحرب، وربما لأن نارها تجبر على النضوج، وربما لأن لهيب النيران اسقط الاقنعة عن السلوك، افكر وأنا ارى تفقدهن شبه اليومي للبيت ولهفتهن عليه، وتكبدهن عناء المشقة للذهاب والعبور عبر الجسر ريحة وذهاباً رغم مخاطر القصف
-وأنا ارى خالتي تتصفح البوم الذكريات، وتتأمل في صور الماضي واعمدته واركانه، ارى كل شيء بشكل مختلف ومغاير عن ذلك التفسير السطحي الذي تعودته طيلة عمري..
ارى الأن، أنهن شبه مهووسات بالبيت – متمسكات به، متشبثات به بوجه الريح والعاصفة – لأنهن سبق لهن أن فقدن بيتاً..، نعم، أن مرورهن بتجربة سابقة، هي تجربة الفقدان المر للبيت الذي نشئن فيه.. لقد مررن بالحسرة والمرارة والندم الذي سكننهن واعادَ تكوينهن بشكل جعلهن يفضلن التعرض لأي شيء – أي شيء، إلا أن يكررن تجربة الفقدان..
الأن افهم. هناك شيء من البيت القديم – الذي ضاع – في البيت الآخر المهدد بالضياع..



يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 20:32:20 +0200
هناك شيء من التجربة ومن الخوف من تكرارها – داخل السقف الموشك على الأنهيار، والحائط الآيل للسقوط – ولكن الملئ بالذكريات – في البيت الذي يتمسكن به – رغم كل شيء..
نعم. بالضبط مثلما هناك شيء من الأندلس، في فلسطين، وشيء من غرناطة في القدس.. هناك شيء من بيت ضاع، في بيت يوشك على الضياع.
وهناك ايضاً – يا حسرتــي –شيء من الأندلس، وفلسطين.. في العــراق..
وشيء من غرناطة، والقدس، .. في هُذهِ المدينة التي تقصف وتحرق وتوشك أن تسقط في الاسر..
هناك شيء من كل شيء في كل شيء الأن. في التداخل والتزاحم والاضطراب، في القصف والحرائق والصواريخ والقذائف، تختلط الامور ولا يعود هناك حد فاصل وواضح بين شيء وآخر.. ابداً..
****************
في عنق الزجاجة – بالضبط – نقف جميعاً حيث تختلط الامور كلها.. في عنق الزجاجة التاريخية هُذهِ، تحت القصف – والحقائق تغدو وتروح مهرولة، هناك غرناطة والقدس في بغداد، هناك البيت الذي ضاع والبيت الذي لم يضع بعد، وهناك البيت الذي أنهار بالقصف، والاخر الذي أنهار لأنه منخور، وهناك اجدادي واولادي واولادهم يتراكضون امامي متزاحمين في عنق الزجاجة..
وهناك الشعارات، تبدو مهترئة وزائفة، وهناك القيم، بعضها على الارض يدوسها المتزاحمون، وبعضها صامد – في القلوب والعقول..
في عنق الزجاجة، اقف، الغزاة على الابواب – خمسون او ستون كيلو متراً لا أكثر- والاسوار الافتراضية مليئة بثغرات ليست افتراضية، في النفوس – في العقول..
في عنق الزجاجة، اقف – لأرى الامور بشكل مختلف. ولأرى نفسي بشكل مختلف.. لأرى السقوط كامناً قبل أن يحدث، ولأرى خطوط الطول والعرض تذوب وتمتزج – ولأرى ما هو شخصي وحميم يسكن ما هو عام وشامل .. القدس وغرناطة في ذلك البيت القديم، وبغداد والمدن الاخرى في البيت الآخر الذي لم يضع بعد..
في عنق الزجاجة، والوقت يكاد يدركني، والقصف يكاد يقتلني، احدق في الهاوية
–قبل السقوط – واراها تحدق بي..
واحدق في المستقبل، فارى التاريخ يحدق بي.. ويشير لي ويحدثني.. ويشتد القصف..
***************
قيل لي عندما كنت طفلاً، أنه كان أكبر بيت في بغداد.
وعندما كنت طفلاً، صدقت. بقليل من الفخر البرئ..
عندما كبرت قليلاً، ومررت بما يمر به الجميع من التمرد – استبعدت هُذهِ الحقيقة تماماً..
اليوم، اعتقد أني استطيع أن اوازن بين ما قيل لي، وما كان في الواقع، فأتصور أنه كان اكبر بيت في منطقته – الحيدرخانة، وأن النظرة القديمة عن بغداد أنذاك كانت لاتتجاوز تلك المنطقة في قلب بغداد إلا الى بعض المناطق المجاورة – حتى الاعظمية، او الكاظمية، والتي تعد كل واحدة منهما جزءً من قلب بغداد اليوم – كانت أنذاك، مدناً شبه منفصلة عن بغداد..
هُكذا افهم اليوم مسألة "أكبـر بيـت في بغــداد". واقر، بشكل علمي تماماً، أن البيت كان كبيراً حقاً بالنسبة لبغداد الازقة الضيقة و(المحاليل) الشعبية والبيوت الملتصقة ببعضها البعض – وخاصة بالنسبة لعدد سكانه الذي لم يكن كبيراً في أي وقت من الاوقات..
اقبل المسألة بهذا التحفظ..
ولكن عندي تحفظ آخر، سيثير حفيظة خالاتي اكثر.
***********************
تحفظي الآخر يتجه نحو مفهوم "الاكبــر" بالذات.
دوماً عندنا أن الاكبر – الاكبر مساحة، او الاضخم حجماً – هو الافضل.
دوماً لدينا هُذا الاتجاه نحو الفخر كلما كان البيت اكبر حجماً، او اكبر مساحةً، او بعدد غرف اكثر – وشُرفات اكثر..
.. دوماً لدينا هُذهِ النزعة المادية، في تقييم الاشياء- عدد الامتار هنا، وعدد الغرف هناك، عدد الطوابق هنا، وعدد الاعمدة هنا – عدد الاقواس هناك..
دوماً نعتبر أن الاكبر هو الافضل بالضرورة، وهو الاقوى بالضرورة، وهو الاكثر قدرة على المقاومة، بالضرورة.
.. كلن ذلك، ليس صحيحاً بالضرورة..
فأكبر "بيــت في بغــداد" ضاع تماماً وصار قاعاً صفصفاً – وربما ، كان هناك على بعد خطوات منه، بيت صغير، في ذلك الزقاق العتيق، استطاع أن يصمد، وأن يتماسك، وأن يبقى شاخصاً حتى الأن..
بالضبط كما لم ينفع الديناصور كبر حجمه، في معركة الصراع على البقاء فسقط هو..
ونجت السلحفاة !.
****************
يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 20:33:21 +0200
اكبر بيت إذن ؟.


إلى حد كبير – ومع الاخذ بنظر الاعتبار التحفظات السابقة – ربما.
ففي صورة ملتقطة من الجو، لبغداد في عشرينات القرن الماضي، تبدو فيها المدينة بعيدة مثل سراب مستحيل في خيال دليل تائه..، يعرف جيداً أنه لا يرى سوى سراب لن يطفئ ظمأه..
لكن امي وجدت أن السراب يمكن أن يتحول إلى حقيقة.
لا ادري بالضبط كيف عثرت عليها، تلك الصورة. لكنها عثرت عليها، وبما أنها مسكونة بذات الهاجس الذي يسكن خالاتي، فقد بحثت عن بيت ابيها في الصورة، ولم يكن من الصعب العثور عليه حتى في صورة التقطت من الجو، فقد كان غير بعيد عنه جامع الحيدرخانة الشهير ومأذنته المميزة، وغير بعيد عنه ايضاً جسر يربط جانبي بغداد – الكرخ والرصافة..
قامت والدتي بتكبير الصورة، و وضعتها في اطار لائق، استقر مع اطارين آخرين مماثلين تماماً لبغداد في نفس الحقبة – وتحتل الصور الثلاثة ركناً قرب الباب، كأنك لا تستطيع أن تخرج او تدخل إلا إذا مررت بتلك الحقبة..
ربما وضعت أمي تلك الصورة في ذلك المكان، لأغراض تزينية – ديكورية بحتة..
لكن، ربما – أيضاً – كان ذلك هو الواقع . بصورة رمزية..
لن نمر بتلك الحقبة – دخولاً او خروجاً – إذا لم نعد النظر في تلك الحقبة، او إذا لم نعيد تقييم تلك الحقبة.
على الحائط – بين الصورة، والاطار – كان هناك ذاك السراب الذي داعب مخيلة دليل تاه في الصحراء، ذات يوم، وربما لم يعثر على دربه ابداً.. صورة بغداد في العشرينات، نهاية حقبة وبداية لحقبة جديدة، سقوط الحكم العثماني وبداية الاحتلال البريطاني، سقوط دور الولاية التابعة للخلافة، ونشأة الدولة الحديثة..
من عنق الزجاجة، تحت القصف، أنظر إلى الصورة المحصورة بين الاطار والجدار: تراه كان سراباً بعد كل شيء ؟، ام كان حقيقة، دفنتها رمال الرياح والعواصف ؟.. ترى كل ذاك كان – وهماً صدقناه – محض جزءً من خديعة وقعنا في حبائلها – ام أنه كان حقيقة لم نعطها حقها وخذلناها..
في عنق الزجاجة، بين الجدار والاطار، بغداد – العشرينات تواجه مصيراً تجهل كم سيكون مظلماً..
وفي عنق الزجاجة، خارج النافذة، بغداد – اليوم، التي تقصف وتحرق وتقذف بالصواريخ والقنابل العنقودية، تواجه مصيراً لا يبدو أن احداً يعرف كم سيكون مظلماً..



يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 20:36:59 +0200
في عنق الزجاجة، يبدو لي أن قرناً كاملاً تقريباً قد استدار دون تغيير كبير في جوهر الحقائق..
وفي عنق الزجاجة، وبغداد تقصف، اتأمل في بغداد الصورة المحصورة بين الاطار والجدار، مجرد مدينة صغيرة وادعة نائمة في حضن دجلة، اركز اكثر فيها، احاول تخيل ناسها والتأمل في احوالهم..
ربما كانوا يتصورون – مثل البعض الأن – أنهم مقبلون على عصر جديد وحياة جديدة افضل من سابقتها..
سيستدير القرن عليهم – قبل أن يكتشف اولادهم واحفادهم أنهم كانوا مخطئين.. – وأنهم ربما لا يزالون مخطئين..
وفي عنق الزجاجة، أفكر بأولئك الناس غير المرئيين في الصورة المحصورة بين الاطار والجدار – اولئك البسطاء المنسيين مجهولي العنوان والهوية، الذين كانوا يمشون في الاسواق ويأكلون الطعام ويبتاعون ويشترون ويجلسون في المقاهي عندما حلقت تلك الطائرة عالياً في سمائهم والتقطت الصورة – اولئك البسطاء الذين رفعوا ابصَارهم إلى السماء – كأنوا يجهلون تماماً ما يحيق بهم..
لم يكونوا يعلمون – أن ابناءهم واحفادهم – سيكونون شعباً سيترشح ليكون اتعس شعب في العالم..
في عنق الزجاجة – الأن، يعرف احفادهم شيئاً كهُذا..
****************
من بعيد، يبدو " أكبــر بيـت في بغــداد" صغيراً جداً.
بغداد كلها تبدو صغيرة جداً من بعيد، كما لو كانت مدينة غير حقيقية، مجرد ديكور مصغر لمنظر جوي لمدينة افتراضية.. تبدو، حقاً، مثل بيوت – دمى خشبية..
اتأمل في الصورة – بين الاطار والجدار – فأدهش من أنها رغم التقاطها بالابيض والاسود.. إلا أنها خالية تماماً من هُذين اللونين بالذات..
كان الرمادي – وتدرجاته المتنوعة – هو اللون السائد على تلك الصورة. كما لو كانت الصورة قد التقطت ليست غريبة بتاتاً على•صباح يوم سبقته عاصفة غبار و (طوز) بغداد..
----------------------------
الطوز:الغبار باللهجة• البغدادية، و الذي كثيرا ما يهب من اطراف الصحراء في روتين يتعب ربات البيوت.



يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 20:38:00 +0200
الرمادي – وتدرجاته، هو لون الصوة – كما لو كانت العدسة – التي تعد بدائية بمقاييسنا اليوم – قد استطاعت أن تخترق حجب الغيب لتقرأ فيه ما سيدور. لن يكون ابيض مطلق او اسود مطلق. بل الرمادي الكئيب هو الذي سيطغي على كل شيء..
سيكون الابيض رمادياً – مادام ظل عاجزاً على محاربة الاسود. وسيكون الاسود رمادياً، مادام كان مساقاً لأن يكون اسوداً دون رغبة حقيقية في السواد..
.. وسيكون الاحمر القاني الذي سيسيل رمادياً ايضاً، لأنه سيهرق دونما قضية.. دونما هدف.. سيسيل مجبراً ايضاً..
سيكون الرمادي هو لون الصبر. ولون الجدار الذي كتبت عليه كلمة التوكل. ولون العيون المتعبة التي هرمت قبل اوأنها.. ولون الدمعة الصامتة التي تهبط من الاهداب الرمادية..
ستكون العدسة بمثابة كرة بلورية استطاعت أن تصدق ولو مرّة واحدة – وسيكون الرمادي هو الافق – وهو الاطار – وهو الخلفية التي سترسم فيها الاحداث – الرمادية..
أتأمل في ذلك الرمادي الغامض، واتساءل مع نفسي.. هل هو الرماد الذي يخلف الحريق..؟
ام الرماد الذي سينشق عنه.. طائر الفينيق ؟..
***********************
من العجيب جداً، وربما ليس من العجيب بعد كل شيء، أن الصور التي نراها على الشاشات لبغداد – الملتقطة حتى من الاقمار الصناعية – يسود فيها اللون الرمادي ايضاً..
رغم تقدم التقنيات – عبر قرن تقافزت فيه التكنولوجيا – لايزال اللون الرمادي هو الذي يطغي على الصور التي يلتقطونها لنا، عندما يحددون هدفاً لقصفه، وعندما يقصفونه، وعندما يتفاخرون بدقتهم في القصف – دون أن نتأكد من ذلك – فأنهم يقدمون لوناً رمادياً آسناً – هو في حقيقته الواقع الذين يريدون فرضه وقسره..
قد يقدمون سبباً فنياً او تفسيراً علمياً، لن افهم ما يقولون، أنهم لا يقولون إلا تفاصيل ثأنوية، لكن جوهر الامر هو ذلك الرمادي الذي يريدون فرضه – مرّة عبر لون النار، ومرّة عبر لون الدم، ومرّة عبر لون الظلم..
وتتمازج الالوان – لتنتج ذلك الرمادي الذي يفرضونه على الصورة..
أنهم يريدون الرماد الذي يخلف الحريق – الرماد الذي لاشيء بعده سوى العدم – الرماد الذي هو الستارة تسدل لتعلن النهاية. الرماد الذي هو نقطة نهاية السطر..
هُذا هو اللون المهيمن في تلك الصور التي يبثونها ويروجون لها. عبر قرن كامل منذ تلك الصورة الملتقطة من الكاميرا البدائية من تلك الطائرة التي حلقت في سماء بغداد – مطلع



يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 20:41:05 +0200
عشرينيات القرن الماضي، إلى الصور التي يلتقطونها من الاقمار الصناعية – في العقد الاول من القرن الحالي..
من رمادي باهت – إلى رمادي آسن، استدار القرن ولم يتغير الواقع.. – لكن هُذا اللون ليسَ حتمية نهائية. والصورة المحصورة بين الجدار والاطار ليست لوحاً محفوظاً لا يمسه إلا المطهرون..
فالرماد – بعد كل شيـئ – قد لا يكون نقطة في نهاية السطر، ومنه قد ينبعث، على غفلة من الخطط المرصودة، ناراً هائلة – ناراً قد تحرق ولكن ايضاً قد تضئ..
ومنه ايضاً، قد ينبعث ذلك الطائر – طائر الفينيق..
**************
لاحظت ايضاً، وأنا لا ازال في عنق الزجاجة، تشابهاً آخراً بين تلك الصورة المعلقة عندنا على الجدار، وبين تلك الصور التي يبثونها في مؤتمراتهم الصحفية المباشرة عبر القنوات الفضائية..
لاحظت أن هُذهِ الصور تظهر المدينة كما لو كانت فارغة من الناس، افهم أن ذلك
–للوهلة الاولى – يبدو طبيعياً، فالصور ملتقطة من علو شاهق.. لكن، مع ذلك، يبدو الامر اكبر من مجرد علو شاهق. المدن تبدو خالية كما لو كانت قد اخليت من سكانها، تبدو كما لو أنهم قد اجبروا على الخروج منها قسراً، او كما لو أن فرماناً يمنع التجول قد صدر من الباب العالي جداً..
.. كما لو كانت بومبي، المدينة التي اهلكها البركان، حنطها على الوضع الذي ماتت فيه – الاف السنين..
من بعيد، تبدو المدينة بلا سكان، كما لو أنهم قد قضوا تماماً. بالطاعون او بالجدري او بقنبلة هيدروجينية – تقضي على الزرع والنسل والضرع – ولا تمس الحجر..
من بعيد وعبر اكثر من قرن ، تبدو بغداد بلا ناس..، بلا بشر..، مجرد ديكور رمادي لمدينة هجرها سكأنها..
***********
وربما كانت هُذهِ هي مشكلتهم معنا – بأختصار شديد..
ربما كانت المشكلة – بعد كل شيء – أنهم ينظرون الينا من علو شاهق – بحيث يبدو "أكبر مسجــد في بغــداد" صغيراً جداً، يبدو "أكبـر بيــت في بغــداد" كما لو أنه غير موجود، وتبدو اعلى مئذنة، واضخم منارة، واكثر القبب مهابة، كما لو كانت ديكور – لعبة لمدينة دمى..

ربما كانت المشكلة أنهم لا يرون – في تلك الصور التي يلتقطون – أي بشر، أي ناس يمشون في الشوارع والاسواق..، وربما جعلهم ذلك يتصورون أن تلك المدن التي يقصفون ويحرقون ويدمرون – خالية حقاً من السكأن..
.. ربما كانت المشكلة، أن تلك الصور لا توضح لهم الصورة على حقيقتها، فلا نكون
- في النهاية – اكثر من طريق امدادات، او معبر لخطوط التجارة، او ارض بكر لثروات هائلة..
نعم، من بعيد، من ذلك العلو الشاهق الذي يلتقطون فيه الصور، لا تسقط تفاصيل عابرة فحسب. بل تسقط الاساسات، تسقط الالوأن الاساسية والملامح المهمة، والعلامات الفارقة..
كأن العلو الشاهق، يسقطنا كلنا من الحساب..، فلا تكون الصورة سوى بمثابة خريطة صماء – فيها الطرق، وفيها الجسور، وفيها منابع النفط – لكن لا بشر فيها.. لا قيم.. لا تاريخ.. ولا عقيدة..
نعم. تلك كانت مشكلتهم معنا. أنهم ينظرون الينا من ذلك العلو الشاهق، - ذات العلو الشاهق – الذي تقصفنا منه الطائرات، الأن وفي هُذهِ اللحظة بالذات..
تلك كانت مشكلتهم، - ولعلها كانت ايضاً مشكلتنا. وان بشكل معكوس.. لقد سمحنا لهم بذلك : سمحنا لهم بأن ينظروا إلينا من العلو الشاهق، ويطمعوا فينا من العلو الشاهق. ويقصفوننا من ذات العلو الشاهق..
.. وكانت مشكلتنا ايضاً، أننا قبلنا باوطئ نقطة في المنخفض، لتكون قدرنا الذي لا نريد له تبديلاً..
.. وكانت مشكلة البعض منا، أنه تصور العلو الشاهق حكراً على هؤلاء الغزاة، وأن كل ما سيأتي منهم قدر‘’ لا يجوز محاربته..
من العلو الشاهق، سقط صاروخ في مكأن قريب، واهتز البيت كله، .. لكن الصورة – المحصورة بين الاطار والجدار – بقيت ثابتة..
*******************
إلى جانب تلك الصورة، كان هناك صفين من الصور العائلية التي تنتمي لنفس الحقبة..
في الحقيقة أنها ليست صوراً عائلية بالضبط. لكنها صور‘’ تؤرخ لتطورات سياسية واجتماعية، تصادف أن رجالات العائلة لعبوا دوراً فيها – ووقفوا امام الكاميرات في لحظة معينة.. وامتزج في هُذهِ الصور – بهُذهِ الطريقة – الخاص مع العام على نفس الجدار، على بعد سنتمترات فقط من تلك الصور الملتقطة من العلو الشاهق..



يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 20:42:59 +0200
كانت هناك صورة للأجتماع التاسيسي لجمعية الهلال الأحمر العراقية، كان ذلك قبل أنهيار الحكم العثماني بسنتين وكأن جدي واحداً من المؤسسين..
وكان هناك ايضاً صورة لأفتتاح اول معمل نسيج حديث في العراق، وربما في المنطقة – كان معملاً اهلياً يشكل – ربما، بطريقة او بأخرى – نموذجاً للدور الذي يمكن أن يلعبه الرأسمال الوطني في البناء. كان المعمل يعود لأسرة ساهم افرادها في ثورة العشرين الوطنية ضد الأنكليز. كانوا اثرياء ولكن وطنيين – معادلة تبدو نادرة اليوم في زماننا الوسخ- ولكنها لم تكن شديدة الندرة في ذلك الزمن البعيد..
كانت هُذهِ الاسرة الثرية بالذات، قد ساهمت في تمويل الثورة – رغم أن ذلك كأن يمكن أن يضر بمصالحها الاقتصادية : وهو امر ستتردد فيه حيتاننا الاقتصادية المعاصرة الف مرّة..
وبنفس المنطق، قامت هُذهِ الاسرة، بأنشاء اول مصنع نسيج معاصر في الشرق العربي. تريد الربح ؟. نعم. بالتأكيد. لكن ايضاً تريد التحديث، تريد البناء..
على الحائط، صورة لأفتتاح هُذا المصنع – دعي اليه جدي والتقط صورة بالصدفة فوجدت المناسبة مكأناً لها على الحائط – في المكتبة في بيتنا.. على الحافة السفلية للصورة يوجد، بخط جدي، ذكر للمناسبة وتاريخها..
خلال ثلاثة عقود فقط من تاريخ الافتتاح، جاء "وطنيون" من نوع آخر بقوانين من نوع آخر، واصابت حمى التأميمات التي سادت المنطقة هُذا المصنع، كما طالت املاكاً اخرى للاسرة التي فر افرادها تباعاً – بما استطاعوا تهريبه من البلد أنقاذاً من قوانين التأميم والمصادرات التي كأنت تلتهم كل ما يقف امامها حتى لو كان حلالاً طيباً..
(.. وبعد اقل من ثلاثة عقود، وبالتحديد في اوائل الثمأنينات من القرن الماضي، وكنت لا ازال طالباً في المتوسطة، جاءت عندنا، لتزور والدي تحديداً، فتاة امريكية الجنسية عراقية الاصل والولادة، كانت تعد رسالة الماجستير عن تاريخ العراق الحديث من جامعة امريكية، مجرد مستشرقة اخرى وجهها مشرفها الامريكي باتجاه بلدها الام، وقادها البحث عن المصادر إلى مكتبة والدي..
لم يكن قد بقيَ من اصلها سوى بقايا لهجة بغدادية هجينة، وذكريات غائمة عن وطن لم يحسن احتضان ابنائه..
أنها سليلة تلك الاسرة صاحبة المصنع اياه، بل الحفيدة المباشرة لذلك الثري الوطني الذي اراد تحقيق المعادلة التي أنقلبت عليه والتهمت جزءً كبيراً من ثروته..
سحبتها امي سحباً إلى الجدار، حيث الصور المعلقة، اعتقد أن جدار الصور المعلقة يشكل جزءً من ثقافتها كامريكية. لكن صور التخرج، صور عائلية، شيء من هُذا القبيل مما
يتوافق مع اسلوب الحياة الامريكية،.. لذلك، كأن مفاجئاً لها، أن تأتي لتبحث عن مصادر وكتب، فتجد صورة لجدها معلقة في بيت لا تربطه بها أي قرابة..
عبرت عن تفاجئها بأسلوب امريكي تماماً..’How Ironic" قالت ! كانت كل جذورها قد قطعت – ونبتت لها جذور اخرى، في مجتمع آخر..
هُذا ما فعله بعض الوطنيين ببعضهم الآخر..)
**************************
.. بجانب تلك الصورة الخاصة بافتتاح مصنع النسيج، كأن هناك صورة اخرى عن مصنع نسيج من نوع آخر، اسسه البريطانيون أنفسهم، واقنعوا العراقيين أنه اعلى مطالبهم – فهو لا يكون ان لم يكن كذلك.
كان ذلك هو المجلس النيابي الذي كان جدي عضواً فيه، والذي اصطف اعضاؤه امام الكاميرا كما لو كانوا طلاب مدرسة في حفل لتخرجهم .. ( في الواقع، كنت اعتقد حتى لوقت قريب أن الصورة لتخرج جدي من مدرسة الحقوق في استانبول..).
مالذي يربط المجلس النيابي – الذي يشبه المدرسة – بمصنع النسيج الذي هو من نوع آخر ؟؟..
نعم. الرابط كبير، فعندما قامت بريطانيا وشريكاتها بتقاسم المشرق العربي – او ما شئت أن تسمي – اضطرت ايضاً، وكجزء من خطة التقاسم، الى تقسيم المنطقة، ولأن التقسيم يتم من العلو الشاهق الذي تم النظر إلينا منه، ولأنه تم من قبل رحالة مغامرين وجوابيّن – يعرفون عن الاساطير وعن حكايات الف ليلة وعن الخيول العربية اكثر مما يعرفون عن العرب أنفسهم – فقد قاموا بتمزيق اوصال المنطقة عبر حدود رسموها بادوات الهندسة وبخطوط مستقيمة تمر احياناً في منطقة عشيرة واحدة وتقسمها كيفما اتفق، وتخلف بتقسيمها هُذا نسيجاً – اجتماعياً – مهترئاً وممزق الاوصال.
ولأن النسيج القديم تمزق واهترئ مرّة بفعل التقادم ومرّات بفعل خطة التقاسم – وخطوط التقسيم، فقد رأى المحتلون أن عليهم أن يضعوا نسيجاً جديداً – يناسب تلك الاوصال المقطعة – مهما كان ذلك سيكون نشازاً في اول الامر..، او آخره..
ومن مصأنع النسيج التي أسسوها، ذلك البرلمان الذين لموا شتاته من هنا وهناك، طوائف واعراق وعشائر ومصالح ونخب، ربما كانت منسجمة ومنصهرة عندما كانت ضمن الكتلة الاصل – لكن عندما مرّ مبضع الجراحة ليقطع اوصالها بخطوط مستقيمة، بدا كل جزء منها هجيناً عن نفسه وعن الاجزاء الاخرى..



يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 20:44:28 +0200
وتوهم المحتلون، - لأنهم ينظرون من ذلك العلو الشاهق – أن الأنسجام سيأتي مع صنع نسيج جديد – وتوهموا أن افتتاح المجلس النيابي، ورفع الشعارات فيه، يمكن أن يساهم في صنع النسيج الجديد.
وكان الوهم الأكبر – الذي لا اصدق أنهم صدقوه – ولكن صدقناه نحن، ودفعنا ثمن تصديقه غالياً..، كان ذلك أننا توهمنا أننا يمكن حقاً استيراد الديمقراطية دون أن نمر بظروف نشوئها الحقيقية، وبمراحل تطورها الدقيقة، وعاملناها كما لو كانت سلعة اخرى تستهلك للتمتع بها، دون أن يستهلكنا تجشم العناء بأنتاجها وصنعها..
تلك الصورة المعلقة لذلك المجلس النيابي الذي كان جدي عضواً فيه، كانت ايضاً بطريقة او بأخرى، صورة لحفلة تخرج. لكنها حفلة تخرج لم يتخرج فيها أحد – لأن الامتحان الذي عقدته الظروف والتجارب، لم ينجح فيه أحد..
***************
وفي قلب الحائط، وسط كل تلك الصور، كأنت هناك الصورة الاكثر شهرة، والتي نشرت لمرّات في مجلات وصحف مختلفة – بسبب وجود شخصيات ادبية لها مكانتها في الثقافة العربية عموماً..
كان مناسبة الصورة، أن جدي قد عقد صلحاً بين شاعري العراق الاكثر شهرة في ذلك الوقت – وربما حتى هُذا الوقت .. وهما الرصافي والزهاوي، والذي كان بينهما من العداء مما هو اكثر من مجرد المنافسة، وعداوة اصحاب المهنة الواحدة..
ولسبب او لآخر، فقد شاء جدي أن يعقد صلحاً بينهما، بحضور علية القوم من مثقفين واصحاب مناصب، وجاء بعضهم من الشام لحضور المناسبة والتي ولابد سيصحبها وليمة تناسب اصحاب المناسبة..
ولأن جدي كان وزيراً – كما سبق، ولأن الوليمة كانت عامرة – على ما يبدو فقد وافق الشاعران علىالصلح. وجلسا معاً، في وسط تلك النخبة من الملأ البغدادي، وبينهما جدي.. والتقطا تلك الصورة المستقرة في قلب الحائط، وعلى ذيلها السفلي، بخط جدي، البيت الشعري الذي جادت به قريحة واحد منهما وفيه يشيد "بكرم جدي" و "كرم داره" – مما يتوافق مع المزاج العام لخالاتي و والدتي..
الطريف أن هذا الصلح لم يكن إلا على الحائط ملتصقاً بهذهِ الصورة. ورغم أني لقنت منذ طفولتي أنهما تصالحا، الا أني لم أجد اثراً لهُذا في أي من السيّر التي قرأتها عن حياتيهما.. – كان الامر عابراً تماماً – ولعله لم يكن قط إلا امام الكاميرا وفي الوليمة وامام حضرة صاحب المعالي.. لكن في داخل كل منهما، على ما يبدو، كان هناك جرير وكان هناك

الفرزدق وكان هُذا العداء المتبادل الذي اعتبراه جزءً من مطاردة شعرية هي في جوهرها التراث المستعصي على الموت في الهوية الادبية لثقافة بكاملها..
بالمناسبة، البيت الشعري الذي جاءت به قريحة واحد منهما، كان، في رأيي، دون المستوى، ويوجز ايضاً في رأيي، أن الادب والثقافة، كانا، مثلما الأن – يُسخرأن من اجل المناسبات والمجاملات والولائم..
*************************
.. صورة اخرى، يظهر فيها جدي وهو يلقي كلمة في نادي اجتماعي اسسه البريطانيون. المناسبة. توديع امين العاصمة السابق، الذي تولى هو منصبه..
اتأمل في الحضور، كلهم بازياء اوربية – لو التقطت الصورة قبل عشر سنوات من التقاطها، قبل أنهيار الحكم العثماني، لكانت الازياء مختلفة. لا. لم يكن هناك اتاتورك يفرض زياً ويمنع آخر..، لكنه سلوك المغلوب امام مظاهر الغالب..
واتأمل جدي، قبل عشر سنوات – او اكثر بقليل – كان الأنكليز نفوه مع والده لأنهما شاركا في ثورة العشرين – الوطنية، الأن، ها هو يستلم المناصب، ويشارك في المجلس النيابي، وتتلخص معارضته لهم، في اعتراض على كلمة في قرار – او بند في معاهدة..
أنه شيء جزين جداً، لكن كان هذا ما حدث.
******************
في صورة اخرى، يصطف ستة او سبعة من اعضاء نادي الملأ البغدادي في العقد الاول من القرن المنصرم ابان الحكم العثمأني. كان جدي واحداً منهم.. اتأمل في الاسماء، والوجوه، واقف طويلاً عند الالقاب.
كل لقب من هُذهِ الالقاب، ارتبط بأسم او اكثر من الاسماء التي تداولت السلطة لفترة طويلة، بالذات بعد الاحتلال البريطأني..
.. كان كل لقب له عدة مناصب وزارية، وكراسي لوزارات، بل واحتكرت بعض الالقاب رئاسة الوزارة لفترات طويلة..
حدث تداول للسلطة نعم، ولكن ضمن اطر محددة ومحدودة. ضمن اطار هُذهِ الصورة، نادي الملأ البغدادي والقابه الفخمة الرنانة..
ستقولون أنها النخب المثقفة و الاكثر تأهيلا للأدارة، وأنه امر طبيعي أن تتداول النخب المثقفة السلطة في مجتمع ناشئ – ربما، ولكن، الا يعني هُذا ايضاً، في ظل استمرار تداول السلطة الذي حصل، أن المشروع الاصلاحي الذي قدمته النخب، فشل أن يوسع دائرة النخب بضم قطاعات اخرى من الشعب استفادت حقاً من المشروع الاصلاحي ( هُذا إذا كأن هناك اصلاً مشروع كهُذا.) ..


يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 20:45:46 +0200
,, ربما ستقولون: ولو ! . سيظل هُذا التداول المحدود للسلطة – افضل من الاحتكار والاستئثار الذي عانته نفس القطاعات الاخرى بعدما اخرجت هُذهِ الاسماء من اللعبة..
ربما. لكن نسبياً فقط.انها لعبة الكراسي التي نصبتها النخب. ينقص العدد واحد واحدا و يبقى كرسي واحد ووحيد..
نعم . كانت لعبة الكراسي هذه، هي التي أنتهت الى أن يبقى في النهاية كرسي واحد وحيد – يجلس عليه لاعب واحد..
اتأمل الالقاب من جديد. هناك لقب او اثنان، استطاعا الافلات و تمكنا من ركوب الموجة بعد أنهيار الحكم الملكي وقيام الجمهورية. وهناك لقب آخر ظهرمؤخرا على شاشة احدى القنوات، وهو في منفاه الاختياري المترف، متحدثاً عن عودته إلى الوطن حال أنتهاء "العمليات العسكرية" – كما اسماها بتهذيب بالغ..
ندور دورة واسعة ثم نعود إلى نفس النقطة. نفس نقطة البداية، نفس لعبة الكراسي والالقاب الدوارة..
أنه التاريخ الذي مررنا به : التجربة والخطأ. وتكرار التجربة، وتكرار الخطأ..
*******************
أنني واثق تماماً ، أن والدتي لم تكن تقصد أن تركز لدلالة ما، او تعطي اشارة، عندما وضعت الصور بهُذا الترتيب الذي ذكرته. لم تكن تؤرخ لتطور العراق ونشأته الحديثة.. كانت ترتب الصور فقط – حسب احجامها، على الاغلب..
لكن في هذا الترتيب اللاواعي غير المقصود، كأن هناك اكثر من رمز، اكثر من دلالة..
في البداية كانت تلك الصور الملتقطة لبغداد من ذلك العلو الشاهق قرب المدخل. كما لو كانت للدلالة أننا لم نصل لما وصلنا إليه الا من جراء تلك النظرة إلينا من ذلك العلو الشاهق..، كما لو أننا لن نستطيع أن نخرج مما نحن فيه إلا إذا فككنا اسرنا من تلك النظرة..
ثم تأتي الصور الاخرى، مصفوفة في صفين كل صف يحتوي على ثلاثة، تروي باختصار قصة نشوء المجتمع الحديث في العراق. هنا جمعية الهلال الاحمر التي فيها من كل الاديان، وهنا اول مصنع حديث للنسيج في المنطقة بأسرها و اصحابه يفرون برؤوس اموالهم فيما بعد، وهنا مجلس نيابي يصنع نسيجاً جديداً – لكن كله رقع ! – وهنا منتدى ادبي يمارس الثقافة بعقلية الوليمة والهجاء والمطاردات الشعرية.

وهنا الوطنيون يتقلدون المناصب من قبل سلطات الاحتلال، ويقنعون بمعارضة التفاصيل والهوامش الصغيرة..



يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 20:46:50 +0200
*******************
من بين الصور، كانت هناك صورة لجامع الحيدرخانة في قلب بغداد، المرتبط بذاكرة والدتي باعتبار قربه للبيت الذي ولدت فيه وشهد طفولتها، والذي يرتبط ايضاً بذاكرة بغداد نفسها، باعتباره واحداً من اقدم وأهم الجوامع فيها، قديم لأنه بني في العهد المغولي، وكان بذلك شاهداً على قدرة بغداد على احتواء الغزاة الذين جاءوها كفرة ولم تمض عقود حتى اشهروا اسلامهم وبنوا المساجد فيها، ومهم لأنه كان منطلقاً للتجمعات السياسية والمظاهرات الوطنية التي عمت البلاد وضمت افضل النخب الثقافية والاجتماعية في تلك الفترة.
كانت الصورة مقربة للجامع، ومأخوذة بحيث تبدو قبته ومنارته أكبر من حقيقتها – او اكبر مما اراه الآن وقد علت العمارات حولهما –
وكانت والدتي، عامدةً هُذهِ المرّة، قد وضعت صورة جامع الحيدرخانة، فوق الصورتين الاخرتيين الملتقطة لبغداد من العلو الشاهق..
كانت جد حريصة على تفاصيل كهُذه. الجامع فوق الجميع – على الاقل في الصور وترتيبها..
اتأمل في الترتيب. والغارة مستمرة – ( في الحقيقة لست متأكداً أن كانت مستمرة أم أنها غارة جديدة، فهذهِ الامور لم تعد واضحة قاطعة..)..
اتأمل في الترتيب – وأجد رموزاً متعددة ومنفتحة على احتمالات مختلفة.. ربما كانت هُذهِ الغارة كلها، من اجل اعادة ترتيب الصور ( الم يصرحوا بذلك فعلاً : إعادة ترتيب المنطقة ؟.)
ربما كانوا يريدون أن ينزلوا صورة الجامع من قمتها العالية – ربما كانوا يريدون آن تكون ملتقطة من بعد، من ذلك العلو الشاهق الذي ينظرون الينا منه..
اسمع صوت انفجار قريب. تهتز الارض. اتذكر ما يسربون من خطط ومخططات : عن دستور بلا دين وبلا قيم. عن تعليم يكرس القيم الغازية القاهرة. وافكر انهم ربما يريدون الغاء الصورة تماماً، لا تغيير ترتيبها فقط..
يعلو صوت القصف. الاحظ ان المقاومة خافتة جداً، واعرف إن ذلك لم يكن، وأننا لم نصل لما وصلنا إليه – إلا لأن الترتيب كان صورياً. كان بالصور فقط..
وأن الترتيب الذي سارت عليه حياتنا، لم يكن ليضع الجامع – بتلك الصورة المقربة- في تلك القمة..
***************
أقلب البوم الصور – الفـارغـة – أو التي كانت كذلك، ولم تعد كما أراها الآن..


هنا الحوش – الباحة أو الفناء الداخلي التي تتوسط الدار ويكاد الكون كله يتوسطها..
هنا الحرم – حيث العالم مقصور على النساء، وحيث النساء مقصورات على العالم .. هنا كن النساء أحيانا على الاقل يحكمن الرجال، وهن خلف قضبان الحرم المخملية..
وهنا..في "الديوخانة" يبدء عالم الرجال وحدهم، في تلك الصالة حيث يعقدون اجتماعهم الأسبوعي، ويتكلمون فيه عن الحكم والسياسة والعالم الذي يتخيلون أنهم يحكمونه وينسبونه..
.. وهنا انتهك المحتلون حرمات الدار والنساء والرجال، واقتحموا البيت من هنا، وعاثوا الفساد هنا، وانتهبوا بعض المتاع والحلي.. هناك.
.. وهنا من هُذا السياج، تسلق واحد‘’ من أبرز رجالات ثورة العشرين ، وهبط على هُذا السطح، دخل هنا من هُذا الممر، واختبئ في هُذهِ الغرفة بالذات، هرباً من مطاردة قوات الاحتلال..
هنا البئر في وسط الباحة. هنا جناح الخدم الذين كثيراً ما كانوا يصيرون جزءً من العائلة. وهنا جناح للضيوف – كانت استضافتهم تدوم سنوات أحياناً..
هنا غرفة يسمونها غرفة الشمس، لأن الشمس لا تغرب عنها – وهنا غربت الشمس عن البيت بأسره..
وهنا السرداب ومدخله المظلم، وجوّه البارد في حر الصيف القائظ..
وهنا " التخت بوش" – غرفة ارضيتها من الخشب – لكنها في الواقع بلا أرضية معلقة بين الارض والسماء..
وهنا "الكفشكان" – والتي كانت في الأصل "كشف مكان" ولحقت بها خاصية الابدال والقلب – غير الغريبة على اللهجة البغدادية – دون آن تغير من مضمونها، فهي تلك الغرفة العالية – في البرج العاجي – والتي تشرف على البيت بأسره ،بالذات الحرم، حيث كان يجلس الذكور الذين كانوا يتوهمون – كما دوماً – ان المراقبة هي الحل !..
وهنا كانت تأتي سلال الفواكه من البساتين مختلف الوانها ومتنوعة ثمارها – صيفاً وشتاءاً..
هنا تمر "البربن" الاحمر بلون الدم. وهنا الاصفر بلون السنابل وقت الحصاد. وهنا "الخضراوي" الذي فيه لمحة خفيفة من•البرحي خضرة الربيع و زهوته..

يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 20:48:02 +0200
يتبع


الحوش: الفناء الوسطي الداخلي باللهجة البغدادية. اول ما يواجهك عند الدخول في البيت البغدادي.
الحرم:الجناح المخصص للنساء في البيت البغدادي. الحرملك بالتقليد المصري.
الديوخانة:جناح الرجال الغرباء حيث يستقبل الضيوف في البيت البغدادي.
علي البازركان.







ئهنا الرمان الحلو المر. وهنا عنب أسود لن يجرؤ على سبه أحد، وهنا الرقي البارد في الصيف القائظ، ينزل كالزغرودة على القلب الحار، فيرق القلب بالرقي الذي لن ينافسه في ذلك إلا بطيخ أشد برودة منه..
هنا التين يتحدى الزيتون، هنا المشمش يصمد أمام البرتقال..
من هنا كانت تدخل السلال الملآنة بما لذ وطاب. وهنا كانت تغسل وتنظف وتفرق ..
هنا كانت تمتلئ البطون. وكانت تذبل الفواكه قبل آن يجوع أحد في الدار.. وهنا كانت – ربما، لست متأكداً – ترمى في القمامة..
(.. وهناك، خلف تلك الاسوار العالية، كان هناك اناس فقراء في نفس الزقاق، وتئن بطونهم من الجوع..).
وهنا كانت الغرف التي لا يسكنها أحد ولا يستعملها أحد. وهنا كانت الشناشيل الحزينة الغامضة. وهنا المزاريب التي نشجت بحجة المطر.
وهنا دار الزمان دورته الواسعة. هنا ترك الفرح توقيعه ومضى. هنا نسجت العناكب خيوطها، هنا عصفت الرياح، هنا سكنت الاشباح.. هنا انطفأت الاضواء، وهنا لم تتألق مرّة اخرى ..، هنا كبر البيت فجأة عليهم، كما يكبر ثوب التاريخ ..
من هنا رحلوا ذات يوم. وإلى هنا لم يرجعوا ابداً بعدها..
هنا خلا الدار. هنا فارقه الخير والعمار.. وهنا انتهى كل شيء، و أسدل – على قصة عمرها قرنين – الستار..
******************
أعتقد ان خالتي – التي التقطت ذلك الصور – شاهدت الضوء من بعيد، عندما أخذت قراراً بالتقاط تلك الصور..
أعرف خالتي هُذهِ جيداً، مترددة وعاجزة عن أتخاذ قرار، لكن يبدو أنها، وقتها، شاهدت الضوء، وأخذت قراراً سيتضح أنه في منتهى الصواب.
في وقت ما، والقرن ينعطف نحو نصفه الآخر، والتاريخ يزدحم بالمتغيرات، يزدحم بالمفاجئات، شاهدت خالتي الضوء : قال لها : أن شيئاً لن يعود كما كان – ربما سيكون التغيير نحو الاسوء، او نحو الافضل – هذا أمر آخر.. لكن شيئاً لن يعود كما كان..
كان قد مضى على وفاة والدتها بضعة سنوات. ربما ثلاث سنوات لا أكثر، وكانت
–مثل بقية شقيقاتها – لاتزال ترتدي ثياب الحداد، عندما جاءهم تبليغ رسمي يخبرهن ان بيت العائلة الاصلي، سيتعرض في جزء منه، للاستملاك من اجل قطع شارع جديد في قلب بغداد.
----------------------------------
البرحي و البربن• و الخضراوي، نوعان من اجود و ارقى التمور العراقية.



يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 20:49:06 +0200
كان هذا هو الشارع الذي يعرف الآن بأسم شارع الجمهورية.
وكان الاسم وحده دليلاً على أن الزمن قد دار دورة حادّة جداً.
كان استملاك جزء من الدار وهدمه من اجل شق طريق جديد، يعني أن "الطريق" كله تغير، وأن عواصف التغيير بدأت تهب، وان الرياح ستجري بما قد لا تشتهي السفن، وأن اشياء أخرى كثيرة، ستذهب مع هذهِ الرياح..
كان الضرر قد حل بالبيت فعلاً جراء الترك وصعوبة الصيانة وقلة الإدامة،.. بل أنه أَجِرَ – لعدة شهور قبل هُذا التبليغ لغرض ان يكون مدرسةً إعدادية- دون آن يتحقق ذلك على الاطلاق.. ولكن ومع كل ذلك الضرر، فأن قرار هدم جزء منه وضمه للطريق العام كان بمثابة دق المسمار الاول في نعش الأزالة الأكيد..
كانت قد مضت عشر سنوات منذ ان تركوا البيت. لا أعتقد أن أياً من افراد العائلة كان يرغب جدياً بالعودة إليه – في تلك الفترة على الأقل – لكني واثق أنهم جميعاً كانوا يريدون أن تظل إمكانية العودة قائمة.
لكنهم استلموا على الباب ورقة، جاءَ بها موظف، قدّم كما أتخيل احترامات و اعتذارات. ثم أبلغهم بالقرار..
أحاول تصور كيف كانت ردود الافعال. كل واحد وواحدة على حدة..
لست متأكداً من رد فعل جدي. لم أعرفه بما يكفي لأتوقع منه ما يمكن أن يفعل مع خبر كهُذا – ولا أتوقع أنه كان مفاجئاً له، فمع شخص متنفذ مثله – ذاك الوقت – ومع ماله من المعارف والأصحاب والمتملقين والمنافقين، لابد أنه كان قد علم بالتدريج بالأمر..
".. هل تعلم يا بيك ؟.. أن الشارع الجديد الذي سيشق أساسه، سيكون قريباً جداً من منزل جنابكم.. "
"في الواقع يا صاحب المعالي، أنه سيكون – على الأغلب – محاذياً بالذات لدار سيادتكم – أن لم يتداخل معه بشكل عابر – وتعرف سيادتكم أن ذلك سيزيد من أهمية موقع الدار – لأنه سيصير على الشارع العام " .
" للأسف يا بيك. حاولنا كثيراً مع المهندسين وفشلنا. الخرائط تقريباً اصبحت جاهزة. لا يمكن تغييرها. سيقتطع جزء‘’ من الدار فعلاً يا بيك .. لكني سأسعى لك في تعويض محترم..".
لا ريب أن حوارات كهُذهِ قد قيلت، عبر سنوات، جعلت من موضوع الاستملاك متدرجاً، دونما مفاجئات حادة..

لخمس سنوات سبقت الأمر، كان الموضوع قائماً، بين مكذب ومصدق في البداية، ثم بين متجاهل او متماهل، ثم سيأتي الأمر الواقع على شكل تلك الورقة على الباب، والموظف المعتذر – الذي سيريد اكراميته في كل الاحوال..
.. تقول والدتي، أنها لا تذكر رد فعل محدد لوالدها تجاه الأمر. لكنها تردف بعدها انه لم يكن من الممكن معه.. رصد أي رد فعل محدد تجاه أي أزمة..
كان من نوعها بالذات. من النوع الذي يكتم. ويخزن. وخلف القناع الصلد كان يوجد ذلك الوجه الحزين الذي يتلقى الأزمات والطعنات والخيبات، ويحاول أن يواصل الطريق..
أعرف جيداً أنه ربما قد ارتدى القناع الصلد – أو قناع الفيلسوف – المتأمل – وربما قد قال بيتاً من الشعر بالتركية أو بالفارسية أو بأي من اللغات الثلاثة الأخرى التي يجيدها – شيئاً عن حال الدنيا وزوالها ومصير الجميع إلى ذلك ..
لكن خلف القناع، خلف مساحيق التحمل، وسمات التجمل.. كانت هناك الآهات السرية، والتنهدات الغير مرئية، والالام غير المحكية والتي غالباً ما يتنهي بأمراض عضوية: ارتفاع في ضغط الدم. قرحة في المعدة. سكري. وأحياناً اخطر من ذلك بكثير..
احاول تخيل وجهه عندما واجه نفسه بالأمر : أن البيت سيضيع. وسيكون هدم جزء منه بمثابة أول ضربة مسحاة تحفر في قبره هو..
أمتقع وجهه بالتأكيد. وكادت ضربة قلبه تكاد تكون مسموعة. وربما مدَّ يده على جهة صدره اليسرى، ثم سحبها خوفاً من أن يراه أحد..
وربما قال في نفسه أنها النهاية. ولعله كان يتمنى أن يموت قبل أن يراها.. كان البيت يعني بالنسبة له أكثر بكثير مما تعني بيوتنا له. كان يعني ذلك التاريخ الممتد المتصل، حلقة تلو أخرى، عبر حوالي قرنين من الزمان المتسع..
كلنا نحب بيوتنا، وننتمي لها – بشكل أو بآخر – ونحمل لكل زاوية ذكرى ونفهم لكل حائط معنى، لكننا – مع ذلك – نغادرها – حين تسنح لنا الفرصة، نحو بيوت اوسع، في مناطق أرقى، أو بخدمات افضل.. ونظل نحمل بعض الحنين، وربما نغص أحياناً بالذكريات، وتؤنبنا ضمائرنا إذا مررنا مرّة ولم نلتفت صوب ذلك الشارع وذلك البيت وتلك الذكريات..
كان الأمر بالنسبة له، على ما أفهم الآن، أكبر بكثير من مجرد ذلك.
كان أكثر حتى من الأنتماء. ومن الارتباط العميق بتلك الجذور الموجودة في أساسات ذلك البيت الموشك على الأنهيار..
كان الأمر، كما أفهمه الآن، مرتبطاً بالصمود. بالصراع من أجل البقاء الذي يحترفه أبناء آدم منذ هبوطهم إلى الأرض، والذي احترفته العائلة بشكل خاص من جيل إلى آخر : لقد نجت من مؤامرات ومحاولات اغتيالات وحروب وسجون وأوبئة مدمرة – وعبر ثلاث أو



يتبع

Romantic Flower
, Sat, 13 Oct 2007 20:50:20 +0200
أربع أجيال – لم يكن هناك سوى شخص واحد فقط ينجو – وأحياناً قليلة أثنان – كما لو كان واحد يسلم الشعلة لآخر في سباق ماراثون لا بنتهي ابدا ..
وأنتهى الأمر بجدي – وبأبن عم بعيد له..
.. وفي الصراع من أجل البقاء، ومعركة البقاء للأصلح، تفرض بعض القيم الأجتماعية نفسها لتحدد مسار الصراع – ونوعية البقاء – وطبيعة الاصلاح.. وكانت تبرز هنا حقيقة أن جدي لم يكن له أولاد ذكور، لتضع، بطريقة أو بأخرى، على الأقل من وجهة نظر محددة – نهاية لتلك السلسلة الطويلة من الصراع من أجل البقاء..
كان جدي – ابتراً – وكان يعرف في أعماقه أن سلسلة أجداده الطويلة، وقفت عنده.. وستنتهي عنده..
رغم قشرة التمدن، رغم ربطة العطر الأنيقة، رغم البدلة اللندنية الطراز والمنشأ
– ورغم صندوق أوسمة الشرف الدبلوماسية التي احتازها، كان يعلم، في قرارة نفسه، ودون أن يعلن ذلك، أنه في النهاية – لن يبقى من يحمل أسمه، بينما سيكون هناك من يحمل أسم حمال فقير في السوق الشعبية المجاورة..
كان يعرف ذلك، أنها النهاية إذن – ولعله رأى في تلك الورقة التي أتت تسعى إلى الباب تجسيداً عملياً لحقيقة أنه بلا عقب. أبتر..
أتخيله وهو يحاول أن يتمالك أعصابه – وسيبدو على عضلات وجهه.. وأن عضلات معدته قد تقلصت..
وأتخيله تلك الليلة – وهو يحاول يبدو أمام بناته الأربعة أنه قوي مثل جبل لا يهزه ريح، وفي داخله طفل صغير يريد أن يذهب ليدس وجهه في حضن أمه ويمسح دموعه في ثوبها الحنون – حتى ثوبها كان حنوناً وكان سينفعه ويخفف عليه في ليلته تلك .. لكن أين هو، وأين ثوبها وأين هي منه الآن .. في تلك الليلة التي مرت عليه.
.. واثق أنه تذكر أمه وهو يتقلب على فراشه تلك الليلة. تذكر غرفتها العالية. وبسمتها الحانية. وسريرها الدافئ الذي طالما اواه. وحضنها الواسع الذي طالما التجأ اليه..
ستغزو أنفه فجأة رائحة والدته – رغم مضى نصف قرن على وفاتها – لكن فجأة ستخترق رائحتها الطيبة حواجز الزمن تملئ غرفته وخياشيمه وحتى غلاصمه.. وسيجد قلبه وقد تحول إلى سمكة صغيرة وهي تلبط شوقاً في بحر الذكريات لتصل إلى مسقط رأسها الأول..
تلك الليلة، عندما تأكد أن جزءً من بيته، من بيت أسرته، سيهدم، سيستملك، متأكد أنا أنه أزاح قليلاً قناعه الصلد.. وترك العنان لا نفعالاته الحقيقية – التي لا أشك – أن المناصب
والصالونات حجمتها وقلصتها -.. لكن تلك الليلة، وهو وحيد ومخذول ومهزوم – وبيت أهله سيهدم.. لا أشك أنه أنتحب قليلاً مع نفسه.
كان على مشارف السبعين. ولابد أنه تمنى النهاية. لابد أنه تمنى أن يبلغ النهاية قبل أن يرى البيت وهو يهدم..
كان توقف الصراع من أجل البقاء – يعني، عملياً، توقف البقاء نفسه.. وكان جدي يعرف أنه دخل تلك المنطقة المحايدة التي لا صراع فيها – ولا بقاء أيضاً .. ولعله تصور أنه لن يبلغ من العمر أرذله، حيث يرى البيت وقد تهدم بكامله.
لكنــه بـلغ ذلك أيضاً.
فقد عاش عقدين آخرين، عاصفين ومليئين بالمتغيرات، انهارت فيها وخلالها أسس ذلك المجتمع البغدادي القديم وأعمدته وأركانه – كما انهار بالضبط البيت و أعمدته وأسقفه المزخرفة وشناشيله..
وعندما توفي.. كان البيت قد صار قاعاً صفصفاً – وتحول ليصير مرآباً للسيارات العامة..
وبدء ذلك الأنهيار، قبل أن تأتي تلك الورقة بوقت طويل.. رغم أن الامر بدا أنه بدأ كذلك..
********************
أتخيل أن أمي أصيبت بنوبة من التجهم. وأسرعت إلى النوم للاختباء من ذلك الكابوس المرير. كما تفعل حتى الآن في حياة تنوعت فيها الكوابيس.. وأعتقد أن خالتي الأخرى بكت وانتحبت ومن ثم ذهبت لتحدث لكل من تشاهده عن الأمر..
وحدها خالتي الكبيرة رأت الضوء من بعيد، وعلمت - ربما بشكل مشوش و غائم –حقيقة الأمر، ليست مسألة بيت معرض – في جزء منه – للاستملاك والهدم، لكنه تاريخ كامل، صار برسم الأزالة، مجتمع كامل صارَ آيلاً للسقوط بعدما تعرض للمصادرة..
علمت خالتي أن بيتاً كهُذا لا يمكن أن ينشأ من جديد. لا يمكن أن يقوم من جديد. لا يمكن حتى أن يرمم.. أو يصان .. او يدام. كان الأمر عكس التيار. وعكس التاريخ.
علمت خالتي، عندما رأت الضوء وقررت أن تؤرخ للبيت، أن طرازاً من هُذا البناء لن يكون موجوداً بعد الآن، وأنه سيصير جزءً من تاريخ لن يعود، لأن طراز الحياة الذي كان محتوياً في ذلك البناء، لن يعود موجوداً بعد الآن في خضم العواصف التي تمر بالمجتمع، لأن الطراز المعماري، كان الوعاء الذي أحتوى النسيج الاجتماعي المهدد بالزوال..
كان الفناء الداخلي – الحوش – الذي يتوسط البيت، ويقع في المركز من الطراز المعماري البغدادي الذي بني عليه بيت جدي – وكل بيوت المحلة، والمحاليل الأخرى..



يتبع

بارق مشاكل
, Mon, 15 Oct 2007 19:44:35 +0200
لا اريد ان اتذكر لانها ايام عصيبة لم اذق بها طعم الراحة والنوم حتى انقضت بفضل الله
وانشالله رب العالمين ينتقم من الي كان السبب

اوفا
, Mon, 15 Oct 2007 20:57:32 +0200
اني قريت كم كتاب من الي صدرت ورة الحرب ومع احترامي اكثرها نفاق

بس ما اكدر احكم واني بعدني مقاريه

راح اقراه كلها اليوم ان شاء الله وبعدين ارد

شكرا فارسة

Romantic Flower
, Tue, 16 Oct 2007 08:24:41 +0200
منورين
وسوري لنقطاعي عن الكتابة في اليام الماضية جنت اكملة للكتاب واليوم انزله

Romantic Flower
, Tue, 16 Oct 2007 08:45:27 +0200
كان ذلك الفناء – المفتوح إلى الخارج، إلى السماء، في قلب البيت، يرمز إلى تلك الصلة الحقيقية التي ربطت المجتمع – أول نشوئه – بالسماء.. بكل القيم العليا التي وجدت في السماء ملاذاً متسعاً لها – وكان تتصل بالارض عبر هُذا الفناء المفتوح في قلب كل بيت..
لم يكن هُذا الفناء – او الحوش – ضرورة معمارية من أجل التهوية كما سيبدو للوهلة الأولى، لكنه كان تعبيراً معمارياً عن تلك الصلة بين الأرض والسماء – التي بني عليها البيت.. وبني عليها المجتمع..
كان الحوش هناك، تنفتح عليه كل الغرف الأخرى – كل ساكن من سكان البيت كان لابد أن يمر به في أي تحرك يقوم او من "التنكــة"•به – حتى ولو لقضاء حاجة، حتى ولو لشربة ماء من "الحِـب" الباردة..
نعم. كان "الحـوش" تعبيراً معمارياً عن فلسفة اجتماعية اصيلة – فلسفة تمثل عمقاً حضارياً بأبعاد متعددة..
لم يكن "الحـوش" مجرد فراغ في "الوســط" – كما يبدو اولاً – على العكس لقد كان هذا الفراغ هو حجر الأساس الذي بني عليه البيت، حجر الاساس الذي بني عليه المجتمع بأكمله..
كان هُذا الحوش هو التعبير العبقري عن الصلة بالله سبحانه وتعالى حيث كل الغرف تؤدي إليه، وكل المنافذ تنفذ إليه، وكل الطرق توصل إليه.. لكن نمط العمارة هُذا لم يعد مرغوباً فيه، لم يعد رائجاً، ولم يعد يبني على أساسه بيت جديد..
أنها الخمسينات أيها الســادة..
ليس نمط العمارة وحده هو الذي قضى نحبه. لكن نمط الحياة نفسه تغير.. لم يعد "الحـوش" صلة مفتوحة من القلب إلى السماء. بل صار مجرد فراغ. بل أكثر من ذلك. لقد صار نقطة ضعف، من الناحية الأمنية..
أنها الخمسينات أيها السادة.. وفي العاصفة التي اجتاحت المجتمع، ستزاح تلك الصلة بعيداً..، بل سيراد لها أن تلغى أساساً..
.. وسيعكس نمط العمارة الحديثة الذي سيستورد وسيسود نمط الحياة التي قدروا أنها ستستورد وتسود..
سيكون الطراز الجديد هجيناً مثل خيمة بدوية مزروعة وسط ثلوج الاسكا، لا نمط المواد المستخدمة سيكون ملائماً لاجوائنا – ولا نمط التصميم سيكون ملائماً لنفسياتنا..

-----------------
الحب: خزان مخروطي الشكل يحفظ الماء• بشكل بارد. التنكة، ابريق من الفخار صغير يحافظ على برودة الماء.


لن يكون النسيج الاجتماعي المستورد موافقاً لحساسية جلودنا – ولن يكون التصميم الذي سيطبق على هُذا النسيج ملائماً لتصميم أجسـادنا – لكننا اقسرنا انفسنا في التصميم الخطأ داخل القماشة الخطأ، وكانت النتيجة تمزقات وتشوهات نعاني الآن وفي هُذهِ اللحظة بالذات منها..
في الطراز الحديث، لن تكون الغرف ملتصقة معاً وملتفة حول محور واحد، مرتكزة حول صلة واحدة..، كما كانت في الطراز القديم.. أنما ستكون مكدسة فوق بعضها البعض ومنعزلة الواحدة عن الأخرى في الوقت ذاته.. لن تتمحور حول هدف، لن تلتف من أجل معنى.. لن تؤدي إلى مكان – فقط ستنفتح على نفسها – نحو المزيد من الانغلاق والفردية..
وفي الطراز الحديث، لن يكون هناك سراديب تدعو إلى التوغل في أعماق النفس والتأمل فيها – لكن الأرض ستكون مسطحة كما لم تكن من قبل ..
وفي الطراز الحديث، لن تكون هناك شناشيل كتلك التي كانت في تلك البيوت.. وكانت ايضاً جزءً من النفسية البغدادية تشكلت لتعبر عن نفسها معمارياً في تلك النوافذ المتشابكة المخرمة..
من الخارج، كانت النوافذ تبدو حصينة ولا تسمح لأي طفيلي بالتلصص.. أو المراقبة..
ومن الداخل، كانت الشناشيل تبدو مثل غربال لا يسمح بمرور أي شيء إلا بعد تنقيته وغربلته..
.. وفي كل الأحوال – لن ترى حقاً إلا إذا اقتربت، لن ترى حقاً إلا إذا اقتربت..
وعندهــا سترى بوضوح. سترى بدقــة..
ولم تكن الشناشيل فقط بل كانت قبلها موجودة في•معلقة هناك في الطوابق العليا بين "الـدرابيــن" النفسية البغدادية – في تلك الثنائية شديدة التداخل شديدة الوضوح في سلوكياتهم ومعاملاتهم..
من الخارج يبدو البغدادي مغلقاً بدرع الخشونة والصلابة والتوتر وحتى اللامبالاة
– ومن الداخل هناك ذاك الغربال الذي يتقي به الآخرين ويمحصهم وينقيهم – والذي دفعته إليه دفعاً حياة طويلة من الخبرات المريرة وخيبات الأمل..
.. وفي الحالتين، لو اقتربت أكثر من هُذا البغدادي المحصن بخشونته – حتى بالفاظه ولهجته – لوجدت طفلاً طيب القلب حد السذاجة، حد الاستغفال – حد أنه يغري الآخرين احيانا بأستغلاله..
_____________
الازقة البغدادية• الضيقة.



يتبع

Romantic Flower
, Tue, 16 Oct 2007 08:46:13 +0200
.. لكن ذلك كان عصر الشناشيل – وطرازها المندثر..
وفي العصر الجديد – استبدلت تلك الشناشيل الحنونة، بتلك الشبابيك المفتوحة على مصاريعها كأنها تعلن استسلاماً دائمياً بلا قيد او شرط – ستوهمك بالانفتاح وقد تصدق الوهم – فأذا اقتربت فستصطدم بذلك الجدار الزجاجي الاملس البارد – سيحجزك عن الداخل ،سيمنعك من التوغل في الاعماق..
سيكون هُذا الزجاج مثل قفصاً يمنع من التواصل من وإلى وعبر الداخل – سيكرس العزلة والفردية رغم أنه يبدو من بعيد منفتحاً وداعياً إلى التواصل..
بينما كانت الشناشيل تكرس القرب والحنين – رغم أنها تبدو من بعيد مثل الحصن الحصين.. كذلك النفسية الجديدة التي أرادت رياح التغيير أن تبذرها : من الخارج سيكون الفرد الجديد أكثر بشاشة وهشاشة ومدنية، لكنهم سلبوا منه أفضل ما فيه، داخله الطيب ومعدنه الأصيل، ومنحوه بدل ذلك زجاجاً اصماً هشاً وبليداً،.. جعلوه له قفصاً وحبسوه فيه..
وفي الطراز الحديث – لن يكون هناك "حــرم" او " ديـوخـانة" – فالأمر ستختلط في الحياة الحديثة، والخطة تفترض أن لا حرمات ستبقى، ولا حدود ستوضع..
وفي الطراز الحديث، لن تكون هناك أعمدة رشيقة شاهقة ترفع السقف وتصعد به إلى السماء..، فالثوابت قليلة في الحياة الحديثة، والاسس ركيكة، مؤونة البناء مغشوشة، والمقاولة بأكملها تبدو مليئة بالرشوة والثغرات..
.. من الناحية التقنية، لن تنهار البيوت المبنية على الطراز المعماري الحديث،.. لكن مجتمعاً بني على أسس خاطئة ومنطلقات مزيفة – قد يعلو قليلاً- لكنه سينهار – ولابد- سيسقط على رؤوس أفراده وينقلب عاليه سافله.. (.. كما يحدث الآن معنا..).
ربما لم تكن خالتي على وعي بكل تلك التفاصيل. لكنها رأت الضوء.. وقررت ان بيتاً كهُذا لن يبنى من جديد. وأخذت كاميرتها لتلتقط لكل زاوية من زوايا البيت صوراً – ستبدو للوهلة الأولى أنها خالية..
لكنها في واقع الأمر، ملآنة بالذكريات. بل وبتفاصيل الذكريات..
****************
أتخيلها عندما ذهبت هناك.
بعد عشر سنوات من الرحيل – لم تذهب للبيت ولا مرة خلالها.
ولا حتى مرّة واحدة.
عشر سنوات، عصفت فيها العواصف. وشبت النيران وانفجرت البراكين.
وماتت والدتهن ميتة مفاجئة وصاعقة – نتيجة لخطأ جراحي على يد أمهر الجراحين البريطانيين في عملية بسيطة في لندن.
كانت في الخمسين فقط. وكن بناتها في مقتبل الصبا والشباب. وحيدات الا منها في عالم بدا كالخلاء الاجرد بعد وفاتها المروعة..
وبدلاً من أن يعدن من لندن بالحقائب المليئة بأحدث الالبسة وأجمل الهدايا، جئن في طائرة شحن صغيرة بصندوق خشبي، يضم أغلى ما يملكه انسان.. أمـــه..
وكانت صغراهن في الثامنة فقط. أخفوا الخبر عنها بأتقان. وأخبروها أن أمها ستلحق بهن في طائرة أخرى. كانت تلهو وتمرح قرب الصندوق دون أن تدري أن أمها مسجاة فيه.. – ولو درت ما كانت ستفهم لمـــاذا - ..
كان ذلك هو الحدث الجلل في منتصف العشر سنوات تلك.
كان هو الحدث الذي سيطر على مشاعرهن. وعلى مواقفهن. وعلى ارادتهن وعلى الكثير الكثير من سلوكياتهن..
عندما تركن البيت إلى غير رجعة، كن – كشابات – فرحات نوعاً ما بالبيت الأحدث طرازاً.. ولو نسبياً – المطل على النهر حيث كان بامكانهن استقبال صديقاتهن واستضافة جلسات السمر التي تدور مع النهر، بسهولة ويسر أكبر..
.. فلنقل أنهن كن فرحات بالتغيير – لمجرد التغيير، لمجرد انه تغيير وسيتوافق ذلك مع الدم الشاب الذي يسري في عروقهن..
لكن هُذا التغيير لم يكن دوماً متوافقاً مع ما يردن. ففي اعماقهن فوجئن بأن الموت أخذ أمهن دون سابق أنذار، طبعاً الموت لا يسبق بأنذار، لكن عندما تكون في مقتبل العمر، والدنيا فاتحة ذراعيها، مزهوة بك وزاهية لك، فأنك لا تفهم هذا.. وعندما يأتي الموت على حين غرّة ليخطف واحداً من احبابك فأنك تصدم.. كما صدمن..
.. وفي لا شعورهن، وجدن أن البيت الجديد مسئولاً إلى حد كبير عن تواري والدتهن خلف تلك البلاطة في مقبرة باب الشيخ..
لم يكن يجرؤن على التصريح باعتقادهن إن البيت منحوس، كان مستواهن الاجتماعي والعلمي ينأى بهن عن التصريح – دون أن يمنعهن حقاً من الاعتقاد بذلك..
لكنهن كن يتبادلن الاتهامات، لست أدري بالضبط مع من، حول جو النهر البارد، وانفتاح البيت الزائد على هُذا الجو، وصعوبة التحكم بتدفئته، الأمر الذي أدى إلى اصابة والدتهن بالسل الرئوي..
(..رغم أنها لم تمت بذلك، بل بتداخل جراحي بسيط..) لكن اللوم كان في أعماقهن على البيت الجديد – رغم الطراز الاحدث نسبياً.. رغم النهر.. ورغم أنهن كن يردن التغيير..
في منتصف العشر سنوات تلك، وجدن أنفسهن في بيت خلا فجأة من والدتهن..





يتبع

Romantic Flower
, Tue, 16 Oct 2007 08:47:17 +0200
وبيت آخر، كانت موجودة في كل زاوية من زواياه.. في حجراته وغرفه وشناشيله واسطحه..
في كل بلاطة من بلاطاته كانت هناك.. رغم أنها توازت خلف بلاطة واحدة فقط.. في تلك المقبرة غير بعيد عن البيت..
كان البيت يضج بها وبذكراها وبرائحتها..
ولذلك لم تجرؤ واحدة منهن على الذهاب إلى هناك. ولا واحدة.. ولا حتى مرّة واحدة..
إلى أن جاءت تلك الورقة على الباب..
وذهبت خالتي لتلقي النظرة الأخيرة، على البيت، على ذلك الزمان المتواري.. خلف رياح التغيير..
وأخذت معها كاميرتها، لتجمد تلك النظرة الأخيرة، وتحولها إلى صور صقيلة مرصوصة في ذلك الالبوم الذي اتصفحه تحت القصف..
************
أتخيلها وقد استقلت السيارة، في صباح اتخيل أنه كان حزيناً وغامضاً، وأخبرت السائق أن يذهب بها إلى الحيدرخانة..
أتخيل عيناها محتقنين، تأهباً لدموع لاشك أنها ستهبط .. وأتخيل شفتاها مزمومتيين، تأهباً لمواجهة ماضي صار مجرد ذكريات، وهاهو الزمان يأتي ليهيل ترابه وركامه عليها..
وأتخيل السيارة تنهب الطريق. تسرع هنا وتبطء هناك. وفي كل دورة تدورها العجلة يقترب ذلك الماضي أكثر فأكثر..
وكلما اقتربت السيارة عن البيت، كلما تقدم الماضي أكثر وأكثر، ليمحي كل علامة استحدثها الزمن، يكشطها كشطاً عن الأبنية والاشجار والارصفة.. وحتى عن الهواء الذي يلف الأماكن..
وفي كل مكان خطوة خطوة، ينتصب الماضي ويشيد أبنيته ورؤاه واشخاصه..
هنا كان درب المدرسة، قصير جداً، فقط خطوات من البيت، بين درابين الحيدرخانة- لكن الأهل والتقاليد المرعية والأعراف والشرائع السماوية كلها كانت ترى الدرب بعيداً جداً، طويلاً جداً، وخطيراً جداً، فلا تذهب البنات إلى المدرسة إلا بصحبة قوة حماية مؤلفة من الحارس أو البواب أو السائق.. أتخيلهن هناك، في تلك الدروب الموغلة في الماضي، يركضن مفعمات بالطفولة والفرح والأمل، غير مباليات بمخاوف الأهل ووساوسهم التقليدية، ولا بنفس الحارس العجوز المتهالك، الذي يكاد ينقطع ركضاً خلفهن..
وهنا كان درب المدرسة الأخرى، عندما تقدمن في العمر أكثر، قريبة جداً ايضاً – ولكن العرف الاجتماعي سينقل الحراسة من مستوى الحارس المتهالك، إلى مستوى السيارة المحصنة..
هنا بيوت جيران العمر – مشى ببعضهن العمر و وقف ببعضهم العمر – ضيع بعضهم العمر..
وهنا في تلك الساحة، كان يأتي العيد وينصب نفسه والعابه وأرجحاته ودواليب هواءه – ويلم الأطفال ليلتم معهم العيد – انهم هم العيد!.. رغم انهم يتصورونه هو العيد - .. ولم تكن الأعراف الطبقية تسمح بعيد كهذا لخالاتي إلا من خلال زجاج نافذة السيارة..
وهنا علقوا نشرات الأضواء الكهربائية على المباني الحكومية، لأول مرّة بمناسبة عيد جلوس الملك..، ودارت الأيام، ومات الملك – عاش الملك – وقام ملك ليجلس ملك – ثم قام الملوك كلهم – بل طاروا وطارت حتى رؤوسهم.. والغي العيد كما الغيت الملكية.. لكن ظلت تلك النشرات الملونة تضئ الذاكرة بزهو الجلوس الاول – وحتى عندما صاروا يعلقون نشرات مشابهة في مناسبات شتى – من ضمنها مناسبة القضاء على الملكية – صارت تلك النشرات تذكر – ولو عفواً – بذلك الجلوس المضئ..
هنا بائع "الفــرارات" ، لو يدري كيف ستدور الدنيا وكيف ستضئ، هنا بائع الشعر بنات، لو يدري أنهن سينفشن شعورهن لاطمات، وهنا بائع "الأبيـض وبيـض" – ممنوع قطعاً الشراء منه بأمر الوالدة خوفاً من التلوث – لكن من يأبه من الفئران للقط إذا غاب..
هنا فاجأتهم أول غارة – في حياتهـن- أبان ثورة رشيد عالي الكيلاني، وتراكضن مرتعبات – وهن لا يصدقن أبداً أن هناك هول كهُذا – سيختبئ مع الأهل في السرداب، وستختبئ بغداد كلها في سرداب ما – وهي لا تصدق أبداً أن هناك هول كهُذا – فضلاً عن أن يكون هناك هولاً أكبر..
(آه بغـــداد – لو تعرفين سيقيدونــك من يـديـك ورجليـك، ويغتصبونك على رؤوس الأشهاد – ويتفرج العالم كله على ذلك بالبـث المباشـر، وستبحثيــن عن سرداب ليؤويــك ويؤوي جراحــك – لكــن .. حتى هُذا لن يمنحــونه أيــاك..)
هنا شب حريق في ذلك المبنى العتيق. وجاءت سيارات الاطفاء الحمراء بخراطيمها الطويلة لتطفئ النيران. وفرح الاطفال مرتين : مرة بالحريق . ومرّة بسيارات اطفائه..------------------------------
الفرارات:لعبة تقليدية من العاب بغداد القديمة و هي اساسا بمثابة طواحين ورقية صغيرة يركض بها الاطفال ليحركها الهواء .
ابيض و بيض : اكلة بغدادية يبيعها غالبا الباعة المتجولون-مكونة من البيض و العمبة و الطماطة



يتبع

Romantic Flower
, Tue, 16 Oct 2007 08:47:48 +0200
أطفئ الحريق وقتها. لكن كل تلك السيارات وخراطيمها وخزاناتها ستكون أعجز عن أن تطفئ نيران المشاعر والذكريات والقلوب..
هنا بائع الشلغم الساخن. وهنا من أفران السيد. هنا الشاي المهيل برائحة الماضي وبذكرياته الحلوة•الكاهي المرّة..
أنها عشر سنوات . عشر سنوات . والآن : النظرة الأخيــرة..
هنا تتوقف السيارة. ويتوقـف الزمــآن.
*************
أمام الباب يوقف السائق السيارة.
أتخيل أن خالتي لم تنزل على الفور. فضلت البقاء قليلاً لاستجماع شجاعتها.. وأتخيل أن البقاء أمام الباب المغلق، هز مشاعرهن أكثر، واستفز دموعها أكثر..
ذلك الباب المغلق – الذي وقفت أمامه السيارة، والذي كان مغلقاً ربما لسنين خلت، إلا من بعض المرّات النادرة التي يدخل فيها الحراس والمستخدمون .. – والذي كان سابقاً – لا يقفل ابداً : بل يظل مفتوحاً على مصراعيه منذ أول تباشير الصباح، حتى أولى ساعات الليل..
كان البيت صدراً متسعا للجميع، وكان الباب المفتوح دلالة " بغــداديــة" على ذلك.. واليوم. تقف السيارة أمام باب متعبة وشاحبة – خشبها منخور باليأس والانتظار، وحديدها علاه الصدأ من طول الأنتظار..
الباب مقفول. كم مرّة دقه شخص جاء بعد غياب. كم مرّة دقه عابر سبيل، او بائع جوّال..
كم مرّة دقته الرياح، في الليالي العاصفة، او قطرات المطر، المنهمرة من المزاريب، في الليالي الممطرة..
ولعشر سنوات. ظل الباب مقفلاً – هو الذي كان لا يقفل ابداً..
واليوم – هــاهـو يفتــح – من أجل نظرة أخيرة..
عندما دار المفتاح في القفل، وانفتحت الباب لأول مرّة، صدر صوت ما، صوت هائل وكئيب.. أكثر من مجرد صرير باب تحتاج مفاصله إلى تزييت.. كان الصوت يشبه شهقة – شهقة حزينة ومكتومة..
ربما كانت شهقة احتضار – أو شهقــة ولادة – ربما كانت شهقة فرح، مفاجئة ونادرة – وربما كانت شهقة حزن – من صدر اتخذته الأحزان، ولايزال يشهق مع كل حزن جديد..
وربما كانت شهقة يأس، مثل صنبور ماء فرغ ويعلن ذلك بصوت كئيب مهيب..
وربما كان الصوت، مجرد صرير يحتاج إلى تزييت..
دخلت خالتي كمن تسيير في جنازة. نعم. كانت تسير في جنازة. جنازة الماضي الذي جاءت تلقي النظرة الأخيرة عليه.
هنا دكة الحارس. الحجي مسرور. لم يكن مسروراً قط. كما أنه لم يكن حارساً بالمعنى العملي. كان بواباً كسولاً يجلس على الدكة معظم الوقت، لن تنسى خالتي – ولا أحد من أفراد عائلتها – عندما مرَّ رئيس الوزراء المزمن نــوري السعيد أمام دكة( الحجي مسرور)، ووجده يأكل طبقاً شهياً من "البـاميــة" – فوضع "البــاشــا" الاتيكيت جانباً على الدكة، وجلس يأكل البامية مسروراً قرب الحجي مسرور..
.. بعد ذلك بأشهر فقط دار الزمن وسحل الغوغاء الباشا ومزقوه أرباً، ثم دار الزمن مرّة أخرى – كعادته دوماً – ووجد بعض هؤلاء الغوغاء أنفسهم وهم يترحمون على الباشا، وعهده المباد..
هنا في حوش الديوخانة، كانت والدتي – ذات الثمان سنوات، تجمع الخدم والمستخدمين وتصفهم بشكل منتظم وتقودهم في خطوات عسكرية، ربما لتثبت لوالدها، أنها يمكن أن تكون أفضل من الذكر الذي لم ينجبه..
.. وهنا كانوا يأتون – في أيام العيد – بالقردة المدربة وهي تتراقص على ايقاع الطبول، وترتدي زياً افريقياً والعظام في رقابها، وتدور في حلقة يسمونها "ميدان عبيد" – آه، كان الاطفال يضحكون في العيد، من ميدان العبيد هُذا، جاهلين أن الزمن سيدور، وأن الحلقات ستدور، وأنه سيأتي عليهم وعلى أولادهم وقت، يكونون عبيداً في ميدان آخر، سيرقص البعض، وسيقفز البعض، و سيقتل البعض، وسيتفرج الناس علينا – في ميدان العبيد الاخر عبر البث المباشر..
.. وهنا كانت تخزن المؤونة : وكل سنة تضاف لها كمية تكفي لعدة سنين، تضاف لمخزون يكفي اصلاً لعدة سنين، ويعكس ذلك كله المخاوف التقليدي عند سكان بغداد، من مخافة القحط وتكرار الحصار..
وهناك، على ذاك التخت – كان يجلس جدها و والدها، يتحدثان ويتناقشان يستقبلان بعض الزوار المقربين، وقرب الحائط خلفهما، التقطت تلك الصورة الشهيرة التي زعم


الشاعران الشهيران انهما تصالحا فيها، ومن ذاك السطح العالي تقافز ذلك القائد الشهير من قواد ثورة العشرين، هارباً من قوات الاحتلال، ومختبئاً في تلك الغرفة بالذات ..
هناك – في غرفة الشناشيل – كانت جدتي تجلس قلقة لتنتظر عودة زوجها .. المستوزر قسراً في عهد اضطرابات سياسية بالغة، وأمامها في الشرفة اسكافي فقير، يغلق كل يوم دكانه في ساعة محددة، ويقفل راجعاً إلى بيته، وتقف الزوجة القلقة للوزير المعهود – وهي تغبط زوجة الاسكافي المطمئنة على عودة زوجها إلى البيت كل يوم..
.. وهنا – في هُذهَِ البالوعة – كانت والدتها ترمي بكيس الدعابل الذي يهربه له والدها – بعيداً عن عين زوجته الموسوسة من أي شيء صغير ممكن أن يخنق الصغار..
وفي تلك الشرفة كانت والدتي ترسم بالطباشير خطوط منفردةً مع خيالاتها وأوهامها..•ودوائر ومربعات، وتلعب "التوكي"
.. وهنا درًس البئر وردموه – ربما راحت البركة من يومها..
.. وهنا كانت تأتي بائعة اللبن – الحجية نايلة – وتجلس قرب "الخــانـم" لتحكي لها عن مشاكل بناتها مع ازواجهن..
وهنا كانت تأتي الخبازة أم حسن، مرتين في اليوم من أجل أن يكون الخبز الساخن متوافراً وجبتي الافطار والغذاء على الاقل.. تخبز بيدين معروقتين، صابرتين، ساكتتين عن هم، تبوح به أحياناً – وتسكت عنه معظم الاحيان.
كانت تلوذ بصمتها عند التنور. وعندما يجلبون لها طعام الفطور، كانت تكتفي بالشاي، تلف الجبن في حرزٍ حصين – تخفيه لاحفادها الصغار الثلاثة – اولاد ابنها الذي لايسأل عن اولاده وينفق كل ما يكسبه على رهان الخيول – والذين ماتت امهم عند ولادة شقيق رابع – مات هو الآخر..
(كانت قد صمدت مع البيت وأهله إلى أن ماتت اواخر السبعينات. واذكرها كشبح لهيكل عظمي وقد اصابها العمى دون الخرف – كانت تأتي فتبقى في بيت جدي لأسابيع – فتستضاف معززة مكرمة. كواحدة من أهم الضيوف –كما يعامل عندهم دوماً أي شيء من مخلفات الماضي وتوابعه..)
وإلى هنا جاءوا بالبقرة عندما نشبت ثورة الكيلاني، وقيل أن نقصاً حاداً سيصيب امدادات الحليب والالبان، فجاءوا بالبقرة الحلوب لتعوض عن ذلك. واستفاد الجيران أكثر مما أستفاد أهل البيت، فقد تصادفت ثورة الكيلاني مع ولادة أبنتهم البكرالتي تحتاج إلى تغذية متنوعة تشمل الحليب والالبان والاجبان، ويبدو أن وجه الحليب كان حلواً على الطفلة الرضيعة التي ولدت في تلك الظروف الصعبة، فقد كبرت لتتزوج زيجة ممتازة – حسب المقاييس البغــدادية السائدة – من رجل معروف مثل العراق في المحافل الدبلوماسية، وكان – كلما ظهر على شاشة التلفاز، تذكر والدتي تلك البقرة الغابرة وحليبها الحلو، وتلك الظروف التي أتضح أنها ليست صعبة جداً بالمقارنة مع ما سنمر به لاحقاً.
وهنا – في غرفة التخت بوش – كانت خالتي هُذهِ بالذات، تتقلب بكسل وهي تقرأ كتب ارسين لوبين وجرجي زيدان، وترسل بواحد من الخدم إلى تلك المكتبة العتيقة في( الباب الشرقي) ليجلب لها المزيد – كبرت خالتي فيما بعد لتمنعني من كتب جرجي زيدان بالذات. خوفاً عليَّ من (سمومه الاستشراقية الشعوبية) – على حد تعبيرها - ، آه يا خالة. ليتنا بقينا على جرجي زيدان وسمومه. ما كان أسعدنا بذلك. لقد سمموا الجو كله بعدها. سمموا الافكار كلها ،حتى الاوكسجين الذي نستنشقه صار يحتاج إلى تنقية واعادة تأهيل، بل أن سموم جرجي زيدان صارت تبدو مثل نزلة برد بسيطة مقارنة بالسرطان المتسبب عن اليورانيوم المنضب وغير المنضب الذي يزاحمنا في الحيز الذي نحتله..
(ليتنا بقينا على سموم زيدان ؟ أم أن الأمر متصل بعضه بالبعض ؟ وأن ذاك السم أدى بالتتابع إلى هُذا السرطــآن؟..)
جاست خالتي بين الاركان والزوايا. جالت في الماضي القريب الذي صار مجرد ذكريات، وتوغلت في الماضي الأبعد الذي لم تحضره ذاكرتها ولكن حفره في ذهنها ترديد الالسن له عبر الاجيال..
هنا غادر والدها و والده البيت – بـل غادروا بغــداد بأكملهـا – تركوا كل شيء ورحلوا مع انسحاب الجيش العثماني قبل يومين من دخول الانكليز إلى بغداد..
نعم، هنا سقطت بغداد عندما فرغ البيت – قبل أن تسقط بدخول الانكليز .. وهنا اقتحم الغزاة الدار. هنا نهبوه وسلبوه بأسم المصادرة والغنيمة – وهناك، في المزاد غير البعيد عن الدار، باعوه الاغراض والاثاث، واشتراها بعض الاصدقاء والمعارف لما ميزوا فيها متاع البيت الكبير – وادخروها انتظاراً لعودتهم من أجل ردهم إليها..
.. وهنا اعتقلهم الانكليز بعد العودة. ومن هنا اخرجوهم عندما نفوهم بعيداً عن العراق..
هنا التاريخ لم ينتهي حقاً، في كل ركن قصة، وعلى كل حائط بصمة، وقرب كل نافذة حكاية..
هنا الماضي لم يفوت ليموت. بل فات ليدخل في كل التفاصيل، ويعشش في كل الحنايا والخبايا والزوايا..


يتبع

Romantic Flower
, Tue, 16 Oct 2007 08:48:46 +0200
.. وهنا – بالضبط هنا – كان اللقلق الاسطوري يطير من قبة المسجد المجاور ليحط – للحظــات فقـط- في الحوش، وينتقي ما يريد مما هو أمامه من الحاجات والاغراض. ، كما تقول اغنية اطفال المحلة. مرّة حطّ•وليس الصابونة – فقــط- من فوق الرازونة وأخذ الصابونة. ومرّة حط وأخذ زيتونة. ومرّة تورط ببكرة خيط – واحتار بها ونشرها في كل مكان على السطح العالي..
ومرّة أخذ بيضة مسلوقة كانت معدة لخالتي ، ويبدو أن طعمها راق له فصار يأتي كل صباح ليتصيدها ويأخذها بمنقاره الطويل – وراق الامر للجميع، فصاروا يتركونها له عامدين، ويقفون مختبئين متلصصين – ليراقبوا جارهم اللقلق وهو يلتقط افطاره اليومي.. آه، يا لقلق جامع السيد إبراهيم، تراك مرّة – دون أن يراك أحد – دون أن يراقبك أحد، حططت والتقطت الفرح بمنقارك الطويل وأخذته معك دون أن ترده ابداً..
أم تراك أخذت الماضي كله معك، طويته بمنقارك وتحت جناحيك، وطويت صفحته
–على القبة هناك – إلى الأبد ؟؟..
آه يا لقلق جامع السيد إبراهيم، تراك أين أنت الآن – وأين حل الدهر بك – أو بأولادك- هل وجدت لك قبة جامع تؤويك –أم أنهم ضايقوك كما ضايقوا كل رواد المساجد، فاعتكفت مع الذين اعتكفوا – او هاجرت مع الذين هجروا -.
أو تـراك انقـرضت .. مــع الذيـن انقرضــوا..
آه يا لقلق جامع السيد إبراهيم – كم تبدو اليوم كأسطورة من أساطير الاولين – كم تبدو بعيداً مثل سراب مغبش في خيال يائس لرحالة تائه، كم تبدو نائياً في المعاجم والقواميس، وأنت الذي كنت تسكن قبة الجامع المجاور – واغاني الاطفال واهازيجهم ..( وتسرق الصابونة من فوق الرازونة..)
آه يا لقلق، لقد قضي كل شيء كما ترى، وكم مرّة حططت في الباحة – وبحثت عن بيضتك - بل عن أي شيء لتلتقطه بمنقارك – ولم تجد شيئاً.. لعلك تساءلت في سرك : مالذي دهاهم؟. لعلك افتقدتنا يا لقلق بعد كل شيء..
لكن لا جواب. لا شيء غير الصدى يتردد في الاركان. ويتضخم في الزوايا.
لا شيء سوى خيوط العنكبوت تطغي على كل شيء. وتغطي كل شيء.
على تلك الحافة بين الواقع والأسطورة. بين الماضي والحاضر. بين الخيال والحقيقة، وقفت خالتي ولا صوت هناك غير صوت دموع صامتة تنهمر من عيونها. وصوت الحمام الحزين يهدل من بعيد, وصوت الكاميرا وهي تلتقط الصور – التي ستستقر في ذلك الالبوم- والذي اتصفحه أنا، فأرى كيف أن أكبر بيت في بغداد – قـد آل إلى السقــوط والانهيار –
.. اتصفحه صورة تلو صورة، وصفحة تلو صفحة، وأنا اتصفح في الحقيقة مدينة كانت أيضاً أكبر مدينة في الدنيا..
وهـي الآن – آيلـــة .. للسقـــوط ..
***************
للمرة الاولى في حياتي اجد نفسي بمواجهة هذا السؤال و قد تحول ليصير سؤالا مصيريا: لماذا سقط البيت؟
لماذا تهدم اكبربيت في بغداد؟ لماذا صار قاعا صفصفا عند منعطف القرن بين عواصف التغيير و رياح الحروب؟
هل كان الخطأ في الاساس؟ في مواد البناء؟ في طبيعة الارض؟ في اسلوب البناء؟ في الخريطة؟ في الطراز..؟
هل اصدق ذلك الجواب الجاهز: لأن جدي كان بلا عقب من اولاد ذكور..؟
ام ان الامر اكبر من ذلك.؟
و كان الذكور سيضيعون كما ضيع الاناث؟
للمرة الاولى اجد السؤال و قد خرج من اطاره الشخصي – الخاص- الى اطار عام،
للمرة الاولى اجد السؤال و قد خرج عن كونه محاسبة عائلية- ليصير استجوابا تاريخيا..يتغلغل في تاريخ بغداد- بدلا من تأريخ العائلة..
بغداد التي توشك على السقوط-و البيت الذي سقط فعلا و العلاقة بينهما اكثر من مجرد احتواء- اكثر من محض جيرة..
في مكان ما،بين حيثيات القضية و ملفات الذاكرة، هناك الاجوبة،هناك ذلك الرد عن سؤال السقوط..
بغداد و البيت ، مصير واحد.. و جواب واحد عن نفس السؤال..
في مكان ما- سأجد الجواب..



يتبع

Romantic Flower
, Tue, 16 Oct 2007 08:49:26 +0200
المحور الثاني


المشهد الاول


العد التنازلي للسقوط


كان ذلك في صبيحة الخميس. عندما صحوت لأشاهد في التلفاز ما لا استطيع أن اقول انه اعجبني..
كنت قد نمت ليلتها مبكراً على ما يبدو، وفاتني أن اتابع آخر الأنباء – او أني هربت منها – بوعــي أو بدون وعــي – إلى النوم المبكر، كما كنت أفعل في امتحاناتي ايام دراستي الغابرة، حيث كان النوم يأخذني من الخوف من الامتحان، او عدم انهاء المادة المقررة..
كنت اعرف أن الاخبار سيئة. وأن ذلك الضفدع المتقافز أخذ يقترب أكثر وأكثر دون أن يضطر لدخول الهدف في طريقه، كان يلتف حولها فيحيدها، وإذا اضطر لدخول أطرافها واجهته مقاومة صدته ودفعته لتغيير طريقه قليلاً دون تغيير خطته..
.. وقبل أن أنام، كنت أعرف أنه في مكان ما – في أطراف النجف – وعندما صحوت، صحوت على كابوس لم افق منه، فقد فتحت التلفاز لأجد نفسي في وسط تقرير مصور – كان من الواضح أنه بدء قبل دقائق – وكان من المؤكد أن الساعات التي قضيتها في النوم هارباً – قد شهدت من "الأخبار العاجلة" ما لم أكن أود سماعه- ولكن ما لا يمكنني الهروب منه إلى الأبد..
طوال ذلك الطريق الممتد الذي قطعه الضفدع المتفاخر، كانت هناك نقاط مقاومة، تضئ وتخفت، بشكل متناوب، بعضها ظل يقاوم حتى بعد ما اجتاح الغزاة بعدها مئات الكيلومترات، مثل ام قصر – التي هي مجرد نقطة على الحدود – ظلت تقاوم لأسبوعين حتى الرمق الأخير.. وحتى اللقمة الأخيرة .. وحتى الطلقة الأخيرة. وطوال كل تلك المدة، وطول كل ذلك الطريق، لم ينقل لنا التلفاز عملية سقوط ولا مدينة واحدة – حتى تلك اللحظة – نعم، في الناصرية كانت هناك بعض الصور، لكنها كانت صور مدينة تقاوم أكثر مما كانت صور مدينة تسقط.. والفرق كبير..
(فيما بعد سيذكر الأعلام – ولن ينكر أحد- ، أن الغزاة اضطروا لاستئجار عوائل من الفقراء المغاربة الذين يعملون في أحدى الدول المجاروة، فقط ليلوحوا بأيديهم على الطريق للقوات الغازية.. لاعطاء الانطباع الاعلامي بأن كل شيء على ما يرام..)
.. وكان ذلك هو الحال حتى دخلت إلى النوم .. – مدن تقاوم، ومدن تحيد، ومدن تحتل.. ولكن ليس السقوط.. وعندما صحوت، وفتحت التلفاز، وجدت نفسي في كابوس لا مهرب منه..
.. كان هناك الغزاة في شوارع مدينة ما – للوهلة الأولى لم أعرفها – لأن التقرير كان قد بدء قبلها بدقائق..
وللوهلة الأولى لن يهمك الأسم. أنها مدينة في بلدك وكفى.. والغزاة بأسلحتهم يمشون – بحذر نعم- ولكن بسلام..
.. سترى الدبابات مدججة بعدائها ومدافعها، دون أن تضطر لاستخدامها.. ستربض هناك في الشوارع.. وستراها عبر الشاشة – فيؤذي المنظر عينك، حتى قبل أن تستوعبه تماماً..
وسترى على الشاشة وجوهاً ربما لن تعرفها بالأسم. لكن ملامحها مألوفة جداً، أنها ملامح ابناء بلدك – تراها فتميزها وتعرف انك لن تضيعها بين الوف..
ربما تلك الملامح ليست جميلة جداً – حسب المقاييس السائدة .. ليست فاتحة البشرة، والعيون ليست ملونة، والشعر ليس اشقراً – رغم ذلك، فأنها ملامح الفتها طيلة حياتك. بعضهم يشبه جارك، وبعضهم يشبه ابن البقال الذي طالما نقل مشترياتك إلى سيارتك، وبعضهم قد يشبهك – لو أنك مثله قضيت تحت الشمس، حياتك..
سوف تنزلق تلك الوجوه على عينيك من الشاشة، وسوف ترى على ملامحها الذهول، سوف تبدو كما لو كانت وجوه لموتى، شاحبة وفارغة ومفرغة من المعاني..
سوف تبدو لك تلك الوجوه، التي هي وجوه ابناء بلدك، كما لو أنها صحت للتو من كابوس، أو دخلت للتو في كابوس، او صحت من الموت عقب نفخة هائلة، او دخلت في الموت عقب نفخة هائلة أخرى..
أركز قليلاً في الشاشة، وانصت لما تقول تلك الوجوه. بعض الوجوه تتجادل مع وجوه أخرى.. هناك بعض الغضب والشدّة في الجدال..
وجوه اخرى تتحدث مع الغزاة. انصت ايضاً، واركز في الكلام وفي الملامح. لكن هذه المرة لا غضب ولا شدّة .. لا أرغب في القول هناك مذلة..
تتجول الكاميرا في الشارع. اتحفز لأعرف بالضبط اين يدور الذي يدور، وافرك عيني وأنا أتمنى أن يكون كل ما يدور مجرد كابوس.


يتبع

Romantic Flower
, Tue, 16 Oct 2007 08:50:08 +0200
من بعيد، تبدو تلك القباب والمآذن المألوفة ..
وينزل عليَّ الفهم كالصاعقة..
وأرى الناس، ملتفين مصطفين، ايديهم متشابكة.. يحمون تلك القباب.. ، وعلى آل محمد .. وتمنيت لو أني لم أنهض منويهتفون بصوت واحد – بالصلاة على محمد نومي. ولم أفتح التلفاز. ولم أرَ . ولم أفهم..
أنها النجــف..
لقد سقطت النجــف !!
******************
عندما يلتفت حوالي نصف السكان في بغــداد من حولك،ان لم يكن اكثر - وبعضهم اصدقاء عمرك وزملاءك وجيرانك، صوب النجف، لتفتي لهم في ادق شؤون حياتهم، من مواقيت صلاتهم إلى كيفية ادائها، ومن مواقيت صيامهم – إلى مواقيت افطارهم – مروراً باليوم الذي يبدء فيه رمضانهم – والذي يبدء فيه عيدهم..
في كل دقيقة، كل صغيرة – وكل كبيرة – كل شاردة وواردة – كانت هناك تلك الالتفاتة صوب النجف – وكانت هناك ايضاً، تجاه كل التفاتة، ايماءة من هناك، جواب من هناك..
لم يكن الجواب رجع الصدى – فيما يتعلق بالنجف.. كانت هناك دوماً أجوبة تجاه تساؤلات حوالي نصف سكان مدينتك..ان لم يكن اكثر
.. ولن يدعي أحد آن الكل كانوا ملتزمين بتلك الاجوبة وتلك الاشارات فالكثيرون كانوا متفلتين – لكن تلك كانت مسألة أخرى، المهم أنهم إذا التفتوا، فسيكون ذلك صوب النجف..
وإذا سألوا فسيسألون النجف..
كل حياتهم، او حياة معظمهم – كانت تسير في درب النجف.. (نظرياً على الأقل) وعندما يموتون، فأنهم كانوا يسيرون (عملياً) على طريق النجف، حيث تذهب الجنازة إلى هناك.. ويدفن الميت هناك..
لذلك فسقوط النجف، لم يكن أبداً مجرد سقوط مدينة أخرى – في درب الغزاة إلى بغداد..
ليست النجف كالناصرية، ولا كالبصرة.. ولا كأي مدينة أخرى.. كانت النجف عمقاً من أعماق بغداد. وضاحيةً من ضواحي بغداد .. وسوراً عالياً من أسوار بغداد..
وفي حقيقة الأمر أن معركة بغداد – التي قيل أنها ستدور هنا أو هناك في دائرة حول بغداد يبلغ نصف قطرها حوالي 50 كيلو متراً – حصلت في حقيقة الأمر في النجف.. وحسمت – تقريبــاً – في النجف..
أقول ذلك ولكني استدرك : على الأقل ، بالنسبة لنصف سكان بغداد.. سقطت النجف أذن..
*************************
على ذلك الكابوس صحوت ذلك اليوم..
وعلى الشاشة كان ذلك الكابوس مجسداً أمامي بتلك الملامح الذاهلة لتلك الوجوه المألوفة لأبناء بلدك الذين ستفضل الموت على أن تراهم على تلك الشاشة بذلك السقوط..
.. وعلى الشاشة تتجول الكاميرا باحتراف، لتلتقط تفاصيل وزوايا السقوط، وتجسدها وتجسمها وتضخمها – وتنقلها لكي تتمم عملية السقوط.. لكي يعم السقوط ..ويسهل السقوط..
أظنها كانت كاميرا شبكة فوكس – فقد كانت قد اشترت الحقوق الحصرية لمصاحبة قوات الغزو – ويبدو لي أن الشبكة التي كانت قد اسهمت وبشكل كبير – في التمهيد للحرب والترويج لها والتسويق لاسبابها الموهومة – كانت تنتظر تلك اللحظة، لحظة السقوط، لتصورها على أحر من الجمر..
كان رأس المال الذي استثمرته في الحرب، ينتظر لقطات كهُذهِ.. لقطات سقوط. ولقطات استسلام. ولقطات هزيمة..
حسناً. لم يكن هناك ورد‘’ في صحراء النجف ليستقبل به السكان الغزاة.. كما توقع البعض..
وللأنصاف، لم تستطيع كاميرا فوكس التقاط الترحيب في ملامح اولئك البسطاء المذهولين في شوارع النجف..
ولكنها ركزّت ايضاً – وبمهارة حرفية – انه لم يكن هناك عداء في تلك الملامح. لم يكن هناك مقاومة في تلك الملامح.
لم يكن هناك تلويح بالأيدي.
ولكن لم يكن هناك تهديد بالايدي.. ولا تنديد بالأيدي..
كان هناك الذهول. كانت هناك السلبية. كانت هناك – على الوجوه – حيرة من نوع خاص – حيرة لن تؤدي إلى تفكير، بل لن تؤدي إلى أي مكان..
فقــط ذهــول .. فقــط سلبيـــة..
كانت وجوههم بالضبط كوجوه اسرى ظلوا معتقلين منذ عقود في زنزانة مظلمة، لا نور ولا شمس ولا هواء مباشر، ثم فجأة، وبعد أن يأسوا تماماً، جاءهم سجانون آخرون، واخرجوهم من زنزاناتهم تلك – ليضعوهم في زنزانات اخرى..




يتبع

Romantic Flower
, Tue, 16 Oct 2007 08:50:40 +0200
الشمس بين الزنزانتين كانت مثيرة للذهول.
الهواء بين الزنزانتين ، كان يبدو غريباً على رئة كل منهم.
.. في الطريق إلى معتقلهم الجديد، كانوا يسيرون كما لو كانوا منومين مغناطيسياً.. مستلبين تماماً، لا أرادة في الرفض أو حتى في القبول..
.. في شوارع النجف، والغزاة يدوسونها باقدامهم، كان هناك ابناء بلدي وهم مذهولون مصدمومون.. ومستلبون..
كان الثعلب هناك – بكاميرا فوكس ! – وقد رضي بما حصل عليه.. (.. ولم يكن قليلاً..)
.. وبالمونتاج، والمكساج ، وبالاخراج.. استطاع ثعلب فوكس، أن يروج لمشهد سقوط النجف كنموذج محبب للسقوط المتتالي للمدن التي يريد الغزاة اقتحامها..
نعم..، كانت أهم لقطة في سقوط النجف، هي اللقطة التي لم تصور.. اللقطة التالية : سقوط بغداد..
******************
.. وفي ثنايا المشهد، كان هناك تفصيلاً دموياً – رغم أنه بلا دماء.. تفصيلاً هزني بأكثر مما هزني مشهد جثث الاطفال المكومة في الحلة في اليوم السابق، وبأكثر مما هزني مشهد الأب المحامي في الموصل الذي يبكي – بـلا دمـوع – ابنه المهندس الشاب الذي لم يتجاوز الخامسة والعشرين وتجاوز العشر براءات اختراع.. والذي مات تحت القصف – وهو في سريره..
هزّني مشهد آخر.. واثار القشعريرة في جسدي.. احسست وأنا اراقبه أن كل اعصابي واقفة – تراوح في فضاء مطلق بلا أرض تحتها..
كان هناك، على الشاشة، واحد من أبناء بلدي، وجهه مألوف وملامحه مألوفة، ويرتدي كما يرتدي الالوف من أبناء بلدي..
كان يحاول التحاور مع جندي من جنود الغزو..، يستجمع كل ما يتذكره من كلمات بالانكليزية من هنا او هناك – ويحاول أن يوصل ما يريد لذلك الجندي، او لرأسه المصفح بتلك الخوذة المعدنية..
قال، بانكليزية ركيكة، لكن واضحة ومفهومة..
The City, Yes ….. Imam Ali , No ….
المدينة ، نعـــم .. لكن الأمــام علـي .. لا ..
***********************
.. وكانت الجموع الحاشدة، والتي تحيط المرقد من كل الجهات، بايدي متشابكة، ووجوه بلا ملامح، تقول، دون أن تقول، دون أن تكون هناك حاجة لأن تقول اصلاً.. نفس ما قاله ذلك الرجل البسيط..
The City, Yes…. Imam Ali, No ….

في لحظة ما، بدا أن كل ما يهم الناس هناك، وكل ما يمكن أن يتجمعون من أجله – وكل ما يمكن أن تتشابك أيديهم حوله، هو ذلك المرقد الذي يلتفون حوله..

The City, Yes…. Imam Ali, No ….
******************
كان ذلك مرعباً جداً..
فعند ما تختزل ملحمة رجل، وحكاية رجل، وقضية رجل، وعقيدة رجل، نضال رجل، بل وقداسة رجل – عندما يتعرض كل هذا – إلى عملية اختزال، وبتر، وتشويه – فأنني لا استطيع تخيل وسيلة أكثر نجاحاً من The City Yes, Imam Ali No … ..
.. وكان ذلك ظلماً واجحافاً كبيرين .. بحق المدينة .. وبحق تاريخها .. وبحق اهلها.. وبحق اهلها.. وبحق اولئك المدفونين في صحرائها..
وقبل كل شيء ، بحق الامام ..
**********************
المدينة نعــم ؟..
لكن الامام لا ؟
.. عن أي مدينة يتحدثون ؟؟..
عن الكوفة – التي تماهت مع الامام .. في قصة كفاحه المريرة والمشبعة بالمعاني.. والتي اختلطت حدودها الجغرافية مع الحدود اللامتناهية لشخصيته..، وانفتحت زواياها وازقتها على آفاقه المتسقة،.. The City Yes, Imam Ali No … .. وارتبطت سماءها بمدياته الأبعد..
لكن، كيف تفصل حقاُ بينهما..، بين المدينة والامام، والامام موجود في كل مكان في المدينة..
هنا وقف ذات مرّة وقال ما قال. وهنا خطب في ذلك المسجد تلك الخطبة التي ظلَّ صداها يطوف الاحياء والبيوت والازقة .. وظلت معانيها تتناسل وتتناقل عبر الولايات والاقاليم والامصار والقارات..، وظلت الحكمة ترتشف منها لتسود صفحات الكتب والمجلدات..



يتبع

Romantic Flower
, Tue, 16 Oct 2007 08:51:14 +0200
هنا، حيث تقف تلك الدبابة، قال يوماً، وهو يسير تلك الجملة البليغة، التي سارت مسار الامثال المأثورة ونسبت لعشرات الشخصيات من غيره..
وهنا، حيث يقف هُذا الجندي، بحذائه الضخم المستفز، مرّ الامام على ذلك الخيط الرفيع الفاصل بين الافراط والتفريط..
هنا رفض المساومة. وهنا قاوم الاغراء..، وهنا صمد امام الرضوخ.. هنا علم اولاده كيف يرفضون. علمهم كيف يلفظون : لا..
(واحد منهم، سيقول فيما بعد، اعظم لا في التاريخ..)
هنا قالت المدينة كلها (لا) معه (فكيف يقال اليوم : The City Yes )..
.. وهنا، ذات فجر حزين، صاح ديك صيحة مميزة، واستل خنجر سممه الحقد..، وعند صلاة الفجر – دفع حياته ثمناً لقضية حياته..
في كل مكان من المدينة، يوجد شيء من الامام، والفصل بينهما غير ممكن أن لم يكن مستحيلاً..
)The City, Yes…. Imam Ali, No )


معادلة صعبة : بالنظر لخصوصية المدينة .. ومكانة الامام..
*****************
بالنسبة لسكان المدينة، الذين يمثلون شريحة مهمة من سكان بلدي، وايضاً من ابناء مدينتي، كان هناك حيز ضيق جداً لتطبيق المعادلة..
حسموه مع انفسهم – عندما حلت الحقيقة، واستيقظوا صباحاً على منظر الدبابات تجوب شوارع المدينة، والاحذية الضخمة تدنس ترابها الكريم..
حسموا المسألة، و وجدوا حيزاً ضيقاً لتطبيق المعادلة
(The City, Yes…. Imam Ali, No )
كيف – وهو في كل مكان – والمدينة تماهت – بكل تفاصيلها – معه بكل تفاصيله..
لم يكونوا يقصدون الإمام – الإمــام – فذلك لم يكن فصله عن المدينة … لكنهم قصدوا شيئاً اخراً – بضعة مئات من الامتار، خططوها و وضعوا حولها سوراً عالياً .. وقالوا .. هنا …NO!
عدا ذلك، المدينة كلها، بتاريخها وماضيها – بمآسيها وعبرها، بالخيط الرفيع بين الافراط والتفريط، بالحد الفاصل بين الغلو والغلو المضاد، بالرفض للرضوخ، بالرفض للمساوة، بمقاومة المداهنة.. كل ذلكYES !!..
وكــان ذلك مرعبــاً..
أن تختزل ملحمة حياة رجل، ورجل ليس أي رجل – بل رجل مثل الإمام – أن تختزل – بشموخها وشمولها – وتتقلص .. لتصير بضعة مئات من الامتار، - حتى لو كانت مقامة عليها قباب مذهبة ومآذن شامخة – فأن ذلك يظل مرعباً .. مثل أن تستيقظ ذات يوم على القارة الشاسعة التي تسكنها لتجدها قد صارت مثل جزيرة لا تتجاوز مساحتها بضعة امتار، ضائعة في خضم محيط هائج..
شيء كهُذا : The City Yes, Imam Ali No…
*********************
في كواليس المشهد، كان هناك حواراً صامتاً، دار بين أبن بلدي العامي البسيط الذي بالكاد يستجمع كلماته بلغة ركيكة، وبين ذلك الجندي الغازي المصفح بخوذته الباردة وافكاره المسبقة الجاهزة..
حرصت كاميرا فوكس أن تحذف الحوار من لقطات السقوط .. ولا تبرز غير كلمات أبن بلدي الذي يريد تحقيق معادلة صعبة..
لكن في الكواليس، كان هناك أكثر من مستوى للرد – أكثر من سيناريو للجواب..
فجندي المارينز الامريكي الذي توجه له الحوار اولاً ، والذي – على الأكثر، لا يمثل أكثر من الفرد الامريكي العادي الذي لا يعرف حتى أين تقع ولايته من خارطة الولايات المتحدة الامريكية..
هذا الجندي، الذي لا يعرف شيئاً عن المكان الذي جاءَ ليغزوه، ستغريه الصفقة : المدينة مقابل الإمام علي، وسيوافق على الفور "اتفقنــا !" – deal!على الطريقة الامريكية..
لكنه سيستدرك " هل أنت متأكد أنه ليس على قائمة المطلوبين .. او شيء من هُذا القبيل..".
على المستوى الاعلى منه، سيهز الكولونيل رأسه موافقاً، ويقول "نستطيع أن نحاصر المكان ونحيده، ونقول أننا سيطرنا عليه كما فعلنا في كل المدن السابقة".
سيحك المتحدث الاعلامي رأسه ويقول " سيكون مناسباً جداً لنا أن نقول أننا احترمنا مشاعر السكان المحليين – رغم أن افراداً من قوات النظام اختبأت في المرقد واخذت تطلق النار علينا منه..".
سيضيف خبير البحث عن اسلحة الدمار الشامل ".. ونستطيع أن نتحدث ايضاً عن التخوف من احتمالية اخفاء النظام لاسلحته البيولوجية والكيمياوية داخل الاماكن المقدسة، وتحذير النظام من مغبة افعال كهُذهِ.." ستبحث خبيرة النفط في خرائطها بدقة، وتزم شفتيها الدميمتين لتعلن : لا شيء عندي مهم هنا حتى آخر التقارير. إذا استجد شيء وتعارض ذلك


يتبع

Romantic Flower
, Tue, 16 Oct 2007 08:51:52 +0200
مع مصالحنا، فيمكن نقل المرقد من موضعه لبضعة كيلومترات، لن يكون في ذلك أي أشكال على ما اتصور . سينقر مكتب المباحث الفيدرالية على حاسوبه الشخصي، ويتأمل في نتيجة البحث طويلاً، ثم يقول " ضعوه الآن –في مكانه- تحت الاقامة الجبرية. بعدها اريد آن اجري تحقيقاً مطولاً معه، اريد أن أعرف عن حقيقة دعمه لبعض التنظيمات الارهابية مثل حزب الله.. كما أني أريد أن أعرف عن مكان تواجده ليلة الحادي عشر من سبتمبر، هناك تقارير موثوقة وبالغة الاهمية تؤكد أنه التقى بمنفذي العملية ليلة قيامهم بها".
سينهره وكيل السـي آي أيـه : أجِّل هذا الموضوع الآن. واياك أن تعلن عن اقامة جبرية او تحقيقات معه، سيؤلب هُذا جماعته واتباعه.. من الافضل حالياً مهادنتهم وتذكيرهم بالاضطهاد الذي تعرضوا له من ابناء جلدتهم – من أجل أن يهبوا للأنتقام منهم (.. وسنوحي لهم أن يتفرغوا لنا بعدها)، بينما نتفرغ نحن لمن ينتصر منهم..
سيفرك مدير الشركات الاستثمارية عابرة القارات يديه جذلاً، امامه العقود جاهزة للتوقيع، سيعلن: سمعت أن الملايين من كل انحاء العالم يرغبون في زيارة هُذا المكان. هذه عقود لبناء مطار دولي حديث وفنادق خمس نجوم وشبكة طرق حديثة، سوف تسجل التكاليف على فاتورة اعادة الاعمار وقائمة الديون المتراكمة، أما الارباح فستصب في جيوبنا.."
سوف يصرخ هنتنغتون ومعه طاقمه من محرري مجلة الشؤون الخارجية ومعهم شهاداتهم الجامعية من هارفرد ويال عن مجتمعات لم يزوروها قط، سيصرخون " أنه صدام الحضارات. لا يمكنكم أن تغيروا ذلك. هُذا الشخص قنبلة موقوتة. نعم معرض للانفجار في أي وقت. لن ينفعكم أن تحولوا مرقده إلى منتجع سياحي.. أنها مسألة حتمية : صدام الحضارات هُذا..".
في ركن غير بعيد، سوف ترتجف بحقد، لهبة شموع سوداء، في ذلك الشمعدان السباعي اليهودي الشهير، وسوف يخرج صوت يهمس كفحيح الافاعي .. يالثارات خيبر. لن أنسى قط ما فعله يوم كسر باب الحصن. اقتلوه مرّة اخرى، اعدموه مرّة اخرى.. لكن اياكم أن تمسوا مرقده بسوء، اقتلوه في اذهان اتباعه، اقتلوا المعاني المرتبطة به، اقتلوا القيم التي حافظ عليها، اقتلوا صموده – اقتلوا عدم رضوخه ورفضه للمساومة .. آن اوان الانتقام لخيبر، لكن اياكم أن تمسوا مرقده.."
حدث ذلك كله، كحوار صامت، في خلفية المشهد الذي فاجأني ذلك الصباح الحزين، يوم سقطت النجف..
لكن مخرج الاخبار في قناة فوكس، صرخ. مونتاج !، وحذف الحوار كله باستثناء تلك الجملة الوحيدة التي تناقلتها وكالات الأنباء جميعها فيما بعد..


The City, Yes…. Imam Ali, No ….
*****************
تلك المعادلة الصعبة، لم يكن الدرب إليها سهلاً على أحد ..، وعبر عقود طويلة، اجبر الناس على المرور في درب واحد.. شديد الوعورة، شديد الصعوبة، معبد بالاشواك، سيق الناس عليه واجبروا على الزحف فيه.
طيلة عقود – مرَّ الناس بكابوس لا حدود له، وعانوا ظلماً لم يتصوروا ان ستكون له نهاية، واجتازوا سنيناً لا يمكن تصور اجتيازها، ونجوا من حروب ابادة لم تبق ولم تذر، وحملات اعتقالات لم يكن يعود منها أحد، قبور ضيقة سميت خطأ بالزنازين، ينال ساكنوها عذاباً قد يصمد إذا قورن بعذاب القبر..، وبين الحين والآخر، كان الزبانية يحرصون على ابقاء واحداً من المساجين على قيد الحياة، ثم يحرصون على اطلاق سراحه، ليس لأجل الرحمة والشفقة والعدالة والمفاهيم الاخرى المحذوفة من معاجمهم، ولكن فقط لكي يروي هُذا الذي (نجــا) ما يدور خلف تلك الاسوار العالية المكهربة بالخوف والرعب..
نعم.. لم يكن يخرج احد من هناك – إلا نادراً .. وإذا خرج فقد كان ذلك لسبب واضح ومحدد : أن يحكي عن الرعب المهول الذي مرّ به – أن ينشر الرهبة والخوف..
كانوا يخرجون عن نموذج بين الحين والآخر : من اجل أن يرى الناس الموعظة والعبرة في بقايا الانسان الذي افقدوه – في الداخــل- كل آدميته وعبر عقود طويلة، مر الناس بكابوس جثم على صدورهم وآمالهم وكل تفاصيل حياتهم – افقدهم آدميتهم، وحرَّم عليهم عقائدهم، وابادهم احياناً – فقــط- لأنهم اظهروا شعائرهم..
عبر عقود طويلة – مرّ الناس بواقع مرّ شديد المرارة – اجبرهم في الحقيقة على أن يقبلوا بواقع آخر، مر آخر، عسى أن يكون أقل مرارة.. وذاك الرجل العامي البسيط، الذي قال ما قال، .. The City Yes ، لو سألناه – وذكرناه اثناء سؤالنا بالامام – لكان حكى لنا عن قصة ظلم طويلة، وعذاب مريرة، لربما اخرج من جيب محفظته صور اخوته الذين اعدموا او ماتوا تحت التعذيب او فقدوا تماماً دون أي تعليق..
سيذكر لك عين والدته التي اعماها الصبر، وقلبها الذي قدده الدهر.. وسيمسح من عينه دمعة لم تنزل – عندما سيقول لك : مالذي يجبرنا على المر .. غير ما هو امر منه ؟؟..
ستنظر إلى الشاشة وترى الجموع – وهي ملتفة حول مرقد الإمام، تحاول أن تختار المر على الأمر..
او أنها على الأقل، تحاول أن تجد اساساً نظرياً، لما وجدت نفسها مجبرة عليه.




يتبع

Romantic Flower
, Tue, 16 Oct 2007 08:52:33 +0200
ستنظر ملياً في الشاشة. لست في موضع لوم لأحد – لكنك فقط لست متأكداً ايهما المر وأيهما الأمر في لعبة الاختيارات الصعبة..
.. هل الظلم والطغيان والاستبداد هو الخيار الاشد مرارة، ام تراه الاحتلال والغزو ومسخ الهوية واستحلال كل القيم الحضارية تحت أسم صدام الحضارات..
بين الخيارين، اتأمل في الشاشة، لست متأكداً أيهما الاشد مرارة.. لكن الناس هناك يبدو متأكدين، - رغم أنهم لم يجربوا بعد الخيار الآخر.. لكن ما مرّوا به يجعلهم يتصورون أن لا شيء أشد هولاً وأكثر مرارة مما كان..
.. اتأمل في الشاشة، اقلب في الوجوه – كل وجه يحكي قصة، كل قصة تكشف ارشيفاً من العذاب والكبت والقهر..
فجأة يضئ فكري كمصباح كهربائي اوصل بتيار الحقيقة.. واجد الربط الهائل بين الخيارين..
لقد أعدوا المشهد بأتقان منذ عقود . لقد كتبوا السيناريو ببراعة وحضروا كل لوازم التصوير..
من أجل أن نقرر أن احتلالهم هو الخيار الأسهل – الاقل مرارة - ، جعلونا نمر بذلك الدرب الطويل من الكبت والقهر والاستعباد..
كان ذلك عن طريقهم، بعلمهم، بل واحياناً بمباركتهم، وبعض أقسى حملات الابادة والمجازر كانت بمعرفتهم وبأشرافهم. لقد جعلونا نمر بذلك كله – من أجل هُذهِ اللقطة بالذات The City Yes : .. المدينة نعــم..
لكن الرجل الذي امتزج بالمدينة، وصار جزء‘’ منها كما هي جزء‘’ منه – كان لن يقول " المدينة نعــم" – مهما كانت الظروف..
حياته كلها، حكايته كلها، ملحمته كلها.. تؤكد أنه كان سيقول ، " المدينة ايضاً لا"..
.. لا – بسيطة وحاسمة وقاطعة – غير قابلة للاستئناف او التأجيل او التبطين او التأويل..
لا – لا تحتاج إلى فتوى او اجتهاد – كما لا يحتاج التنفس إلى بحث عن أدلة شرعية ومرجعية وغير مرجعية ..
لا – صريحة واضحة وعالية، كما كان دوماً صريحاً واضحاً وعالياً..
لا ، ما كان الإمام ليقول " المدينة نعم.."…
ونعم، كان الإمام سيقول بالتأكيد بكل تأكيد : لا …
****************
قبل أكثر من عشر سنوات، من هُذا المشهد، كان هناك مشهد‘’ آخر – بالقرب من نفس المرقد ، ومرّ به نفس الناس – او اقاربهم او جيرانهم او اصدقاءهم..
كان مشهداً مريراً – مفجعــاً- مشهداً امتلأ بالكرب والبلاء – مشهداً كربلائياً .. لكن في النجف ..
كان ذلك هو المشهد الحقيقي الموجود في كواليس المشهد الحالي – كان مشهداً مروعاً دمرّت فيه القنابل واجهة المرقد، ودنست فيه الاحذية القبيحة باحة الحرم الداخلي، وانتهكت حرمات، وسالت دماء، وارتفعت بين المآذن تلك المروحيات الشريرة، واطلت منها مكبرات صوت، نقلت للناس، وكبرت لهم، انذارات وتهديدات ودعوات بالويل والبثور..
ذلك المشهد الكربلائي في النجف – والذي تكرر في كربلاء – كما في الديوانية كما في الناصرية وفي عشرات المناطق الاخرى، ذلك المشهد الدامي، كان في ذاكرة كل من كان في تلك التظاهرة، على الشاشة في ذلك اليوم..
ربما لم يكن في أرشيف شبكة فوكس نيوز صوراً لذلك المشهد – لكن ذلك لم يكن ليضعف ذاكرة الجماهير – كان في الارشيف الشخصي – المخبئ في وعي ولا وعي كل واحد من هؤلاء، صوراً دامية عن تاريخ دامي من الاضطهاد والقهر والكبت..
وفي كل الأحوال، فقد كان ذلك المشهد – الذي لم تحتفظ شبكة فوكس بصور عنه في ارشيفها، موجود – كسيناريو وكخطة وكمؤامرة – وفي ملف ما درج ما في من ارشيف المخابرات المركزية الامريكية التي اشرفت على كل تفصيل صغير في المشهد – كجزء اساسي – لابد منه – من أجل الوصول إلى المشهد النهائي – المتمــم –
المشهد الذي يقتحم فيه الغزاة المدينة، وهناك من يقول – لسبب او لآخر .. نعم..
*****************
بطريقة استثنائية جداً – كما كل الامور القدرية – يرتبط بيت جدي في ذهني و وعيي بذلك الاضطهاد الاستثنائي الذي مرَّ به سكان النجف وكربلاء، وبذلك الكرب والبلاء الذي مرَّ به كل من كان يتوجه بانظاره إليهما..
أكثر من ذلك، ارتبط البيت نفسه – وعبر نفس المحور .. بمصيري بشكل مباشر. اعني بمصيري المهني – بمستقبلي الدراسي بدون – أي استخدام لأي مجاز لغوي.. كيف ذلك ؟ ..
كيف يرتبط بيت - كان قد انهار وانتهى – في الوسط السني لبغداد، بعذابات الشيعة في الجنوب، وبمصيري الدراسي والمهني..
للوهلة الاولى الارتباط صعب. لكن في واقع تختلط فيه الاوراق – وتلتبس فيه الرموز، وتتبادل فيه المواقع.. لا شئ صعب حقاً.. ولا شيء مستحيل تماماً..




*******************
عندما ولدت، كان البيت قد انهار تماماً.
في الحقيقة، كان عمري أربعة أشهر عندما ابلغوا رسمياً بأن عليهم ازالته بشكل نهائي، بسبب خطورته على السكان المجاورين من جهة كونه آيلاً للسقوط..
.. كان " أكبر بيت في بغداد " قد تدهور تدريجياً منذ أن اقتطع جزء منه من أجل الشارع. ليسَ بسبب الاهمال فقط وصعوبة الصيانة.. ولكن تيار الزمن – فجـأة – تسارعت وتائره بعكس اتجاه البيت.
.. وعندما أعلنت الجمهورية بعدها بسنة، اجترأ الناس أكثر فأكثر عليه. فجأة فقد جدي جزءً من هيبته المنتمية للعهد الذي أبيد وسحق وسحل بعضاً من رجالاته بالحبال في الشوارع..
.. وكان – كتحصيـل حاصــل – أن فقد البيت هيبته..
بدء الناس في المنطقة، التي تعرضت هي الأخرى لتغييرات طبيعية صاحبت الانقلاب غير الطبيعي، بدءوا يرمون بالقمامة والقاذروات والنفايات في البيت المهمل واسع الارجاء – المهدم من بعض اجزائه..
أفكر الآن بالامر بتجرد، فارى في ذلك السلوك مظهراً طبيعياً من مظاهر التمرد..
كان الوقت قد انقلب، والمائدة قد انقلبت، وتبوءت السدة شلة من الشيوعيين واشباههم واضرابهم، وارتفعت شعارات معادية لكل من كان يمتلك بيتاً اصلاً .. فكيف إذا كان اكبر بيت في بغداد..
.. وكان من الطبيعي، أن يرمي اولئك الذين يعيشون في بيوت صغيرة، (صغيرة لدرجة أنها لا تكاد تكفيهم)، بنفاياهم وقمامتهم في أكبر بيت ببغداد القديمة – آملين بأن بغداد الجديدة ستكون أكثر عدالة وتوازناً، وستتسع للجميع دون تمييز طبقي .. كانت قمامة ايدلوجية تماماً. لكن ذلك في البداية فقط، في أول الفورة التي ارتفعت فيها الشعارات وعلقت فيها الحبال..
مع الوقت، كما اتصور، صار الأمر روتينياً تماماً – محض كسل وتخلص من القمامة في أقرب مكان.. دونما ايديولوجيات . دونما شعارات..
زاد الأمر أن أهل المحلة الأصليين بدوا ينتقلون – بالتــدريج – إلى الأحياء الحديثة، وحلَّ محلهم، بالتدريج أيضاً، اناس زحفوا على العاصمة من خارجها – في ظاهرة عرفها العالم بأسره في تلك الفترة والفترات اللاحقة، وعرفت باسم الهجرة من الارياف، وجلبوا معهم سلوكيات ومظاهر ربما كانت غريبة عن الجيرة البغدادية وسلوكياتها العريقة.
وزاد الأمر مع الوقت. نفايات وقمامة وايادي العابثين السارقين، التي امتدت لتسرق حتى الشبابيك وزخارفها ونقوشها على الجدران..
.. وصار البيت مرتعاً للمراهقين والخارجين عن الاعراف والتقاليد وسلوكياتهم المنحرفة، وصارت الامهات في المحلة تحذر اطفالهن من الدخول إلى "الخــرابـة"..
نعم، بعد عشر سنوات من أول استقطاع (هــدم) من البيت، صار "أكبـر بيــت فـي بغـــداد" ، يسمى "خــرابـة".
نهاية مؤلمة لذلك التاريخ الطويلة، وحلقة حزينة اخيرة لتلك السلسلة من الانجازات.
وبعد ذلك كله ببضع سنوات، وكان عمري وقتها اربع اشهر فقط، بُلغِت والدتي رسمياً بامر الازالة الذي اصدرته الأمانة وقتها..
في الحقيقة أنها لم تَبلغ إلا لأن الامانة شاءت آن تغرم اهلي تكاليف ونفقات هدم البيت وازالة انقاضه..
وكان الأمر مؤلماً جداً لهم – كما أتصور – أن يجبر شخص على دفع تكاليف هدم وازالة البيت الذي كان ملعب صباه ومرتع نشوئه وايضاً هويته واعتزازه .. وكيانه .. -ولم يكن الأمر غريباً جداً في ذلك الوقت – أنها السبعينات والحزب الواحد يتصدر سدة الحكم، ويتصدره انصاف متعلمين واشباه عسكريين ويتعاملون مع الجميع بذات الاسلوب القمعي الشمولي..
وكانت أمي محظوظة جداً لأنها لم تجبر على دفع غرامات مماثلة غير تكلفة هدم منزلها..
فقد جاء زمن، تجبر فيه الأمهات، والاشقاء، والاباء – على دفع ثمن الرصاصات التي أعدم فيها اولادهن – اخوتهم وابناءهم..
.. ولم تكن جثث المعدومين تسلم لذويهم، قبل آن تستوفى منهم اجور الرصاصات التي اودت بهم في ساحة الاعدام، كان ذلك يحدث حقاً – رغم انه لا يكاد يصدق – لكنه كان يحدث – لم تكن الدولة فقيرة لهُذهِ الدرجة في أي وقت من الاوقات، لكن الزبانية كانوا مبدعين دوماً في الايذاء والقهر والقمع – لم تكن القيمة المادية للرصاصات والتي لم تتجاوز الخمسة في كل الاحوال – انما كانت القيمة المعنوية هي ما يريدون، كان استيفاء اجور الرصاصات من ذوي المعدومين – وعند استلام جثثهم بالذات، يصوب هُذهِ الرصاصات نحو رؤوس هؤلاء – يبقيها هناك، او يطلقها عليهم – يقتلهم بها – او على الاقل يقتل فيهم انتماءهم – يقتل فيهم حبهم لوطن يعدم ابناءه ويطالب ايضاً بثمن الرصاصات.
.. ومحظوظة أمي، محظوظة كل أم في وطني لم تلبس السواد على ولد لها – راح ولم يعد في النزوات والغزوات والحروب التي استنزفت من الامهات فلذات اكبادهن..



يتبع

Romantic Flower
, Tue, 16 Oct 2007 08:53:20 +0200
ومحظوظة أمي، ومحظوظة كل أم في وطني، لم تضطر لدفع ثمن الرصاصات التي اودت بحياة ابنها، ولم تستلم ايصالاً دموياً يذكرها طول العمر بأنها شاركت – ولو قسريا- في قتل ابنها..
ومحظوظة هي الأم التي استطاعت أن تلبس السواد على ابنها، واستطاعت آن تنوح عليه علناً، دون أن يأتي رجال الأمن ليذكروها بالتعليمات التي تليت عليهم مع استلام الجثة: ممنوع اقامة العزاء. ممنوع لبس الحداد. ممنوع اعلان طريقة الوفاة.
محظوظة هي أمي – رغم أنها لم تدرك ذلك قط، ورغم أنها دفعت ثمن هدم منزل ابيها ورفع انقاضه.. إلا أن ذلك امر‘’ – لا يعد شيئاً بالمقارنة مع ما جرى طيلة عقود..
تمَّ اعدام البيت أذن وانا ابن اربع شهور. لم يبق منه سوى جزء من طرفه الشرقي المواجه لباب جامع السيد ابراهيم – ولا اذكر شيئاً سوى أن أمي قالت لي بوجه جامد، وهي تشير بأصبعها إلى نافذة غرفة كانت لاتزال باقية، قالت لي .. أن تلك كانـت غرفتـها .. كانت تصحبني في مشوار لها– لم أعد اذكره الآن، في تلك الازقة الضيقة، كنت في التاسعة او العاشرة من العمر، واذكر أنها شدَّت على يدي كما لو كانت تتشبث بالمستقبل في وجه الحاضر – من اجل الماضي..
كانت غرفتها، وغرفة اخرى تحتها هي كل ما بقي ذلك الوقت. وكانت قد اجرتا قبل ذلك كدكانة لنجار شاب سرعان ما اختفى في ظروف غامضة، وعلم أنه قد القي القبض عليه لأنتمائه لحزب الدعوة المحظور والذي كان برسم الابادة الشاملة في ذلك الحين..
لم يظهر النجار الشاب ابداً بعدها. ولعله لن يظهر ابداً. ولم يجرؤ أي أحد من العائلة على كسر الباب واقتحام الدكان أو الاتصال بعائلة النجار من أجل أنهاء الامور معهم..
بمزيج من الأمانة (تجاه النجار) والخوف (تجاه السلطات) والإهمال (تجاه كل شيء) بقيت الدكانة مغلقة الأبواب لما يزيد عن خمسة عشر عاماً.. ولم تفتح إلا في أواسط التسعينات، وبأمر قضائي من المحكمة..
.. هذا ما كبرت عليه. أكبر بيت في بغداد ليس سوى حكاية تلهب خيال الطفل الجامح خياله أساساً . أسطورة من أساطير الأولين، مقدسة ومعتبرة ولكنها، غير واقعية.. بلا مصداقية وبلا إمكانية للصمود..
هُذا ما كبرت عليه، أكبر بيت في بغداد، ليس سوى خرابة أزيلت، وصارت أرضا خلاءً، ودكانة اعتقل صاحبها ولم يرجع قط، ونافذة علوية مشرعة باتساع على الأزقة البغدادية الضيقة..
.. وعندما كبرت أكثر، كان أكبر بيت في بغداد قد تحول ليصير مرآباً متوسط الحجم للسيارات في وسط بغداد – كان هذا هو الواقع، البيت الذي استقر فيه التاريخ لفترة، صار، في نهاية الأمر، محض موقف عابر لسيارات عابرة يقوها اناس عابرون..
لكن – أيضــاً- كان ذلك المرآب، يدر مبلغاً مادياً مجزياً جداً، لا انكر أنه انقذ الاسرة من بعض المشاكل، في ظروف متقلبة عبر الحصار وغيره..
وفجأة، وكما لو كان القدر يريد أن يقول لي أن حقيقة الأمر غير ظاهره، وأن التاريخ لا ينتهي حقاً –كما قد يبدو- انتفض البيت من قبره، من تحت التراب الذي دفن تحته، ليتكون، ويتشكل، ويتدخل في تحديد مصيري..
**********************
(.. كنت اعد أوراقي للتقديم على الدراسات العليا، مستعيناً بالصبر الذي لابد منه مع أي مراجعة أداريه روتينية في دهاليز الدوائر والمؤسسات الحكومية..)
وكأي مواطن عراقي، كنت قد تعودت، أن أتسلح بمجموعة من الاوراق الثبوتية التي لا غنى عنها في أي معاملة رسمية مهما كانت بسيطة..
كانت خمس أو ست أوراق، تحتاج اليها في كل حين، وعليك أن تضعها في حرز حصين – إذا ضاعت فقد ضعت شخصياً، فلا شيء سواها يثبت أنك مواطن في هُذا البلد العظيم، وبما أن حقوقك – كمواطن – معدودة جداً أن لم تكن معدومة أساسا، فأن فقدانها سيعني ضياعك حرفياً – وبكل ما يعني للكلمة من إهدار لوقتك وأموالك..حتى لا أقول أدميتك وإنسانيتك..
والويل ثم الويل لمن صادف وفقد هُذهِ الأوراق جميعاً ودفعة واحدة، فاستخراج بدل ضائع عن أي منها يرتبط بوجود الاوراق الثبوتية الأخرى، وعندما تضيع جميعاً ستجد نفسك في متاهة من الدهاليز والإداريات ودروب الروتين التي لن تبدأ في مركز الشرطة حيث ستبلغ عن الفقدان كحادثة بوليسية، ولن تنتهي في مبنى الجريدة وأنت تدفع مبلغاً لأعلان – لن يقرأه أحد- عن فقدان هُذهِ الأوراق، كل على حدة..
وفي خضم ذلك كله، سيواجهك رجال الشرطة والأمن الذين تراجعهم بنظرات الشك والريبة، وقد يضعونك تحت مجهر تحرياتهم، فأنت – كمـواطن- متهم حتى لو أثبتت براءتك، فكيف بك و أنت قد اضعت اثباتات مواطنتك .. الا يعني ذلك قطعاً – انك تروم شيئاً ما ؟.. وأنك بصدد شيء ما – شرير ومعادي للحكومة والنظام..
كل ذلك من أجل حفنة من الأوراق تثبت انتماءك لوطن سبق ودفعت ضريبة انتماءك له من دمك وعرقك وأعصابك وغذائك وحليب أطفالك – ولم تشعر قط بالحاجة إلى هذهِ الأوراق لتكرس عندك انتماءك..



يتبع

Romantic Flower
, Tue, 16 Oct 2007 08:54:04 +0200
كانت هناك من ضمن الأوراق تلك هوية الأحوال المدنية .. التي لا تفصح أبداُ عن حقيقة احوالك، وكانت هناك شهادة الجنسية منحوها لك كما لو كانت منّة عليك وكرماً منهم، وكانت هناك البطاقة التموينية التي تمنحك كل شهر النزر اليسير الذي لا يكفيك والتي يذكرك بشكل غامض بأن العالم كله متآمر عليك بشكل شخصي جداً، وهناك ايضاً بطاقة السكن الصادرة من مركز الشرطة والذي سيحدد إذا كنت قد تورطت في جريمة ما ام انك (بعـد) غير متورط، وستؤيد ذلك مضبطة لتأييد السكن يصدرها مختار المنطقة الذي لم تساهم فيه اختياره – ولم تعرف قط من اختاره وما المنطق في اختياره .. كل ذلك، واكثر أحياناً، وبنسخ تحتاج إلى تحديث دائم احياناً اخرى، كنت تحتاجه في كل خطوة تخطوها في أي دائرة من دوائر الدولة. إذا اردت التزوج.. أو اردت التوظف. او أردت الانجاب.. أو حتى إذا اردت أو ارادت السماء أن تموت ثم تدفن، فلا بد أن تكون معك تلك الأوراق في رحلتك إلى الآخرة..
.. ومن باب أولى، أن تكون معك.. إذا شرعت في التقديم للدراسات العليا.. كما فعلت أنا..
********************

كانت أوراقي كاملة قبل فترة، بالأضافة إلى بعض المستندات الأخرى الضرورية فقط من أجل التقديم للدراسات.. وكان الأمر يسير في طريقه الروتيني المعتاد إلى أن، صدرت تعليمات، من مكان ما (فــوق)، وقبل انتهاء فترة التقديم بفترة لا تزيد عن أسبوع، باضافة مستند آخر، يثبت (رعوية) المتقدم للدراسات العليا..
ومصطلح (الرعوية) الذي انتشر بعد هُذا القرار بالذات، هو مصطلح يعني أن أي أحد من اجداد المتقدم –سواء من الأب أو ألام- لم يكن من رعايا دولة أجنبية..
وبما أن العراق، لم يكن قد صار دولة بعد في عهد هُذا الجيل – على الأغلب – فأن العراقيين كانوا وقتها رعايا لدولة (أجنبية حالياً) اسمها تركيا، وكانت وقتها تسمى الدولة العثمانية..
ولأسباب مختلفة، اهمها الرغبة من التهرب من التجنيد في جيش دولة حروبها لاتنتهي، فقد سجل البعض انفسهم كرعايا لدولة أخرى، أجنبية ايضاً حالياً، وهي أيران..
وكان من الواضح تماماً، أن قرار اثبات "الرعوية" هُذا، الذي طلب اثباته في التقديم للدراسات العليا لم يكن موجهاً ضد العراقيين ممن هم رعايا للدولة العثمانية – وإلا كان صار موجهاً ضد الجميع وضد نفسه ايضاً..
لكنه – كما هو واضح تماماً ايضاً، كان موجهاً ضد هؤلاء الذين كانت –رعويتهم- تتجه نحو ايران..
وكان هؤلاء – في معظمهم – قد تعرضوا للتهجير والطرد ولاسقاط الجنسية عنهم
– في حملات متعددة، انتهت بوضع مئات الالاف منهم على الحدود الملتهبة بين العراق وايران- بل بوضعهم في حقول الالغام في بعض الاحيان..
ماذا يريد هُذا القرار منهم، وقد هجروا وطردوا وصودرت املاكهم وبيوتهم وذاكرتهم وكل تفاصيل حياتهم ؟.
آه. هناك استثناء بسيط بالنسبة لقرار التهجير السابق، جاء هُذا القرار الجديد ليطارد المستفيدين منه ويلاحقهم حتى الرمق الأخير..
كان هُذا الاستثناء والضيق يمنح فرصة البقاء للمرأة التي تبعيتها إيرانية إذا كانت متزوجة من رجل تبعيته عثمانية .. وبعد حوالي عقدين من هُذا الاستثناء. جاء هُذا القرار ليطارد اولاد تلك المرأة.
لا تهجير هُذهِ المرّة. ولكن منع من الدراسات. منع من التطور. منع من الالتحاق بالمناصب..
لا تهجير.. ولكن اصرار على الغباء – اصرار على الاقصاء، وعلى الاستعداء.. اصرار على منعهم من الاحساس بالانتماء..
أعتـرف : لم يكن الأمر يعنيني أكثر من كونه مجرد مراجعة روتينية أخرى في دائرة حكومية .. كنت قد اسندت ظهري مرتاحاً لحقيقة أن تبعية والدي عثمانية، ولم يكن هناك أي مشكلة سوى الوقت اللازم لاستصدار الاثبات.. وكان ضيقاً اصلاً وعلى وشك النفاذ.. لكن ثقتي هُذهِ اصطدمت بذلك الغباء البيروقراطي المرتدي البزة العسكرية والذي يمثل خلاصة ما وصلت إليه السلطة في زمننا ذاك..
*************************
نظر إلي كما ينظر قط إلى فأر وقد وقع في المصيدة..
"أريد أن اتأكد من شهادة جنسية والدتك.."
كان ضابطاً برتبة لم أعد أذكرها. لكن ليس اقل من رائد. وكان متسلحاً بذلك النسر على كتفيه، وبالشاربين على شفتيه، وبذلك اللقب العشائري المهم المكتوب على اللوح الخشبي على مكتبه..
وكنت مجرد فأر مذعور وقع في الفخ، بينما كان يريد التقديم للدراسات العليا –ووقته يكاد ينفذ-
أعتقد أنني بدوت غبياً جداً أمام سيادة الضابط عندما ناولته شهادة جنسية والدتي، وكانت عنده في الملف أمامه نسخة منها..
نظر لي من عليائه، نظرة كانت مغزاها ،هل أنني غبي فعلاً أم أنني اتغابى..
كتب شيئاً على الأوراق أمامه. ودفعها بأتجاهي، حركة كانت معناها أنه يسمح لي بالأنصراف..
في الممر خارج غرفته وقفت احاول أن أقرأ ما كتب. فشلت في ذلك، كان خطه لايتناسب مع هيبته وشاربيه والنسر الرابض على كتفيه. سألت واحداً من الجنود الموظفين عن الشيء المكتوب على الأوراق، نظر بخبرة وقال لي على الفور : "صحة صدور ؟ أنه يرسلك إلى مديرية الجنسية العامة..".
كان ذلك بعد أربع ساعات من الأنتظار..
وكان الوقت يكاد ينفذ.
*******************************
أنتظار آخر. في بناية أخرى -ضابط آخر – لكن هُذهِ المرة لم أره.. ظل خلف تلك الأبواب المغلقة..
بعد عدة ساعات، أطل جندي من خلف الباب وقال : " تعــال غـداً".
************************
يوم آخر … وانتظار آخر..
و "تعــال غـداً".. ايضاً و ايضاً.
************************
وكان الوقت ينفذ حقاً..
****************
.. واخيراً .. الورقة المطلوبة كتاب‘’ رسمي من مديرية الجنسية العامة يؤيد صحة صدور شهادة جنسية والدتي، ويذكر السياقات التي اصدرت على اساسها – وكانت سياقات عادية جداً، مستندة على شهادة جنسية سابقة لشقيقتها، والتي اصدرت اصلاً عند دخولها للكلية، بحضور المختار وشهادة اثنين من الجيران – وكانا اسمين مألوفين جداً تذكرت أني أعرف ابناءهما-.
.. أخذت الأوراق كما لو كانت طفلاً وليداً طال انتظاره وتصورت أن الأمر أنتهى عند هُذا الحد..
وكنـت مخطئــاً..
**************
مرّة أخرى .. النسر والشاربين .. العشيرة المهمة على اللوح الخشبي..
من فوق الشاربين كانت هناك نظرة جديدة، رماني بها بعدما رأى الكتاب الذي جئت به، نظرة كان مفهومها : وقعــت يـا شاطــر ! .. رغم أني لم أفهم ما الذي وقعت فيه بالضبط..
قال لي ، "لماذا شهادة جنسية والدتك أصدرت بناء على شهادة جنسية شقيقتها.. وليس شهادة جنسية والدها ؟"..
بدا لي سؤاله سفسطة لاتفسر إلا بأنه يتقصد تأخير معاملتي من أجل أن أدفع له..
وكنت مستعداً للدفع اكثر من أي شيء .. لكن في داخلي كان لايزال هناك الأحترام لتلك الرتبة ولذانيك الشاربين.. ولم يكن من الممكن أن أتجاوز تلك الحواجز دونما وساطات ووسائل تقريب..
.. أجبته ببساطة " لأن جدي لم يدخل الكلية في وقتها، فلم يحتج إلى شهادة جنسية .. بينما دخلت خالتي الكلية فاحتاجت إلى أصدارها..".
.. ولم أقل له أن جدي كان قد تخرج فعلاً من الكلية قبل نشوء الدولة العراقية لأن ذلك كان سيستفز النسر والشاربين بأكثر مما أحتمل من نتائج..
أعتبر ما قلته نكتة، ولم يضحك لها.. أجابني بحدة : "أثبت لي أن جدك كان عراقياً وبعدها ستحصل على رعويتك".
**********************

في الممر خارج الغرفة كان رأسي يدور .. – أثبت لي أن جدك كان عراقيــاً- بدت جملة غير مفهومة بالنسبة لي. إلى هنا كان الأمر لايبدو أنه أكثر من سياقات الروتين التعقيدية التي ستعملها الموظفون أما ايماناً منهم بالسياقات .. أو ايماناً منهم بأن هُذهِ السياقات ستحث المراجعين على دفع ثمناً مجزياً من أجل فك عقد الروتين..
لكن الآن، ومع هُذهِ الجملة، كان هناك تلميحاً آخراً لم أفهمه – ولم استسغه ولم اهظمه.. "أثبت لي .. أن جــدك..".
قال لي الجندي الواقف على الباب "مـابــك ؟ إلا تفهــم ؟. أنظر إلى لقـب جـدك..".
هبطت عيني من وجهه إلى الورقة في يدي، لأنظر إلى لقب جدي .. كما لو كنت أتعرَّرف عليه للمرّة الأولى..
نظرت إليه، وبدا أني اراه للمرة الأولى فعلاً.
بدا غريباً جداً بين الالقاب الرائجة والسائدة حالياً والقاب تستند على العشيرة، او على الجد وتضيف له "الــ التعريـف"، تنتسب إلى المدينة او المنطقة التي جاءَ منها الجد الأول..
كان لقب جدي مجرد لقب مهنة ينتمي بجذوره إلى العهد العثماني.. وكانت العائلة
–حتى في وقت عزها- صغيرة الحجم وقليلة العدد.. فكيف بها وهي تكاد تنقرض اليوم.. بالتأكيد يبدو اللقب هجيناً وناشزاً..
.." وغير عـراقـي"..
تلعثمت وأنا أقول للجندي "كان جدي عراقياً..".
قال الجندي وهو يحول ببصره عني "ربما. لكن سيادة الضابط يظنه أيرانياً.."
**************************
كنت متوتراً جداً عندما عدت للبيت – لم يكن الأمر تهمة ولم أكن لأكترث له أو اعتبره سوى نكتة لو لم يكن مصاحباً لتقديمي للدراسات العليا، ولو لم يكن لم يبق على المهلة المحددة سوى ثلاثة أيام..
قالت لي والدتي مغتاظة : لماذا لم تقل له أنه كان من مؤسسي الدولة العراقية؟.. فكرت أن رد فعل النسر والشاربين تجاه قول كهُذا سيكون غير مؤدباً على الأكثر..
أجبتها : ألم يكن من الأسهل أن يكون لجدي شهادة جنسية كما بقية الخلق ؟..
ردت علي بتبرم وهي تبحث في الجرارات : لم يكن ليحتاج اصلاً إلى أثبات هويته إذا دخل إلى أي مؤسسة حكومية .. كان معروفاً جداً وكان الموظفون يخجلون من أن يطلبوا منه اثباتاً لجنسيته..
كززت على أسناني وأنا اقول : ألم يكن من الممكن أن يحترم القانون ويطبقه شخص درس القانون مثل جدي ..
كانت – علي غير عادتها في ظروف كهذهِ – متفهمة. قالت لي أن الحاجة إلى شهادة الجنسية في ذلك الوقت لم تكن ملحة كما هي اليوم "لم نكن نحتاجها في كل خطوة نخطوها كما اليوم..".
كان ذلك واضحاً – ولكنه لم يكن يكفي.
وكانت أمامي كومة من الأوراق والمستندات – عليَّ أن استل منها اثباتاً يقنع سيادة الضابط بأن جدي كان عراقياً..
خلال ثلاثة أيام فقط..
*************
خلال هُذهِ الأيام الثلاثة، كنت أقوم برحلات مكوكية أنقل فيها ما يقع تباعاً في يدي من وثائق قد تثبت لحضرة الضابط عراقية جدي.. كانت هناك هويات مختلفة. منها دفتر للنفوس لعام 1947، وآخر لعام 1957، وايضاً جوازات سفر – لم ابينها جميعاً فقد كان مثبتاً فيها أنه زار أيران. اثبات للتهمة كنت في غنى عنه في تلك اللحظة..
رغم ذلك – لم يكن شيء من هُذا ينفع..
أنه يريد شهادة الجنسيـة.
عليَّ أن أقر هنا، أن الضابط كان شريفاً، لم يكن عنده أي نية إيذاء أو رغبة في الاضطهاد. كان ينفذ التعليمات حسب السياقات التي تعلم أني نفذها بها..
لم يكن يحاول الضغط على لدفع الرشوة – رغم أن تفسيراً كهذا كان جاهزاً و وارداً لكن أعترف : لم يكن هناك أي شيء من هُذا معه. لا تصريحاً و لا تلميحاً ولا أي شيء. بل أني عندما حاولت فتح قناة وسيطة معه – عن طريق الجندي الواقف على الباب – كما هي الأصول في حالات كهذهِ – صدني الجندي معلقاً أن الضابط ليس من هؤلاء..
كان شريفاً مثل الآف الضباط العراقيين الذين وضعهم الحظ العاثر في السياق الخطأ والوقت الخطأ – لم يكن سيئاً كأنسان، لكنه كالآلاف غيره- وضع في مواضع شديدة السوء .. وأخذت عنه قرارات شديدة الخطأ.. وما كان عليه – كعسكـري- سوى أن ينفذ..
ربما لو التقيت به في مكان آخر، لتجاذبت معه أطراف الحديث – كان يبدو ودوداً ولطيفاً- لكن الآن، والنسر والشاربين، وهذا اللقب المهم – وخلفها جميعاً رأس لايقتنع إلا بالسياقات الواضحة امامه والتي كان جدي – حسبها – ليس عراقيــاً..




يتبع

Romantic Flower
, Tue, 16 Oct 2007 08:54:35 +0200
قلت له، وأنا احاول الاستعانة بقواعد المنطق الارسطي معه، وصبري و وقتي يكادان ينفذان : "هل تعقل يا سيدي، أن يكون وزير الخارجية العراقي أيرانياً ؟.." كانت هُذهِ هي المرة الأولى التي الوح فيها بهُذهِ الورقة. لم أكم قد نوَّهت قبلها بالمناصب التي تقلدها حتى لا يفهم الأمر بأنه نوع من التباهي..
.. وكنت أعتقد، عندما اضطررت اخيراً أن استعمل هُذهِ الورقة – أنها ستكون القاضية..
كنـت مخطئـاً بالتأكيــد..
قال، وعلى شفتيه ابتسامة هازئة وواثقة من نفسها، "وما علاقة هُذا بالموضوع، الم يكن جورباتشـوف – في نهاية الأمر "تبعيــة" ؟".
هُكذا – وبكلمة واحـدة- فسر الضابط انهيار الأتحاد السوفياتي السابق.. وربط الأمر بقضية تقديمي للدراسات العليا.
لم يكن من الممكن مواصلة النقاش معه، وكنت بالتأكيد لا أريد أن اسمع اراءه في السياسة الدولية والحرب البادرة..
كان من الواضح أنني اتعامل مع صخرة عنيدة. كان من الواضح على وجهي خيبة الأمل والأحباط..
قبل أن أصل إلى الباب، استدار لي وقال ".. ما دام كان وزيراً كما تقول، فهل بقيت لديكم سند طابو عثماني بأسمه ؟".
قلت ملهوفاً "نعــم" "بالتأكيــد".
ثم استدركت "أظن ذلك".
اجابني ، "هاتها إذن".
"ممكـن أن تنفــع"!
***************
.. من بين كل الوثائق، والمستندات والهويات، بنسخها الاصلية والمصدقة، والصادرة عن الدولة العراقية.. فأن الذي اعتمده الضابط، في النهاية، لم يكن سوى ورقة صادرة عن الدولة العثمانية وبختم الباب العالي..
نعم – ورقة طابو عثمانية، مصورة بالنيجاتيف الاسود، تروي بالمختصر المفيد حكاية انتقال الملكية من شخص إلى آخر، وصولاً إلى "العـراقي أبـن العـراقـي".. جــدي..
وكان هُذا هو المطلــوب..
كل الوثائق الاخرى لم تنفع، كل الاختام وكل التوقيعات وكل الرموز ابتداءً من شعار الملكية إلى نسر الجمهورية .. – كلها لم تقنع الضابط.. وحده (الطابو العثماني) كان مقنعاً للدولة العراقية. وياللتناقض .. ويالغرابة..
كل الحقائق والتفاصيل المادية والشاخصة لم تقنع السياقات العسكرية وسلسلة المراجع وقوانين مديرية الجندية ..(ولاحتى حقيقة واضحة ماثلة امامهم : أنني عراقي وكل ما اريده هو التقديم للدراسات).
كل الذي نفع، هو ذلك البيت الذي كان قد انهار وصار قاعاً صفصفاً.. امتار واحجار وبقايا تحت الأرض..
و ورقة ملكية – سوداء ومصورة وشبه مهترئة- عليها ذلك الختم بالطغرة العثمانية..
كانت مفارقة غريبة.. أن البيت المنهار في النهاية هو الذي أقنع الدولة الموشكة على الانهيار..
.. وأن ختم الدولة التي أبيدت – هو الذي اقنع الدولة التي تكاد توشك أن تباد..
لا شيء بالصدفة. فكل أمر يحمل معه دلالاته ورموزه – وأيضاً يحمل معه خطوط نهاياته..
لا شيء بالصدفة حقاً في هُذا العالم المحكوم بالسنن، لو أننا تأملنا قليلاً في ما نتوهمه تفاصيلاً عابرة.. لوجدنا الرموز والدلالات مقيمه هناك..
قبل السقوط، أتذكر أن الختم الوحيد الذي أقنع الضابط، هو ختم الدولة العظمى التي كانت، ثم سقطت ولم يكن ذلك مصادفة..
********************
سارت المعاملة بعدها بشكل سريع، ولم تنقض فترة طويلة حتى كنت قد قبلت فعلاً في الدراسات العليا..
لم يبق من تلك الفترة العصيبة غير تلك المرارة المتخلفة في فهمي من تلك البيروقراطية الظالمة التي يختلط فيها الروتين بالغباء بالظلم بالتمييز العنصري..
وبقيت تلك النكتة عن جورباتشوف مثالاً عن ذلك كله..
**********************************
لكن، هناك الآن، وربما حتى في وقتها : ماذا لو لم تكن هناك ورقة سند طابو


عثماني ؟.. ماذا لو أنها فقدت، تلفت، أو اهملت عبر تعاقب العهود – وتجديد وثائق الملكية الضروري واللازم حسب التعليمات الادارية..
ماذا لو لم تكن هناك ورقة سند ؟ .
سؤال آخر : ماذا لو لم يكن هناك طابو –أصــلاً- لكي يكون هناك سنده و ورقته؟..
ماذا لو كان جدي رجلاً بسيطاً : حمالاً ، نجاراً أو نحاساً في سوق الصفافير..
ماذا لو كان لا يمتلك بيتاً ولا سنداً عليه ذلك الختم العثماني ؟.. أكان على حفيده أن لا يقبل في الدراسات العليا – لمجرد أن جده لأمه كان رجلاً فقيراً..
********************
وسؤال آخر – أكثر أهمية والحاحاً- وماذا لو كان جدي ايرانياً – سواء كان ايرانياً فعلاً، أو أنه سجل كذلك لهُذا السبب أو ذاك..
.. ماذا لو كان ايرانياً فعلاً ؟ - ألم يكن هُذا التنوع العرقي – مصدراً للقوة والغنى والخصب طوال قرون متعاقبة ؟؟
ألم يكن تنوع الاعراق – وتعــدد الأعـراق- وتنافس الأعراق – هو الذي جعل العــراق- عــراق ؟..
ألم يكن تنافس الأخوال والأعمام – من عرب وكرد وترك وفرس وبربر وأفغان- مصدراً للتجاذب والشد في الشخصية العراقيــة ؟
ألم تنصهر كل هُذهِ الأعراق – وتلتحــم معـاً- وتنسجـم معـاً- في بوتقة بغداد.. دون أن تلغي خصائصها تماماً، ولكن بأن لغت الحدود فيما بينها .. ومنحت أفضل ما لديها ليصب في بحر واحد..هــو العـراق..
.. الم يكن الاخلال بهُذا التناغم – بالتمييز ضد عرق معين – ونسـب معيـن- ظلماً مُورس ضد الصورة كلها – بكل تفاصيلها، وكل أعراقها .. وكل أجناسها..
ألم يكن الاخلال بهُذا الانسجام – بتهجير عرق، وبطرد عرق، وبحرمان عرق، ومصادرة ممتلكات عرق – هو الذي زرع الالغام في الصورة بأجمعها.. وجعلها عرضة للانهيار والاحتراق .. في أي وقت ؟..
********************************
بعد كل هُذه الحيثيات، هناك اليوم سؤال أخير : هل كان يمكن إلا أن تسقط النجف ؟
هل كان يمكن لكل ذلك الظلم والقهر والاستبداد والاستعباد والتمييز إلا أن ينتج واقعاً هشاً يحمل معه بذور سقوطه وإرهاصات انهياه ؟؟
هل كان يمكن لكل ذلك الدهر الطويل من الاضطهاد إلا أن ينتج لحظة السقوط المزرية المؤلمة المعلومة .. والتي شاهدتها على شاشة التلفاز .. في ذلك اليوم اللامنسي..
.. وهل كان يمكن – إلا أن تسقط النجف ؟..
**********************
..كان يمكن – بتاريخ آخر، وفكر آخر، وثقافة أخرى، أن تكون النجف هي الحلقة الاصعب، والحلقة الاقوى، فتاريخها حافل بالاستشهاد، وترابها مليء بالشهداء، وابوابها عصية، وهواءها حتى هواءها – صعب المراس..
أقـول كان يمكــن..
لولا أن المسار كله وضع في خط آخر..
وسقطت النجف، ونقل سقوطها على رؤوس الاشهاد..
******************
في نفس اليوم الذي شاهدت النجف وهي تسقط – وكان جلدي يقشعر للمشهد – في نفس اليوم، في ظهيرته تحديداً.. علمنا أن الغزاة وصلوا إلى المحمودية – على بعد لا يتجاوز الثلاثين كيلو متراً من بغداد.. – لم نكن متأكدين بالضبط من مسار الضفدع القفاز الذي يحوم حول بغداد، ولم نكن نفهم كيف أنهم – للتــو – قد دخلوا النجف على بعد مائة وثمانين كيلومتراً – وكيـف أنهــم – في الوقت ذاته – على بعد ثلاثين كيلو متراً من بغداد..
وكنا نعلل التناقض بما نسمعه أنهم يقومون بإنزال ليلي في بعض المناطق الخالية
- ثم ينصبون بعدها نقاط تفتيش على الطرق الفرعية الخارجيـة – للإيحاء للسكان ولوسائل الاعلام – بأنهم قد سيطروا على تلك المناطق – كجزء من الحرب النفسية ..
كان ذلك مقنعاً إلى حد كبير في مناطق قاحلة وواسعة مثل الصحراء الغربية – مع مقتربات مدن مثل راوة وعانة وهيت وحديثة – تبعد مئات الكيلومترات عن بغداد وعن مناطق القتال الساخنة..
كان مفهوماً أن يكون هناك فراغ في تلك المناطق. فراغ من التواجد العسكري والأمني والسلطوي مما يسهل على الغزاة القيام باستعراض العضلات ذاك..



يتبع

Romantic Flower
, Tue, 16 Oct 2007 08:55:06 +0200
كان ذاك مفهوماً – وإلى حد ما مقبولاً – مادام من المستحيل أن نتوقع أن تنتشر قطعات الجيش لتغطي كل كيلومتر مربع من صحراء هائلة الحجم تغطي ربما مساحة ثلث العراق..
لكن، كان هُذا التعليل يبدو غريباً ومنذراً بالخطر، عندما يتعلق بمنطقة لا تبعد أكثر من ثلاثين كيلو متراً عن بغداد، وكنت تعدها طيلة عمرك من ضواحي بغداد – بغض النظر عن التقسيمات الإدارية التي تسبق أسمها..
لم تكن أي من وسائل الأعلام قد ذكرت أي نبأ مقارب لهُذا الخصوص – ولو أني كنت قد سمعت النبأ من أي شخص آخر لاعتبرت الموضوع مجرد إشاعة من الإشاعات الكثيرة التي نسمعها..
لكنه كان شاهد عيان.
.. وكان واضحاً، على وجهه، على عينه – أنه شـاهـد ما يقـول أنه شاهـده- .. وكان واضحاً عليه – أنه شاهد شيئاً مهولاً..
**************
كان أسمه أبو داود – لم يكن ذلك أسمه، بل كنيته التي لا أعرف غيرها اسماً له..
ولم يكن له طفل أسمه داود – فقد كان أفقر من أن يتزوج – لكن الكنية كانت لصيقة به – مثلما كان العوق الذي في رجله اليمنى سمة مميزة له ..
كان أبو داود مؤذنا للمسجد. وكما كان هناك إجماع بين المصلين على عدم محبة إمام المسجد وخطيبه، فقد كان هناك شبه إجماع بين المصلين على محبة "أبو داود" والانسجام معه..
لم يكن مجرد مؤذناً، فقد كان متخرجاً من إحدى كليات الشريعة، ويتابع دراسته العليا – وكان يمتاز على الإمام والخطيب وجوقة المعممين بصدقه وإخلاصه – إذا كان هناك من وسيلة حقيقية لتبين الصدق والإخلاص..
.. وفي المرّات التي كان فيها الخطيب يتغيب عن أداء صلاة الجمعة، كان أبو داود يصعد إلى المنبر ويتمكن من لفت انتباه المصلين بدلاً من تذكيرهم بالتثاؤب .. كان يقص في الغالب مواعظ مؤثرة وموقظة بدلاً من أيديولوجية اللف والدوران وخطب الغموض والتعمية التي تعودوا عليها..
لم يكن مجدد القرن – بالتأكيــد – لكن مقارنته بالآخر، كانت تجعله يبدو شيئاً
كهُذا !.
.. وكان من أهالي المحمودية..
*****************
قبل صلاة الظهر، في ذات اليوم الذي أعلن في صباحه سقوط النجف ، كان ابو داود واقفاً والمصلين حوله في حديقة المسجد أمام الحرم.. وكان واضحاً أن لديه ما يقوله..
.. وكانوا يريدون أن يسمعوا..
وكان واضحاً على وجهه أنه شاهد شيئاً مفزعاً أذهله وأرعبه..
كان ابو داود يردد : "الذي يسمع غير الذي يرى" – "الذي يسمع غير الذي يرى"..
كان ابو داود قد ذهب إلى أهله في المحمودية للاطمئنان عليهم.. وعندما رجع شاهد هُذا الشيء الذي أرهبه، والذي أن تراه غير أن تسمع به..
*************
ماذا شاهدَ أبو داود في المحمودية ؟..
لم يشاهد مذبحة هائلة ارتكبتها قوات الغزو بدم بارد. لم يشاهد الرؤوس المقطعة والجثث المتفحمة.. ولم يشاهد البيوت المتهدمة على رؤوس أصحابها..
لم يشاهد القنابل العنقودية تفقئ العيون وتقطع الأطراف .. ولم يشاهد الحبالى وقد تقطعت أرحامهن بفعل الشظايا، وأطفال يولدون ليموتوا ساعة ولادتهم..
لم يشاهد السيارات المحروقة على جانب الطريق، وعلى بعد أمتار منها جثث لأشخاص حاولوا التشبث بالحياة – وعاجلتهم الرصاصات الغادرة..
لم يشاهد شيئاً من هُذا .. ] أو أنه شاهده ولم يقل [ .. فقد كان كل هُذا روتيناً متوقعاً – لعله لا يستحق الذكر او التعليق..
وكان بالذات لا يستحق أن تقول عنه "الذي يسمع غير الذي يرى"..
لكن أبو داود رأى شيئاً أخرا .. غير هُذا كله..
لقد شاهد شيئاً أخطر من هُذا كله – وأكثر إرعابا من ذلك كله، وأكثر إرهابا من ذلك كله..
كان يقص علينا ما شاهد – وعلى ملامح وجهه الذهول، والألم وايضاً تشبث ساذج بعدم التصديق..
وكنا حوله، ملتفين نسمع، ونحن نتشبث ايضاً بعدم التصديق.


كان قد شاهد هولاً أكبر من كل مشاهد الترويع – شاهد شيئاً لم يكن في الحسبان – لم يكن قد دخل في دوائر التصور.. لم يكن قد طرأ وقوعه على الاذهان..
شاهد شيئاً مهولاً..
شاهد – فجأة-: نقطة تفتيش أمريكية !..
********
نقطة تفتيش أمريكية..!
*******
عندما اشرفت الحرب على الوقوع، كان كل منا قد ادى استعداداته لها بطريقة او بأخرى – وكل حسب طاقاته..
كان هناك استعدادات المؤونة الغذائية – وذلك الخزن للمواد الأساسية الذي شكل جزء من تراث الحروب المتكررة والحصار المستمر..
.. وكانت هناك استعدادت المؤونة الدوائية.. والتي تشمل على الإسعافات الاولية وادوية المضادات الحيوية وادوية السعال والاسهال كثيرة الاستعمال.. إضافة إلى ادوية الامراض المزمنة لأصحابها..
.. كان البعض مستعداً حتى لمواجهة حرب كيمياوية .. بشراء الاقنعة الواقية من الغازات السامة – رغم ارتفاع اسعارها -، وذهب البعض إلى حد شراء الدجاج الحي ووضعه في الحديقة من أجل أن يعمل كجهاز انذار مبكر – حيث يفترض أن الطيور تستنشق الغازات السامة قبل البشر، ولا أدري علام استندت هُذهِ الفرضية بالضبط..
كنا قد اعددنا عدة التجويع، وايضاً عدة الترويع..
وكنا قد تهيئنا نفسياً، وتدربنا ذهنياً – لاشد مشاهد القصف والتدمير، ساعدتنا الصلاة والتضرع بالدعاء على الاستعداد للقنابل العنقودية والقنابل الفراغية والقنابل الكهرومغناطيسية، وتخيلنا المشاهد المروعة للموت القبيح وهو يخطف احبابنا منا، ويسقط السقف علينا بينما نتراكض لنحمل بقاياهم..
كنا مستعدين للتعامل مع مشاهد كهُذهِ .. – كانت في بالنا طيلة الوقت..
لكننا لم نكن قد تهيئنا – ولم نكن نعرف كيف نتهيأ – للتعامل مع المشهد المهول الذي شاهده ابو داود..
نقطة تفتيش أمريكية ..
نعم، لقد كنا اعددنا العدة لكل شيء ، إلا هُذا..
***************
ربما لم يكن النظام الذي يحكم بلدك افضل نظام في العالم..
(.. بل ربما انه يتنافس على كونه الاسوء..)
وربما لم يكن الوضع في بلدك، افضل وضع لبلد في العالم.. بل لعله كان سيترشح ليكون اسوء وضع..
.. وربما كان لديك الف ملاحظة والف انتقاد على الحكومة التي تحكم بلدك – وعلى رئيسها بالذات..
وربما كان صدرك ضيقاً بالعيش في بلدك – تعيش فيه وعيناك متجهتان صوب تأشيرة سفر و ورقة اقامة في بلد آخر..
.. وربما كان عندك الف سبب لتدعم شعورك هُذا، ربما كنت قد دفعت الثمن من أحد أخوتك او أخوالك أو أعمامك – ولعلك اضطهدت بشكل شخصي لهُذا السبب او ذاك..
ولعل كل الايدلوجيات والشعارات التي تتغنى بحب الوطن كانت تبدو لك كئيبة وسخيفة ومملة – مادام وطنك لا يجعلك تشعر بكرامتك فيه..
كل ذلك، نعم – وأكثـر – افهمه واتفهمه واتفاعل معه..
لكن كل ذلك – وكل أكثر من ذلك – سيبدو سخيفاً وبلا معنى – كل ذلك – سيكون لاشيء – أمام ذلك المشهد المروع المهول الذي لم يكن أحد منا مستعداً له – والذي فاجأ "أبو داود"، على غرّة..
أنها نقطة التفتيش الأمريكية !..
****************
ربما كنت قد تعودت الاذلال من طيف واسع من الموظفين في بلدك.. من أصغر موظف استعلامات في اتفه مؤسسة حكومية – إلى أكبر مسئول أمني من اولئك الذين يستطيعون ايداعك أنت وأهلك وراء الشمس..
.. ربما تعودت الاذلال منهم.. وتقطيبة جبينهم … والتعبيسة التي يواجهون بها اسئلتك.. ربما تعودت على نفاذ صبرهم عندما يتعلق الأمر بك، ونباحهم بوجهك كلما خطر على بالهم ذلك..



يتبع

Romantic Flower
, Tue, 16 Oct 2007 08:55:41 +0200
وربما لم تتعود بالضبط. لكن اقسرت نفسك على قالب من اظهار الادب والتهذيب أمام هؤلاء – بينما في داخلك بركان يغلي ويحترق ويهدد بالانفجار في كل حين..
.. وربما كنت تحمل حقداً لا حدود له – على كل شخص يمكن أن يمثل السلطة – من أصغر شرطي مرور إلى أكبر رأس في النظام .. وربما كنت تعد كل مسئول في النظام مسئول كل مذلة تعرضت لها بشكل فوري وشخصي، وتتمنى لو نال إذلالاً – لا حدود له – كعقوبة لها عن كل إذلال تعرضت له..
.. ربما كنت تعتبر أن " لاشيء، في العالم كله، اسوء من الوضع الذي أنت فيه".
ولكن، رغم ذلك، رغم كل ذلك – فأنه قد يأتي عليك حين.. لتغير كل أفكارك - .. وتكتشف أن كل ما كان – بالنسبة لما سيأتي – لم يكن أكثر من مزحة عابرة.. ستأتي عليك لحظة – لن تفهمها – لم تكن مستعداً لها ولم تكن قد تهيأت لها.. لكنها ستأتي عليك – بشعور جديد.. شعور لم تتعوده، ولم تتخيل قط أنه سيمر بك – أو أنك ستمر به..
فجأة، وعلى حين غرّة، ولأنك لم تتهيأ الأمر، ستجد أن أرضك قد زلزلت، وكونك قد انهار، ومجرتك قد غيرت عنوانها..
.. فجأة سيصير ظلم ذوي القربى عدلاً قضيت عمرك وأنت تحلم به، سيغمرك نوع من الحنين الغامض – الذي لن تفهم كنهه.. لشرطي المرور الذي اضطهدك – ولرجل الأمن في الاستعلامات الذي أذلك..
لست مازوشياً ولا تحب أن يبرع الآخرون في إيذاءك..
ولكن – في الوقت ذاته – ستفضل – وكخيار شبه فطري ولا علاقة له بالعقل والمنطق والنظريات والايدلوجيات – ستفضل أن يكون أن اذلالك على يد ابناء وطنك.. لا على يد نقطة تفتيش أمريكية..
وربما لن تفهم أي مما قلت – إلا إذا خضته – وإلا إذا شاهدت ذلك الشيء الذي شاهده أبو داود، والذي ارتسم على وجهه بملامح الذهول وعدم التصديق.. نقطة تفتيش أمريكية..
**************
.. عندما تمر بحياتك نقطة تفتيش أمريكية – فأنها لايمكن أن تكون عابرة..
لايمكن آن تكون مجرد نقطة تفتيش – لايمكن أن تكون مجرد "نقطة"..
قد تكون جملة طويلة مريرة ملآنة بالجمل الاعتراضية، وبعدها اشارات استفهام وادوات استنكار، وعلامات تعجب – لكنها ابداً ابداً لن تكون مجرد "نقطــة"..
مهما كنت قد تعرضت لنقاط تفتيش سابقة، اذلتك بالبحث عن تهمة، واضطهدتك بالتدقيق في هويتك، واثقلتك بالاسئلة ودفعتك من أجل أن تدفع رشوة..
مهما كان ذلك قد حدث لك – فأن نقطة التفتيش الامريكية لن تكون حدثاً عابراً في حياتك – ربما ستجتاز النقطة، لكنها، بطريقة ما ستظل عالقة معك، هناك في حلقك، كشيء مزعج بين اسنانك، عند بلعومك، كشيء يضغط على اعصابك ويكاد ينفجر في دماغك..
لن تجتاز الأمر ابداً. قد يسمحون لك بالمرور. لكن شيئاً آخر سينفجر في رأسك : لن يسمح لهم بأن يسمحوا او لا يسمحوا لك بالمرور..
لن تعبر قط من تلك النقطة. ستظل تتعثر بها. ستظل عالقة معك ولن تستطيع أن تتجاوزها..
وعندما يؤشرون لك بأيديهم او بتلك الهزة من رؤوسهم : أن اعبر.. سينتابك شعور هائل عصي على الفهم أنك قد تعرضت لأهانة فظيعة لم يوجهها لك أحد طيلة حياتك – رغم أنك كنت قد تعودت الاذلال – لدهور مضت..
ستشعر أن يداً قاسية وخشنة قد صفعتك على وجهك، ستنظر إلى المرآة في السيارة وستفاجئ بأن خديك كليهما قد احمرا من أثر الصفعة..
ستحتاج وقتاً لتفهم، أن آثار السياط على ظهرك في اقبية المخابرات ممكن أن تلتئم مع الوقت، وأن الجروح التي احدثتها السجائر في خضم التحقيق ممكن أن تنطفئ مع الوقت..
لكن الآن، مع تلك الاهانة، مع تلك الصفعة الغيرمرئية التي تلقتها حياتك، لن يزيد الوقت خديك إلا احتقاناً واحمراراً.. سيمتلئان بالالتهاب والقيح – سيتورمان بالغيظ والحقد وسيزدادن ورماً كلما مرّ الوقت..
وذات يوم ستنظر في المرآة وتجد وجهك وقد أكله سرطان قبيح ملئ بالدمامل والبثور.. وستذكر أن ذلك كله قد بدء يوم مررت بنقطة تفتيش أمريكية ،ربما تكون سيارتك قد اجتازتها، لكنك فشلت في تجاوزها طيلة حياتك..
******************


ربما كنت مستعداً للموت – انت وابناءك تحت القصف.. ربما كان الموت وقتها سيكون غامضاً قادماً من طائرة بعيدة لن يتسنى لك مشاهدة الطيار الذي يقودها، أو الذي ضغط على الزر الذي اسقط الصواريخ التي هدمت السقف على رؤوس صغارك..
سيكون الأمر كما لو أنه غير شخصي – كما لو أن الطيارة كانت بلا طيار – ويمكنك بعدها أن تصب جام غضبك على النظام الذي دفع بالطيار، وبالمؤامرات والايدلوجيات والاستراتيجيات التي تدفع أنت وأطفالك الثمن لها..
لكن مع نقطة التفتيش الأمريكية، تجد نفسك فجأة مع ما لم تستعد له : العدو – وجهاً لوجه .. العدو – على بعد أمتار منك .. على بعد سنتمترات منك.. على بعد رصاصة واحدة منك..
كان العدو دوماً بالنسبة لك شكلاً هلامياً غامضاً غائم الملامح، رمزاً لمؤامرة كبرى ومخططات عسكرية ومطامح اقتصادية.. كان الاشخاص وصورهم يعبرون عن محض رمز..لم تكن تفكر كثيرا بهم . انهم مجرد( رمز)!
تبقى الاستراتيجية،و لكن تغيب الصور وتذوب الشخصيات، ويبقى ذلك العلم و صورته رمزاً ثابتاً لكل ما حاق ويحيق بك وباولادك.. ويحاصرهم ويهدد احلامهم وآمالهم ومستقبلهم..
فجأة سيستحيل الرمز اشخاصاً حقيقين، بشراً من لحم ودم، جاءوا من أقصى الارض الى بلدك – عبروا القارات والمحيطات – ربما لكي يثبتوا لك – أن الأمر، في النهاية، ليس مجرد خطط واستراتيجيات ونظريات.. وأنما يتطلب ايضاً بشراً – يكونون أحياناً مجرد وسيلة – ويكونون احياناً هدف ..- ولايكونون، في بعض الاحيان أكثر من ترس صغير – ولكن ضروري – في آلة قتل هائلة الحجم..
نقطة التفتيش الأمريكية تلك.. لن تستوقفك فقط ولكن ستستوقف مفاهيمك، وستغير قناعاتك..
ستكتشف أن عدوك لم يكن نظرية او خطةٍ او مؤامرة محضة..
وأنما كان يتقمص أحياناً شكل اولئك الجنود الذين وقفوا على ذلك الحاجز – عند نقطة التفتيش الأمريكية ..
***************
.. قبل أن تزول القشعريرة من جلدك – سيغامرك شعور غامض أن هوليوود قد خدعتك .. وأن الصورة التي روجتها ورسختها في ذهنك لجنودها الوسيمين مفتولي العضلات، هي صورة منقوصة أن لم تكن مغلوطة اساساً..
لن تجد ميل غيبسون أو شارلي شين عند نقطة التفتيش. ربما ستكون ملامح الجنود قريبة من مواصفات الجمال التي عممتها هوليود ايضاً.
لكن ستكون هناك تفاصيلاً اخفتها للكاميرا بأتقان..
نعم، أنهم بيض، وقد تعودت أن تعتبر ذلك دليلاً على الوسامة، لكنك ستلاحظ أن بياضهم ليس ناصعاً – وأنما تخالطه صفرة خبيثة لن تخطئ فهمها..
ستلاحظ ايضاً أن عيونهم ملونة – لكن نظرة اللؤم فيها واضحة وشديدة البروز..
رغم الاسطورة الهوليوودية المرسومة بأتقان، ستجد في الجنود الامريكان شيئاً كريهاً بشكل شخصي – بشكل فردي يخص كل فرد من هؤلاء الجنود – عند نقطة التفتيش الأمريكية..
سترى في كل تفصيل من تفاصيل وجوههم شيئاً يستهدفك وبلدك، وستتأمل فيها كما ليلى تتأمل في الذئب المتنكر بملابس جدتها، ستبدو عيونهم أكبر من حقيقتها، وستعلم أنها لن تحدق إلا في خصوصياتك وحرماتك، وستبدو أنوفهم أكبر من حقيقتها، وتعلم أنها لن تكون كذلك إلا لكي تنقب عن النفط والغاز والثروات الأخرى في بلدك، وستلاحظ أن أفواههم أكبر من المعتاد، سيكون ذلك من أجل أن يبتلعوا بلدك بثرواته وخيراته..
برعب ستلاحظ أن اسنانهم كلها أنياب، لن يكون ذلك إلا لأنهم سيغرسونها في عنقك – في الموضع الذي تحب تقبيله من اعناق اطفالك..
ربما لن تكون بصيرتك واعية لهُذهِ الدرجة من البصر. ربما ستلاحظ فقط أن ملامحهم كريهة ولزجة – حتى لو كانوا ينفذون التعليمات الموجهة لهم والقاضية بتوزيع الابتسامات.. لن ترى في ابتساماتهم غير أفعى تزحف بخبث، وذئب يتربص بمكر..
ستكرههم شخصياً ربما دون أن تعرف لماذا. سيكون ذلك مؤلماً بشكل استثنائي. ستحاول أن تخفف من ألمك بأن تهمس لنفسك، بأنهم مجرد بشر، مجرد جنود ينفذون الأوامر.. وربما لم رأيتهم في وضع آخر، وملابس آخرى، لأبتسمت لهم وهززت رأسك وأنت تحييهم..



يتبع

Romantic Flower
, Tue, 16 Oct 2007 08:56:19 +0200
نعم. ربما في مكان آخر. ووضع آخر..
لكن ماداموا هنا، ماداموا هنا بملابسهم العسكرية، واحذيتهم الضخمة، تلك الخوذ التي تغلف رؤوسهم – لايمكن أن تشعر نحوهم إلا بهُذا الكره..
نعم. ماداموا هنا ، فليس سوى الكـــره..
****************
شيء آخر لن تتمكن من أن تفر منه، إذا كنت ملتزماً ولو إلى حد بسيط بالشعائر الدينية، والتي غالباً ما تكون النظافة وقواعدها في مقدمة العملية الشعائرية منها أن لم تكن في الصلب منها..
لن تتمكن من أن تطرد رأسك، والجندي الأمريكي على بعد خطوات من رأسك، حقيقة أن بعض أدق تفاصيل النظافة – التي تشكل جزءً اساسياً من موروثك النفسي والذهني – لاتتوفر عند هُذا الجندي الأبيض القادم من ما وراء البحار..
ربما كنت قد رأيت وأجانب من قبل وتحاورت معهم وجلست معهم وربما عشت معهم لسنين – لم تفكر بهم هُكذا من قبل – لم تتدخل في خصوصيات نظافتهم – بل أن فكرتك عنهم عموماً – كانت مرتبطة بالصورة المتحضرة الزاهية التي رسختها أجهزة الاعلام في ذهنك..، لكن الآن – على الحاجز – والخوذة والبدلة والحذاء العسكري الضخم على تراب بلدك – لن يمكنك إلا أن تفكر بأنهم قذرون..
سيخطر على بالك أنهم لا يغتسلون من جنابة، وأن قواعد دينهم لا تعلمهم كيف يتبرؤن من بولهم، وأن آليات الطهارة المقدسة التي تعلمتها منذ طفولتك غير موجودة عندهم –بل أن معجم لغتهم خال من مرادف لكلمة الطهارة بالمعنى الاصطلاحي الذي تعودنا عليه..
لديهم مساحيق للغسل والتنظيف عديدة، لديهم عطور غالية الثمن.. ومعطرات فاخرة، وموانع للتعرق فعّالة – ولكــن – ليس لديهم هُذا الشيء الذي يسري في دمك قبل أن يكون على جلدك – الطهارة..
عند نقطة التفتيش الأمريكية، ستفهم اخيراً ما كنت قد سمعته من أن الكفار انجاس – كنت قد عرفت طيلة حياتك اصدقاء وجيران من ديانات أخرى – بالذات من نفس ديانة الجنود عند نقطة التفتيش الأمريكية – لكن لم تلاحظ قط أنهم أنجاس.و لم تعتبرهم انجاسا قط..
الآن فقط – متأخراً جـداً – تفهم أنهم لا يكونون انجاساً إلا إذا كانوا اجانباً ، غزاة .. مثل اولئك الجنود الواقفين عند نقطة التفتيش الأمريكية ..
**************
.. نقطة التفتيش الأمريكية تلك، لا تريد حقاً أن تفتش صندوق سيارتك كما سيبدو لك للوهلة الأولى..
أنها تريد أن تقتحم صندوق دماغك، أن تداهم تلافيفه، وتسيطر على خلاياه..
أنها تريد أن تحدد مسار حياتك. وتعسكر داخل حياتك.. تمضي أنت، ولكن تمكث نقطة التفتيش تلك في داخلك – تحتلك، تسيطر عليك، وتحدد مسارك..
ليس صندوق السيارة – و ما يمكن ان يحتويه من أسلحة.. ولكن ذلك الصندوق الصغير بين كتفيك – والافكار المحتواة فيه.. والالغام المزروعة فيه..
.. وعندما سيأمرك ذلك الجندي وعلكته في فمه يمضغها باستهتار.. عندما يأمرك بأن تترجل من سيارتك – فأنه في الحقيقة يأمرك بأن تترجل عن كل قيمك – كل مبادئك – كل موروثاتك. وكل مكتسباتك..
.. وعندما سيأمرك بأن تنبطح ارضاً ليتمكن من تفتيشك بأتقان – فأعلم أن وضعية الانبطاح تلك – هي الوضعية الامثل بالنسبة له.. أنها الوضعية التي يريدون ابقاءك فيها إلى الأبد – ولو قمت عن ذلك مظهرياً – فأن الانبطاح هو وضعك الأمثل بالنسبة لهم..
.. وعندما سيتفرسون في وجهك ليبحثوا عن قائمة مطلوبيهم من المسئولين والقادة العسكريين، لا تطمئن كثيراً إلى انهم سيتركوك، فأنت ايضاً مطلوب بشكل او بآخر – بل أنك على رأس القائمة – ولو لم يرد اسمك فيها..
ولا تصدق تلك القائمة المعلنة – فمعظم من فيها من اسماء لا اهمية لهم ولايشكلون خطراً على نقطة التفتيش الأمريكية .. لكن هناك قائمة اخرى مضمرة – غير معلنة – جاءوا من أجل اسمائها بالذات، عبروا المحيطات وجيشوا الجيوش وقاموا بغزوهم هُذا من أجل تلك الاسماء..
أنها القائمة التي تضم أسماء أئمتك واعلامك، صحابتك وقادتك وعلماءك، تلك الاسماء المطرزة في أعمق اعماقك، الموشومة بالجمر في شرايينك واوردتك..
.. وعلى رأسها يوجد ذلك الاسم – أسم نبيك عليه أفضل صلاة وأتم تسليم..




يتبع

Romantic Flower
, Tue, 16 Oct 2007 08:57:00 +0200
لا تهرب من هُذا. لا تخدع نفسك بأي شيء آخر. هُذهِ القائمة المضمرة هي ما دفعتهم للمجيء..
ذلك الأسم الذي على رأس القائمة هو الذي يريدون ..
كل الباقي مجرد تفاصيل..
**********
.. وعندما ستجتاز تلك النقطة، ستلاحظ أن واحداً من جنودها بصق على الأرض .. ستقول مع نفسك أن مشهداً كهُذا لا يظهر في هوليود، وأن الممثلين الوسيمين يظهرون دوماً متمسكين بقواعد التهذيب..
ستواسي نفسك بأن تقول لها أن الكثيرين من ابناء بلدك يبصقون ايضاً على الأرض.. وأن هُذا الجندي لا يعدو أن يكون مثلهم – وجد حاجة بيولوجية لأن يبصق، فبصق..
ستقول لنفسك : أنها مجرد بصقة . لا فرق حقاً في منشئها – سواء كان محلياً ، أو أجنبيا..
لكن لا خديعة ، لاسواء..
فتلك البصقة ستشعر بها لزجة ومقرفة وتغطي وجهك كله..
ستشعر بالبصقة وهي لا تقصد تراب بلدك. بل بلدك بأكمله. بكل تاريخه. بكل قيمه.. ستشعر بها تقصد رأس القائمة المضمرة..
.. ستمتلئ بالغضب. ستلتفت نحو نقطة التفتيش.. سترى تلك النظرة على وجه الجندي تقول لك "ردها عليَّ أن أستطعــت"..
ستقضي عمرك و انت تذكر انك لم تستطع..
*************

بينما نحن بعد في الجامع، وأبو داود يضيف بعض التفاصيل للذي شاهده – والذي أن تشاهده غير أن تسمع به – بينما نحن لانزال متحلقين حوله – دوى أنفجار هائل شديد القرب.. ثم تلاه آخر .. فآخر..
قال العارفون بالأمور – وهم كثر في أحوال كهُذهِ- أن اصوات الانفجارات هُذهِ، هي صوت المدفعية العراقية المنصوبة ولابد في مكان قريب، وهُذهِ الانفجارات القريبة كانت مصداقاً مباشراً لما شاهده أبو داود.. القوات الأمريكية كانت ولابد على مرمى المدفعية المباشرة.. عشرين إلى ثلاثين كيلومتراً لا أكثر..
.. وأكد العارفون بالأمور أن التمييز بين صوت المدفعية وهي تقصف، وبين صوت الصواريخ والقذائف وهي تسقط سهل – لأنك تسمع صوت الأولى ثم تحس بالاهتزاز، بينما تحس بالاهتزاز –مع الثانيـة- ثم بعدها تسمع صوت الأنفجار.
الكلام سهل نظرياً طبعاً. لكن التمييز كان صعباً جداً على المستوى العملي – عندما تتوالى الانفجارات، فأن عقلك يكون مشغولاً بأمور أخرى كثيرة، قبل ترتيب اولويات الانفجار واهتزازته..
أكد العارفون بالأمر أن التمييز جداً سهل. وايدهم بعض الواقفين. ولم يكن هناك فائدة من الجدل، فمالخيارات التي نملكها اصلاً – سواء كانت الاصوات اصوات انفجارات لقذائف تسقط علينا من بعيد او أصوات لقذائف تطلقها مدفعيتنا..
عدت إلى البيت وأنا لا أعرف بالضبط هل الخبر الذي أحمله سيئاً او جيداً – كنا قد وصلنا إلى تلك النقطة التي لاتعرف معها بالضبط ماهو السيء وما هو الجيد.. هل هو شي جيد أن تكون المدفعية منصوبة على بعد أمتار من بيتك – مما يجعله عرضة للقصف المضاد- أم هل هو شيء جيد أن يكون الغزو قد وصل إلى حد – أنه صار على مرمى المدفعية المتوسطة المدى.. وصلنا لتلك النقطة – التي يتساوى فيها السيء والجيد.
وصلنا لنقطة صار فيها هناك سيء وأسوء فقط، لا شيء جيد هناك..
كان هناك عندنا عامل للكهرباء – كردي وطيب جداً- استفسر مني عن صوت الانفجارت المدوية فطمأنته (!) أنها اصوات مدفعيتنا .. وكذلك طمأنت من في البيت.. وكان الأمر له مفعول السحر في تهدئة مخاوفهم بل وازالتها تماماً.
بعد دقائق، دوى صوت انفجار هائل مرّة اخرى. ثوان اعقب الأنفجار حاولت أن أركز لأعرف هل عقب الاهتزاز الصوت أم سبقه..
بصراحة : لم استطع التمييز. لكن في داخل كل منا – على ما يبدو- آلية تحاول انتقاء افضل الخيارات من أجل أن تزرع – بـلاوعــي- الطمأنينة في نفوسنا.. لذلك خيل لي – عن طريق هُذهِ الالية- أن الصوت سبق الاهتزاز فصحت : لا تقلقـوا .. أنها مدفعيتنـا من جـديــد..





كانت الكلمة لها مفعول مثل السحر ايضا على الجميع. ذهب الروع الذي كان على وجوههم، عاد الاطفال للعبهم دون أي مبالاة، و واصلت زوجتي أعداد الطعام، و واصلت خالتي متابعة الأخبار..
.. وعندما توالت اصوات الانفجارات الهائلة – وكان كل واحد منها يبدو أكثر قرباً من الآخر – واصل الجميع ما كانوا يعملونه.. "أنـها مدفعيتنــا" ولا داعي للقلق.. الآن على الأقل..
ثوان واقتحم – بدون استئذان- عامل الكهرباء والفزع يبدو على وجهه.. كان واضحاً انه لم يقتنع بما قلته له – والذي قاله لي العارفون بالأمور- من أنها أصوات مدفعيتنا – مادام الصوت قد سبق الاهتزاز..
قال لي وهو يكاد يلهث. "هل تريد أن تقتلني ؟".
قلت له : "كاكـه• ! .. ما بـك ؟. لا تقلـق ! أنها مدفعيتنــا ؟".
رفع يده وهو يحمل قطعة معدنية صغيرة. وقال " لا كاكــه. هُذهِ ليست مدفعيتنا".
"أنظـر ،أنها شظية من قذيفة أمريكيــة".
ونظرت إلى تلك القطعة المعدنية الحادة – التي لاتزال ساخنة كما لو كانت جثة طفل وليد مات فور ولادته..
أمسكت بالقطعة المعدنية. لم تكن عندي أي خبرة من أي نوع .. لا بقذائف مدفعيتنا، ولا بقذائف مدفعيتهم..
أمسكت بالقطعة اتأملها، كانت اطرافها حادة ومدببة.. بدت لي مثل أنياب فك مفترس، ليس من شراهة فيه إلا للدماء..
كانت القطعة كريهة. باردة الملامح – رغم سخونتها فيها شيء غامض ووقح- وقدرت بسذاجة أنها لابد أن تكون امريكية مادامت كذلك..
قبل أن افرغ من تأملاتي كان كاكه عبد الله قد جلب شظية اخرى. واخرى. واخرى..
.. في الشارع أمام الباب كان هناك المزيد من الشظايا المتناثرة.. كان من الواضح، اننا تعرضنا لقصف قريب.
.. وكان من الواضح ايضاً، أن العارفين بالأمر.. قد اتضح أنهم لايعرفون شيئاً.. كما هو معتاد.. ومتوقع !..
* * *
كانت القذائف الصاروخية قد سقطت على منزلين في شارع خلفي لا يبعد أكثر من خمسين متراً عن شارعنا..
وخلال بضعة دقائق – كنت أرى من شرفتي منظر غريب لناس يمشون فرادى ومثنى وجماعات – يتركون المنطقة وهم يحملون أقل من القليل من المتاع وحطام الدنيا..
كانوا في معظمهم .. كما توقعت من سكان المنطقة الفقيرة المجاروة المحاذية للطريق السريع.. قدروا – عندما حقت الحقيقة – أن بيوتهم الآيلة للسقوط لن تصمد أمام قصف قريب.. وقرروا أنهم سيغادرون .. كان بعضهم قد ركب في الحوض الخلفي للشاحنات الصغيرة، ومعهم بعض ما استطاعوا أن يحملوه من أثاث وأدوات – تصوروا أنها ستكون مهمة أو خشوا عليها من السرقة – وكان البعض الآخر لم يجد شاحنة تحمله واثاثه، فحمل على ظهره ما استطاع أن ينوء به من ملابس وأغطية وبعض المواد الغذائية..
لن أنسى ابداً.. منظر اولئك الناس الفارّين من بيوتهم وهم لا يحملون شيئاً يذكر، لايلوون على شيء سوى الفرار من قدر تصوروا أنه سينهار فوق رؤوسهم تلك الليلة..
لن أنسى منظر تلك السيدة المسنة، الواضح جداً من زيها أنها مسيحية، محنية الظهر من حمل عشرات السنين من المصاعب والهموم تجر نفسها جراً – ولا تحمل غير كيس صغير لعله لا يحمل سوى مؤونة يوم أو أقل..
من شرفتي شاهدت العشرات يغادرون – باتجـاه واحــد- الشارع العام، حيث كانوا ينتظرون أن يستقلوا سيارة تقلهم إلى قدر آخر – قدروا أنه سيكون أكثر حناناً عليهم..
عرفت، فيما بعد، أن ذلك اليوم بالذات، شهد خروج مئات الالاف من سكان بغداد.. وعرفت أن الطريق الوحيد الذي بدا للسكان آمناً وقتها – وكان طريق بعقوبة- شمال شرقي بغداد- قد امتلأ على آخره، بطاقته القصوى – بل بأكثر من طاقته القصوى..



يتبع

Romantic Flower
, Tue, 16 Oct 2007 08:58:23 +0200
كان الطريق السريع – باتجاهي الذهاب والاياب، قد امتلأ بسيارات متجهة صوب جهة واحدة..
ذهاباً ، خارج بغــداد !.
*************
.. تلك الليلة، حوالي الساعة الثامنة مساءً، غرقت بغداد في ظلام دامس.. كان التيار الكهربائي قد أنقطع عدّة مرات عن بغداد خلال الحرب، لكن ليس بصورة كاملة عن كل أحياء بغداد.. وكنت إذا صعدت إلى السطح تستطيع أن ترى من بعيد بعض الانارة الخافتة المنبعثة من الساحات والاحياء – تبعث في نفسك الطمأنينة بأن هناك بعض الضوء في ذلك النفق الذي دلفنا إليه..
تلك الليلة، كان الأمر مختلفاً جداً.. لم يكن هناك ضوء البتة.. وعندما صعدت إلى السطح لاستطلع الأمر، وكلي أمل بضوء ولو خافت ولو من بعيد، لاتعلق بحباله المهترئة الذائبة.. وجدت أن بغــداد كلها قد غرقت في ظلام دامـس شديد الحلكــة. بل وجدت –في تلك الليلة التي غاب فيها القمر، أن الكون بأكمله قد سقط في هوة معتمة شديدة السواد..
تلك الليلة – لا قمر ولا ضوء ولا بصيص أمل.. وبغداد مظلمة كما لم تكن ابداً من قبل – مظلمة كلها دفعة واحدة دون أن يكون هناك قصف قد وقع وأدى إلى ذلك..
نعم. كانت الأمسية كله أمسية قصف كالعادة – لكن لم يكن في اللحظة التي انقطعت فيها الكهرباء – أي قصف شديد و واضح يتوقع منه أن يخرب محطات الكهرباء الرئيسية في المدينة..
كان ذلك الانقطاع لغزاً غامضاً لم نفهمه – بينما نحن ندلف في ذلك النفق المعتم- تعالت التفسيرات والتحليلات (التي عادة تزيد من غموض القضية).. وكان الأمر غامضاً ومبهماً لدرجة أن العوائل التي تمتلك مولدات كهربائية امتنعت عن تشغيلها خوفاً أن تكسر تعتيماً معيناً ارادته السلطات..
لم نكن نعلم، أن ذلك الظلام الذي خيم على بغداد، وتلك العتمة التي غرقنا فيها – ليست سوى رمز صغير ذو دلالات كبيرة..
تلك الليلة، لا قمر فيها ولا حتى بصيص من ضوء.. لا عود ثقاب. لا شمعة. لا بطارية لمصباح صغير..
لم نكن ندري، أو أننا كنا ندري ولكن تجاهلنا، أن ذلك النفق المظلم الذي دلفنا فيه، سيصب بنا في بحر الظلمات..
لم نربط كثيراً بين الظلم – والظلمات.. رغم أن الربط كان واضحاً .. من الظلم إلى الظلمات .. سقطنا في هوة مرعبة لا قاع فيها.. في تلك الليلة تحديداً..
.. كانت الليلة التي بدءت فيها معركة "المطـــار" !.
****************
رغم خوفنا من كسر التعتيم الذي كانت احتمالية قائمة – فأننا قمنا بتشغيل المولد الكهربائي الصغير الذي نملكه، كنا جياعاً لعود ثقاب، لخبر فيه شمعة، فيه بصيص من أمل..
في تلك الليلة، ظهر ذلك المراسل، الذي علا نجمه في حرب افغانستان، تيسير علوني، وهو في منطقة ما من ضواحي بغداد، وخلفه كانت اضواء لانفجارات هائلة.. لكن الصورة كانت غامضة.. فاضواء الانفجارات لم تصاحبها اصوات هائلة كالعادة..
كان الامر يشبه مذبحة صامتة. طلقة نارية قاتلة من مسدس كاتم للصوت. وسادة تكتم الانفاس على وجه الضحية ثم فوهة مسدس توجه نحو صدغه دونما تردد..
نعم. كانت الانفجارات بلا صوت.. وكان ذلك الصمت مفزعاً حتى اكثر من كل الاصوات الهائلة المهولة التي مرت باذاننا وزلزت حياتنا عبر الاسابيع الماضية..
كان الصمت مرعباً – أكثر من أي شيء آخر- كان يعني انك ستتلقى فجأة طعنة دون سابق انذار او تنبيه..
كان الصمت مفزعاً – أكثر من أي شيء آخر- كان يعني أنهم يستخدمون سلاحاً غير تقليدياً هُذهِ المرّة..
كان الصمت مروعاً – كان يكاد يشعرك أن حواسك بدأت بالتعطل ..أنهم سلبوك سمعك اولاً – ثم أنهم سيسلبوك بصرك ثانياً ولاتدري بعدها أي شيء سيسلبوك، من أجل أن يدفعوك في الطريق الذي يريدون..
دفعني ذلك الصمت الغامض أن اصعد إلى السطح، لأتحقق من أن الأمر لم يتعلق بخلل ما في إرسال الجزيرة !!.. كما كنت آمل أن يكون الأمر..
من بعيد، في الجهة الشمالية الغربية، كانت هناك تلك الأضواء المكتومة الصوت – الاضواء التي لم تكن تزيد الظلمة الا ظلاماً.. من بعيد، كان هناك شيء ما يحدث في الأفق، شيء غريب لم يكن يمكن تبنيه.. شيء ما في الأفــق..
شـيء‘’ ما عنـد "المطــار"!.
**********************
آه، المطار..
كتاب اغلقت صفحاته على اسرار دفنت مع الضحايا هناك، تفحمت جثثهم وزال اللحم عنها في لحظات .. لم يبق سوى هياكل عظمية لم تجد فرصة لتروي ما حصل..
آه ، المطــار..
ربما لن يعرف أحد حقيقة ما حصل. ربما لن يتمكن أحد من رواية ما حصل. وربما لن يصدق أحد حقيقة ما حصل..
..المطــار .. تلك الليلة..
أتخيل تلك العيون وهي تفتح على اتساعها – من الرعب، من الهول، من ذلك الانفجار كاتم الصوت الذي لم يفهموه.. جمدَ الرعب في عيونهم، جمدت عيونهم، جمدت الدماء في عروقهم.. وماتوا.. قبل أن يفهموه..
آه المطــار .. تلك الليلة..
والأمهات، لا يعرفن بالضبط ماذا يدور، لكن قلوبهن تهمس في آذانهن بتلك اللغة التي لا تتقنها غير الأمهات .. يرحن . يجئن. يعددن الطعام، يقرأن القرآن، ويتظاهرن بالتماسك والانصات بأهتمام.. لكن قلوبهم قبل آذانهن – ترهف السمع، لأي صوت عند الباب، قد تنشق بعده الباب، عن ذلك الحبيب البعيد، الجندي عن المطار، وقد استطاع أن يحصل على اجازة لتلك الليلة..
.. المطــار .. تلك الليلة..
.. قلوبهن عرفت شيئاً.. لكنها جهلت التفاصيل، قلوبهن قالت شيئاً، لكن آذانهن ابت التصديق..، قلوبهن قرأت في الجو شيئاً غامضاً، بلغة لا تتقنها غير قلوب الأمهات..
المطــار .. والأمهـات .. تلك الليلة..
عيونهن شاخصة على الباب.. آذانهن مرهفة إلى الباب. قلوبهن متعلقة بالدعاء.. يطلبن ويترجين النجاة لاؤلادهن.. ولو عرفن ما يدور حقاً في المطار تلك الليلة، لصلين بحرارة فقط من أجل أن يموت اولادهن بسلام، بسلاح تقليدي، برصاصة رحمة، بشظية قاضية..
لو عرفن، الأمهات، تلك الليلة بما يدور، قرب المطار، لطلبن منه تعالى فقط آن يموت اولادهن دونما ألم.. لطلبن فقط أن يعجل بموتهم – رحمة بهــم .. وبهــن.
المطار، تلك الليلة في ذلك الخميس الحزين.. لن يعرف أحد ماذا حدث، لم ينج أحد على ما يبدو من تلك المحرقة الصامتة، العيون جمدت على المنظر. والحناجر جمدت على صرخة الرعب.. والزمن كله توقف لبرهة ستستمر إلى الأبد..
تلك الليلة، بغداد في ظلام دامس لا نهاية له، وشمالها الغربي يضيء بصمت مريب، بضوء هو جوهر الظلام..
تلك الليلة، الطريق إلى المطار يتحول إلى مقبرة جماعية غامضة، لجثث تحولت إلى عظام في ثوان، وثوان استمرت لدهور بالنسبة لأصحاب تلك الجثث..
تلك الليلة، لم ينقل أحد صرخات الاستغاثة – لم يسمعها سوى ذاك الذي لا يغيب عن سمعه شيء، غيره لم يسمع أحد.. ولم يكترث أحد..
تلك الليلة، وأولئك الذين ماتوا – في درب المطار المزروع بجثثهم واحلامهم وخيباتهم واحباطاتهم ودعاء ودموع امهاتهم- اودعوا صرخاتهم والآمهم ورعبهم في زجاجة، وظلت الزجاجة تهوي نحو قعر محيط لا قاع له..
.. تلك الليلة، المطار، شيء ما في الأفق ينذر بشيء ما "غير تقليدي" – استخدم- لم يفصحوا عنه، بل كتموه وتكتموا عليه، وسوف تظل المنطقة بأكملها محظورة على دخول الصحفيين لفترة طويلة، حتى لا يتمكن أحد من معرفة ما حدث..
لم ينج أحد. لم يخرج أحد من تلك المحرقة ليروي ما حدث.. لكن الذين كانوا في المشرحة رأوا آثار الجريمة على الجثث. الاطباء في المستشفيات شاهدوا شيئاً لم يشاهدوه من قبل، فاعلي الخير الذين دفنوا الجثث المتفحمة الملقاة على قارعة الطريق، رأوا عظاماً منزوعة اللحم، منزوعة البصمات، منزوعة العواطف ومنزوعة الحظ..






.. لم يعرف أحد حقاً ما دار فعلاً – لكن الجميـع- وأولهم الأمهـات – يعلمون أن شيئاً ما، غريب جداً، مريع جداً، نادر جداً، قد حدث في المطار.. تلك الليلة..
وذات يوم، بطريقة ما سيعثر على تلك الزجاجة الهاوية في قاع المحيط، وستنقل تلك الصرخات – تلـك النظــرات- التي تجمدت في احداق وحناجر أولئك الذين تفحموا – بسلاح لا نعرفه، لكنه بالتأكيد غير تقليدي .. في المطار، تلك.. الليلة، ذلك الخميس المظلم الحزين..
****************
المطار، قبل تلك الليلة – بثلاثة اسابيع بالضبط.
خميس حزين آخر، الخميس الذي سبق الحرب بالذات (التي بدءت ايضاً يوم الخميس)..
المطار – ذلك الخميس الذي سبق الحرب، وبغداد كلها تبدو كئيبة – لكن متماسكة، لم تفقد بعد رباطة جأشها- ترتدي ثياب الحداد على الحسين – سمحوا اخيراً لها بذلك..
كان ذلك الخميس – الذي سبق الحرب- هو يوم عاشوراء، وكانت ذكرى الحسين تزيد من كآبة المشهد وتلقي عليه بظلال لا يمكن إلا أن تكون ظلال الموت..
.. وكان المشهد كله، الخميس الذي سبق الحرب، ذلك العاشوراء الحزين، يشبه، وبشكل مفاجئ، مشهد العاشوراء الاصلي..
.. كان العالم كله يتفرج علينا ونحن نكاد نذبح، البعض كان مستعداً لمحض التعاطف معنا، والبعض الآخر كان مستعداً للعويل واللطم من أجلنا..
البعض كان مستعداً لاظهار الفرح بذبحنا، والبعض الآخر كان مستعداً لأظهار اللامبالاة واللاإكتراث من أجلنا..
.. البعض كان مستعداً للتظاهر من أجلنا، ولاصدار البيانات ولكتابة القصائد، وايضاً المقالات..
لكن – بعد ذلك كله – في النهاية، لم يكن هناك أي أحد – ولا شخص واحد – مستعد لأن يفعل شيئاً – حقاً من أجلنا..
كنا سنموت وحيدين .. نذبح ونقصف ونهتك وحيدين..
..وكان ذلك هو جوهر الكرب والبلاء .. جوهر عاشوراء –أن تموت مظلوماً، وحيداً، وقد خذلك الجميع- أن تموت وحيداً، والعالم كله كربلاء- وانت غريب حتى بين اهلك- واهلك ايضاً غرباء عندما يتعلق الأمر بذلك الموت الذي يستهدفك من جميع الجهات..
ذلك هو عاشوراء : أن تموت مظلوماً، ويخذلك الجميع.. الجميع.. الجميع..
وذلك الخميس – العاشوراء الحزين- كان العالم كله – كلــه- قد أعد العدّة ليعد عداً تنازلياً قبل أن يبدء ذبحنا – وقبل أن يبدء التفرج علينا، بينما نحن نذبح – ونقتل.. ونحترق.. ونؤخذ سبايا في سوق الرقيق العالمي- على رؤوس الاشهاد..
ذلك الخميس الحزين – عاشوراء ليسَ بالمصادفة، بل بذلك القدر الذي يجعل الرموز والدلالات في الواقع اوضح وأكثر بلاغة من أي فن مصنوع..
ذلك الخميس الحزين، وعاشوراء ليس مجرد يوم في السنة، أنه تاريخ طويل عاشته بغداد – أنه ذاكرتها وذكرياتها وهاجسها المزمن الذي عاشته بأتقان طوال عصور..
عاشوراء ليس مجرد رأس الحسين الطاهر وهو يفصل عن جسده وينتقل بين الامصار، أنه رأسك ايضاً، ورأسي ، ورأس اخيك واخي ووالدي ووالدك، أنه رأس أي واحد منا المهدد بالفصل لأي سبب كان – وبلا أي سبب كان- في مواجهة عهود ظلم واستبداد مزمنة .. عاشوراء هو الاحتمالية الدائمة لأن تذبح بلا سبب، ويمثل بجسدك بلا سبب، ويبحث بك ناس بلا سبب..
عاشوراء هو ذلك التاريخ الطويل المستمر الذي نبكي خوفاً من تكراره فينا
– وكربلاء ليست حقاً مدينة تبعد سبعين ميلاً عن بغداد- بل هي تقع في مركز بغداد- داخل كل شخص من السكان في بغداد – أنها ذاكرة الكرب والبلاء التي في رأس كل واحد منهم
–ورأس كل واحد منا- كربلاء موجودة في كل المدن التي عانت من استبداد وظلم وطغيان
– أنها موجودة في كل سنتمتر مربع من الخريطة، في كل مليمتر مربع من تلافيف ادمغتنا التي تقولبت على القمع والكرب والبلاء.
بغــداد – في ذلك الخميس الحزين- ذلك العاشوراء الاستثنائي.. كانت تبكي دون أن تدري حتفها، كانت ترتدي السواد ليس على غريب كربلاء فحسب – ولكن على غرباء آخرين سيسقطون جثثاً بلا اسماء- بلا ملامــح – بـلا هويــات- فقط بعد ثلاثة اسابيع من ذلك العاشوراء الحزين.
بغــداد، ذلك الخميس الحزين الذي سبق الحرب – عاشوراء ما قبل الحرب – كانت تبكي دون أن تدري أنهم سيحاصرونها كما حاصروه – وسيمنعون عنها الماء كما منعوه، وسيذبحون صغارها كما ذبحوا صغاره..، وسيقتلونها كما قتلوه، ويفصلون رأسها ليتناقلوه ويشهروا به، كما فصلوا رأسه الكريم.. وتناقلوه.. و .. و ..
بغــداد، المتشحة بالسواد المزمن، والدمعة المزمنة، والكرب والبلاء المزمنين – لم تكن تدري- أنها، بعد ثلاثة اسابيع، ستؤخذ كسبية.. وأن بناتها سيبعن كرقيق رخيص، ويهربن عبر الحدود كأرخص بضاعة معروضة في سوق الدعارة العالمية.. كما ..
..كفــى !.
*****************
بالقدر الملآن بالرموز – وليس بالمصادفة العبثية- كنت .. ليلة الخميس ذاك
–عاشوراء الحزين- في المطار..
.. كان قد مضى عليَّ حوالي خمسة عشر سنة لم اطأ بقدمي في أرض المطار
– الذي كان مغلقاً معظم تلك الفترة بسبب الحصار الذي عطل الملاحة الجوية تماماً حتى عادت بشكل محدود جداً، قبل اشهر فقط من ذلك العاشوراء الحزين..
كل من ودعتهم من اقرباء واصدقاء واحباء –عبر سنوات الحصار التي نزف فيها العراق خيرة ابناءه وعينتهم- كانت مغادرتهم ليس عبر المطار بل برياُ انطلاقاً من كراج للسيارات..
لكن تلك المرّة بالذات، ذلك العاشوراء الحزين قبل الحرب بأسبوع، كنت أودع واحداً من أقرب أصدقائي – في المطار..
كان سفره قد واجه جملة عراقيل قانونية تم تجاوزها بما هو أشبه بالمعجزة في الأسابيع التي سبقت الحرب مباشرة..
.. وحتى اللحظة الأخيرة –لحظة دخوله "قاعــة المغادريـن"- كان هناك قلق من عدم تمكنه من المغادرة- كان جواز سفره قانونياً تماماً، لكنا كنا نعيش في عهد يمكن لأي قرار جديد أن يصدر فيه "تريــث" يوقفه إلى الأبد – ويتضح أن القرار كله قد صدر من أجل شخص أو شخصين استفادا منه "قانـونيــاً"- ثم يغلق بعدها "البــاب" إلى الأبد..
كان صديقاً قريباً جداً – جمعتني به سلسلة مما يعتبره الناس في العادة محض مصادفات- وهي في الحقيقة سلسلة من الاضاءات الالهية المباشرة في درب الوحشة الأنسانية الوعرة..
كان الجوع إلى "الرفقة" – إلى الضوء هو المعيار الاول في تلك الصداقة النادرة التي اخترقت حياتينا معاً- وغيرت حياتينا معاً..
وكان سفره هُذا –على الأغلــب- سفراً نهائياً لا رجعة فيه – فقد كان كل افراد عائلته – كلهم دون أي استثناء- قد اختاروا العيش في المهاجر الغربية منذ سنوات – كما فعلت عشرات الالاف من العوائل العراقية بضغط الحصار او غيره- وكان قد بقي هو وحيداً محاصراً بعراقيله القانونية التي منعته من الالتحاق بأهله..
وفي تلك الليلة بالذات، ليلة عاشوراء الحزينة، كان عليَّ أن اودع شخصاً كان أقرب إليَّ من طلقة نارية تخترق جبيني..
(أسباب كثيرة للبكاء – في عاشـوراء ذاك..)
.. عندما مررت بسيارتي – أنا وصديقي وبعض الأصدقاء- بذلك الشارع، والسيارة تنهب الطريق الاسفلتي السريع المؤدي للمطار، كنت أجهل أن دموعي تلك لن تكون سوى قطرات في بحر من الدموع التي ستذرفها الأمهات والزوجات على اولئك الأحباب الذين سيبقون – لأيام طويلات- على قارعة طريق المطار- مجرد جثث محترقة..
لم أكن أدري ، وأنا أركن سيارتي في ذلك المرآب العلوي المواجه لصالة المغادرين، أي هول، أي رعب، أي وحشية ستحط في هُذا المرآب .. بعد أسابيع فقط من ذلك العاشوراء الحزين..
لم أكن أدري، وأنا أدخل صالة المغادرين – في ذلك الخميس الحزين- أن خميساً حزيناً آخراً – بعد ثلاثة أسابيع فقط- سيشهد- في نفس تلك الصالة، صالة المغادرين، مغادرة الالاف من الجنود البسطاء المساكين في رحلة الأبدية..
لم أكن أدري – أن صالة الشرف الكبرى- المحاطة بالمحذورات الأمنية والأسيجة الواقية –ستتحول إلى صالة الهول الكبرى .. وصالة الرعب الكبرى- وأخيراً صالة الذل الكبرى..







أكن أدري – أن الصالة التي كانت متلألئة بالأنوار في ذلك العاشوراء الحزين، ستشتعل وتضاء بلهيب الجحيم وسعيره بعد ثلاث أسابيع بالضبط من ذلك اليوم..
لم أكن أدري أن أرضية المطار اللامعة – التي كانت تغسل ساعة دخلنا بالمنظفات الملمعة- ستغسل بالدماء بوفرة، وستسيل عليها دماء كما لم تفعل على نفس المساحة المربعة..
.. ولم أكن أدري أن كل تلك الدموع التي ذرفها كل المغادرين ومودعيهم من أحباء وأقرباء وأصدقاء – عبر تاريخ المطار كله- كلها لم تكن حقاً موجهة نحو اولئك الذين لوحوا بأيديهم عبر الزجاج واستقلوا طائراتهم المريحة نحو عواصم أوروبية – على الأغلب- بل كانت كلها –قد جمعت عبر العقود- وخزنت في رواق من أروقة المطار.. وذرفت تلك الليلة - من أجل اولئك الذين قتلوا في المطار بطريقة غير تقليدية، بسلاح غير تقليدي، غرقوا بماء النار المندلع عليهم من أبواب الجحيم الذي حط في المطار – تلك الليلة..من أجل الذين التهمهم الوحش الكاسر وهشمّ عظامهم بأنيابه..
كل تلك الدموع – التي ذرفت في صالة المغادرين، منذ افتتاح المطار- كانت من أجل اولئك الذين سيقضون في المطار – في ليلـة قصــف صامتـة- من أجل تلك الجثث المتفحمة.. والاشلاء الممزقة.. والأطراف المقطعة..
.. لم أكن أدري، وأنا أسير على أرض المطار – أن كل بلاطة من أرضية المطار، سيسقط عليها جزء ، أو طرف أو نسيج من أنسان..
هنا سيتناثر جزء من دماغ، كان يختزن في تلافيفه ذاكرة لاتنسى احداً من الأقارب والأحباب- وهنا سيسقط ذراع شخص طالما ربت بحنان على أكتاف الآخرين- وهنا سينزف قلب طيب ليس هناك من هو أطيب منه – إلا قلب أمه المفجوع عليه- وهنا سيتمزق صدر كان يختزن هموم أكل الأولاد وحمل الطعام اليهم كل ليلة..
لم أكن أدري – أي ملحمة ستقع في المطار، بعد ثلاث أسابيع فقط – أي محرقة، أي مذبحة – (ولو دريت…. ماذا كان سيحـدث ؟..)..
.. ولم أكن أدري، عندما انزويت لأصلي في المصلى الصغير الملحق بصالة المغادرين، أن العشرات من الجثث هنا في المطار لن تجد فرصة لتغسل .. او تكفن.. أو حتى تدفن..
ناهيـك عن أن يصلى عليها..
لم أكن أدري ذلك كله، ربما لو تفرست في المكان، لوجدت دليلاً أو اثراً على ما سيحيق به –وبنــا- بعد ثلاثة اسابيع فقط.. لكني لم أفعل.. فقد كنت مشغولاً بتوديع صديقي..
***********************
دهـر الوداع كان صعباً… دعــونا منــه..
لكن عندما اجتاز صديقي ذلك الحاجز الزجاجي – غمرني شعور‘’ بأن المسافة الفاصلة بيني وبينه تضاعفت لملايين المرّة خلال ثوان.. فجأة فصلتني عنه محيطات وبحار وعوالم.. فجأة وجدتني في قارة ووجدته في قارة أخرى مختلفة وبيننا ذلك الحاجز الزجاجي الذي لا يتجاوز سمكه بضعة مليمترات.. ولكنه كان كافياً لقطع الاتصال بين روحين ظلتا ملتصقتين لفترة تلاصق يتيمين في ملجأ..
.. لم أكن أدري – وأنا أحاول عبثاً أن أتحدث مع صديقي- عبر الحاجز، أن ما حدث في المطار تلك الليلة، هو ما سيحدث لنا جميعاً ، جميعاً !.
.. لم أكن أدري، أننا سنوضع –جميعــاً- خلف قفص زجاجي كبير، وأن العالم بأكمله، سيأتي ليتفرج علينا .. كما يتفرج على حيوان نادر مشرف على الأنقراض..
لم أكن أدري، أننا خلف ذلك القفص، سنحاول عبثاً أن نسمع صوتنا لأحد .. خلف ذلك الحاجز، سنصرخ، ستتمزق حناجرنا ونحن نحاول أن نسمعهم، سنفقد أصواتنا في النهاية، سنحاول أن نستخدم لغة الإشارة، سنرطم الجدار بأيدينا.. ثم برؤوسنا.. سنلطم.. سنبكي.. سننهار.. ولن يفهمونا.. لن يفهمونا..
.. سيأتون وسيتفرجون.. سيلصقون على شفاهنا ما لم نقل. سيؤكدون نظرياتهم ومعتقداتهم وفرضياتهم بالأعتماد على قراءتهم المغلوطة لحركة شفاهنا. سيعلقون، ويضحكون، ويهزؤون، ويمصمصون شفاههم أو يسخرون ويذهبون..
لكنهم لن يفهمون.. لن يفهمون.. سيظل ذلك الحاجز الزجاجي فاصلاً بيننا وبينهم كما كان فاصلاً بيني وبين ذلك الصديق … تلـك الليلــة..
(عبثاً حاولت أن أوصل صوتي إليه ..عبـر ذلك الحاجـز.. ذلك العاشوراء الحزين)..
كنت أريد أن أقول له شيئاً لم استطع أن اقوله في دهر الوداع الصعب..
كنت أصرخ بالكلمات بأعلى صوتي.. لكن أي من كلماتي لم تستطع اختراق الحاجز..
وكان صديقي، على الجهة الأخرى من العالم – عبر ذلك الحاجز الذي لا يتجاوز سمكه مليمترات..- يؤشر لي أنه عاجز عن سمعي..
وسط نظرات رجال الأمن القمعية – والتي احترفت وامتهنت عبر العقود منع التواصل بين البشر- وسط تلك النظرات، وجدتني أحاول التواصل بواحدة من أقدم الطرق التي اخترعها البشر، بالكتابة..
.. فتحت حقيبتي ووجدت ورقة صغيرة (لا أزال محتفظاً بها( وكتبت بها على عجالة ما أريد أن اقوله لصديقي في الطرف الآخر من العالم.. كانت جملة من أربع كلمات – خفيفة على اللسان ثقيلة في الميزان- أنها الطريقة المحببة التي يتوادع بها المصريون..
كتبت له تلك الكلمات "لا إلــه إلا اللـــه"..
والصقتها على ذلك الحاجز الزجاجي – الحد الفاصل بين قارتين..
.. في عينه ترقرقت دمعة – كنت قد خبرت صدقها- عندما قرأ تلك الكلمات.. تحركت شفتاه .. بالرد اياه، ادهشني أن أسمع الكلمات بوضوح رغم الحاجز المانع.. – لكن دهشتي زالت، فقد كنت قد سمعته بقلبي لا بأذني-..
أدهشني كيف أن الكلمات والرد الذي هو تتمتها الحتمية استطاعت أن تلغي ذلك الحاجز –أن تمحيــه- أن تمد جسر التواصل بين القارتين ولعل ذلك لم يكن مدهشاً بعد كل شيء..
تلك الكلمات التي سطرتها على الورقة، والتي قالها على شفتيه، ودمعته تترقرق في عينيه – لم أكن أدري أنها ستطير وتحلق عالياً لتستقر في سقف المطار- ذلك العاشوراء الحزين..
ولم أكن أدري، أنها ستنتظر ثلاثة أسابيع – هناك في سقف المطار – إلى أن تأتي المحرقة، إلى أن تأتي المذبحة، عندها وعندها فقط، ستخرج تلك الكلمات من مخبأها، تحت القصف، بين القذائف، وستتناسل، وتتكاثر، وتتناثر، لتطرز الشفاه المحروقة لاولئك الذين سيلقون حتفهم بعد ثلاث أسابيع من ذلك العاشوراء الحزين..
لم أكن أدري أن تلك الكلمات، التي سطرتها على عجالة، على ورقة صغيرة (لا أزال محتفظاً بها..) يمكن أن تلقن اولئك المحترقين كلماتهم الأخيرة – الشهـــادة- قبل أن يتركوا صالة المغادرين.. في رحلتهم إلى الآخرة..
لا . لم أكن أدري، كنت مشغولاً بالــوداع..
كانت ليلة عاشوراء حزينة..
*********************
.. في طريق العودة، مروراً بطريق المطار، وضع القدر على السنتنا – نحن المودعين- كلمات مذهلة الدلالة والترميز .. عندما اتأملها الآن، بعدما كان كل ما كان.. كان النشيج أعلى في طريق العودة، أعلى مما كان في طريق الذهاب إلى المطار، بالذات كان أعلى في المقعد الخلفي، حيث جلس صديق لصديقي، وقريب له أسمه عمر..
كان عمر، ابن السابعة عشر، وهو أبن خالة لصديقي، ينشج بصوت عالٍ، ويردد، بين دموعه وشهيقه، كلمتين اثنتين..
كان يقول "الطيــب راح".. "الطيـب راح"..
وكانت كلماته موجعة ومفجعة، فقد كنت أعرف بالذات ماذا يقصد بالطيب الذي راح..
كان عمر، وأمه وأخ آخر له، يشكلون عائلةً فقيرة بدخل محدود أن لم أقل أنه معدوم.. وكان صديقي – الطيـب الذي راح- والميسور إلى حد ما، يشكل سنداً مادياً لهم في ظروف بالغة الصعوبة والعسر – بل أنه كان، كثيراً ما يستضيفهم لأسابيع، في بيته، حيث كانوا يتمتعون بذوقه العالي في الطعام والشراب، ويوفرون ثمن القوت الذي كانوا سيدفعونه لو كانوا في بيتهم..
.. في عالم ملئ بالظلم والشر، والجشع والشراهة، كان صديقي – الطيـب الذي راح- يشكل نسمة من العدل والطيبة في هُذا العالم – على الاقل بالنسبة لخالته واولادها.
تلك الليلة، في ذلك العاشوراء الحزين، وجد عمر وأمه واخوه أنفسهم في عالم فارغ تخلى فيه عنهم الجميع.. وخذلهم فيه الجميع.. وسد الجميع أبوابهم.. وآذانهم.. وصار العالم
– فجأة برية خالية إلا من الوحوش والضواري – صقيعا بارداً لا دفء فيه ولا حنان.. فالطيب راح .. الطيب راح..
عمر، يبكي في عاشوراء على الطيب الذي راح..
أي رمــز… وأي دلالــة..




على جانبي الطريق الأسفلتي، كانت هناك حاشية ترابية ضيقة، تنمو بها بعض النباتات البرية والحشائش.. لم التفت إليها، ولا أظن أحداً ممن كان معي في السيارة التفت إليها..
بل أني لا أظن أن أحداً – لا في تلك الليلة ولا في سواها- قد التفت حقاً إلى تلك الحاشية الترابية الضيقة..
لم يقف احد‘’ – ليتأمل في ذلك الهامش الضيق- ليتفرس في تلك المسافة الضائعة التي لا يفكر فيها أحد..
لم يتصور أحد – ولا تصورت أنا- أن ذلك الهامش الضيق سيستوعب ملحمة تعجز عن استيعابها الآف الصفحات.. وأن تلك الحاشية الصغيرة ستكتب ما لا يكتب في المتن الاصلي..
في تلك الحاشية، على جانبي الطريق، سيدفن – بعد موتهم بفترة- المئات، وربما الآف ، سيدفنون دون أن يحوزوا فرصة ثانية – وربما حتى دون أن يكونوا- قد حصلوا على فرصة أولى..
في تلك الحاشية، سيدفنون، بعضهم تحت حجر.. وبعضهم تحت جذع شجر.. وبعضهم بلا تحت أي شيء، بلا أي أثر..
سيكتب ،اولئك الذين سيخرجون بعد أيام من سكان المناطق القريبة، ليدفنوا اولئك المشلوحين في العراء، سيكتبون، على احجار، بخط ردئ، بحبر ردئ، كل المعلومات التي استطاعوا أن يحصلوا عليها من الجثث الصامتة – التي لا تدلي بشيء- لعل وعسى يأتي يوم.. ويأتي من يبحث عن تلك الجثث..
كتبوا "هنا يرقد عقيد مجهول الأسم يقود سيارة نوع كورونا بيضاء".. لا شيء آخر..
ويسرح خيالك ليملئ الفراغ الذي لم تملئه المعلومات المدونة على الحجر فوق القبر، لعل العقيد كان يملئ الدنيا بهيبته وشاربيه وابتسامته، كان "رفعـة رأس" أهله وعائلته. وقرة عين أمه المصابة بالضغط والروماتيزم – وظهر أرملة أخيه واولادها الأربعة- ]والآن من يكون ظهر أرملته وأولاده الخمسة – افكر، لكــن اللــه موجود)[ .. لعله كان يساعد أبن الجار عندما ادى الخدمة العسكرية، ولعله كان كثيراً ما يؤدي "الواجــب" مع الجيران والأقارب..
.. قرة عين أمه .. عميت عين أمه عليه، ليس سوى حجر فوقه، عليه تلك الكلمات "عقيد مجهول الاسم – يقود سيارة….".
وهنا كتب "هنـا يرقد مدني يلبس حذاء رياضة وتراكسوت ازرق" هُذا كل شيء. حياة انسان كاملة، مشاعره عواطفه همومه وأفكاره كلها تصير موجزه كبرقية – لا تسمن ولا تغني من جوع .. حذاء رياضة وتراكسوت أزرق – هي كل ما يمكن أن يدل على أهله الذين ستتقطع بهم السبل بعده.. وربما لن يدلهم الحذاء والتراكسوت على شيء..
وهنا كتب "شاب يرتدي نظــارة" لا شيء عن عينيه، عن شفتيه، عن أذنيه – لا شيء عن يديه وعن رجليه..
لا شيء عن أي من العلامات الفارقة التي تكتب في الهوية – ويتصورها الناس عادة ثابتة .. كل شيء زال- لم يبق إلا ما كان يبدو أنه زائل جداً : فقــط نظارتيــه..
وهنا لم يكتب أي شيء. لم يجدوا أي شيء يمكن الاستدلال عليه: مجرد شخص آخر –يشبهني او يشبهكم او يشبه أي واحد من معارفنا- فكروا لو انا كنا هناك – بالصدفة المحضة بالقدر المحض- في محرقة المطار في ذلك الخميس الحزين – وكانوا وجدونا هناك، بعد أيام، مجرد جثث نصف متفسخة – نصف متفحمة- ماذا كانوا سيجدون فينا مميزاً ليكتبوا على الحجر. فكروا لو انا تجردنا من الالقاب التي تسبق اسماءنا ومن ملابسنا ومن معارفنا ومن علاقاتنا – وكنا هناك جثثا بلا ملامح مميزة في تلك الحاشية الضيقة على طريق المطار السريع ، ماذا كانوا سيكتبون سوى اللاشيء المدونة قرب معظم الجثث المدفونة هناك.. عند ذلك الهامش الذي لم التفت إليه، بينما كنت أمر مسرعاً بسيارتي – في ذلك العاشوراء الحزين-..
****************
لم نكن ندري – ولا كان عمر يدري- أن طيبين كثيرين سيروحون على جانبي طريق المطار، وفي المطار، وفي بغداد كلها.. لم نكن ندري أن "الطيــب راح" – تلك العبارة التي كان يرددها بين نشيجه ودموعه والتي كان يقصد صديقي الذي هو أبن خالته - ستكون ، تلك العبارة، شعاراً لمرحلة – ورمزاً لفترة قادمة-: الطيب لن يروح فقط فيها. بل سيحرق، وسيتفحم، وسيدفن دون أثر، دون دلالة..
ذلك العاشوراء الحزين – قبل الحرب بأسبوع فقط : وقصة الطيب الذي راح هي قصة البلد بأكمله..
كان صديقي ذلك هو نهاية سلسلة طويلة من الاصدقاء – الطيبيــن- الذي راحوا
–بضغط الحصار على الأغلب- عبر ثلاثة عشر سنة طويلة طويلة طويلة..
.. وكما لو كانوا الآن يريدون آن يتأكدوا أن لا يبقى أحد : الحرب هُذهِ المرّة..
(.. الطيـب سيـروح بالتأكيــد..)
ليلة عاشوراء – ليلة البكاء على الحسين، وعلى الاصحاب، وعلى الطيبين الذين راحوا، والذين سيروحون، والذين على وشك الرواح…
.. ليلة عاشوراء – ليلة البكاء على غريب كربلاء، وعلى غرباء المطار. وعلى الغرباء المشردين في المنافي والاصقاع – بسبب الكرب والبلاء
.. ليلة عاشوراء – ليلة فصلوا الرأس الطاهر عن الجسد الكريم، ليلة الرؤوس المنزوعة عن مسقطها، المتشردة في الدول والبلدان..
.. ليلة القبور الدوارس، الشواهد مجرد احجار.. واحياناً بلا أي أثر..، بلا أي حجر..
عاشوراء ليس بالمصادفة.. بل بالقدر.. أنه التاريخ الذي لا يزال مستمراً..
********************
قيلت لنا اشياء كثيرة، عن ليلة المطار تلك..
بعضها كان واضح التزييف والكذب - لكننا صدقناها لأننا كنا نريد أن نصدق.. كنا نحتاج إلى أن نصدق.. كنا نحتاج إلى أن نبتلع تلك الحبة المهدئة – حتى لو كنا نعرف أنها لن تنفع.. وأنها مجرد حبة فارغة او منتهية المفعول..
.. وبعض الأشياء التي قيلت، كان يمكن أن تكون حقيقية، لكننا كنا أعجز من أن نصدقها – لأن الذين قالوها طالما كذبوا علينا.. وطالما تحققنا من تعمدهم الكذب تحت شتى الشعارات.. بعض الاشياء التي قيلت كانت حقيقة فعلاً- كانت واقعاً شهد به الكثيرون .. لكن لأنهم قالوه دونما وثائق .. دونما صور.. وجدنا انفسنا اعجز من أن نصدق..
أشياء كثيرة قيلت لنا.. لكن اذهاننا كانت مشوشة عقولنا كانت مرتبكة.. كنا أعجز من أن نفهم أو نصدق أو نكذب أو نقبل أو نرفض..
لقـد وصلوا المطــار..!

**************************
قالوا لنا، أن انقطاع التيار الكهربائي عن بغداد بأسرها، ليلة معركة المطار، كان امران مرتبطان ببعضهما البعض.. لا بسبب قصف معادي .. بل لأن الطاقة الكهربائية –كما قيل- استخدمت كسلاح استثنائي في كهربة شبكة انفاق تحيط بالمطار .. وكان لا بد أن الغزاة قد تورطوا بها..
لم تكن هُذهِ هي المرّة الأولى التي تستخدم فيها الكهرباء ضد البشر، لكنها كانت بالتأكيد من المرّات النادرة التي تستخدم ضد غير المواطنين..، فقد كان الاستخدام التقليدي للكهرباء – والتي تختزنه ذاكرة بالناس وذاكرة الاقبية والانفاق، هو الاستخدام في التعذيب على أيدي المحققين والزبانية.. وكانت هناك بعض التجارب الأخرى.. في كهربة الاهوار في الجنوب …
لكن هُذهِ المرّة، كما قيل، استخدمت ضد الغزاة – لا أعرف احداً شعر بالاسى او الاسف او حتى الاشمئزاز من أجل طريقة الموت تلك – لو أن أي أحد من هؤلاء الغزاة –قد صعق بالكهرباء وهو يصلح اداة منزلية كهربائية بين زوجته واطفاله- وقدر لنا أننا رأينا الخبر او تعليقاً عليه – لربما كان ملئنا الفغم واسقمتنا الكآبة.. لكن الآن، والكهرباء قد صعقت –كما قالوا- المئات.. لا نشعر بأي شيء من التعاطف .. (مالذي جاء بهم إلى هنا اصلاً.. لو كانوا بقوا في بيوتهم .. هل كانت ستصعقهم الكهرباء ؟)..
.. قالوا لنا ذلك ولم نتأكد قط مما حدث حقاً هناك، فكل ما حدث قد دخل في قنينة الاسرار المكتومة الساقطة نحو قاع محيط لا قعر له.. كل ما حدث دخل في برزخ لا يمكن استكشافه أو التنقيب فيه..
(.. وقيل لنا ايضاً – وتناقلناه كما نفعل مع كل ما قيل لنا، أن أنقطاع التيار الكهربائي كان تغطية على هروب بعض المسؤولين الكبار وعوائلهم من المدينة – تحت جنح الظلام .. كما لو كانوا يهتمون اصلاً بما سيقال عنهم، كما لو كانوا يكترثون ويتجشمون مشقة الاستتار على كل فعلوه طيلة عقود..)
(وقيل ايضاً، وتناقلناه كذلك، أن فرقة أمريكية خاصة قامت بأنزال في وسط المدينة .. لاعتقال شخصية معينة هي "الشخـص" بعينه وشحمه ولحمه، وكان التعتيم الذي فرض على المدينة تضليلاً لهذه الفرقة، من أجل


يتبع

Romantic Flower
, Tue, 16 Oct 2007 08:59:55 +0200
تسهيل هروب ذلك الشخص، بعينه .. كما لو كانت الفرقة الخاصة تعتمد على أنارة الشوارع العامة واضواء بيت الجيران !.. لا نـدري بالضبط ماذا حدث.. لكننا نعرف أن بغداد غرقت في الظلمة، وأن الكهرباء لم ترجع بعدها..)
وقالوا كذلك.. أن الغزاة تكبدوا خسائر فادحة في المطار – وأن اعداداً كبيرة، بالمئات، من جنودهم، قد اسروا.. مما افقد الغزاة اعصابهم ودفعهم لاستخدام ما استخدموه من
اسلحة .. مما لا يعلمه إلا الله.
.. وسيقولون بعدها – ليسَ بعدها بكثير جداً- أن تلك الخسائر التي تكبدها الغزاة .. تلك الجثث واولئك الأسرى .. استخدموا جميعاً للمقايضة في صفقة مريبة .. مقابل تسليمنا جميعاً .. ومقابل تسليم بغــداد..
.. وقيل ايضاً .. قاله ذاك الذي حاز على شهرة اعلامية واسعة اثناء الحرب، أن المعركة حسمت لصالحنا، وتحدى الجميع باصطحاب الصحفيين ومراسلي الوكالات للمطار، ثم عادَ ادراجه في منتصف الطريق بحجة أن القصف شديد في المنطقة..
.. وقيل ايضاً، أن الخيانة بدءت من هناك.. وكان ذلك كذباً مفضوحاً، فالخيانة تبدأ عندما تبدأ ليس بين ليلة وضحاها ولكن .. قبل أن تظهر على السطح بفترة طويلة..
وقيل ايضاً، أن بعض افدح الخسائر التي تكبدناها كانت نتيجة مباشرة لقصف بعض قطعاتنا لقطعات اخرى – فيما بدا للوهلة الأولى أنه خطأ شنيع وقاتل ولكن غير مقصود- ثم سيتبين لاحقاً أنه جزء من هوة الخيانة التي سقط فيها بعض القادة العسكريين المقربين من السلطة..
(كان ولاءهم دوماً مبنياً على الاغراق في المال.. وعندما جاء من يدفع اكثر لم يتوانوا..)
وستتناقل بغداد قصة المروحية الامريكية الغامضة التي حطت على سطح منزل واحد من كبار القادة العسكريين .. ونقلت عائلته بعيداً كجزء من الصفقة التي عقدوها معه..
.. وسيقال لنا –كما قيل دوماً- أننا سنقطع رأس الأفعى ، كما كانوا يقولون قبلها، أننا سنقطع جسدها الممتد على طول الصحراء إلى قطع صغيرة..
سنحاول أن نتناقل ذلك، ولن يمنعنا عن تناقله غير أننا نشعر بشيء ما عند حنجرتنا،.. ما هُذا ؟..
نعم. أنه رأس الأفعى، يلتف عند رقابنا.. يكاد يخنقنا ويحطم عظامنا.. يكاد يقتلنا.. وقد قيل لنا أننا سنقطعه اوصالاً..
.. مرهقين كنا، مشوشين.. مخذولين ومخدوعين.. ورغم الظلام الدامس .. رغم أننا كنا لا نكاد نرى شيئاً .. رغم أن عقولنا مشوشة وافكارنا حائرة إلا أننا كنا نعرف شيئاً واحداً لا شك فيه .. لقـد وصلــوا..!
*******************




























المشهد الثاني


لقد وصلوا!


















صلاة الجمعة في مدينة توشك على السقوط تجربة مريرة.. ليس ما هو أمر منها غير صلاة الجمعة في مدينة قد سقطت فعلاً..
.. وقد جربتها معاً. في جمعتين متتاليتين – لا يفصل بينهما غير أسبوع السقوط نفسه..
الجمعة التي سبقت السقوط، والتي صحت فيها بغداد على حقيقة أنهم (..وصلوا..)
–كانت جمعة مريرة جداً، ليسَ هناك ما هو أمر منها (غير الجمعة التي تلت السقوط..).
.. قصدت المسجد الذي تعودت أن أذهب إليه قبل بدء الغزو –كنت أذهب إليه مع صديقي الذي غادر نهائياً ليلة عاشوراء- قبل ثلاثة اسابيع من ذلك كله..
ذهبت كما لو أني كنت أريد أن اتفقد كل شيء، أو ربما اودعه.. او هكذا، ذهبت بلا سبب واضح المعالم في وعيي يملي علي سلوكي..
.. بدا اسم المسجد – للمرة الأولى- موحياً وله دلالاته: (عمر المختار ).. كان يبدو
–قبلها- مجرد اسم لجامع.. لكن الآن بدا الأسم عنواناً لمرحلة .. وقدراً لوطن..
(..ساعدوا الشيخ العجوز على صعود الكرسي، وضعوا الحبل المتين على عنقه.. شدوه جيداً من الخلف.. تأكدوا من أنه لن يفلت.. شدّوا وثاقه جيداً، تأكدوا من متانته
.. قدم‘’ ما ترفس الكرسي .. يترنح الجسد العجوز ويهتز في الفراغ. يلبط. يشهق.. ويختنق. ثم يسكن تماماً.. رغم اهتزاز الحبل كالبندول..)
.. يومها – تلك الجمعة المريرة – بدا الاسم منذراً بأننا جميعاً –نحن المصلين في ذلك الجامع- على وشك صعود الكرسي الذي سترفسه قدم ما.. على وشك أن نهتز في الفراغ.. على وشك أن نشهق.. ونختنق..
ونمــوت..
(لكن دون أن نحوز شرف المقاومــة..)
للمرة الأولى بدا الأسم له معنى، أكثر من الاحترام والتقدير لذلك الرجل الذي قضى قبل حوالي قرن في قارة أخرى..
للمرة الأولى قرأت في الأسم أسمي، وأسم صديق لي.. وأسم وطني الذي شدّوا وثاقه جيداً..
ثم (ســاعـدوه).. في صعود الكرسي..
حتى أسم المنطقة التي يقع فيها الجامع،اليرموك، بدا موحياً ومليئاً بالدلالات بعدما كان مجرد أسم لمنطقة لا يذكرني إلا بأسماء اصدقائي الذين خرجوا ولم يعودوا في معظمهم..
فجأة، صار الأسم – اليـرمـوك- يذكرني بالتاريخ الذي خرج ولم يعد هو الآخر.. وبالروم الذين هزموا، و بالروم الذين عادوا ،و الروم الذين على الابواب، والروم الذين وصلوا..
وصار الأسم يذكرني بالجيل الذي خرج ولم يعد.. وبالمجد الذي خرج ولم يعد.. وبالعز الذي خرج ولم يعد..
صار أسم اليرموك يذكرني بالواقع الذي اوصلنا لما وصلنا إليه، يذكرني بضباط كبار وقادة عسكريين يسكنون اليرموك – خدموا بلدهم لعقود- ثم انتهوا إلى راتب تقاعدي يكاد لا يكفي لاكتراء سيارة أجرة واستلام ذلك الراتب التقاعدي..
جامع عمر المختار.. في اليرموك في تلك الجمعة المريرة التي لا أمر منها غير الجمعة التي تليها – اسمان بدوا يومها مختلفين جداً عما سبق..، اسمان صارا فجأة مليئان بالدلالات والايحاءات..
*******************
لا أذكر شيئاً من الخطبة غير النشيج.. غير ذلك البكاء الذي كان يسري بين المصلين كالعدوى التي لا تجدي معها وقاية..
بلى، اذكر شيئاً مريعاً غير البكاء. اذكر جملة قالها الخطيب وعلا بعدها النحيب. قال "لايقعد أحدكم في بيته ويغلق بابه عليه ويقول الأمر لايعنيني".. علا النحيب، علا النحيب، علا النحيب.. اجهشت الجموع في البكاء. كانت تعلم أن هُذا ما سيحدث بالضبط كانت تعلم
–ربما دون أن تعترف- أن كل واحد منها –في اللحظة الحاسمة جداً- عندما يدخل الغزاة، سيغلق الباب عليه ويقعد وينتظر.. ويقول : "الأمــر لا يعنينــي"..
الصلاة كانت مروعة وأن كنت لا أذكر شيئاً منها غير القلوب التي بلغت الحناجر، والزلزال الذي زلزل المؤمنين..، وكان قلبي عند حنجرتي.. وكان الزلزال يعصف بكل وطني..
عند القنوت قال الأمام شيئاً لا ينسى ، قال وهو يتحشرج : " نشهدك يا رب أننا نحب بغــداد".. ثم سكت ،اختنق عندها وظل ساكتاً .. اختنقنا معه.. خنقتنا عبراته وخنقته عبراتنا.. دارت الدنيا بنا.. وكانت قلوبنا عند الحناجر.. والحناجر كانت مكلومة، تئن وتنزف وتتحشرج.. بعد الصلاة، شبكني من الخلف صديق قديم منذ أيام الدراسة الابتدائية، احتضنته واحتضنني وظلنا نبكي في احضان كل واحد الآخر لدقائق – بكينا كما لم نبكي حتى في طفولتنا الغابرة، بكينا كل شيء. بكينا الزمان الذي راح والطيب الذي راح.. بكينا الطفولة الذبيحة وبكينا الامان الذي اغتيل، وبكينا احلامنا البريئة وطموحاتنا القتيلة، وبكينا الخداع وبكينا الحقيقة، وبكينا أنفسنا.. بكيناها طويلاً طويلاً..
ولم ننسى أن نبكيكم ايضاً.. نعم، لقد ذكرناكم و بكيناكم.. بكينا كل شيء .. لكن تهربنا من البكاء على بغــداد .. نرثي أي شيء، نبكي أي شيء إلاها .. إلا بغـــداد..
(هُذا ما يفعله الرجال في المدن التي توشك أن تسقط مدنهم : أنهم يبكون.. أنهم بدلاً من أن يذهبوا ويتهيأوا للقتال او يحفروا الخنادق أو أي شيء من هُذا القبيل، فأنهم يبكون..)
كلي خجل‘’، أقـول، منكم ومن الأجيال، من أولادي، لكـن – كلـي صـدق: نعـم، هُذا ما فعلناه، لقد بكينا..، وقفنا نبكي كما يبكي كل الرجال في المدن التي توشك على السقوط – (نبكي كالنساء ملكاً لم نحافظ عليه كالرجال..)، ربما يسقط الرجال قبل أن تسقط المدن.. وربما لاتسقط المدن ابداً إلا إذا سقط الرجال..
لن أبرر.. لن أحاول أن أبرر فليس عندي تبرير اصلاً.. لكن الكلام عن الجهاد والقتال سهل، وعندما تحين الحقيقة وساعتها أو دهرها – الأمر اصعب..







لن أبرر، لكن سأحاول أن افسر والكلام سهل، لكن الحقيقة أصعب، ليس الأمر أن تضغط على زر فتجد في نفسك مقاتلاً مستعداً للموت – بدلاً من رب الأسرة الذي يعود كل ليلة حاملاً الطعام والحلوى لصغاره – ببساطة الأمر ليس سهلاً- ولا يمكن أن يحدث فجأة- ولايمكن بالذات أن يحدث إذا كانت ارادتك سليبة – إذا كنت لم تتعود أن تأخذ قراراتك بحرية، إذا كنت مجرد عبد سليب الإرادة في مجتمع مستعبد بالكامل..
لا أحاول التبرير… فقط التفسير..
وقفنا نبكي كما لم نبكي في طفولتنا : متحاضنين كما لو كنا نحتمي بطفولتنا –من واقعنا المر- كما لو كنا نود الاختباء فيها، في خبايا ذكرياتها، وفي زوايا المدرسة وممراتها –وفي حديقتها الخلفية حيث كنا نؤدي التمارين والالعاب- من تلك العاصفة التي توشك على ابتلاعنا..
كان يسكن –كما أذكر في منطقة قريبة من الجامع- عكسي أنا الذي أسكن على الجانب الآخر من بغداد. قال لي، بين دموعه : إلا يـزال بيتكم في موقعــه ؟..
لم أكن متأكداً من الجواب . كان قد مضى عليَّ أكثر من ساعة منذ غادرت المنزل، وفي ساعة –كان فيها الكمية المعتادة من القصف- يمكن لأي شيء أن يحدث..
لكن بعد كل شيء، اليس العالم كله كله قد تغير موضعه – وليس بيتي وحده الم يكن كل حجر على حجر في بغــداد، قد غير موقعه- في هُذهِ الاسبوعين المنصرمين..
لم يكن يقصد أي شيء من هُذا بسؤاله الواضح، طبعاً..
هززت برأسي فيما بدا أنه علامة أيجاب..
أجابني : "ماذا تفعل هنا إذن ؟ .. أذهب إلى البيت.."
تلك النصيحة - أذهـب إلى البيــت- كانت تلخص كل ما سيحدث، وكل ما حدث فعلاً بعدها – "لا يقعد أحدكم في بيته ويغلق الباب عليه" نصيحة الشيخ على المنبر، تقابلها نصيحة صديقي "أذهب إلى البيــت"..
لست متأكداً، لكني أعتقد أن الشيخ نفسه، قد طبق نصيحة صديقي..
تلك الجمعة المريرة، انسحبت من "اليرمــوك" – لقد كان الــروم على وشـك الوصــول-..
*****************
تلك الليلة، ظهر –هــو- على شاشة التلفاز..
كانت المشاهد التي صورت له تظهره وهو يتجول عصر ذلك اليوم في شوارع المدينة ين سحب الدخان والخرائب.. وهو يحيي الناس ويتفقدهم بينما هم يمارسون ما تعودوا أن يمارسوه –عبر ثلاثة عقــود وأكثـر- من هتاف .. تصفيق و .. وثنيــة.. كان سلوكاً جماعياً يؤديه القطيع المدرب على ذلك دون أن تكون هناك آليات واعية واضحة المعالم لتغيير هُذا السلوك..
لم يكونوا جميعاً منافقين. بل كانوا مدربين، مغسولي الدماغ عبر عقود طويلة على التصرف بهذا الشكل.. مزيج من الخوف والإرهاب والتقليد و التعــود..
أدمغتهم – كجماعة وكقطيع من البشـر- لم تغسل فحسب، ولكنها ركبت بهذا الشكل .. من أجل الوصول إلى هُذا الشكــل..
من السهل اتهام هؤلاء بالنفاق.. وهي صفة ستكون متوافرة فعلاً عند البعض – لكن تعميمها رغم سهولته، سيكون عملية غير منصفة.. وغير مطابقة للواقع.. كان الأمر أعقد من مجرد نفاق..
لو أنك استوقفت واحداً من هؤلاء المصفقين – ودخلت في أفكاره، في اعماقه، لربما وجدته لا يكره شخصاً في العالم بقدر هُذا الذي صفق له وهتف بحياته.. لربما وجدته يسبه اقذع السباب كل يوم، ويعتبره السبب الاساسي – أو الوحيد- في كل مشاكله الخاصة والعامة ابتداءً من قوت أولاده الى دواء امراضه إلى قنينة الغاز التي يحتاجها لطهي طعامه
–كل ذلك وأكثر- ولكن، عندما يأتي امامه مدججاً بحمايته وشرطته وأمنه الخاص وغير الخاص – فأن ذلك كله يختفي من وعيه ويظهر لاوعيه شخصاً آخراً يقفز ويهلل ويهتف بحياة هُذا الذي لايكره احداً في العالم بقدره..
انفصام في الشخصية ؟ تناقض مرضي ؟ نفاق ؟ خوف ؟ طمع ؟ غسل في الدماغ ؟.. مزيج من كل ذلك ؟ - ربمــا- .. المهم انه كان سلوكاً جماعياً انساق له الالوف – أن لم يكن المئات من الالوف ممن لا نستطيع أن نتهمهم جميعاً بالنفاق الخالص او العمالة الكاملة..
.. وفي تلك الليلة الليلاء، عندما ظهر على شاشة التلفاز ، حدث نموذج آخر من ذلك السلوك الجماعي الذي تعوده القطيع..
.. قيل لنا، أنه كان يحاول أن يرفع الروح المعنوية لشعبه – مقابل ذلك الأنكسار الذي أحدثته ليلة المطــار..
كان الحديث عن "الروح المعنـوية" امراً يشبه نكتة قديمة لم تعد تضحك احداً، لقد كان هناك من لايزال يتحدث عن "الـروح المعنـوية" – بينما كانت عشرات الارواح تزهق وتخرج من الأجسـاد- هناك في المطار وفي الطريق اليه وفي الضواحي المحيطة ببغــداد..
كان الحديث عن "الـروح المعنــوية" التي يفترض أنها سترتفع بين صفوف الشعب حديثاً سخيفاً – فالناس لم تعرف اصلاً بأنه خرج ليتجول في الشوراع ويرفع معنـويات (رعــايـاه)- فالكهرباء قد قطعت تماماً منذ الليلة السابقة، القلة التي لديها مولدات ويمكنها التواصل مع الأخبار –مثلنا نحن- فهمت الأمر بشكل معكوس تماماً : "لقد اعتبرنا الأمر توديعاً من قبل (سيــادته) لرعايــاه – لا أكثر ولا أقل. عن أي روح معنــوية يتحـدثون : لقــد وصلــوا !".
*****************************

اعترف ايضاً، أن المشهد كله، كان مثيراً للحزن جداً، كما بدا كل شيء في تلك الجمعة المريرة..
اعترف أني بكيت .. وأن والدتي بكت.. وان زوجتي بكت.._عندما شاهدنا ذلك الرجل الذي اوصلنا لما وصلنا اليه-و هو يقوم بما فهمنا انه توديعنا..
عليَّ أن أجد تفسيراً عقلانياً لتلك الدموع.. وهو ما أعرف أنه صعب أن لم يكن مستحيلاً..
كان في رأس كل منا –رغم الدموع التي يذرفها- تاريخ طويل وعام من الكره والرفض تجاه هُذا الرجل الذي قادنا بحماقاته او بشئ آخر إلى ما وصلنا إليه ..
.. وكان هناك، داخل رأس كل منا –رغم الدموع- تاريخ خاص من التفاصيل المروعة والمفجعة والموجعة التي سببها هُذا الرجل بشكل شخصي لكل واحد منا..
كان في رأس زوجتي ذكرى دامية لخال شاب اقتادوه من بيته ذات ليلة قدر أنها كانت قد باتت فيها عنده .. وعند عروسه الشابة.. وتلك الطفلة ذات العشر سنوات – التي كبرت فيما بعد لتصير زوجتــي- سوف تظل تحتفظ في ذاكرتها بذلك المشهد، وبمشهد آخر، يوم جئ به في تابوت.. ويوم فتحوا التابوت .. وكان قد مات تحت التعذيـب..
.. وفي ذاكرة والدتي، كان هناك المصادرات المستمرة الظالمة للاراضي والاملاك، والمعاملة المهينة في أروقة الدوائر الرسمية .. فقط لأن والدها كان مستوزراً في عهد سابق مباد..
.. وفي ذاكرتي كانت هناك الاستدعاءات المتكررة لدوائر الأمن.. وأمزجة الضباط المتقلبة التي يجب أن اتقبلها بصدر رحب –دون خيار آخر- وهم يجسون نبضي باسئلة تتراوح بين السياسة الدولية والمعلومات التاريخية .. فقط من أجل صلاتي في المسجد..
وكانت هناك قائمة الممنوعات والمحرمات التي تجشم على صدري، كما صدر أي مواطن آخر : الكــلام ممنـوع، التعليـق ممنـوع، التنكيــت ممنـوع و الضحك على التنكيت ممنوع، الكتابــة ممنوعــة والنشر من باب أولى ممنـوع، الـدّش ممنـوع والنقـال ممنـوع، النظــر ممنـوع والمقارنــة ممنــوعة ... لكـن التنفـس مكرمـة سمـح بهــا سيادتـه، وعلينا أن نسـبح ونحمــد ونهلـل لحفظـه من أي مكـروه من أجل ذلك..
.. وكانت هناك، في رأس ورؤوس الآخرين، ممرات تسير عليها قوافل المعدومين
–لمجرد أنهم خالفوا قوائم الممنـوعات-، وقوافل الشهداء والمفقودين .. لمجرد أنهم ولدوا في سنوات سيقت مواليدها في محرقة الغزوات والنزوات..
كان هناك الدم، والمزيد من الدم، والقمع، القهــر ، الكبــت..
.. وكان هناك الرعب – ربما مغلف، ربما مكتوم ، لكنه موجود فعلاً- الرعب تجاه هذا الشخص.الكره.الحقد-تجاهه
ليسَ اقل من ذلك، وربما أكثر بكثير..
و ها هو الان، وهو يتجول في الشوارع – ربما للمـرة الأخيــرة- في المدينة التي طالما اضطهدها واستلبها.. والتي طالما –رغم ذلك- هتفت وصفقت له..





تلك الجمعة الحزينة – وبغــداد غارقة في ظلمتها وظلامها وظلمه لها وظلمها لنفسها بالقبول بظلمه لها.. وظلم الآخرين لها..
تلك الجمعة – وتلك المشاهد التي تبث على واحدة أو اكثر من القنوات نزر يسير جداً من العراقيين شاهدوها- تلك الليلة..
الكثيرون من ذلك النزر، قالوا لي، انهم بكوا، كما بكيت أنا، وبكت والدتي.. وبكت زوجتي..
كان ذلك غريباً، كما قد تتوقعون..
كنا نكرهه.. ومع ذلك بكينا عندما شاهدنا تلك اللقطات التي فهمناها انه توديع ما، لعصر ما..
لو أن الذين كانوا يبكون، كانوا من محبيه، من اتباعه، من المنتفعين منه.. لقلنا انهم يبكونه..
لكن الدموع التي ذرفت .. كانت من عيون طالما نظرت بكره ورفض لصوره وتماثيله التي لا تخلو ساحة أو منعطف منها..
طالما بكت منه .. ومن جرائمه المروعة..، وطالما اغمضت ليلاً وهي تحلم به وهو يتلقى جزاءه وقصاصه العادل..
.. او تحلم بأن تفتح على عالم يخلو منه ومن امثاله..
لكن عندما حانت تلك اللحظة، فيما بدا أنه الوداع لا محالة..
أنهمــرت الدمــوع..
لعله أمر غريــب ؟..
*************************
يستطيع أي مستشرق، وبالذات أي مستغرب، لو دخل علينا في تلك اللحظة، ونحن نبكي، أن يهين لنا عدته التحليله وادواته السايكولوجية ليفسر لنا الموقف بما يتوافق مع منطلقاته ودوافعه الايديلوجية..
.. سيقول لنا أنها المازوشية المتأصلة فينا.. أنها عقد الشرقيين في عشقهم المتخلف لكل من يبدع في ايلامهم .. أنه قيس الذي يعشق عذابه بليلى أكثر من عشقه لليلى نفسها.. أنها العلاقة المركبة التي تربط بين زعيم سادي وشعب مازوشي، وهي علاقة تشكل ظاهرة ليست نادرة في تاريخ المجتمعات الشرقية..
سيقولون ذلك متذاكين، وسيردد قولهم آخرون.. وسيعتبرون هُذا التفسير نهائياً وقاطعاً وغير قابلاً للمراجعة أو التغيير..
أعترف أني بكيت ، تلك الجمعة الحزينة، لكن لم يكن هناك –أي دموع موجهة له- تجاهه على الاقل ، كما لم يكن هناك أي من الترهات الفرويدية المعتادة..
لم تكن تلك الدموع المنهمرة، هي دموع السجين وهو يودع سجانه وزنزانته وقضبان سجنه .. ولم تكن دموع الضحية وهي تودع جلادها وسوطه وركلاته..
لقد بكيت نعم.. لكني لم ابكيه هو .. لقد بكيت اجيالاً كاملة ضاعت اعمارها هدراً تحت زعامته.. وبدا المشهد، وبغــداد تحترق، والناس – لاتـزال تصفق وتهتـف- محزناً جداً، مبكياً جداً، لقد كانوا لايزالون – حتى هُذهِ اللحظة، والروم قد وصلــوا- يصرون على أن يصدقوه، أو يتظاهرون بأنهم يصدقوه.. ويهتفون له.. ولحياته التي حياتهم فداء‘’ لها..
كان منظرهم محزناً جداً، لقد كان وعيهم مغيباً لهذهِ الدرجة.. كانت وجوههم بلا ملامح، بلا تفاصيل، كانت العلامة الفارقة الوحيدة فيها هي تلك الفجيعة – تلك الخديعــة- تلك الخيبة التي صارت اعمق ما فيهم وابرز ما فيهم واصدق ما فيهم .. حتـى لو كانوا لا يعلمــون..
بكيتهم تلك الليلة، ناسي وابناء شعبي الذين ضاع عمرهم في كذبة تلو اخرى – وخيبة تلو أخـرى- وفجيعة تلو أخرى..
.. قال لهم، وصدقوه أو توهموا ذلك .. أنه سيملئ حياتهم عزاً ورخاءً وبحبوحة، وانتهوا بأن عاشوا في مجاعة وفقر وفاقة..و صار بلدهم يستجدي المساعدات من دول كانت تستلم منه المعونات..
قال لهم، أنه سيملئ بلادهم كرامة ورفعة .. وانتهوا بالذل المهين امام ابواب السفارات الغربية المغلقة ابوابها في وجوههم ووجه طلباتهم باللجوء..
قال لهم، انه سيحرق نصف اسرائيل، لكنه احرقهم هم، وعذبهم هم، وقتلهم هم، وشردهم هم..
.. وقال لهم، أنه سيلقن الغزاة درساً – فإذا بهم قد وصلــوا- وإذا بهم على الأبواب..
لا، ليس شعبي مازوشياً – بل هو محض شعب طيب- كان مستعداً للمغفرة ونسيان كل الجرائم التي ارتكبت ضده.. فقط لو أنه كان قد صدق مرّة واحدة – واحــدة فقـط- ولم تأت .. حتـى هُـذهِ اليتيمة..
لــم تـأت..
نعــم، بكيت، وبكينا عندما بدا انه مشهد وداع – لكن تلك الترهات السايكولوجية لم تكن التفسير..
كان الأمر ابسط. وأسهل، واوضح.
كنا نبكي شبابنا المأسوف عليه.وطننا المأسوف عليه.تأريخنا المأسوف عليه.و مستقبلنا المأسوف عليه..
ربما كان البعض يبكي وهو يودع الشـر – لأنه كان شراً يعرفه- خوفاً من شر آخر لا يعرفه.. لقد تعودنا أن نفضل الشين الذي نعرفه على الزين الذي لا نعرفه، فكيف إذا كان الذي لا نعرفه شيئاً آخراً – ربما يفوق سابقه في المساوئ- أن لم يكن هو استاذه ومدربه في السوء..
.. نعم، كانت القيود والسلاسل مؤلمة لنا – رغم أنها صارت جزءً من جلدنا ومن عظامنا- ولكن عملية نزعها ستكون مؤلمة أكثر..
.. وكنا نعلم أن الذي ينزعها عنا سيستبدلها بقيود اخرى، ربما من نوع آخر، ربما ستكون غير واضحة للعيان كما سابقاتها، لكنها قيود على أي حال.. وقد تكون –على المدى البعيد- مثل تلك القيود التي نزعوها منا..
او اخطر؟
نعم.. كنا نبكي –نبكي استبداداً عرفناه، وخبرناه- خوفاً من احتلال لم نجربه بعد.. وأن كنا قد عرفنا نواياه..
*******************
وعندما يبكي الرجال .. في مدينة على وشك السقوط، فأنك تعلم أن المدينة ساقطة لا محالة.. وأن تعلم أنهم الرجال قد سقطـوا.. أن المدينة ستسقط – لأنهم قد سقطوا..
****************************
السبت ربما..
تحاول أن تهرب مما يدور، من نفسك.. من واقعك من مدينتك التي توشك على السقوط..
تحاول أن تهرب من الاخبار بالذات : تشعر كل كلمة في التقارير والنشرات المتواصلة كما لو كانت تقصد ايذاءك وجرحك.. تشعر بكل كلمة كما لو كانت سكيناً يواصل طعنك والنكش في جروح غير ملتئمة لك..
بل أنك تخاف أن تسمع – بين الأخبـار- خبر نعيـك، أن تشاهد بين الصور، صورة لجثتك أو جثة اولادك.. وتخاف عندما ترى صور المنازل المهدمة.. أن ترى بينها صور بيتك..
تقرر أنك متعب جداً وأنك تجاوزت الحد الفاصل بين الواقع والخيال – (كما فعل كل شيء تقريباً..).
تقفز إلى ذهنك أسم رواية قرأتها قبل سنوات..( وقائع موت معلن) لماركيز.. حيث تدور احداث الرواية كلها في يوم واحد .. يبدء بشخص يعلن أنه سيقتل شخصاً آخراً بدافع الثأر أو الانتقام.. وينتشر خبر الموت المعلن في القرية، ويصل إلى الشخص المعني الذي يحاول بشتى الوسائل تجنب موته المعلن..
لكن سيناريو الموت المعلن – واقعة بعد أخرى- يستمر ليصل إلى قدر اللحظة الأخيرة.. حينما يقتل ذلك الشخص الذي أعلن موته قبل أن يموت.. دون أن يتمكن من تغييره..
.. كل تلك الأخبار والنشرات والتقارير كانت تبدو لي مثل "وقائع موت معلن" لي، لأطفالي.. لوطني كله..
سانتياغو نصار ! يقفز أسم بطل الرواية إلى ذاكرتي.. اغص إذ اتذكر أن احداً لن يكتب أسمي، ولا أسماء أطفالي، إذا ما تم موتنا المعلن. أغص إذ أتذكر أننا سنقضي كما سيقضي الآلاف غيرنا، تحت السقوف المنهارة، مجرد عدد ربما سيحسب وربما لا .. لن يكترث أحد بذكر أسمائنا، أو بكتابتها ناهيك عن كتابة رواية عنها..
أغص إذ أتذكر أن يكون سانتياغو نصار اللعوب التافه قد وجد من يدون وقائع موته المعلن، بينما يموت وطني –وطنـــي !- على رؤوس الاشهاد، ويذبح عبر البث المباشر، وتنقل وقائع انتهاكه واغتصابه عبر الأقمار الصناعية – ولا يكتـب أحد وقائع قتلـه المعلــن..
أقرر أن أعصابي لم تعد تحتمل ذلك كله لكني لا أقوى على تغيير المحطة، أحاول رشوة اطفالي لكي يقوموا هم بالمهمة.. فاخبرهم أن بأمكانهم مشاهدة قناة الرسوم المتحركة –إذا احبـوا !-





وكنت واثقاً تماماً –أن هؤلاء سيستغلون خبراتهم العريقة في التصفيق والتأييد والهتاف من أجل أن يستمروا في التشبث بالكرسي والمنصب- حتى مع الغزاة عندما يصلون..
تذكرت كل ذلك عندما قيل لي، أن اعلاناً قد صدر، من جهة ما في الدولية الموشكة على السقوط، يغير توقيت المدينة (التي وصل الغزاة إلى ابوابها) إلى التوقيت الصيفي..
كان ذلك التغيير بمثابة نكتة سريالية مالحة عن البيروقراطية التي لا يهمها شيء غير متابعة عملها – ولا تتقن شيئاً غير الاستمرار في اوامرها الادارية- ولا افق لها غير حافة مكاتبها..
**************
لكن، بعد قليل من التأمل، وجدت أن الأمر ملئ بالرموز والدلالات.. تلك الجمعة المريرة – وبغــداد غارقة في ظلمتها- والروم قد وصلوا، ربما كان الأنسب أن يتغير التقويم كله –لا التوقيت فقط… الزمن كله- تفاصيله وعناوينه وفهارسه.. ومفكرته..
.. لم يكن التوقيت الصيفي هو الذي فرض يوم الجمعة 4/4 – لكن الزمن الأمريكي هو الذي زحف علينا، على بغــداد- على زماننا وايامنا وتاريخنا وصولاً إلى مستقبلنا..
الاجندة الامريكية، هي التي جاءت لتلغي كل مفكراتنا ومعاجمنا وترمي بها إلى الوراء..
الوقت الأمريكي –هو الذي جاء ليحاصرنا ذلك اليوم- لم يكن الأمر يحتاج إلى بيان أو مرسوم أو أعلان.. كان موجوداً في الجو، كنت اذا خرجت قليلاً إلى الهواء (غير الطلق)، ارهفت السمع لأصوات الانفجارات، ستسمع البيان واضحاً، بابلغ ما يكون بيان : أنه الزمن الامريكي .. قادماً على جحافل الدبابات والمدرعات وعبر الطائرات التي تقصف زمنها علينا..
.. وبينما كان التوقيت الصيفي، يقدم الوقت ساعة ليصبح الفرق اربعة ساعة عن توقيت غرينتش بدلاً من ثلاثة،.. فأن التوقيت الامريكي كان يريد سرقة زمننا بأكمله –كان يريد- رغم أنه ادعى غير ذلك –إرجاعنا آلاف الساعات- بلا آلاف السنين .. عن توقيت غرينتش .. وعن أي توقيت آخر..
*************
الأحــد – بالتأكيــد
في الليل، لم أكن متأكداً اذا كنت اسمع صوت طائرة مروحية أم أن الامر كان صدى لكابوس كان الواقع جزءً متمماً له..
قلت لزوجتي – وكانت تنام بحجابها وملابسها الكاملة، وتحرص على أن ينام الاطفال بأحذيتهم خوفاً من أن نضطر لترك البيت تحت أي ظرف – قلت لها أتسمعين ؟.. أنه صوت الاباتشي..
سكتت قليلاً ثم قالت : لا أسمع شيئاً غير اصوات القصف الاعتيادية.. ادهشني انكارها.. نعم، كنت مرهقاً ومتعباً ونصف نائم.. لكن الصوت كان أوضح من أن يكون مجرد صدى لكابوس..
قلت لها : أنها الاباتشــي!
قالت، واتخيل أنها كزت اسنانها باصرار : أنه مجرد قصف اعتيادي ..
لكن صوت الاباتشي ظل يروح ويجيء. ولم يكن هناك صوت مضادات .. (.. كنا قد وصلنا لهُذهِ المرحلة.. وكانوا قد وصلــوا .. وصلـــوا).
في الصباح انكر الجميع أنهم سمعوا شيئاً كهذا.. وتأكدت من أنهم سمعوا الصوت وقرروا أن يتجاهلوه ويغضوا النظر والسمع عن الأمر..
قالت خالتي الاولى أنها لم تسمع متعللة بسمعها الثقيل –الذي بدءت أميز انتقائيته أكثر من أي وقت- وقالت خالتي الثانية أنها كانت تعبة ونامت دون أن تسمع شيئاً، أصرت والدتي أنها لم تنم ولم تسمع.. وحده أبني كان مستعداً لتأكيد روايتي، بل أنه كان مستعداً للاضافة عليها، بأنه صعد إلى السطح وشاهد الاباتشي وهي تحترق وتهوي وطياريها وهم يؤسرون..
.. كانوا في انكارهم يمارسون أقدم آلية دفاع عن النفس عرفها البشر.. النسيان .. او التناسي.. كانوا لا يريدون مواجهة تلك الحقيقة – ذلك الشر الذي يحلق على ارتفاع منخفض..
كان الانكار هو طريقتهم في دفن الرؤوس في الرمال – وكانت الرمال ساخنة ومتحركة- وكانوا لايزالون يسمعون – وينكــرون- ويغرقون رؤوسهم اكثر .. فأكثر..
كان اعترافهم بالاباتشي، يعني اعترافهم بانهم قد وصلــوا على بعد بضعة عشر متراً لا أكثر من سطح المنزل.. الطائرات الاخرى التي كانت تقصف وتهدم وتقتل وتحرق كانت تحلق على ارتفاعات شاهقة واحياناً على بعد شاسع.. – لم يكن ذلك يفيد كثيراً في طمأنتنا- لكن الآن، وهذا القرب، هُذا الارتفاع الواطئ – يحفر في رأس ويستفزني .. لقد اصبحوا قريبين جداً، على مرمى حجر –حـرفيــا- على مرمى شهقة، على مرمى نظرة.. على مرمى طائرة ابن الجيران الورقية.. كان الأمر مخيفاً، ولربما كان الافضل لو أني اتبعت آلية الدفاع في التجاهل التي اتبعها كل من حولي من افراد اسرتي..
لم تكن تلك الآلية سهلة على اذن مرهفة كاذني، خصوصاً وانهما كانت مدربتين على تحديد صوت المروحية بالذات –
(فيما مضى، وقبل الحرب، ومنذ أن ابتعت الصحن اللاقط- كنت أحمل معي ذلك الهاجس الامني المزمن – واذناي تعملان كصحن لاقط آخر ليميز صوت أي مروحية .. فقد كانت المروحيات تستخدم وقتها للكشف عن وجود الصحون اللاقطة على سطوح المنازل- وكان اقتراب صوت مروحية ما، يعني أن اتراكض على السلم وصولاً إلى السطح لاتأكد من أن الغطاء الذي يلف الصحن اللاقط لم يتزحزح بفعل الهواء أو أي شيء آخر..).
آه، ماذا فعلنا بأنفسنا – وبمــدينتـنا- وبسطوح منازلنا.. مروحياتنا تفتش سطوحنا بحثاً عن صحن لاقط صغير – وقبلها تقصف قرانا وتقتل ناسنا واهلنا.. وشيئاً فشيئاً، بين مروحية تمارس دور رجل الامن الذي تارة يقصف ويقتل وتارة يبحث عن صحن لاقط، فوجئنا بالاباتشي وهي فوق سطوحنا – تحفر في رؤوسنا، وتجوس بالقرب من نخلة دارنا .. تارة كالحفارة في الضخمة التي تدق في اعصابنا .. وتارة كالحشرة المزعجة التي تطن في آذاننا..
-لقد فعلنا هُذا بأنفسنا- لم يفعله احد بنا إلا بعد ما فعلناه نحن بأنفسنا..
- لكن كان هناك فرق كبير وجوهري بين صوت المروحيتين- الاولى كانت تبحث عن الصحن اللاقط كان صوتها عندما يختفي تتنفس الصعداء وتنسى الأمر إلى حين الغارة التالية، أما الاباتشي فأن صوتها يظل حتى بعد أن تذهب.. يظل صداها هناك، فوق السطح، قرب النخلة، عند آذاننا.. عند اذهاننا – يظل صوتها كالحفارة، وتظل مروحتها تحوم حولك- تريد أن تفرم لحمك ولحم اطفالك..
لكنهم انكروا جميعاً انه سمعوا شيئاً كهُذا..
.. قطيع من النعام – يغوص بأكمله في رمال حارقة .. وخانقة..
*****************

الأحد – أو الاثنين ..
على الشاشة ترى دبابة امريكية محترقة وحولها مواطنون يهتفون ويصفقون وبعضهم يرقص..
تخطف بصري – لا الدبابة ولا الجموع الجذلة- ولكن خلفية المشهد .. الشارع الذي احترقت فيه الدبابة .. اركز أكثر .. أنه طريق سريع ويمكن أن يشبه أي طريق سريع على بعد مائة كيلومتر أو أقل أكثر.. لكن شيئاً ما فيه يبدو مألوفاً بطريقة مزعجة..
أقلب بين القنوات وانتظر رؤوس الساعة من أجل أن أجد لقطةً أطول أو عبارة ما من الجموع الراقصة ترشدني إلى المكان الذي يبدو مألوفاً بطريقة مزعجة..
اتفرس في تفاصيل البيوت والطريق الوسطي خلف الدبابة المحترقة، اشعر أني كنت هناك من قبل، وأني مررت بهذا المكان مئات المرّات..
أحس بأسم المكان على طرف لساني، واعجز عن التذكر..
.. اظل اتابع الاخبار والقنوات وانا اتقلب على سطح صفيح ساخن.. أقول لنفسي مالفرق؟ .. بغــداد كلها تبدو وكأنها على وشك السقوط في أي لحظة.. السكين معدّة، والرقبة على الدكة .. والضحية مستسلمة لأن الاستسلام هو أكثر ما تتقنه منذ قرون..
تقول لي نفسي، الفرق كبير بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون..، ومهم جداً أن تعلم متى ستصل السكينة إلى بلعومك..
اركز اكثر، كل القنوات على ما يبدو محتفية جداً بالدبابة المحروقة، ومراسلوها لا يقولون سوى الجنوب الغربي من بغداد –الجنـوب الغربـي- الجنوب الغربي.. حسناً : ليكن الجنوب الغربي : كما يقولون، لكنك ابن بغداد –ولا تحتاج إلى الخارطة لتتعرف عليها- ولا البوصلة لتحدد مكان اختراقهم – جنوبها الغربي او




يتبع

Romantic Flower
, Tue, 16 Oct 2007 09:02:00 +0200
شمالها الشرقي سواء عندك، أنها مدينتك ولا تستطيع أن تفرق بين نواحيها- كما لا تستطيع أن تميز حقاً بين شرايينك واوردتك..، أيهما سيخترق السكين – فأنك ستنزف حتى الموت.. حتى الموت..
لا ازال احاول أن أميز المكان – هُذهِ اللافتة المرورية المعلقة التي تشير بسهم إلى اليمين وتقول (حلة – كربلاء) اعرفها جيداً. طالما مررت بها، ولعلها هي لا غيرها التي كنت اهتدي بها عند ذهابي إلى أول عيادة عملت بها في الضواحي بعد تخرجي قبل عشرة سنوات تبدو اليوم كما لو كانت عشرة قرون..
الصورة تقترب أكثر. اسم المنطقة على طرف لساني يلسعني .. يحرقني يحاول تذكيري..
ينقذني واحد من المراسلين، ويقولها اخيراً :الــدورة !.
نعم. أنها منطقة الدورة !
الــدورة!
وهُذا هو الطريق السريع الذي يمر عبرها، وهناك طالما مررت بسيارتي عند ذهابي إلى صديقي حسين. وفي ذلك المنعطف الذي يصل إلى بيته، كانت هناك تلك الحفرة الهائلة التي لم أجعلها يوماً تعتب عليَّ، كما كان يقول هيثم، كلما دخلت بسيارتي في الحفرة – رغم تحذيره منها- في كل مرّة..
.. نعم. بالتأكيد ، أنها الدورة
لكن ما بال هؤلاء الناس فرحين – بأحتراق الدبابة ؟، لقـد وصلــوا !
وسواء احترقت هُذهِ الدبابة او تلك – وسواء انسحبوا بفعل المقاومة او كجزء من خطة مسبقة .. لقـد وصلــوا.. ومروا من هنا، من الدورة .. ليست ضاحية في الجنوب الغربي من بغداد – كما قد يتخيل المشاهد الجالس في القاهرة او دمشق أو لندن..
ربما قبل عقدين أو ثلاثة كانت من الضواحي، لكن اليوم – وبغـداد التي ظلت تتسع بكل الاتجاهات وتقول : هل من مزيد ؟ - جعلت من تلك الضاحية، بالتدريج، خصوصاً مع شبكة الطرق والجسور السريعة، تقترب من قلب بغداد.. وشرايين بغداد .. واوردة بغداد..
إنها الدورة.. والناس يقفزون فوق الدبابة المحترقة – والتـي تقــول- أنهم مرّوا من هنا، حتى لو احترقت وصارت رماداً..
نعم، أنها الدورة – والطرق السريعة والجسور التي تمر بالقرب منها – تربطها بكل قلب بغداد.. بكـل بغــداد..
اتأمل في الصور على الشاشة.. لماذا يرقصون ؟
******************
كنت أحاول كتم موضوع "الـدورة" عن زوجتي – التي لا يبعد بيت أهلها كثيراً عن الدورة – وبالذات عن طريقها السريع..
في الحقيقة، كنت احاول كتم الموضوع عن نفسي اولاً .. كنت أقول آن "السيـدية" غير "الـدورة" متجاهلاً أن الفرق بينهما مجرد جسر للمرور السريع لا يتجاوز طوله كيلو متر أو اقل .. متصوراً أن القذائف – أو الدبابات !- مضطرة إلى الذهاب إلى تلك الاستدارة البعيدة التي نضطر لأخذها نحن –ملتزمين بقوانين المرور- إذا اردنا الالتفاف من الدورة إلى السيدية..
لم يكن ممكناً الاستمرار في التكتم.. نعم، أنها الدورة، قلت لها – وليست السيدية-، كذبة مفضوحة لم يكن من الممكن التصور أنها ستهدئ قلق زوجتي.. بالاضافة إلى أنها لم تهدئ قلقي الشخصي.. الحل الوحيد – كان أن نستقل السيارة- ونذهب إلى هناك، لنطمئن موقعياً..
**********************
الأحــد – أو الاثنيـن
جـولة في بغــداد – التي توشـك على السقـوط..
رحلة في المدينة مغلقة العينين – لست متأكداً أن كانت نائمة – أو ميتــة- أو مصابة بالاغماء..
لست متأكداً أن كانت قد اغلقت عينيها بوعيها : كي لا ترى ما سيحدث لها – أو لابنائها- أو أنها كانت قد اغلقتها قسراً، ارهاقاً أو تعباً.. بغــداد مغلـقة العينيـن.. ونجول فيها وعيوننا مفتوحة باتساعها .. نكاد لا نصدق ما قد حل بالمدينة، منذ أن اقترب الغزو منها –كنا قد مررنا بالطريق نفسه قبل ثلاثة أيام لا أكثر- لكن كل شيء تغير في هُذهِ الأيام الثلاثة.. كـل شيـئ .. نزعت المدينة جلدها – أو انزعوها عنه قسراً .. وخلت الشوارع من المارة.. وبدت المدينة مهجورة كما لو أن انذاراً بأنها تنتظر ضربة ذرية أو كيمياوية..
اصرت خالتي على أن تأتي معنا.. فضلت ببساطة أن تعرض نفسها للخطر بالتجول في المدينة في ذلك اليوم، على أن تعرض نفسها للقلق بانتظار عودتنا في المنزل..
بدت بغداد غريبة جداً بالنسبة لها، كما بالنسبة لنا، لكن بالنسبة لها بدت غريبة لدرجة أنها لم تتعرف عليها، كانت تقول : أيـن نحن الأن ؟.. أيـن نحـن ؟. لم أعد أميز شيئاً.. ظلت تردد ذلك طوال الوقت.. وكانت محقة. اوشكنا نحن ايضاً أن لا نعرف " أيـن نحن".. كانت حركة المرور قد خفت بالتأكيد منذ بداية الحرب – لكن ليس لهُذهِ الدرجة- ليس لدرجة أن تسير في شارع مزدحم مثل الكرادة •(والذي كنت احرص على تجنبه في الأحوال الاعتيادية) ولايكون فيه سيارة اخرى ، غير واحدة تطارد الأفق..
كان الأمر مرعباً – فقد كانت المدينة قد فرغت من سكانها الا بعض الناس المسرعين مثلنا، وبعض المسلحين خلف المتاريس واكياس رمل نعرف جيداً – كما يعرفون- أنها ربما كانت ذات جدوى أمام الاسلحة قبل عقدين أو ثلاثة من الزمان، ولكن لن تكون كذلك أمام ما نسمعه به من أسلحة حديثة..
.. كانت قلوبنا تنبض في الفراغ – ليس لأنها محطمة من المنظر فقط – ولكن لأننا لم نكن ندري إذا كنا سنلتقي – عند منعطف ما نمر به – الغزاة.. وقد تمترسوا واخذوا تشكيلاً دفاعياً عن ما لا يحق لهم الدفاع عنه.. كان هُذا الاحتمال وارداً جداً ..
لقد كانوا في الدورة، قبل ساعات، مالذي يمنعهم أني حدثوا ثغرة اخرى.. ويصلوا إلى الكرادة ؟؟
- أم أن شيئاً ما سيمنعهم ؟ -
***********************
كان خلو الشارع يدفع إلى تساؤل كهُذا، مع تساؤل آخر، لو أنهم وصلوا – لو أنهم تمكنوا من فتح ثغرة وعبروا إلى الرصافة- لو أنهم أمامنا الآن، هل سيقوم أحد –بوضــع حاجــز- بوضع اشارة .. او علامة .. لتقول قــف، أنتبــه ، أمـامــك خطـر، أمامـك غــزو قـادم.. امامك وحش حضارة اخرى جاءت لتلتهمك..
طوال الطريق كان هُذا الاحتمال واردا.. وكانت عجلات السيارة تنهب الطريق، وقلوبنا تخفق بسرعة عشرين حصاناً برياً أو أكثر..
.. كان الطريق الذي نمر به – يخترق الكرادة وصولاً إلى الجادرية•، ومن ثم إلى جسرها الطويل الخطر الذي يربط بالسيدية ويمر امام مصفى الدورة ومحطة توليد الكهرباء الرئيسة..
في كل ركن من أركان الكرادة كان لنا ذكرى، مثل كل سكان بغداد – هنا، عند مرطبات الفقمة – موقعها القديم، ذهبت لأبتاع لزوجتي الآيس كريم بالفستق.. وكان المخاض قد جاءها ولم تكد تكمل التهام الآيس كريم حتى ذهبنا إلى المستشفى وانجبت أكبر اولادي
–وهنا في مطعم "الهنوف" المظلل بالنخيل والاضواء الخافتة- قضينا والاصدقاء أطيب الاوقات، وهنا في مطعم "بلـوتـو" خرجنا معاً أنا وزوجتي لأول مرة بعد عقد القران، وهناك في (سيسبان) نصحونا أن نذهب، واتفقنا على الذهاب ثم اختلفنا في الميعاد.. كل ركن في الكرادة كان مليئاً بالذكريات والبصمات.. لكن لا تصدقوا أننا تذكرنا شيئاً من هُذا كله عندما مررنا بالكرادة يومها .. ابــداً، ولا ذكرى – ولا لمحة من أي ذكرى – لاتصدقوا أن احداً كان في تلك الساعات يمتلك القدرة على التذكر.. أو على السياحة في عوالم الماضي والذكريات .. كانت ذاكرتنا مشلولة تماماً.. خلاياها مشدوهة، واقفة على اطراف اصابعها، بالكاد تتحرك، بالكاد تتنفس، بالكاد تستطيع أن تتصور أن تبصر..
لا.. الناس المتدافعون في هيروشيما – في لحظة الازل تلك، قبل أن يذهبوا- لم يتذكروا شيئاً عن تفاصيل مدينتهم، الناس المتراكضون في بومباي بينما البركان يحجرّها
- ويحجرهم فيها- إلى الأبد .. لم يجدوا لحظة في دقائقهم ما قبل الأخيرة.. لا وقت ليتذكروا شيئاً عن الشوارع والازقة التي قضوا فيها..
ليس من "فلاش بـاك" في اللحظات الأخيرة..
ليس سوى الشهيق والزفير في اللحظات الاخيرة، وانت ترى مدينتك فارغة تنتظر أن تهوي –تسقــط- في هاوية الاحتلال..
لكن حتى الشهيق والزفير في بغـداد – بدا صعباً تلك الامسية، فحتى الاوكسجين يبدو أنه حزم حقائبه ورحل عن بغـداد – أو تكوم في ثقـب مـا- في جحر ما.. من جدار ما.. لا اوكسجين في المدن التي توشك على السقوط






..وليسَ سوى رئاتنا تخفق في الفراغ، لسنا سوى اسماك غلاصمها مهترئة – في محيط مظلم خلا إلا من ذلك الانتظار لحوت هائل سيفترسنا في أي لحظة..
*****************
عند التقاطع المروري الذي يربط الجادرية بجسرها وقفنا الطريق المؤدي الى جامعة بغداد على شمالنا .. والاخر المؤدي الى شارع أبي نؤاس على يميننا .. خلفنا مدينة بتاريخ طويل تركناه وراءنا.. لست متأكداً أن كان هو الذي خرج ولم يعد – أم انا كنا نحن الذين خرجنا من التاريخ ولم نعد..
.. أمامنا كان المجهول – كان الغيب .. كان الجسر الذي يقود نحو الضفة الاخرى من الواقع.. الضفة الاخرى من الكابوس..
عند التقاطع المروري ذاك وقفنا. شاهدنا هناك ما يصلح أن يكون لوحة تعبيرية ملآنة برموز ودلالات لم نستغرق وقتاً طويلاً لادراكها..
كانت هناك عند التقاطع، سيارة حديثة الطراز، من تلك التي تستعملها الكوادر الحزبية أو العسكرية التي اخذت تتجنب ركوب عربات عسكرية مكشوفة الهوية.. وكانت السيارة متروكة في عرض الشارع.. باب سائقها مفتوح ومتروك وهو كذلك..
كانت السيارة مهجورة على قارعة الطريق، في منتصفه بالتحديد..، دون أن يجد سائقها وقتاً على ما يبدو – لايقافها على جانـب الطريق..
على الرصيف، كان هناك ساتر مكوناً من اكياس الرمل – وخلفها هناك تلك الاسلحة المضادة للدروع مصوبة باتجاه الجسر.. دون أن يكون هناك أحد خلفه..
وعلى الجسر، كان هناك حاجز حديدي بسيط – للتنبيه على عدم المرور.. كان موضوعاً في الجانب الذاهب من الجسر.. بينما لا حاجز في الجانب الآخر،.. الجانب القادم من الضفة الأخرى..
كان الشارع خالياً تماماً إلا من سيارة واحدة امامنا، رأى سائقها ما رأينا.. ووعى ما وعينا، واستدار مسرعاً وعاد من حيث جاء..
.. وقفت للحظات في التقاطع.. لم انبس ببنت شفة.. فقط شهيق و زفير.. التفت إلى زوجتي لم انطق ولم تنطق، ولكن فهمت أنها قد فهمت..
كان واضحاً أن الجنود قد تركوا الموضع الذي تحترسوا فيه.. تركوه بأسلحته.. كما هو.. دون قتال .. – كان من الواضح أنهم تعرضوا لقصف من نوع مختلف- قصف نفسي هزهم من الاعماق، من الجذور – قصف نفسي استمر لسنوات خلت.. جعلتهم لا يتحملون فكرة أن الوحش هناك على الضفة الأخرى..
كان من الواضح أنهم قد وضعوا بمواجهة حادة مع واقع كالكابوس – جعلتهم يتركون الموضع كما تركوه، كان من الواضح أن شيئاً ما قد قيل لهم جعلهم يفرون من المكان الذي هم فيه.. وجعلت سائق تلك السيارة لا يهتم حتى بوضعها جانباً.. أو بغلق بابها.. قبل أن يهرب ويتركها.. في تقاطع الجادرية كان ذلك المشهد ملخصاً لما سيدور لاحقاً.. كان كرة بلورية نرى من خلالها كل ما سيتكرر في كل مكان..
.. ربما كان الجنود قد سمعوا تواً ما حدث عند المطار.. ربما سمعوا بالجثث المتفحمة والقنابل التي لا تحدث صوت.. ربما خافوا.. فهم بشر بعد كل شيء – لايمكن لومهم، لذا لا تلوموهم رجاءً.. ربما لو كنتم مكانهم – خلف ذلك الساتر، في ذلك التقاطع.. وامامك جسر خلفه يزحف ذلك التنين الهائل.. وجاء من يهمس في اذنيك بما حدث لأولئك الذين كانوا خلف السواتر على طريق المطار.. ربما لتركتم الساتر كما تركوه.. وربما ما اغلقتم الباب خلفكم.. كما فعل ذلك السائق الذي فرَّ من سيارته العسكرية..
كان الحاجز على الجسر – بالذات على الجانب الذاهب منه- معبراً هو الآخر.. كان وجوده هناك –يعنـي، ولـو رمـزيــاً- اننا لا نستطيع العبور إلى الوحش – كان حاجزاً حديدياً خفيفاً، من السهل ازاحته.. لكن احداً لم يتقدم ليزيحه.. ذلك الحاجز كان رمزاً صغيراً على مدى عجزنا.. وكان ذلك الحاجز شاهداً على مدى تكبيلنا – كان الدليل على أن الأغلال في اعناقنا في اعماقنا إلى الاذقان فنحن مقحمون..
.. وكان الجانب الآخر، من الجسر ، بلا حاجــز..
كان الوحش يمكن أن يعبر الينا – دون أن يمكن لنا نعبر إليه..
لحظات كالازل امام ذلك التقاطع، قبل أن أحزم امري واستدير بالسيارة لم انطق بكلمة. لم ينطق أي منا بكلمة واحدة..
عندما التفتت إلى زوجتي كانت ترتجف بصمت.. ففي نهاية ذلك الجسر، لم يكن هناك الوحش الرابض الزاحف علينا فقط – ولكن كان هناك ايضاً- عند نهاية الجسر تحديداً : كان هناك ايضاً، بيــت أهلهــا..
*************************


الأثنيــن
جاءت خالتي الاخرى التي تعيش في الكرخ – فيما بدا لحظتها انه مكان بعيد جداً.. ومعها ابنها..
سألتهما مندهشا : كيف عبرتم ؟..
شرح لي ابن خالتي الطريق، واسهب في شرح ما شاهد خلاله، دبابة محترقة في مكان ما، عند جسر ما، وبقايا لأخرى – تـم سحبهــا- في مكان آخر..
كان هو، وخصوصاً والدته، فرحين جداً بالدبابة المحترقة.. وكنت لا ازال عاجزاً عن فهم ذلك، عن فهم الفرح برؤية دبابة محترقة في ضاحية من ضواحي بغـداد – ناهيك عن أن تكون في قلـب بغــداد- كنت أعرف آن فرحهما يستند على حقيقة أن الدبابة احترقت، وأن بقية الدبابات قد هربت.. وكنت عاجزاً عن فهم ماهية الفرح – حتى لو كانت الدبابة قد احترقت، والبقية هربت : لقــد وصلــوا..، وهنا أو هناك – دبابة أو أكثر ستحترق..، لكن البقية - في مكان ما، من مكان ما - ستحترق.. وستنفذ.. وستدخل..
عندما خرجت خالتي وابنها – خرجنا أنا وزوجتــي- لأتباع الطريق الذي ارشدانا إليه، تمكنا من العبور فعلاً، على جسر باب المعظم – لكن حاجزاً اوقفنا عند مدخل شارع حيفا، بعد نزولنا من الجسر مباشرة. كان على الحاجز مسلحون مدنيون – شباب صغار- كان من الواضح أنهم من أبناء المنطقة، اشاروا بايديهم لنا أن نعود من حيث أتينا.. كنت اتمنى أن اقف لأسألهم حقيقة الامر.. هل وصلوا حقاً ؟. هل لا زالوا هنا ؟ .. مالذي يحدث بالضبط؟.. –لكني كنت في الوقت نفسه مرعوباً من سماع الاجوبة- لدرجة أني لم أكن أريد سماعها .. وكنت أفضل أن أدفن رأسي في الرمال.. وأعود من حيث أتيت..
.. ورغم أني عدت ادراجي – إلا أني لم أكف عن المحاولة- عبرنا من جسر آخر، جسر الأعظمية، وكانت المفاجئة أن احداً لم يوقفنا بعده. لم يكن هناك حاجز –رغم وجود المسلحين .. توغلنا.. مررنا.. بالمنصور، بشارع 14 رمضان تحديداً، وهالنا ما رأينا من آثار قصف استهدف منزلاً قيل أنه (هــو) قد أجتمع فيه مع بطانته .. لم يقتل (هــو) ولا أي واحد من بطانته بالتأكيد كما في كل مرة، وكما في كل مرّة، قتل العشرات من الابرياء – وهدمت تماماً عدة منازل.. وكانت واجهات المحلات ولافتات العيادات ونوافذها محطمة تماماً عن بعد ما لا يقل عن خمسمئة متر من موقع الانفجار، اتعجب الآن كيف كيف لم أمر من أمام عيادتي – غير بعيد عن ذلك كله- لأتفقدها..، فقد كانت في وسط مجموعة من الاهداف التي قصفت بكثافة وتركيز : معرض بغــداد الدولـي، مستشفى الهـلال الأحمـر، الاسواق المركزية، مبنـى المخابـرات..الخ..، ربما لم يكن الأمر عجيباً بعد كل شيء فقد كانت كل دقيقة اضافية في الطريق تعادل دهراً من الزحف على الشوك في رحلة الاهوال والمصاعب.. كنت أنهب الطريق في المدينة الخالية المليئة بآن واحد..خالية لأن الناس قد تركوها، ومليئة لأنها لم تتركهم حتى عندما تركوها، ظلت فيهم، ساكنة فيهم – وظلوا فيها .. حتى بعدما تركوها.. يجوبونها كالاشباح في قصر قدره أن لا يكون مهجوراً حقاً..
حاجز آخر. هُذهِ المرّة عند ساحة قحطان•، قرب جامع بلال الحبشي. لو أننا عبرناه لكنا وصلنا إلى طريق سريع يأخذنا مباشرة إلى بيت أهل زوجتي لكن الحاجز كان هناك..
جربنا طريقاً آخراً.. كدنا نصل.. مرة أخرى الحاجز..
.. وثالثة ايضاً : الحاجز..
كنا ندور في حلقة مفرغة.. كنا نعرف أنها كذلك لكن كنا ندور فيها كما يدور الثور في ساقية.. كنا نأمل أن نجد ثغرة ما في الحلقة تلك نتمكن عبرها من الوصول.. كانت الحلقة تضيق حيناً حتى نكاد نأمل في الوصول – وتتسع الحلقة فنظل نتشبث بالسراب.. شيئاً فشيئاً، فهمنا الموضوع وامتلكنا –دون أن نتناقش أنـا وزوجتـي في الأمـر- رؤية متكاملة
–لعلهم يسمونها بانورامية ؟– للحلقة التي ندور حولها، لقد كانت الحواجز متفرقة حول شبكة الجسور والطرق السريعة التي تربط بين جانبي دجلة وتصلهما بالطريق السريع القادم من الحلة وكربلاء، - وتصلهما ايضاً بطريق المطار.. (آه.. المطــار..).







في وسط هُذهِ الشبكة كلها، بالذات عند نهاية جسر الجادرية، وعلى بعد لايزيد عن المائة متر من طريق الحلة السريع، كان يقع بيت أهل زوجتي وسط البساتين التي يسمونها بالحزام الأخضر – موقع استراتيجي وممتاز في وقت السلــم : يرفع من سعر المتر الواحد اضعافاً..
ولكن وقت الحرب، خاصة عندما تكون غزواً – فأن الموقع استراتيجي ايضاً.. ولكن من ناحية أخرى..
لم يكن يدري، عمي، عندما اختار قطعة الأرض تلك، ووضع فيها تعب عمره وكد سنينه، وبنى ذلك البيت وسط البستان، لم يكن يدري وقتها أن قيادة عسكرية ما، اجنبية، بالذات امريكية ستختار ما اختاره، وستتخذ من ذلك البيت وسط البساتين، بالقرب من كل تلك الجسور قاعدة لها..
لم نكن ندري، أن، من بين كل البيوت في المنطقة، وكل البساتين، أن الغزاة قد اختاروا البيت الذي ندور من أجل الاطمئنان على من فيه..
لم نكن ندري، أن تلك القذائف التي نسمع صوتها، كانت تسقط على تلك الاماكن التي نحبها.. تلك الساحة حيث كان خال اولادي يلعب السلّة، وتلك الحظيرة حيث أبني متعلق بالحيوانات..، وذلك الحقل البهيج حيث طالما تجمعنا..
لم نكن ندري، أي هول يحدث هناك..
لم تكن زوجتي – رغــم قلقهـا- تدري، أو تتخيل.. مايدور هناك.
كانت قلقة.. ترتجف بصمت. لكنها لم تكن تدري..
لا هي.. ولا الجنين أبن الست اسابيع الذي كان في احشائها..
******************
جميل أن تعود إلى بيتك، والقصف ينهش المدينة نهشاً، فتجده واقفاً مكانه.. لم يسقط.. لم ينهار.. لم يتهدم تحت القصف.. جميل أن تعود، فتجد أن القنابل العنقودية لم تختر بيتك وحديقتك لتسقط فوقهما وتنفجر على افراد عائلتك..
..جميل أن تعود، فتجد أطفالك احياء يرزقون، اطرافهم في اماكنها، لم تتقطع، وعيونهم –الاغلــى عليك من عيونــك- لم تفقأ بعد، وادمغتهم في رؤوسهم –ولم تنشطر لتصبح شظايا- على السقف..
.. جميل أن تعود، والقصف ينهش المدينة، فتجد أن والدك المريض في فراشه منذ عقود.. لايزال يتنفس.. وأن والدتك لاتزال تصلي.. وأن خالاتك لايزلن يمارسن طقوس المشاكسة والمناكفة بينهما كما لو أن العالم لا يحترق في الخارج..
كل ذلك جميل، ويستحق أن تستغرق في التسبيح والتحميد – لمجرد أن معجزة البقاء على قيد الحياة قد حدثت..
كل ذلك جميل، لكنه للأسف غير كاف لجعلك تشعر بالطمأنينة..
*********************
ستدخل البيت، وأنت تحمد الله أنه واقف مكانه.. وتغلق الباب وراءك.. تريد أن تعزل نفسك وأهلك عن ذلك الرعب الذي الخارج، تريد أن تسد الباب بوجه الريح.. لتستريح.. دقائق، وتكتشف أن الأمر أصعب مما اعتقدت.. وأن الريح لا تصدها الباب حقاً، فهي تعصف بالبيت كله، تدخل من النوافذ، من الشقوق من التصدعات.. الريح تعصف بك حتى وأنت داخل بيتك – وتدخل حتى من مسامات جلدك..
ستظل قلقاً.. ولن تفهم لماذا – ما دامت اطراف اولادك في مكانها، وعيونهم ليست مفقوءة- وما دام والدك لا يزال يتنفس.. ستشعر كما لو أنك نسيت شيئاً.. لست متأكداً بالضبط ماذا، لكنك ستظل تتقلب علىنفس الصفيح الساخن. ستشعر كما لو أنك تركت والدك وهو يحتضر تحت الريح والقصف واغلقت دونه الباب..
ستشعر كما لو أن أحد اولادك في الخارج وهو يملئ الدنيا – واذنيـك- صياحاً وبكاءً وطرقاً على الباب..
ستظل تدور لتتأكد أن كل شيء – فـي بيتـك- في مكانه..
كل شيء في مكانه..، لكن مع ذلك يساورك الاحساس، بأن كل شيء ليس حقاً في مكانه..، بل أنك أنت وبيتك كل افراد عائلتك وتاريخك وكل تفاصيل حياتك، قد جمعوا جميعاً في خيمة بوجه العاصفة والرياح والقصف..
تعود لتتفقد الباب والاقفال والمزلاج، ثم تعود لتتفقد والدك وانفاسه..
ولا تزال تشعر أن هناك شيئاً يخصك في الخارج.. شيء ما – مهم كما ابنك الغالي و والدك المريض و دعاء والدتك الحنـون..- شيء ما في الخارج تحت القصف والريح والزلزال.. على وشك السقوط..
.. شيء يخصك، ويهمك.. نعــم..
بالتأكيد : أنهــا بغـــداد..
بغــدادك !!
***********************
قال لي صديقي عبد اللطيف، وهو يصلح لي سيارتي، وهو شبه منهار، هل ستبقى ؟.. هل ستستطيع أن تبقى بعدما يأتون ؟.. هل ستستطيع أن تكون موظفاً وتستلم راتبك من الأمريكان ؟..
.. وضعني سؤاله أمام الواقع – أمام أمـر ليـس لــه- على مايبدو دافع..
وضعني سؤاله أمام الكابوس وقد تجسم ليصير واقعاً حياتياً لم يكن ليخطر على بالي، ولا على بال أي من فصيل النعام الذي دفن رأسه في الرمال..
.. أن اعيش تحت الأحتــلال ؟.. وأن يرتفع علمهم على أرض بلــدي ؟.. وأن أرى احذيتهم وهي تدوس على التراب الذي ضـم رفـات اجــدادي ؟..
.. أن أمر قربهم و وجهي في الأرض.. وظهري مكسور ينوء بعار الاحتلال. أن أقف في طابور طويل انتظر دوري في الذل..
أن يداهموا بيتي، ويفتشوا اوراقي، وينثروا اغراضي.. أن تمتد ايديهم لتفتيش في ثياب زوجتــي.. في…
آه الكابوس سوف يصير واقعاً يجثم على صدري .. افتح عيني عليه كل صباح..
ويأتيني صوت الصديق .. "هــل ستبقــى ؟"
*******************
.. وهــل سـابقــى ؟..
هل املك سوى أن ابقــى ؟..
وهل هناك خيار آخر غير البقاء – غير التشبث بالبقاء .. وغير التمسك بالبقاء..
نحن الذين بقينا – رغـم كل الظـروف- وعانينـا – وخضنـا – وقاسينــا.. وخرجنا من طور إلى آخر.. نحن الذين تمسكنا بالبقـاء، بطن حوت الاستبداد – الى بطن حوت الحصار..إلى بطن حوت الظلم المركب والعوز والحاجة..
هل نملك الآن، إلا أن نصمد، في بطن حوت يضم كل الحيتان السابقة : سيصير اسمه الأحتــلال..
هل نملك سوى أن نصمد، نحن الذين جذورنا تمتد في الأرض.. كجذور النخيل، هل نملك سوى أن نمارس اكثر ما نتقنه، وأكثر ما تعلمناه، من بغــداد- سوى أن نبقى فيها ،في بغــداد..
.. هل نملك، نحن الذين ودعنا الاصدقاء والاقرباء، ورأيناهم وهم يحزمون حقائبهم، ويهزون ايديهم – بيـن دمـوعهم- بيـن دمـوعنا- ملوحين مودعين..
نحن الذي رأينا ملامحهم تذوب في السراب.. – وتمسكنا رغم ذلك بالبقاء.. بالصمود، وقاومنا الانقارض، وتكيفنا مع بطن الحوت.. ..بأستراتيجية واحدة، تغيرت اساليبها و بقي جوهرها ثابتاً … الصمــود..
نحن الذين رأينا السماء تندلق علينا ناراً، والأرض تنشق تحتنا متزلزلة.. – ومع ذلك بقينا في بغــداد.. وبقــت بغــداد فينـا..
و ".. هــل سـأبقـى ؟"
.. وهل املك إلا أن ابقى – حتى لو احتلوا بغــداد- وهم يكادون أن يفعلوا فعلاً.. وهي على وشك السقوط فعلاً – رغم ذلك.. رغم مرارة ذلك .. وفجيعة ذلك..
هل أملك إلا أن ابقى، وامارس كل ما علمتني بغـداد – بسقوطها المتكرر وقيامها بعد كل سقوط- أن امارسه واتقنه.. الصمود ..
هل أملك إلا أن اصمد، واتشبث بها – وتتشبث بــي.. ويبقى كل منا صامداً بوجه الريح والعاصفة والزلزال..
لا شيء غير الصمود..
لو أنهم كانوا قد جاءوا من أجل النفط، فذلك اعترف أنهم قد يحصلون عليه..
لكن النفط ليس سوى تفصيل من تفاصيل القضية – كما اراها..
لقد جاءوا من أجل رأسي. ورأس أولادي.. جاءوا من أجل أن يغيروا ما بداخلي.. يجتثوا اشياء .. ويزرعوا اشياء..
.. نعم، من أجل رأسي ، وخصوصاً رؤوس اولادي.. جاءوا..
.. وهُذا –أعـرف جيــداً- أني لن أسلمــه أياهــم..



ســأصمــد..
**********************
لوالدتي مزاج غريب في التحكم بالاشياء. أنها –مثلاً- تقوم بتغيير اسماء الاشخاص والاماكن والاشياء، إلى اسماء أخرى، اقرب إلى (ما تتصوره هي) أنه الحقيقة بالنسبة لهؤلاء الاشخاص والاماكن.. وحتى الاشياء..
.. وفي حياة والدتي، وعبر العقود المتعاقبة، توجد وردة سرية غامضة، تغيب لسنين
– ثم تظهر فجأة – دون سابق أنذار.. تلك الوردة الغامضة تغير الوانها بطريقة فيها من الخبث بقدر ما فيها من الاناقة .. تارة تكون حمراء بلون ذبيحة برية.. وتارة تكون صفراء بلون دهن ساخن وتارة تكون زرقاء بلون سماء لم تلوثها حرب بعد..
وتارة تكون مزيجاً سريالياً من كل ذلك..
لا اتكلم عن خرافة.. عن نبتة اسطورية في خيال والدتي واحلامها بل عن نبتة حقيقية في الحديقة. مزروعة في التراب.. تمارس عملية التركيب الضوئي كما كل النباتات الخضراء..
عن وردة حقيقية .. اتحدث – تظهر وتغيب، تطفو وتغطس.. تموت ثم تبعث حية من جديد..
.. كانت والدتي تغير تسمية هُذهِ الوردة الغامضة – التي رافقتها في مسيرة حياتها.. وعبر العقود حصلت تلك الوردة على عدة تسميات، عكست مزاج والدتي .. أكثر مما عكست حقيقة الوردة زئبقية اللون..
قالت لي والدتي، قبل خمس سنوات أو أكثر، عندما فاجئتها الوردة بلون أحمر حرّاق
–بعد عقد كامل من الخمود.. أنها كانت تسمي هُذهِ الوردة – في الخمسينات- ابان المد القومي بأسم "جمال" – تيمناً بجمال عبد الناصر.. الذي طبع تلك الفترة ببصمة زعامته و جاذبية شخصيته وآفاق احلامه..
قالت لي ذلك عندما قررت أن تغير أسم الوردة، إلى أسم آخر، - أسم حفيدتها، أبنة شقيقتي المغتربة، التي دفعتها نفس الظروف التي دفعت مئات الالوف من أبناء جيلي – إلى ترك الوطن والتغرب في مشارق الأرض ومغاربها..
"يســر" هو أسم ابنة شقيقتي التي ولدت في ظروف شديدة العسر – فور انتهاء الحرب- أي حرب ؟ ما الفرق. واحدة من تلك الحروب التي حررنا بها، تصادف أنها حرب الكويت تلك المرّة – والتي كبرت في ظروف حتى أشد عسراً في الحصار.. وكانت نور عين والدتي عندما اخذها والداها معهما في رحلة البحث المرير عن واقع أقل مرارة..
"يســر" هو أسم أبنة أختي التي نتهرب جميعاً من حساب عمرها الآن، حتى لا نتفاجئ بطفلة الأربع سنوات وقد صارت صبية على وشك دخول مرحلة المراهقة ..، كبرت في الغربة، ولا تتقن من العربية غير عاميتها..
و "يســر" هو الاسم الذي اختارته والدتي لتلك الوردة الساحرة المزاجية المتقلبة العصية على الفهم التي ظلت تروح وتجئ في حياة والدتي..
.. هُذا العام. لم تأت تلك الوردة. تعرفون أن الربيع كله لم يأت خوفاً من القصف والعمليات العسكرية.. وظلت تلك النبتة الغامضة ذابلة حزينة تنتظر الربيع وتنتظر الوردة وتنتظرنا… !..
.. وعندما يأتي الربيع القادم.. إذا اتى ! – وإذا اتت تلك الوردة بالوانها المتقلبة ومزاجها الغامض.. وإذا جاءت ووجدتنا هناك.. فأني اعرف أن والدتي ستغير أسم الوردة مجدداً..
وأعرف من الآن، ما سيكون الاسم..
.. تعرفون أنتم ايضاً ؟..
بالتأكيــد.. بغــداد..
*******************

يتبع







المشهد الثالث

ليلة سقوط بغداد


الثلاثاء بالتحديد والتأكيد
كانت ليلة هادئة، لن انسى قط، أن ذلك الرعب كله سبقته ليلة هادئة جداً، لعلها أول ليلة هادئة منذ بدء الغزو..
بعد صلاة الفجر، الظلمة لا تزال مخيمة، بدء القصف .لا، لم يكن قصفاً هُذاِ المرّة، كان شيئاً اخراً، كلمة قصف تبدو قاصرة هنا مثل طفل اقسروه على ارتداء ملابس اخيه الاصغر منه..
نعم، كانت ليلة هادئة.. ولكن بعد الفجر، بدء "الضـرب". ليس من كلمة اخرى غير ما نستخدمه في العامية. الضرب. نعم. كان ضرباً وحشياً مخيفاً، كذلك الذي يسمع أنه يحدث في الزنازين واقبية التعذيب التي قلما يخرج منها أحد..
سمرني الضرب في فراشي، كان مختلفاً عن القصف التقليدي الذي تعودنا عليه. لم يكن اقوى- كان مختلفاً.. وقد تعودنا ايضاً، عبر خبرة الحروب المتعاقبة، أن لا يجر الاختلاف غير الكوارث والويلات..
في فراشي ظللت ارهف السمع وأترقب، مررنا في رحلة أهوالنا بقصف اقوى، ومرت على بيوتنا صواريخ هزتها هزاً، وكادت أن تقتلعها من جذورها اقتلاعاً..
.. ولكن، اليوم، وبعد ليلة لن انسى قط أنها كانت هادئة، يبدو الضرب مختلفاً –ليس اقوى.. لكنه اكثر قدرة على الارعاب..
.. لم يكن الامرالمرعب يقاس بعلو الصوت وقوته. طرقة شديدة على بابك، قد تكون مرعبة بالنسبة لك، أكثر من انفجار ذري – إذا كنت تعرف أن خلف الباب من جاء ليأخذك إلى ما وراء الشمس..
.. كذلك كان ذلك الضرب – ليس قوياً كالصواريخ التي سقطت على الشارع الخلفي المجاور- ولا مزلزلاً كالصواريخ التي سقطت حيث كنت اقف في انتظار حافلة المدرسة.. ولكن كان مختلفاً.. كان شخصياً.. كان قريباً.. كان مهدداً أكثر – أفهم الآن، بعد أن انتهى كل شيء.. أنه كان اعلاناً شخصياً إلى كل فرد منا.. كان تبليغاً شخصياً جاء إلى باب كل بيت من بيوتنا – ذات فجر.. بعد ليلة لن انسى قط أنها كانت هادئة..
.. ارهفت السمع أكثر، فشلت أن أدفن نفسي في النوم أو في الرمال أو في أي شيء آخر.. عجزت عن التهرب من استلام التبليغ..




.. كانت اذني قد استلمت المعلومات، الداتا، وارسلت الاشارات إلى دماغي لتحليلها..، لكن دماغي حاول التأجيل، مارس التسويف البيروقراطي – حاول أن يتصرف كالنعامة اياها.. حاول أن يتهرب من مواجهة الحقيقة..
لكن الضرب صار اقوى.. واذني كانت مرهفة، واستمرت بأرسال الاشارات..
دماغي وقف امام الشفرة عاجزاً، مرعوباً، مشلولاً.. كان يعرف في اعماق تلافيفه – لماذا الضرب هُذهِ المرة مرعب أكثر من القصف، كان يعرف في اعماقه –وان كان يتجاهل- ماهية الاختلاف هُذهِ المرة..
انهار دماغي وهو يعترف لي هامساً أن هُذا الضرب مختلف‘’ – وهو بالتأكيد ليس قصفاً- لأنه مختلف فعلاً.. أنه – مايسمونـه في نشرات الاخبار- تبادل‘’ لأطلاق النار..
نعم.. هُذا الضرب الذي بدء بعد ليلة لن انسى قط كم كانت هادئة.. كان تبادل لأطلاق النار.. ليست صواريخ هُذهِ المرّة.. ولا قذائف صاروخية ولا قنابل عنقودية.. ولا صواريخ عابرة للقارات.. فقط اسلحة خفيفة او متوسطة حسب المعايير العسكرية.. لكني في ذلك اليوم اكتشفت أن الاسلحة الخفيفة أثقل بكثير – من كل الصواريخ التي سقطت فوق رؤوسنا عبر كل الحروب التي مررنا بها..
تلك الاسلحة الخفيفة – وذلك التبادل لاطلاق النار عبرها- قال قولاً ثقيلاً، قولاً عسيراً.. قولاً كان وقعه مثل وقع صاروخ ثقيل في اذني..
انتهـى الأمـر .. لقــد وصلــوا..
*********************
على فداحة الموقف كانت اذناي لاتزالان تعملان بشكل جيد. في الحقيقة ،لم يكن هناك شيء في يعمل غير اذني..
ارهفت السمع أكثر.. صرت استطيع تمييز هُذا التبادل بشكل واضح. كان الصوت مختلفاً.. والصدى كان مختلفاً.. ايضاً..
.. نزلت من فراشي.. اسرعت الى الشرفة وفتحت بابها، و وقفت متلصصاً اتنصت على ذلك التبادل .. كان الأمر اوضح .. صرت استطيع تمييز أن النيران المتبادلة تأتي من اماكن مختلفة صرت اقدر على تحديدها..
كان هناك مساحة من الصمت بين كل مجموعة كثيفة من النيران.. مساحة تشبه تلك اللازمة لوصول رسالة بالبريد الالكتروني وقراءتها.. ثم الرد عليها..
كانت النيران المتبادلة، بمثابة حوار متبادل بلغة اخرى – لغة غير كل اللغات العالمية التي تتداول في وسائل التعليم والاعلام والترفيه..
من الشرفة، وقفت اتنصت على ذلك الحوار..




*******************
من بين الصور، كانت هناك صورة لجامع الحيدرخانة في قلب بغداد، المرتبط بذاكرة والدتي باعتبار قربه للبيت الذي ولدت فيه وشهد طفولتها، والذي يرتبط ايضاً بذاكرة بغداد نفسها، باعتباره واحداً من اقدم وأهم الجوامع فيها، قديم لأنه بني في العهد المغولي، وكان بذلك شاهداً على قدرة بغداد على احتواء الغزاة الذين جاءوها كفرة ولم تمض عقود حتى اشهروا اسلامهم وبنوا المساجد فيها، ومهم لأنه كان منطلقاً للتجمعات السياسية والمظاهرات الوطنية التي عمت البلاد وضمت افضل النخب الثقافية والاجتماعية في تلك الفترة.
كانت الصورة مقربة للجامع، ومأخوذة بحيث تبدو قبته ومنارته أكبر من حقيقتها – او اكبر مما اراه الآن وقد علت العمارات حولهما –
وكانت والدتي، عامدةً هُذهِ المرّة، قد وضعت صورة جامع الحيدرخانة، فوق الصورتين الاخرتيين الملتقطة لبغداد من العلو الشاهق..
كانت جد حريصة على تفاصيل كهُذه. الجامع فوق الجميع – على الاقل في الصور وترتيبها..
اتأمل في الترتيب. والغارة مستمرة – ( في الحقيقة لست متأكداً أن كانت مستمرة أم أنها غارة جديدة، فهذهِ الامور لم تعد واضحة قاطعة..)..
اتأمل في الترتيب – وأجد رموزاً متعددة ومنفتحة على احتمالات مختلفة.. ربما كانت هُذهِ الغارة كلها، من اجل اعادة ترتيب الصور ( الم يصرحوا بذلك فعلاً : إعادة ترتيب المنطقة ؟.)
ربما كانوا يريدون أن ينزلوا صورة الجامع من قمتها العالية – ربما كانوا يريدون آن تكون ملتقطة من بعد، من ذلك العلو الشاهق الذي ينظرون الينا منه..
اسمع صوت انفجار قريب. تهتز الارض. اتذكر ما يسربون من خطط ومخططات : عن دستور بلا دين وبلا قيم. عن تعليم يكرس القيم الغازية القاهرة. وافكر انهم ربما يريدون الغاء الصورة تماماً، لا تغيير ترتيبها فقط..
يعلو صوت القصف. الاحظ ان المقاومة خافتة جداً، واعرف إن ذلك لم يكن، وأننا لم نصل لما وصلنا إليه – إلا لأن الترتيب كان صورياً. كان بالصور فقط..
وأن الترتيب الذي سارت عليه حياتنا، لم يكن ليضع الجامع – بتلك الصورة المقربة- في تلك القمة..
***************
أقلب البوم الصور – الفـارغـة – أو التي كانت كذلك، ولم تعد كما أراها الآن..


هنا الحوش – الباحة أو الفناء الداخلي التي تتوسط الدار ويكاد الكون كله يتوسطها..
هنا الحرم – حيث العالم مقصور على النساء، وحيث النساء مقصورات على العالم .. هنا كن النساء أحيانا على الاقل يحكمن الرجال، وهن خلف قضبان الحرم المخملية..
وهنا..في "الديوخانة" يبدء عالم الرجال وحدهم، في تلك الصالة حيث يعقدون اجتماعهم الأسبوعي، ويتكلمون فيه عن الحكم والسياسة والعالم الذي يتخيلون أنهم يحكمونه وينسبونه..
.. وهنا انتهك المحتلون حرمات الدار والنساء والرجال، واقتحموا البيت من هنا، وعاثوا الفساد هنا، وانتهبوا بعض المتاع والحلي.. هناك.
.. وهنا من هُذا السياج، تسلق واحد‘’ من أبرز رجالات ثورة العشرين ، وهبط على هُذا السطح، دخل هنا من هُذا الممر، واختبئ في هُذهِ الغرفة بالذات، هرباً من مطاردة قوات الاحتلال..
هنا البئر في وسط الباحة. هنا جناح الخدم الذين كثيراً ما كانوا يصيرون جزءً من العائلة. وهنا جناح للضيوف – كانت استضافتهم تدوم سنوات أحياناً..
هنا غرفة يسمونها غرفة الشمس، لأن الشمس لا تغرب عنها – وهنا غربت الشمس عن البيت بأسره..
وهنا السرداب ومدخله المظلم، وجوّه البارد في حر الصيف القائظ..
وهنا " التخت بوش" – غرفة ارضيتها من الخشب – لكنها في الواقع بلا أرضية معلقة بين الارض والسماء..
وهنا "الكفشكان" – والتي كانت في الأصل "كشف مكان" ولحقت بها خاصية الابدال والقلب – غير الغريبة على اللهجة البغدادية – دون آن تغير من مضمونها، فهي تلك الغرفة العالية – في البرج العاجي – والتي تشرف على البيت بأسره ،بالذات الحرم، حيث كان يجلس الذكور الذين كانوا يتوهمون – كما دوماً – ان المراقبة هي الحل !..
وهنا كانت تأتي سلال الفواكه من البساتين مختلف الوانها ومتنوعة ثمارها – صيفاً وشتاءاً..
هنا تمر "البربن" الاحمر بلون الدم. وهنا الاصفر بلون السنابل وقت الحصاد. وهنا "الخضراوي" الذي فيه لمحة خفيفة من•البرحي خضرة الربيع و زهوته..

يتبع







يتبع


الحوش: الفناء الوسطي الداخلي باللهجة البغدادية. اول ما يواجهك عند الدخول في البيت البغدادي.
الحرم:الجناح المخصص للنساء في البيت البغدادي. الحرملك بالتقليد المصري.
الديوخانة:جناح الرجال الغرباء حيث يستقبل الضيوف في البيت البغدادي.
علي البازركان.







ئهنا الرمان الحلو المر. وهنا عنب أسود لن يجرؤ على سبه أحد، وهنا الرقي البارد في الصيف القائظ، ينزل كالزغرودة على القلب الحار، فيرق القلب بالرقي الذي لن ينافسه في ذلك إلا بطيخ أشد برودة منه..
هنا التين يتحدى الزيتون، هنا المشمش يصمد أمام البرتقال..
من هنا كانت تدخل السلال الملآنة بما لذ وطاب. وهنا كانت تغسل وتنظف وتفرق ..
هنا كانت تمتلئ البطون. وكانت تذبل الفواكه قبل آن يجوع أحد في الدار.. وهنا كانت – ربما، لست متأكداً – ترمى في القمامة..
(.. وهناك، خلف تلك الاسوار العالية، كان هناك اناس فقراء في نفس الزقاق، وتئن بطونهم من الجوع..).
وهنا كانت الغرف التي لا يسكنها أحد ولا يستعملها أحد. وهنا كانت الشناشيل الحزينة الغامضة. وهنا المزاريب التي نشجت بحجة المطر.
وهنا دار الزمان دورته الواسعة. هنا ترك الفرح توقيعه ومضى. هنا نسجت العناكب خيوطها، هنا عصفت الرياح، هنا سكنت الاشباح.. هنا انطفأت الاضواء، وهنا لم تتألق مرّة اخرى ..، هنا كبر البيت فجأة عليهم، كما يكبر ثوب التاريخ ..
من هنا رحلوا ذات يوم. وإلى هنا لم يرجعوا ابداً بعدها..
هنا خلا الدار. هنا فارقه الخير والعمار.. وهنا انتهى كل شيء، و أسدل – على قصة عمرها قرنين – الستار..
******************
أعتقد ان خالتي – التي التقطت ذلك الصور – شاهدت الضوء من بعيد، عندما أخذت قراراً بالتقاط تلك الصور..
أعرف خالتي هُذهِ جيداً، مترددة وعاجزة عن أتخاذ قرار، لكن يبدو أنها، وقتها، شاهدت الضوء، وأخذت قراراً سيتضح أنه في منتهى الصواب.
في وقت ما، والقرن ينعطف نحو نصفه الآخر، والتاريخ يزدحم بالمتغيرات، يزدحم بالمفاجئات، شاهدت خالتي الضوء : قال لها : أن شيئاً لن يعود كما كان – ربما سيكون التغيير نحو الاسوء، او نحو الافضل – هذا أمر آخر.. لكن شيئاً لن يعود كما كان..
كان قد مضى على وفاة والدتها بضعة سنوات. ربما ثلاث سنوات لا أكثر، وكانت
–مثل بقية شقيقاتها – لاتزال ترتدي ثياب الحداد، عندما جاءهم تبليغ رسمي يخبرهن ان بيت العائلة الاصلي، سيتعرض في جزء منه، للاستملاك من اجل قطع شارع جديد في قلب بغداد.
----------------------------------
البرحي و البربن• و الخضراوي، نوعان من اجود و ارقى التمور العراقية.



يتبع

Romantic Flower
, Tue, 16 Oct 2007 09:03:29 +0200
يتبع


الحوش: الفناء الوسطي الداخلي باللهجة البغدادية. اول ما يواجهك عند الدخول في البيت البغدادي.
الحرم:الجناح المخصص للنساء في البيت البغدادي. الحرملك بالتقليد المصري.
الديوخانة:جناح الرجال الغرباء حيث يستقبل الضيوف في البيت البغدادي.
علي البازركان.







ئهنا الرمان الحلو المر. وهنا عنب أسود لن يجرؤ على سبه أحد، وهنا الرقي البارد في الصيف القائظ، ينزل كالزغرودة على القلب الحار، فيرق القلب بالرقي الذي لن ينافسه في ذلك إلا بطيخ أشد برودة منه..
هنا التين يتحدى الزيتون، هنا المشمش يصمد أمام البرتقال..
من هنا كانت تدخل السلال الملآنة بما لذ وطاب. وهنا كانت تغسل وتنظف وتفرق ..
هنا كانت تمتلئ البطون. وكانت تذبل الفواكه قبل آن يجوع أحد في الدار.. وهنا كانت – ربما، لست متأكداً – ترمى في القمامة..
(.. وهناك، خلف تلك الاسوار العالية، كان هناك اناس فقراء في نفس الزقاق، وتئن بطونهم من الجوع..).
وهنا كانت الغرف التي لا يسكنها أحد ولا يستعملها أحد. وهنا كانت الشناشيل الحزينة الغامضة. وهنا المزاريب التي نشجت بحجة المطر.
وهنا دار الزمان دورته الواسعة. هنا ترك الفرح توقيعه ومضى. هنا نسجت العناكب خيوطها، هنا عصفت الرياح، هنا سكنت الاشباح.. هنا انطفأت الاضواء، وهنا لم تتألق مرّة اخرى ..، هنا كبر البيت فجأة عليهم، كما يكبر ثوب التاريخ ..
من هنا رحلوا ذات يوم. وإلى هنا لم يرجعوا ابداً بعدها..
هنا خلا الدار. هنا فارقه الخير والعمار.. وهنا انتهى كل شيء، و أسدل – على قصة عمرها قرنين – الستار..
******************
أعتقد ان خالتي – التي التقطت ذلك الصور – شاهدت الضوء من بعيد، عندما أخذت قراراً بالتقاط تلك الصور..
أعرف خالتي هُذهِ جيداً، مترددة وعاجزة عن أتخاذ قرار، لكن يبدو أنها، وقتها، شاهدت الضوء، وأخذت قراراً سيتضح أنه في منتهى الصواب.
في وقت ما، والقرن ينعطف نحو نصفه الآخر، والتاريخ يزدحم بالمتغيرات، يزدحم بالمفاجئات، شاهدت خالتي الضوء : قال لها : أن شيئاً لن يعود كما كان – ربما سيكون التغيير نحو الاسوء، او نحو الافضل – هذا أمر آخر.. لكن شيئاً لن يعود كما كان..
كان قد مضى على وفاة والدتها بضعة سنوات. ربما ثلاث سنوات لا أكثر، وكانت
–مثل بقية شقيقاتها – لاتزال ترتدي ثياب الحداد، عندما جاءهم تبليغ رسمي يخبرهن ان بيت العائلة الاصلي، سيتعرض في جزء منه، للاستملاك من اجل قطع شارع جديد في قلب بغداد.
----------------------------------
البرحي و البربن• و الخضراوي، نوعان من اجود و ارقى التمور العراقية.



يتبع







كان هذا هو الشارع الذي يعرف الآن بأسم شارع الجمهورية.
وكان الاسم وحده دليلاً على أن الزمن قد دار دورة حادّة جداً.
كان استملاك جزء من الدار وهدمه من اجل شق طريق جديد، يعني أن "الطريق" كله تغير، وأن عواصف التغيير بدأت تهب، وان الرياح ستجري بما قد لا تشتهي السفن، وأن اشياء أخرى كثيرة، ستذهب مع هذهِ الرياح..
كان الضرر قد حل بالبيت فعلاً جراء الترك وصعوبة الصيانة وقلة الإدامة،.. بل أنه أَجِرَ – لعدة شهور قبل هُذا التبليغ لغرض ان يكون مدرسةً إعدادية- دون آن يتحقق ذلك على الاطلاق.. ولكن ومع كل ذلك الضرر، فأن قرار هدم جزء منه وضمه للطريق العام كان بمثابة دق المسمار الاول في نعش الأزالة الأكيد..
كانت قد مضت عشر سنوات منذ ان تركوا البيت. لا أعتقد أن أياً من افراد العائلة كان يرغب جدياً بالعودة إليه – في تلك الفترة على الأقل – لكني واثق أنهم جميعاً كانوا يريدون أن تظل إمكانية العودة قائمة.
لكنهم استلموا على الباب ورقة، جاءَ بها موظف، قدّم كما أتخيل احترامات و اعتذارات. ثم أبلغهم بالقرار..
أحاول تصور كيف كانت ردود الافعال. كل واحد وواحدة على حدة..
لست متأكداً من رد فعل جدي. لم أعرفه بما يكفي لأتوقع منه ما يمكن أن يفعل مع خبر كهُذا – ولا أتوقع أنه كان مفاجئاً له، فمع شخص متنفذ مثله – ذاك الوقت – ومع ماله من المعارف والأصحاب والمتملقين والمنافقين، لابد أنه كان قد علم بالتدريج بالأمر..
".. هل تعلم يا بيك ؟.. أن الشارع الجديد الذي سيشق أساسه، سيكون قريباً جداً من منزل جنابكم.. "
"في الواقع يا صاحب المعالي، أنه سيكون – على الأغلب – محاذياً بالذات لدار سيادتكم – أن لم يتداخل معه بشكل عابر – وتعرف سيادتكم أن ذلك سيزيد من أهمية موقع الدار – لأنه سيصير على الشارع العام " .
" للأسف يا بيك. حاولنا كثيراً مع المهندسين وفشلنا. الخرائط تقريباً اصبحت جاهزة. لا يمكن تغييرها. سيقتطع جزء‘’ من الدار فعلاً يا بيك .. لكني سأسعى لك في تعويض محترم..".
لا ريب أن حوارات كهُذهِ قد قيلت، عبر سنوات، جعلت من موضوع الاستملاك متدرجاً، دونما مفاجئات حادة..

لخمس سنوات سبقت الأمر، كان الموضوع قائماً، بين مكذب ومصدق في البداية، ثم بين متجاهل او متماهل، ثم سيأتي الأمر الواقع على شكل تلك الورقة على الباب، والموظف المعتذر – الذي سيريد اكراميته في كل الاحوال..
.. تقول والدتي، أنها لا تذكر رد فعل محدد لوالدها تجاه الأمر. لكنها تردف بعدها انه لم يكن من الممكن معه.. رصد أي رد فعل محدد تجاه أي أزمة..
كان من نوعها بالذات. من النوع الذي يكتم. ويخزن. وخلف القناع الصلد كان يوجد ذلك الوجه الحزين الذي يتلقى الأزمات والطعنات والخيبات، ويحاول أن يواصل الطريق..
أعرف جيداً أنه ربما قد ارتدى القناع الصلد – أو قناع الفيلسوف – المتأمل – وربما قد قال بيتاً من الشعر بالتركية أو بالفارسية أو بأي من اللغات الثلاثة الأخرى التي يجيدها – شيئاً عن حال الدنيا وزوالها ومصير الجميع إلى ذلك ..
لكن خلف القناع، خلف مساحيق التحمل، وسمات التجمل.. كانت هناك الآهات السرية، والتنهدات الغير مرئية، والالام غير المحكية والتي غالباً ما يتنهي بأمراض عضوية: ارتفاع في ضغط الدم. قرحة في المعدة. سكري. وأحياناً اخطر من ذلك بكثير..
احاول تخيل وجهه عندما واجه نفسه بالأمر : أن البيت سيضيع. وسيكون هدم جزء منه بمثابة أول ضربة مسحاة تحفر في قبره هو..
أمتقع وجهه بالتأكيد. وكادت ضربة قلبه تكاد تكون مسموعة. وربما مدَّ يده على جهة صدره اليسرى، ثم سحبها خوفاً من أن يراه أحد..
وربما قال في نفسه أنها النهاية. ولعله كان يتمنى أن يموت قبل أن يراها.. كان البيت يعني بالنسبة له أكثر بكثير مما تعني بيوتنا له. كان يعني ذلك التاريخ الممتد المتصل، حلقة تلو أخرى، عبر حوالي قرنين من الزمان المتسع..
كلنا نحب بيوتنا، وننتمي لها – بشكل أو بآخر – ونحمل لكل زاوية ذكرى ونفهم لكل حائط معنى، لكننا – مع ذلك – نغادرها – حين تسنح لنا الفرصة، نحو بيوت اوسع، في مناطق أرقى، أو بخدمات افضل.. ونظل نحمل بعض الحنين، وربما نغص أحياناً بالذكريات، وتؤنبنا ضمائرنا إذا مررنا مرّة ولم نلتفت صوب ذلك الشارع وذلك البيت وتلك الذكريات..
كان الأمر بالنسبة له، على ما أفهم الآن، أكبر بكثير من مجرد ذلك.
كان أكثر حتى من الأنتماء. ومن الارتباط العميق بتلك الجذور الموجودة في أساسات ذلك البيت الموشك على الأنهيار..
كان الأمر، كما أفهمه الآن، مرتبطاً بالصمود. بالصراع من أجل البقاء الذي يحترفه أبناء آدم منذ هبوطهم إلى الأرض، والذي احترفته العائلة بشكل خاص من جيل إلى آخر : لقد نجت من مؤامرات ومحاولات اغتيالات وحروب وسجون وأوبئة مدمرة – وعبر ثلاث أو



يتبع






أربع أجيال – لم يكن هناك سوى شخص واحد فقط ينجو – وأحياناً قليلة أثنان – كما لو كان واحد يسلم الشعلة لآخر في سباق ماراثون لا بنتهي ابدا ..
وأنتهى الأمر بجدي – وبأبن عم بعيد له..
.. وفي الصراع من أجل البقاء، ومعركة البقاء للأصلح، تفرض بعض القيم الأجتماعية نفسها لتحدد مسار الصراع – ونوعية البقاء – وطبيعة الاصلاح.. وكانت تبرز هنا حقيقة أن جدي لم يكن له أولاد ذكور، لتضع، بطريقة أو بأخرى، على الأقل من وجهة نظر محددة – نهاية لتلك السلسلة الطويلة من الصراع من أجل البقاء..
كان جدي – ابتراً – وكان يعرف في أعماقه أن سلسلة أجداده الطويلة، وقفت عنده.. وستنتهي عنده..
رغم قشرة التمدن، رغم ربطة العطر الأنيقة، رغم البدلة اللندنية الطراز والمنشأ
– ورغم صندوق أوسمة الشرف الدبلوماسية التي احتازها، كان يعلم، في قرارة نفسه، ودون أن يعلن ذلك، أنه في النهاية – لن يبقى من يحمل أسمه، بينما سيكون هناك من يحمل أسم حمال فقير في السوق الشعبية المجاورة..
كان يعرف ذلك، أنها النهاية إذن – ولعله رأى في تلك الورقة التي أتت تسعى إلى الباب تجسيداً عملياً لحقيقة أنه بلا عقب. أبتر..
أتخيله وهو يحاول أن يتمالك أعصابه – وسيبدو على عضلات وجهه.. وأن عضلات معدته قد تقلصت..
وأتخيله تلك الليلة – وهو يحاول يبدو أمام بناته الأربعة أنه قوي مثل جبل لا يهزه ريح، وفي داخله طفل صغير يريد أن يذهب ليدس وجهه في حضن أمه ويمسح دموعه في ثوبها الحنون – حتى ثوبها كان حنوناً وكان سينفعه ويخفف عليه في ليلته تلك .. لكن أين هو، وأين ثوبها وأين هي منه الآن .. في تلك الليلة التي مرت عليه.
.. واثق أنه تذكر أمه وهو يتقلب على فراشه تلك الليلة. تذكر غرفتها العالية. وبسمتها الحانية. وسريرها الدافئ الذي طالما اواه. وحضنها الواسع الذي طالما التجأ اليه..
ستغزو أنفه فجأة رائحة والدته – رغم مضى نصف قرن على وفاتها – لكن فجأة ستخترق رائحتها الطيبة حواجز الزمن تملئ غرفته وخياشيمه وحتى غلاصمه.. وسيجد قلبه وقد تحول إلى سمكة صغيرة وهي تلبط شوقاً في بحر الذكريات لتصل إلى مسقط رأسها الأول..
تلك الليلة، عندما تأكد أن جزءً من بيته، من بيت أسرته، سيهدم، سيستملك، متأكد أنا أنه أزاح قليلاً قناعه الصلد.. وترك العنان لا نفعالاته الحقيقية – التي لا أشك – أن المناصب
والصالونات حجمتها وقلصتها -.. لكن تلك الليلة، وهو وحيد ومخذول ومهزوم – وبيت أهله سيهدم.. لا أشك أنه أنتحب قليلاً مع نفسه.
كان على مشارف السبعين. ولابد أنه تمنى النهاية. لابد أنه تمنى أن يبلغ النهاية قبل أن يرى البيت وهو يهدم..
كان توقف الصراع من أجل البقاء – يعني، عملياً، توقف البقاء نفسه.. وكان جدي يعرف أنه دخل تلك المنطقة المحايدة التي لا صراع فيها – ولا بقاء أيضاً .. ولعله تصور أنه لن يبلغ من العمر أرذله، حيث يرى البيت وقد تهدم بكامله.
لكنــه بـلغ ذلك أيضاً.
فقد عاش عقدين آخرين، عاصفين ومليئين بالمتغيرات، انهارت فيها وخلالها أسس ذلك المجتمع البغدادي القديم وأعمدته وأركانه – كما انهار بالضبط البيت و أعمدته وأسقفه المزخرفة وشناشيله..
وعندما توفي.. كان البيت قد صار قاعاً صفصفاً – وتحول ليصير مرآباً للسيارات العامة..
وبدء ذلك الأنهيار، قبل أن تأتي تلك الورقة بوقت طويل.. رغم أن الامر بدا أنه بدأ كذلك..
********************
أتخيل أن أمي أصيبت بنوبة من التجهم. وأسرعت إلى النوم للاختباء من ذلك الكابوس المرير. كما تفعل حتى الآن في حياة تنوعت فيها الكوابيس.. وأعتقد أن خالتي الأخرى بكت وانتحبت ومن ثم ذهبت لتحدث لكل من تشاهده عن الأمر..
وحدها خالتي الكبيرة رأت الضوء من بعيد، وعلمت - ربما بشكل مشوش و غائم –حقيقة الأمر، ليست مسألة بيت معرض – في جزء منه – للاستملاك والهدم، لكنه تاريخ كامل، صار برسم الأزالة، مجتمع كامل صارَ آيلاً للسقوط بعدما تعرض للمصادرة..
علمت خالتي أن بيتاً كهُذا لا يمكن أن ينشأ من جديد. لا يمكن أن يقوم من جديد. لا يمكن حتى أن يرمم.. أو يصان .. او يدام. كان الأمر عكس التيار. وعكس التاريخ.
علمت خالتي، عندما رأت الضوء وقررت أن تؤرخ للبيت، أن طرازاً من هُذا البناء لن يكون موجوداً بعد الآن، وأنه سيصير جزءً من تاريخ لن يعود، لأن طراز الحياة الذي كان محتوياً في ذلك البناء، لن يعود موجوداً بعد الآن في خضم العواصف التي تمر بالمجتمع، لأن الطراز المعماري، كان الوعاء الذي أحتوى النسيج الاجتماعي المهدد بالزوال..
كان الفناء الداخلي – الحوش – الذي يتوسط البيت، ويقع في المركز من الطراز المعماري البغدادي الذي بني عليه بيت جدي – وكل بيوت المحلة، والمحاليل الأخرى..



يتبع



كان ذلك الفناء – المفتوح إلى الخارج، إلى السماء، في قلب البيت، يرمز إلى تلك الصلة الحقيقية التي ربطت المجتمع – أول نشوئه – بالسماء.. بكل القيم العليا التي وجدت في السماء ملاذاً متسعاً لها – وكان تتصل بالارض عبر هُذا الفناء المفتوح في قلب كل بيت..
لم يكن هُذا الفناء – او الحوش – ضرورة معمارية من أجل التهوية كما سيبدو للوهلة الأولى، لكنه كان تعبيراً معمارياً عن تلك الصلة بين الأرض والسماء – التي بني عليها البيت.. وبني عليها المجتمع..
كان الحوش هناك، تنفتح عليه كل الغرف الأخرى – كل ساكن من سكان البيت كان لابد أن يمر به في أي تحرك يقوم او من "التنكــة"•به – حتى ولو لقضاء حاجة، حتى ولو لشربة ماء من "الحِـب" الباردة..
نعم. كان "الحـوش" تعبيراً معمارياً عن فلسفة اجتماعية اصيلة – فلسفة تمثل عمقاً حضارياً بأبعاد متعددة..
لم يكن "الحـوش" مجرد فراغ في "الوســط" – كما يبدو اولاً – على العكس لقد كان هذا الفراغ هو حجر الأساس الذي بني عليه البيت، حجر الاساس الذي بني عليه المجتمع بأكمله..
كان هُذا الحوش هو التعبير العبقري عن الصلة بالله سبحانه وتعالى حيث كل الغرف تؤدي إليه، وكل المنافذ تنفذ إليه، وكل الطرق توصل إليه.. لكن نمط العمارة هُذا لم يعد مرغوباً فيه، لم يعد رائجاً، ولم يعد يبني على أساسه بيت جديد..
أنها الخمسينات أيها الســادة..
ليس نمط العمارة وحده هو الذي قضى نحبه. لكن نمط الحياة نفسه تغير.. لم يعد "الحـوش" صلة مفتوحة من القلب إلى السماء. بل صار مجرد فراغ. بل أكثر من ذلك. لقد صار نقطة ضعف، من الناحية الأمنية..
أنها الخمسينات أيها السادة.. وفي العاصفة التي اجتاحت المجتمع، ستزاح تلك الصلة بعيداً..، بل سيراد لها أن تلغى أساساً..
.. وسيعكس نمط العمارة الحديثة الذي سيستورد وسيسود نمط الحياة التي قدروا أنها ستستورد وتسود..
سيكون الطراز الجديد هجيناً مثل خيمة بدوية مزروعة وسط ثلوج الاسكا، لا نمط المواد المستخدمة سيكون ملائماً لاجوائنا – ولا نمط التصميم سيكون ملائماً لنفسياتنا..

-----------------
الحب: خزان مخروطي الشكل يحفظ الماء• بشكل بارد. التنكة، ابريق من الفخار صغير يحافظ على برودة الماء.


لن يكون النسيج الاجتماعي المستورد موافقاً لحساسية جلودنا – ولن يكون التصميم الذي سيطبق على هُذا النسيج ملائماً لتصميم أجسـادنا – لكننا اقسرنا انفسنا في التصميم الخطأ داخل القماشة الخطأ، وكانت النتيجة تمزقات وتشوهات نعاني الآن وفي هُذهِ اللحظة بالذات منها..
في الطراز الحديث، لن تكون الغرف ملتصقة معاً وملتفة حول محور واحد، مرتكزة حول صلة واحدة..، كما كانت في الطراز القديم.. أنما ستكون مكدسة فوق بعضها البعض ومنعزلة الواحدة عن الأخرى في الوقت ذاته.. لن تتمحور حول هدف، لن تلتف من أجل معنى.. لن تؤدي إلى مكان – فقط ستنفتح على نفسها – نحو المزيد من الانغلاق والفردية..
وفي الطراز الحديث، لن يكون هناك سراديب تدعو إلى التوغل في أعماق النفس والتأمل فيها – لكن الأرض ستكون مسطحة كما لم تكن من قبل ..
وفي الطراز الحديث، لن تكون هناك شناشيل كتلك التي كانت في تلك البيوت.. وكانت ايضاً جزءً من النفسية البغدادية تشكلت لتعبر عن نفسها معمارياً في تلك النوافذ المتشابكة المخرمة..
من الخارج، كانت النوافذ تبدو حصينة ولا تسمح لأي طفيلي بالتلصص.. أو المراقبة..
ومن الداخل، كانت الشناشيل تبدو مثل غربال لا يسمح بمرور أي شيء إلا بعد تنقيته وغربلته..
.. وفي كل الأحوال – لن ترى حقاً إلا إذا اقتربت، لن ترى حقاً إلا إذا اقتربت..
وعندهــا سترى بوضوح. سترى بدقــة..
ولم تكن الشناشيل فقط بل كانت قبلها موجودة في•معلقة هناك في الطوابق العليا بين "الـدرابيــن" النفسية البغدادية – في تلك الثنائية شديدة التداخل شديدة الوضوح في سلوكياتهم ومعاملاتهم..
من الخارج يبدو البغدادي مغلقاً بدرع الخشونة والصلابة والتوتر وحتى اللامبالاة
– ومن الداخل هناك ذاك الغربال الذي يتقي به الآخرين ويمحصهم وينقيهم – والذي دفعته إليه دفعاً حياة طويلة من الخبرات المريرة وخيبات الأمل..
.. وفي الحالتين، لو اقتربت أكثر من هُذا البغدادي المحصن بخشونته – حتى بالفاظه ولهجته – لوجدت طفلاً طيب القلب حد السذاجة، حد الاستغفال – حد أنه يغري الآخرين احيانا بأستغلاله..
_____________
الازقة البغدادية• الضيقة.



يتبع



.. لكن ذلك كان عصر الشناشيل – وطرازها المندثر..
وفي العصر الجديد – استبدلت تلك الشناشيل الحنونة، بتلك الشبابيك المفتوحة على مصاريعها كأنها تعلن استسلاماً دائمياً بلا قيد او شرط – ستوهمك بالانفتاح وقد تصدق الوهم – فأذا اقتربت فستصطدم بذلك الجدار الزجاجي الاملس البارد – سيحجزك عن الداخل ،سيمنعك من التوغل في الاعماق..
سيكون هُذا الزجاج مثل قفصاً يمنع من التواصل من وإلى وعبر الداخل – سيكرس العزلة والفردية رغم أنه يبدو من بعيد منفتحاً وداعياً إلى التواصل..
بينما كانت الشناشيل تكرس القرب والحنين – رغم أنها تبدو من بعيد مثل الحصن الحصين.. كذلك النفسية الجديدة التي أرادت رياح التغيير أن تبذرها : من الخارج سيكون الفرد الجديد أكثر بشاشة وهشاشة ومدنية، لكنهم سلبوا منه أفضل ما فيه، داخله الطيب ومعدنه الأصيل، ومنحوه بدل ذلك زجاجاً اصماً هشاً وبليداً،.. جعلوه له قفصاً وحبسوه فيه..
وفي الطراز الحديث – لن يكون هناك "حــرم" او " ديـوخـانة" – فالأمر ستختلط في الحياة الحديثة، والخطة تفترض أن لا حرمات ستبقى، ولا حدود ستوضع..
وفي الطراز الحديث، لن تكون هناك أعمدة رشيقة شاهقة ترفع السقف وتصعد به إلى السماء..، فالثوابت قليلة في الحياة الحديثة، والاسس ركيكة، مؤونة البناء مغشوشة، والمقاولة بأكملها تبدو مليئة بالرشوة والثغرات..
.. من الناحية التقنية، لن تنهار البيوت المبنية على الطراز المعماري الحديث،.. لكن مجتمعاً بني على أسس خاطئة ومنطلقات مزيفة – قد يعلو قليلاً- لكنه سينهار – ولابد- سيسقط على رؤوس أفراده وينقلب عاليه سافله.. (.. كما يحدث الآن معنا..).
ربما لم تكن خالتي على وعي بكل تلك التفاصيل. لكنها رأت الضوء.. وقررت ان بيتاً كهُذا لن يبنى من جديد. وأخذت كاميرتها لتلتقط لكل زاوية من زوايا البيت صوراً – ستبدو للوهلة الأولى أنها خالية..
لكنها في واقع الأمر، ملآنة بالذكريات. بل وبتفاصيل الذكريات..
****************
أتخيلها عندما ذهبت هناك.
بعد عشر سنوات من الرحيل – لم تذهب للبيت ولا مرة خلالها.
ولا حتى مرّة واحدة.
عشر سنوات، عصفت فيها العواصف. وشبت النيران وانفجرت البراكين.
وماتت والدتهن ميتة مفاجئة وصاعقة – نتيجة لخطأ جراحي على يد أمهر الجراحين البريطانيين في عملية بسيطة في لندن.
كانت في الخمسين فقط. وكن بناتها في مقتبل الصبا والشباب. وحيدات الا منها في عالم بدا كالخلاء الاجرد بعد وفاتها المروعة..
وبدلاً من أن يعدن من لندن بالحقائب المليئة بأحدث الالبسة وأجمل الهدايا، جئن في طائرة شحن صغيرة بصندوق خشبي، يضم أغلى ما يملكه انسان.. أمـــه..
وكانت صغراهن في الثامنة فقط. أخفوا الخبر عنها بأتقان. وأخبروها أن أمها ستلحق بهن في طائرة أخرى. كانت تلهو وتمرح قرب الصندوق دون أن تدري أن أمها مسجاة فيه.. – ولو درت ما كانت ستفهم لمـــاذا - ..
كان ذلك هو الحدث الجلل في منتصف العشر سنوات تلك.
كان هو الحدث الذي سيطر على مشاعرهن. وعلى مواقفهن. وعلى ارادتهن وعلى الكثير الكثير من سلوكياتهن..
عندما تركن البيت إلى غير رجعة، كن – كشابات – فرحات نوعاً ما بالبيت الأحدث طرازاً.. ولو نسبياً – المطل على النهر حيث كان بامكانهن استقبال صديقاتهن واستضافة جلسات السمر التي تدور مع النهر، بسهولة ويسر أكبر..
.. فلنقل أنهن كن فرحات بالتغيير – لمجرد التغيير، لمجرد انه تغيير وسيتوافق ذلك مع الدم الشاب الذي يسري في عروقهن..
لكن هُذا التغيير لم يكن دوماً متوافقاً مع ما يردن. ففي اعماقهن فوجئن بأن الموت أخذ أمهن دون سابق أنذار، طبعاً الموت لا يسبق بأنذار، لكن عندما تكون في مقتبل العمر، والدنيا فاتحة ذراعيها، مزهوة بك وزاهية لك، فأنك لا تفهم هذا.. وعندما يأتي الموت على حين غرّة ليخطف واحداً من احبابك فأنك تصدم.. كما صدمن..
.. وفي لا شعورهن، وجدن أن البيت الجديد مسئولاً إلى حد كبير عن تواري والدتهن خلف تلك البلاطة في مقبرة باب الشيخ..
لم يكن يجرؤن على التصريح باعتقادهن إن البيت منحوس، كان مستواهن الاجتماعي والعلمي ينأى بهن عن التصريح – دون أن يمنعهن حقاً من الاعتقاد بذلك..
لكنهن كن يتبادلن الاتهامات، لست أدري بالضبط مع من، حول جو النهر البارد، وانفتاح البيت الزائد على هُذا الجو، وصعوبة التحكم بتدفئته، الأمر الذي أدى إلى اصابة والدتهن بالسل الرئوي..
(..رغم أنها لم تمت بذلك، بل بتداخل جراحي بسيط..) لكن اللوم كان في أعماقهن على البيت الجديد – رغم الطراز الاحدث نسبياً.. رغم النهر.. ورغم أنهن كن يردن التغيير..
في منتصف العشر سنوات تلك، وجدن أنفسهن في بيت خلا فجأة من والدتهن..




يتبع




وبيت آخر، كانت موجودة في كل زاوية من زواياه.. في حجراته وغرفه وشناشيله واسطحه..
في كل بلاطة من بلاطاته كانت هناك.. رغم أنها توازت خلف بلاطة واحدة فقط.. في تلك المقبرة غير بعيد عن البيت..
كان البيت يضج بها وبذكراها وبرائحتها..
ولذلك لم تجرؤ واحدة منهن على الذهاب إلى هناك. ولا واحدة.. ولا حتى مرّة واحدة..
إلى أن جاءت تلك الورقة على الباب..
وذهبت خالتي لتلقي النظرة الأخيرة، على البيت، على ذلك الزمان المتواري.. خلف رياح التغيير..
وأخذت معها كاميرتها، لتجمد تلك النظرة الأخيرة، وتحولها إلى صور صقيلة مرصوصة في ذلك الالبوم الذي اتصفحه تحت القصف..
************
أتخيلها وقد استقلت السيارة، في صباح اتخيل أنه كان حزيناً وغامضاً، وأخبرت السائق أن يذهب بها إلى الحيدرخانة..
أتخيل عيناها محتقنين، تأهباً لدموع لاشك أنها ستهبط .. وأتخيل شفتاها مزمومتيين، تأهباً لمواجهة ماضي صار مجرد ذكريات، وهاهو الزمان يأتي ليهيل ترابه وركامه عليها..
وأتخيل السيارة تنهب الطريق. تسرع هنا وتبطء هناك. وفي كل دورة تدورها العجلة يقترب ذلك الماضي أكثر فأكثر..
وكلما اقتربت السيارة عن البيت، كلما تقدم الماضي أكثر وأكثر، ليمحي كل علامة استحدثها الزمن، يكشطها كشطاً عن الأبنية والاشجار والارصفة.. وحتى عن الهواء الذي يلف الأماكن..
وفي كل مكان خطوة خطوة، ينتصب الماضي ويشيد أبنيته ورؤاه واشخاصه..
هنا كان درب المدرسة، قصير جداً، فقط خطوات من البيت، بين درابين الحيدرخانة- لكن الأهل والتقاليد المرعية والأعراف والشرائع السماوية كلها كانت ترى الدرب بعيداً جداً، طويلاً جداً، وخطيراً جداً، فلا تذهب البنات إلى المدرسة إلا بصحبة قوة حماية مؤلفة من الحارس أو البواب أو السائق.. أتخيلهن هناك، في تلك الدروب الموغلة في الماضي، يركضن مفعمات بالطفولة والفرح والأمل، غير مباليات بمخاوف الأهل ووساوسهم التقليدية، ولا بنفس الحارس العجوز المتهالك، الذي يكاد ينقطع ركضاً خلفهن..
وهنا كان درب المدرسة الأخرى، عندما تقدمن في العمر أكثر، قريبة جداً ايضاً – ولكن العرف الاجتماعي سينقل الحراسة من مستوى الحارس المتهالك، إلى مستوى السيارة المحصنة..
هنا بيوت جيران العمر – مشى ببعضهن العمر و وقف ببعضهم العمر – ضيع بعضهم العمر..
وهنا في تلك الساحة، كان يأتي العيد وينصب نفسه والعابه وأرجحاته ودواليب هواءه – ويلم الأطفال ليلتم معهم العيد – انهم هم العيد!.. رغم انهم يتصورونه هو العيد - .. ولم تكن الأعراف الطبقية تسمح بعيد كهذا لخالاتي إلا من خلال زجاج نافذة السيارة..
وهنا علقوا نشرات الأضواء الكهربائية على المباني الحكومية، لأول مرّة بمناسبة عيد جلوس الملك..، ودارت الأيام، ومات الملك – عاش الملك – وقام ملك ليجلس ملك – ثم قام الملوك كلهم – بل طاروا وطارت حتى رؤوسهم.. والغي العيد كما الغيت الملكية.. لكن ظلت تلك النشرات الملونة تضئ الذاكرة بزهو الجلوس الاول – وحتى عندما صاروا يعلقون نشرات مشابهة في مناسبات شتى – من ضمنها مناسبة القضاء على الملكية – صارت تلك النشرات تذكر – ولو عفواً – بذلك الجلوس المضئ..
هنا بائع "الفــرارات" ، لو يدري كيف ستدور الدنيا وكيف ستضئ، هنا بائع الشعر بنات، لو يدري أنهن سينفشن شعورهن لاطمات، وهنا بائع "الأبيـض وبيـض" – ممنوع قطعاً الشراء منه بأمر الوالدة خوفاً من التلوث – لكن من يأبه من الفئران للقط إذا غاب..
هنا فاجأتهم أول غارة – في حياتهـن- أبان ثورة رشيد عالي الكيلاني، وتراكضن مرتعبات – وهن لا يصدقن أبداً أن هناك هول كهُذا – سيختبئ مع الأهل في السرداب، وستختبئ بغداد كلها في سرداب ما – وهي لا تصدق أبداً أن هناك هول كهُذا – فضلاً عن أن يكون هناك هولاً أكبر..
(آه بغـــداد – لو تعرفين سيقيدونــك من يـديـك ورجليـك، ويغتصبونك على رؤوس الأشهاد – ويتفرج العالم كله على ذلك بالبـث المباشـر، وستبحثيــن عن سرداب ليؤويــك ويؤوي جراحــك – لكــن .. حتى هُذا لن يمنحــونه أيــاك..)
هنا شب حريق في ذلك المبنى العتيق. وجاءت سيارات الاطفاء الحمراء بخراطيمها الطويلة لتطفئ النيران. وفرح الاطفال مرتين : مرة بالحريق . ومرّة بسيارات اطفائه..------------------------------
الفرارات:لعبة تقليدية من العاب بغداد القديمة و هي اساسا بمثابة طواحين ورقية صغيرة يركض بها الاطفال ليحركها الهواء .
ابيض و بيض : اكلة بغدادية يبيعها غالبا الباعة المتجولون-مكونة من البيض و العمبة و الطماطة


يتبع

Romantic Flower
, Tue, 16 Oct 2007 09:05:45 +0200
أطفئ الحريق وقتها. لكن كل تلك السيارات وخراطيمها وخزاناتها ستكون أعجز عن أن تطفئ نيران المشاعر والذكريات والقلوب..
هنا بائع الشلغم الساخن. وهنا من أفران السيد. هنا الشاي المهيل برائحة الماضي وبذكرياته الحلوة•الكاهي المرّة..
أنها عشر سنوات . عشر سنوات . والآن : النظرة الأخيــرة..
هنا تتوقف السيارة. ويتوقـف الزمــآن.
*************
أمام الباب يوقف السائق السيارة.
أتخيل أن خالتي لم تنزل على الفور. فضلت البقاء قليلاً لاستجماع شجاعتها.. وأتخيل أن البقاء أمام الباب المغلق، هز مشاعرهن أكثر، واستفز دموعها أكثر..
ذلك الباب المغلق – الذي وقفت أمامه السيارة، والذي كان مغلقاً ربما لسنين خلت، إلا من بعض المرّات النادرة التي يدخل فيها الحراس والمستخدمون .. – والذي كان سابقاً – لا يقفل ابداً : بل يظل مفتوحاً على مصراعيه منذ أول تباشير الصباح، حتى أولى ساعات الليل..
كان البيت صدراً متسعا للجميع، وكان الباب المفتوح دلالة " بغــداديــة" على ذلك.. واليوم. تقف السيارة أمام باب متعبة وشاحبة – خشبها منخور باليأس والانتظار، وحديدها علاه الصدأ من طول الأنتظار..
الباب مقفول. كم مرّة دقه شخص جاء بعد غياب. كم مرّة دقه عابر سبيل، او بائع جوّال..
كم مرّة دقته الرياح، في الليالي العاصفة، او قطرات المطر، المنهمرة من المزاريب، في الليالي الممطرة..
ولعشر سنوات. ظل الباب مقفلاً – هو الذي كان لا يقفل ابداً..
واليوم – هــاهـو يفتــح – من أجل نظرة أخيرة..
عندما دار المفتاح في القفل، وانفتحت الباب لأول مرّة، صدر صوت ما، صوت هائل وكئيب.. أكثر من مجرد صرير باب تحتاج مفاصله إلى تزييت.. كان الصوت يشبه شهقة – شهقة حزينة ومكتومة..
ربما كانت شهقة احتضار – أو شهقــة ولادة – ربما كانت شهقة فرح، مفاجئة ونادرة – وربما كانت شهقة حزن – من صدر اتخذته الأحزان، ولايزال يشهق مع كل حزن جديد..
وربما كانت شهقة يأس، مثل صنبور ماء فرغ ويعلن ذلك بصوت كئيب مهيب..
وربما كان الصوت، مجرد صرير يحتاج إلى تزييت..
دخلت خالتي كمن تسيير في جنازة. نعم. كانت تسير في جنازة. جنازة الماضي الذي جاءت تلقي النظرة الأخيرة عليه.
هنا دكة الحارس. الحجي مسرور. لم يكن مسروراً قط. كما أنه لم يكن حارساً بالمعنى العملي. كان بواباً كسولاً يجلس على الدكة معظم الوقت، لن تنسى خالتي – ولا أحد من أفراد عائلتها – عندما مرَّ رئيس الوزراء المزمن نــوري السعيد أمام دكة( الحجي مسرور)، ووجده يأكل طبقاً شهياً من "البـاميــة" – فوضع "البــاشــا" الاتيكيت جانباً على الدكة، وجلس يأكل البامية مسروراً قرب الحجي مسرور..
.. بعد ذلك بأشهر فقط دار الزمن وسحل الغوغاء الباشا ومزقوه أرباً، ثم دار الزمن مرّة أخرى – كعادته دوماً – ووجد بعض هؤلاء الغوغاء أنفسهم وهم يترحمون على الباشا، وعهده المباد..
هنا في حوش الديوخانة، كانت والدتي – ذات الثمان سنوات، تجمع الخدم والمستخدمين وتصفهم بشكل منتظم وتقودهم في خطوات عسكرية، ربما لتثبت لوالدها، أنها يمكن أن تكون أفضل من الذكر الذي لم ينجبه..
.. وهنا كانوا يأتون – في أيام العيد – بالقردة المدربة وهي تتراقص على ايقاع الطبول، وترتدي زياً افريقياً والعظام في رقابها، وتدور في حلقة يسمونها "ميدان عبيد" – آه، كان الاطفال يضحكون في العيد، من ميدان العبيد هُذا، جاهلين أن الزمن سيدور، وأن الحلقات ستدور، وأنه سيأتي عليهم وعلى أولادهم وقت، يكونون عبيداً في ميدان آخر، سيرقص البعض، وسيقفز البعض، و سيقتل البعض، وسيتفرج الناس علينا – في ميدان العبيد الاخر عبر البث المباشر..
.. وهنا كانت تخزن المؤونة : وكل سنة تضاف لها كمية تكفي لعدة سنين، تضاف لمخزون يكفي اصلاً لعدة سنين، ويعكس ذلك كله المخاوف التقليدي عند سكان بغداد، من مخافة القحط وتكرار الحصار..
وهناك، على ذاك التخت – كان يجلس جدها و والدها، يتحدثان ويتناقشان يستقبلان بعض الزوار المقربين، وقرب الحائط خلفهما، التقطت تلك الصورة الشهيرة التي زعم


الشاعران الشهيران انهما تصالحا فيها، ومن ذاك السطح العالي تقافز ذلك القائد الشهير من قواد ثورة العشرين، هارباً من قوات الاحتلال، ومختبئاً في تلك الغرفة بالذات ..
هناك – في غرفة الشناشيل – كانت جدتي تجلس قلقة لتنتظر عودة زوجها .. المستوزر قسراً في عهد اضطرابات سياسية بالغة، وأمامها في الشرفة اسكافي فقير، يغلق كل يوم دكانه في ساعة محددة، ويقفل راجعاً إلى بيته، وتقف الزوجة القلقة للوزير المعهود – وهي تغبط زوجة الاسكافي المطمئنة على عودة زوجها إلى البيت كل يوم..
.. وهنا – في هُذهَِ البالوعة – كانت والدتها ترمي بكيس الدعابل الذي يهربه له والدها – بعيداً عن عين زوجته الموسوسة من أي شيء صغير ممكن أن يخنق الصغار..
وفي تلك الشرفة كانت والدتي ترسم بالطباشير خطوط منفردةً مع خيالاتها وأوهامها..•ودوائر ومربعات، وتلعب "التوكي"
.. وهنا درًس البئر وردموه – ربما راحت البركة من يومها..
.. وهنا كانت تأتي بائعة اللبن – الحجية نايلة – وتجلس قرب "الخــانـم" لتحكي لها عن مشاكل بناتها مع ازواجهن..
وهنا كانت تأتي الخبازة أم حسن، مرتين في اليوم من أجل أن يكون الخبز الساخن متوافراً وجبتي الافطار والغذاء على الاقل.. تخبز بيدين معروقتين، صابرتين، ساكتتين عن هم، تبوح به أحياناً – وتسكت عنه معظم الاحيان.
كانت تلوذ بصمتها عند التنور. وعندما يجلبون لها طعام الفطور، كانت تكتفي بالشاي، تلف الجبن في حرزٍ حصين – تخفيه لاحفادها الصغار الثلاثة – اولاد ابنها الذي لايسأل عن اولاده وينفق كل ما يكسبه على رهان الخيول – والذين ماتت امهم عند ولادة شقيق رابع – مات هو الآخر..
(كانت قد صمدت مع البيت وأهله إلى أن ماتت اواخر السبعينات. واذكرها كشبح لهيكل عظمي وقد اصابها العمى دون الخرف – كانت تأتي فتبقى في بيت جدي لأسابيع – فتستضاف معززة مكرمة. كواحدة من أهم الضيوف –كما يعامل عندهم دوماً أي شيء من مخلفات الماضي وتوابعه..)
وإلى هنا جاءوا بالبقرة عندما نشبت ثورة الكيلاني، وقيل أن نقصاً حاداً سيصيب امدادات الحليب والالبان، فجاءوا بالبقرة الحلوب لتعوض عن ذلك. واستفاد الجيران أكثر مما أستفاد أهل البيت، فقد تصادفت ثورة الكيلاني مع ولادة أبنتهم البكرالتي تحتاج إلى تغذية متنوعة تشمل الحليب والالبان والاجبان، ويبدو أن وجه الحليب كان حلواً على الطفلة الرضيعة التي ولدت في تلك الظروف الصعبة، فقد كبرت لتتزوج زيجة ممتازة – حسب المقاييس البغــدادية السائدة – من رجل معروف مثل العراق في المحافل الدبلوماسية، وكان – كلما ظهر على شاشة التلفاز، تذكر والدتي تلك البقرة الغابرة وحليبها الحلو، وتلك الظروف التي أتضح أنها ليست صعبة جداً بالمقارنة مع ما سنمر به لاحقاً.
وهنا – في غرفة التخت بوش – كانت خالتي هُذهِ بالذات، تتقلب بكسل وهي تقرأ كتب ارسين لوبين وجرجي زيدان، وترسل بواحد من الخدم إلى تلك المكتبة العتيقة في( الباب الشرقي) ليجلب لها المزيد – كبرت خالتي فيما بعد لتمنعني من كتب جرجي زيدان بالذات. خوفاً عليَّ من (سمومه الاستشراقية الشعوبية) – على حد تعبيرها - ، آه يا خالة. ليتنا بقينا على جرجي زيدان وسمومه. ما كان أسعدنا بذلك. لقد سمموا الجو كله بعدها. سمموا الافكار كلها ،حتى الاوكسجين الذي نستنشقه صار يحتاج إلى تنقية واعادة تأهيل، بل أن سموم جرجي زيدان صارت تبدو مثل نزلة برد بسيطة مقارنة بالسرطان المتسبب عن اليورانيوم المنضب وغير المنضب الذي يزاحمنا في الحيز الذي نحتله..
(ليتنا بقينا على سموم زيدان ؟ أم أن الأمر متصل بعضه بالبعض ؟ وأن ذاك السم أدى بالتتابع إلى هُذا السرطــآن؟..)
جاست خالتي بين الاركان والزوايا. جالت في الماضي القريب الذي صار مجرد ذكريات، وتوغلت في الماضي الأبعد الذي لم تحضره ذاكرتها ولكن حفره في ذهنها ترديد الالسن له عبر الاجيال..
هنا غادر والدها و والده البيت – بـل غادروا بغــداد بأكملهـا – تركوا كل شيء ورحلوا مع انسحاب الجيش العثماني قبل يومين من دخول الانكليز إلى بغداد..
نعم، هنا سقطت بغداد عندما فرغ البيت – قبل أن تسقط بدخول الانكليز .. وهنا اقتحم الغزاة الدار. هنا نهبوه وسلبوه بأسم المصادرة والغنيمة – وهناك، في المزاد غير البعيد عن الدار، باعوه الاغراض والاثاث، واشتراها بعض الاصدقاء والمعارف لما ميزوا فيها متاع البيت الكبير – وادخروها انتظاراً لعودتهم من أجل ردهم إليها..
.. وهنا اعتقلهم الانكليز بعد العودة. ومن هنا اخرجوهم عندما نفوهم بعيداً عن العراق..
هنا التاريخ لم ينتهي حقاً، في كل ركن قصة، وعلى كل حائط بصمة، وقرب كل نافذة حكاية..
هنا الماضي لم يفوت ليموت. بل فات ليدخل في كل التفاصيل، ويعشش في كل الحنايا والخبايا والزوايا..


يتبع







.. وهنا – بالضبط هنا – كان اللقلق الاسطوري يطير من قبة المسجد المجاور ليحط – للحظــات فقـط- في الحوش، وينتقي ما يريد مما هو أمامه من الحاجات والاغراض. ، كما تقول اغنية اطفال المحلة. مرّة حطّ•وليس الصابونة – فقــط- من فوق الرازونة وأخذ الصابونة. ومرّة حط وأخذ زيتونة. ومرّة تورط ببكرة خيط – واحتار بها ونشرها في كل مكان على السطح العالي..
ومرّة أخذ بيضة مسلوقة كانت معدة لخالتي ، ويبدو أن طعمها راق له فصار يأتي كل صباح ليتصيدها ويأخذها بمنقاره الطويل – وراق الامر للجميع، فصاروا يتركونها له عامدين، ويقفون مختبئين متلصصين – ليراقبوا جارهم اللقلق وهو يلتقط افطاره اليومي.. آه، يا لقلق جامع السيد إبراهيم، تراك مرّة – دون أن يراك أحد – دون أن يراقبك أحد، حططت والتقطت الفرح بمنقارك الطويل وأخذته معك دون أن ترده ابداً..
أم تراك أخذت الماضي كله معك، طويته بمنقارك وتحت جناحيك، وطويت صفحته
–على القبة هناك – إلى الأبد ؟؟..
آه يا لقلق جامع السيد إبراهيم، تراك أين أنت الآن – وأين حل الدهر بك – أو بأولادك- هل وجدت لك قبة جامع تؤويك –أم أنهم ضايقوك كما ضايقوا كل رواد المساجد، فاعتكفت مع الذين اعتكفوا – او هاجرت مع الذين هجروا -.
أو تـراك انقـرضت .. مــع الذيـن انقرضــوا..
آه يا لقلق جامع السيد إبراهيم – كم تبدو اليوم كأسطورة من أساطير الاولين – كم تبدو بعيداً مثل سراب مغبش في خيال يائس لرحالة تائه، كم تبدو نائياً في المعاجم والقواميس، وأنت الذي كنت تسكن قبة الجامع المجاور – واغاني الاطفال واهازيجهم ..( وتسرق الصابونة من فوق الرازونة..)
آه يا لقلق، لقد قضي كل شيء كما ترى، وكم مرّة حططت في الباحة – وبحثت عن بيضتك - بل عن أي شيء لتلتقطه بمنقارك – ولم تجد شيئاً.. لعلك تساءلت في سرك : مالذي دهاهم؟. لعلك افتقدتنا يا لقلق بعد كل شيء..
لكن لا جواب. لا شيء غير الصدى يتردد في الاركان. ويتضخم في الزوايا.
لا شيء سوى خيوط العنكبوت تطغي على كل شيء. وتغطي كل شيء.
على تلك الحافة بين الواقع والأسطورة. بين الماضي والحاضر. بين الخيال والحقيقة، وقفت خالتي ولا صوت هناك غير صوت دموع صامتة تنهمر من عيونها. وصوت الحمام الحزين يهدل من بعيد, وصوت الكاميرا وهي تلتقط الصور – التي ستستقر في ذلك الالبوم- والذي اتصفحه أنا، فأرى كيف أن أكبر بيت في بغداد – قـد آل إلى السقــوط والانهيار –
.. اتصفحه صورة تلو صورة، وصفحة تلو صفحة، وأنا اتصفح في الحقيقة مدينة كانت أيضاً أكبر مدينة في الدنيا..
وهـي الآن – آيلـــة .. للسقـــوط ..
***************
للمرة الاولى في حياتي اجد نفسي بمواجهة هذا السؤال و قد تحول ليصير سؤالا مصيريا: لماذا سقط البيت؟
لماذا تهدم اكبربيت في بغداد؟ لماذا صار قاعا صفصفا عند منعطف القرن بين عواصف التغيير و رياح الحروب؟
هل كان الخطأ في الاساس؟ في مواد البناء؟ في طبيعة الارض؟ في اسلوب البناء؟ في الخريطة؟ في الطراز..؟
هل اصدق ذلك الجواب الجاهز: لأن جدي كان بلا عقب من اولاد ذكور..؟
ام ان الامر اكبر من ذلك.؟
و كان الذكور سيضيعون كما ضيع الاناث؟
للمرة الاولى اجد السؤال و قد خرج من اطاره الشخصي – الخاص- الى اطار عام،
للمرة الاولى اجد السؤال و قد خرج عن كونه محاسبة عائلية- ليصير استجوابا تاريخيا..يتغلغل في تاريخ بغداد- بدلا من تأريخ العائلة..
بغداد التي توشك على السقوط-و البيت الذي سقط فعلا و العلاقة بينهما اكثر من مجرد احتواء- اكثر من محض جيرة..
في مكان ما،بين حيثيات القضية و ملفات الذاكرة، هناك الاجوبة،هناك ذلك الرد عن سؤال السقوط..
بغداد و البيت ، مصير واحد.. و جواب واحد عن نفس السؤال..
في مكان ما- سأجد الجواب..



يتبع



المحور الثاني

المشهد الاول

العد التنازلي للسقوط


كان ذلك في صبيحة الخميس. عندما صحوت لأشاهد في التلفاز ما لا استطيع أن اقول انه اعجبني..
كنت قد نمت ليلتها مبكراً على ما يبدو، وفاتني أن اتابع آخر الأنباء – او أني هربت منها – بوعــي أو بدون وعــي – إلى النوم المبكر، كما كنت أفعل في امتحاناتي ايام دراستي الغابرة، حيث كان النوم يأخذني من الخوف من الامتحان، او عدم انهاء المادة المقررة..
كنت اعرف أن الاخبار سيئة. وأن ذلك الضفدع المتقافز أخذ يقترب أكثر وأكثر دون أن يضطر لدخول الهدف في طريقه، كان يلتف حولها فيحيدها، وإذا اضطر لدخول أطرافها واجهته مقاومة صدته ودفعته لتغيير طريقه قليلاً دون تغيير خطته..
.. وقبل أن أنام، كنت أعرف أنه في مكان ما – في أطراف النجف – وعندما صحوت، صحوت على كابوس لم افق منه، فقد فتحت التلفاز لأجد نفسي في وسط تقرير مصور – كان من الواضح أنه بدء قبل دقائق – وكان من المؤكد أن الساعات التي قضيتها في النوم هارباً – قد شهدت من "الأخبار العاجلة" ما لم أكن أود سماعه- ولكن ما لا يمكنني الهروب منه إلى الأبد..
طوال ذلك الطريق الممتد الذي قطعه الضفدع المتفاخر، كانت هناك نقاط مقاومة، تضئ وتخفت، بشكل متناوب، بعضها ظل يقاوم حتى بعد ما اجتاح الغزاة بعدها مئات الكيلومترات، مثل ام قصر – التي هي مجرد نقطة على الحدود – ظلت تقاوم لأسبوعين حتى الرمق الأخير.. وحتى اللقمة الأخيرة .. وحتى الطلقة الأخيرة. وطوال كل تلك المدة، وطول كل ذلك الطريق، لم ينقل لنا التلفاز عملية سقوط ولا مدينة واحدة – حتى تلك اللحظة – نعم، في الناصرية كانت هناك بعض الصور، لكنها كانت صور مدينة تقاوم أكثر مما كانت صور مدينة تسقط.. والفرق كبير..
(فيما بعد سيذكر الأعلام – ولن ينكر أحد- ، أن الغزاة اضطروا لاستئجار عوائل من الفقراء المغاربة الذين يعملون في أحدى الدول المجاروة، فقط ليلوحوا بأيديهم على الطريق للقوات الغازية.. لاعطاء الانطباع الاعلامي بأن كل شيء على ما يرام..)
.. وكان ذلك هو الحال حتى دخلت إلى النوم .. – مدن تقاوم، ومدن تحيد، ومدن تحتل.. ولكن ليس السقوط.. وعندما صحوت، وفتحت التلفاز، وجدت نفسي في كابوس لا مهرب منه..
.. كان هناك الغزاة في شوارع مدينة ما – للوهلة الأولى لم أعرفها – لأن التقرير كان قد بدء قبلها بدقائق..
وللوهلة الأولى لن يهمك الأسم. أنها مدينة في بلدك وكفى.. والغزاة بأسلحتهم يمشون – بحذر نعم- ولكن بسلام..
.. سترى الدبابات مدججة بعدائها ومدافعها، دون أن تضطر لاستخدامها.. ستربض هناك في الشوارع.. وستراها عبر الشاشة – فيؤذي المنظر عينك، حتى قبل أن تستوعبه تماماً..
وسترى على الشاشة وجوهاً ربما لن تعرفها بالأسم. لكن ملامحها مألوفة جداً، أنها ملامح ابناء بلدك – تراها فتميزها وتعرف انك لن تضيعها بين الوف..
ربما تلك الملامح ليست جميلة جداً – حسب المقاييس السائدة .. ليست فاتحة البشرة، والعيون ليست ملونة، والشعر ليس اشقراً – رغم ذلك، فأنها ملامح الفتها طيلة حياتك. بعضهم يشبه جارك، وبعضهم يشبه ابن البقال الذي طالما نقل مشترياتك إلى سيارتك، وبعضهم قد يشبهك – لو أنك مثله قضيت تحت الشمس، حياتك..
سوف تنزلق تلك الوجوه على عينيك من الشاشة، وسوف ترى على ملامحها الذهول، سوف تبدو كما لو كانت وجوه لموتى، شاحبة وفارغة ومفرغة من المعاني..
سوف تبدو لك تلك الوجوه، التي هي وجوه ابناء بلدك، كما لو أنها صحت للتو من كابوس، أو دخلت للتو في كابوس، او صحت من الموت عقب نفخة هائلة، او دخلت في الموت عقب نفخة هائلة أخرى..
أركز قليلاً في الشاشة، وانصت لما تقول تلك الوجوه. بعض الوجوه تتجادل مع وجوه أخرى.. هناك بعض الغضب والشدّة في الجدال..
وجوه اخرى تتحدث مع الغزاة. انصت ايضاً، واركز في الكلام وفي الملامح. لكن هذه المرة لا غضب ولا شدّة .. لا أرغب في القول هناك مذلة..
تتجول الكاميرا في الشارع. اتحفز لأعرف بالضبط اين يدور الذي يدور، وافرك عيني وأنا أتمنى أن يكون كل ما يدور مجرد كابوس.

يتبع



من بعيد، تبدو تلك القباب والمآذن المألوفة ..
وينزل عليَّ الفهم كالصاعقة..
وأرى الناس، ملتفين مصطفين، ايديهم متشابكة.. يحمون تلك القباب.. ، وعلى آل محمد .. وتمنيت لو أني لم أنهض منويهتفون بصوت واحد – بالصلاة على محمد نومي. ولم أفتح التلفاز. ولم أرَ . ولم أفهم..
أنها النجــف..
لقد سقطت النجــف !!
******************
عندما يلتفت حوالي نصف السكان في بغــداد من حولك،ان لم يكن اكثر - وبعضهم اصدقاء عمرك وزملاءك وجيرانك، صوب النجف، لتفتي لهم في ادق شؤون حياتهم، من مواقيت صلاتهم إلى كيفية ادائها، ومن مواقيت صيامهم – إلى مواقيت افطارهم – مروراً باليوم الذي يبدء فيه رمضانهم – والذي يبدء فيه عيدهم..
في كل دقيقة، كل صغيرة – وكل كبيرة – كل شاردة وواردة – كانت هناك تلك الالتفاتة صوب النجف – وكانت هناك ايضاً، تجاه كل التفاتة، ايماءة من هناك، جواب من هناك..
لم يكن الجواب رجع الصدى – فيما يتعلق بالنجف.. كانت هناك دوماً أجوبة تجاه تساؤلات حوالي نصف سكان مدينتك..ان لم يكن اكثر
.. ولن يدعي أحد آن الكل كانوا ملتزمين بتلك الاجوبة وتلك الاشارات فالكثيرون كانوا متفلتين – لكن تلك كانت مسألة أخرى، المهم أنهم إذا التفتوا، فسيكون ذلك صوب النجف..
وإذا سألوا فسيسألون النجف..
كل حياتهم، او حياة معظمهم – كانت تسير في درب النجف.. (نظرياً على الأقل) وعندما يموتون، فأنهم كانوا يسيرون (عملياً) على طريق النجف، حيث تذهب الجنازة إلى هناك.. ويدفن الميت هناك..
لذلك فسقوط النجف، لم يكن أبداً مجرد سقوط مدينة أخرى – في درب الغزاة إلى بغداد..
ليست النجف كالناصرية، ولا كالبصرة.. ولا كأي مدينة أخرى.. كانت النجف عمقاً من أعماق بغداد. وضاحيةً من ضواحي بغداد .. وسوراً عالياً من أسوار بغداد..
وفي حقيقة الأمر أن معركة بغداد – التي قيل أنها ستدور هنا أو هناك في دائرة حول بغداد يبلغ نصف قطرها حوالي 50 كيلو متراً – حصلت في حقيقة الأمر في النجف.. وحسمت – تقريبــاً – في النجف..
أقول ذلك ولكني استدرك : على الأقل ، بالنسبة لنصف سكان بغداد.. سقطت النجف أذن..
*************************
على ذلك الكابوس صحوت ذلك اليوم..
وعلى الشاشة كان ذلك الكابوس مجسداً أمامي بتلك الملامح الذاهلة لتلك الوجوه المألوفة لأبناء بلدك الذين ستفضل الموت على أن تراهم على تلك الشاشة بذلك السقوط..
.. وعلى الشاشة تتجول الكاميرا باحتراف، لتلتقط تفاصيل وزوايا السقوط، وتجسدها وتجسمها وتضخمها – وتنقلها لكي تتمم عملية السقوط.. لكي يعم السقوط ..ويسهل السقوط..
أظنها كانت كاميرا شبكة فوكس – فقد كانت قد اشترت الحقوق الحصرية لمصاحبة قوات الغزو – ويبدو لي أن الشبكة التي كانت قد اسهمت وبشكل كبير – في التمهيد للحرب والترويج لها والتسويق لاسبابها الموهومة – كانت تنتظر تلك اللحظة، لحظة السقوط، لتصورها على أحر من الجمر..
كان رأس المال الذي استثمرته في الحرب، ينتظر لقطات كهُذهِ.. لقطات سقوط. ولقطات استسلام. ولقطات هزيمة..
حسناً. لم يكن هناك ورد‘’ في صحراء النجف ليستقبل به السكان الغزاة.. كما توقع البعض..
وللأنصاف، لم تستطيع كاميرا فوكس التقاط الترحيب في ملامح اولئك البسطاء المذهولين في شوارع النجف..
ولكنها ركزّت ايضاً – وبمهارة حرفية – انه لم يكن هناك عداء في تلك الملامح. لم يكن هناك مقاومة في تلك الملامح.
لم يكن هناك تلويح بالأيدي.
ولكن لم يكن هناك تهديد بالايدي.. ولا تنديد بالأيدي..
كان هناك الذهول. كانت هناك السلبية. كانت هناك – على الوجوه – حيرة من نوع خاص – حيرة لن تؤدي إلى تفكير، بل لن تؤدي إلى أي مكان..
فقــط ذهــول .. فقــط سلبيـــة..
كانت وجوههم بالضبط كوجوه اسرى ظلوا معتقلين منذ عقود في زنزانة مظلمة، لا نور ولا شمس ولا هواء مباشر، ثم فجأة، وبعد أن يأسوا تماماً، جاءهم سجانون آخرون، واخرجوهم من زنزاناتهم تلك – ليضعوهم في زنزانات اخرى..



يتبع






الشمس بين الزنزانتين كانت مثيرة للذهول.
الهواء بين الزنزانتين ، كان يبدو غريباً على رئة كل منهم.
.. في الطريق إلى معتقلهم الجديد، كانوا يسيرون كما لو كانوا منومين مغناطيسياً.. مستلبين تماماً، لا أرادة في الرفض أو حتى في القبول..
.. في شوارع النجف، والغزاة يدوسونها باقدامهم، كان هناك ابناء بلدي وهم مذهولون مصدمومون.. ومستلبون..
كان الثعلب هناك – بكاميرا فوكس ! – وقد رضي بما حصل عليه.. (.. ولم يكن قليلاً..)
.. وبالمونتاج، والمكساج ، وبالاخراج.. استطاع ثعلب فوكس، أن يروج لمشهد سقوط النجف كنموذج محبب للسقوط المتتالي للمدن التي يريد الغزاة اقتحامها..
نعم..، كانت أهم لقطة في سقوط النجف، هي اللقطة التي لم تصور.. اللقطة التالية : سقوط بغداد..
******************
.. وفي ثنايا المشهد، كان هناك تفصيلاً دموياً – رغم أنه بلا دماء.. تفصيلاً هزني بأكثر مما هزني مشهد جثث الاطفال المكومة في الحلة في اليوم السابق، وبأكثر مما هزني مشهد الأب المحامي في الموصل الذي يبكي – بـلا دمـوع – ابنه المهندس الشاب الذي لم يتجاوز الخامسة والعشرين وتجاوز العشر براءات اختراع.. والذي مات تحت القصف – وهو في سريره..
هزّني مشهد آخر.. واثار القشعريرة في جسدي.. احسست وأنا اراقبه أن كل اعصابي واقفة – تراوح في فضاء مطلق بلا أرض تحتها..
كان هناك، على الشاشة، واحد من أبناء بلدي، وجهه مألوف وملامحه مألوفة، ويرتدي كما يرتدي الالوف من أبناء بلدي..
كان يحاول التحاور مع جندي من جنود الغزو..، يستجمع كل ما يتذكره من كلمات بالانكليزية من هنا او هناك – ويحاول أن يوصل ما يريد لذلك الجندي، او لرأسه المصفح بتلك الخوذة المعدنية..
قال، بانكليزية ركيكة، لكن واضحة ومفهومة..
The City, Yes ….. Imam Ali , No ….
المدينة ، نعـــم .. لكن الأمــام علـي .. لا ..
***********************
.. وكانت الجموع الحاشدة، والتي تحيط المرقد من كل الجهات، بايدي متشابكة، ووجوه بلا ملامح، تقول، دون أن تقول، دون أن تكون هناك حاجة لأن تقول اصلاً.. نفس ما قاله ذلك الرجل البسيط..
The City, Yes…. Imam Ali, No ….

في لحظة ما، بدا أن كل ما يهم الناس هناك، وكل ما يمكن أن يتجمعون من أجله – وكل ما يمكن أن تتشابك أيديهم حوله، هو ذلك المرقد الذي يلتفون حوله..

The City, Yes…. Imam Ali, No ….
******************
كان ذلك مرعباً جداً..
فعند ما تختزل ملحمة رجل، وحكاية رجل، وقضية رجل، وعقيدة رجل، نضال رجل، بل وقداسة رجل – عندما يتعرض كل هذا – إلى عملية اختزال، وبتر، وتشويه – فأنني لا استطيع تخيل وسيلة أكثر نجاحاً من The City Yes, Imam Ali No … ..
.. وكان ذلك ظلماً واجحافاً كبيرين .. بحق المدينة .. وبحق تاريخها .. وبحق اهلها.. وبحق اهلها.. وبحق اولئك المدفونين في صحرائها..
وقبل كل شيء ، بحق الامام ..
**********************
المدينة نعــم ؟..
لكن الامام لا ؟
.. عن أي مدينة يتحدثون ؟؟..
عن الكوفة – التي تماهت مع الامام .. في قصة كفاحه المريرة والمشبعة بالمعاني.. والتي اختلطت حدودها الجغرافية مع الحدود اللامتناهية لشخصيته..، وانفتحت زواياها وازقتها على آفاقه المتسقة،.. The City Yes, Imam Ali No … .. وارتبطت سماءها بمدياته الأبعد..
لكن، كيف تفصل حقاُ بينهما..، بين المدينة والامام، والامام موجود في كل مكان في المدينة..
هنا وقف ذات مرّة وقال ما قال. وهنا خطب في ذلك المسجد تلك الخطبة التي ظلَّ صداها يطوف الاحياء والبيوت والازقة .. وظلت معانيها تتناسل وتتناقل عبر الولايات والاقاليم والامصار والقارات..، وظلت الحكمة ترتشف منها لتسود صفحات الكتب والمجلدات..



يتبع



هنا، حيث تقف تلك الدبابة، قال يوماً، وهو يسير تلك الجملة البليغة، التي سارت مسار الامثال المأثورة ونسبت لعشرات الشخصيات من غيره..
وهنا، حيث يقف هُذا الجندي، بحذائه الضخم المستفز، مرّ الامام على ذلك الخيط الرفيع الفاصل بين الافراط والتفريط..
هنا رفض المساومة. وهنا قاوم الاغراء..، وهنا صمد امام الرضوخ.. هنا علم اولاده كيف يرفضون. علمهم كيف يلفظون : لا..
(واحد منهم، سيقول فيما بعد، اعظم لا في التاريخ..)
هنا قالت المدينة كلها (لا) معه (فكيف يقال اليوم : The City Yes )..
.. وهنا، ذات فجر حزين، صاح ديك صيحة مميزة، واستل خنجر سممه الحقد..، وعند صلاة الفجر – دفع حياته ثمناً لقضية حياته..
في كل مكان من المدينة، يوجد شيء من الامام، والفصل بينهما غير ممكن أن لم يكن مستحيلاً..
)The City, Yes…. Imam Ali, No )

معادلة صعبة : بالنظر لخصوصية المدينة .. ومكانة الامام..
*****************
بالنسبة لسكان المدينة، الذين يمثلون شريحة مهمة من سكان بلدي، وايضاً من ابناء مدينتي، كان هناك حيز ضيق جداً لتطبيق المعادلة..
حسموه مع انفسهم – عندما حلت الحقيقة، واستيقظوا صباحاً على منظر الدبابات تجوب شوارع المدينة، والاحذية الضخمة تدنس ترابها الكريم..
حسموا المسألة، و وجدوا حيزاً ضيقاً لتطبيق المعادلة
(The City, Yes…. Imam Ali, No )
كيف – وهو في كل مكان – والمدينة تماهت – بكل تفاصيلها – معه بكل تفاصيله..
لم يكونوا يقصدون الإمام – الإمــام – فذلك لم يكن فصله عن المدينة … لكنهم قصدوا شيئاً اخراً – بضعة مئات من الامتار، خططوها و وضعوا حولها سوراً عالياً .. وقالوا .. هنا …NO!
عدا ذلك، المدينة كلها، بتاريخها وماضيها – بمآسيها وعبرها، بالخيط الرفيع بين الافراط والتفريط، بالحد الفاصل بين الغلو والغلو المضاد، بالرفض للرضوخ، بالرفض للمساوة، بمقاومة المداهنة.. كل ذلكYES !!..
وكــان ذلك مرعبــاً..
أن تختزل ملحمة حياة رجل، ورجل ليس أي رجل – بل رجل مثل الإمام – أن تختزل – بشموخها وشمولها – وتتقلص .. لتصير بضعة مئات من الامتار، - حتى لو كانت مقامة عليها قباب مذهبة ومآذن شامخة – فأن ذلك يظل مرعباً .. مثل أن تستيقظ ذات يوم على القارة الشاسعة التي تسكنها لتجدها قد صارت مثل جزيرة لا تتجاوز مساحتها بضعة امتار، ضائعة في خضم محيط هائج..
شيء كهُذا : The City Yes, Imam Ali No…
*********************
في كواليس المشهد، كان هناك حواراً صامتاً، دار بين أبن بلدي العامي البسيط الذي بالكاد يستجمع كلماته بلغة ركيكة، وبين ذلك الجندي الغازي المصفح بخوذته الباردة وافكاره المسبقة الجاهزة..
حرصت كاميرا فوكس أن تحذف الحوار من لقطات السقوط .. ولا تبرز غير كلمات أبن بلدي الذي يريد تحقيق معادلة صعبة..
لكن في الكواليس، كان هناك أكثر من مستوى للرد – أكثر من سيناريو للجواب..
فجندي المارينز الامريكي الذي توجه له الحوار اولاً ، والذي – على الأكثر، لا يمثل أكثر من الفرد الامريكي العادي الذي لا يعرف حتى أين تقع ولايته من خارطة الولايات المتحدة الامريكية..
هذا الجندي، الذي لا يعرف شيئاً عن المكان الذي جاءَ ليغزوه، ستغريه الصفقة : المدينة مقابل الإمام علي، وسيوافق على الفور "اتفقنــا !" – deal!على الطريقة الامريكية..
لكنه سيستدرك " هل أنت متأكد أنه ليس على قائمة المطلوبين .. او شيء من هُذا القبيل..".
على المستوى الاعلى منه، سيهز الكولونيل رأسه موافقاً، ويقول "نستطيع أن نحاصر المكان ونحيده، ونقول أننا سيطرنا عليه كما فعلنا في كل المدن السابقة".
سيحك المتحدث الاعلامي رأسه ويقول " سيكون مناسباً جداً لنا أن نقول أننا احترمنا مشاعر السكان المحليين – رغم أن افراداً من قوات النظام اختبأت في المرقد واخذت تطلق النار علينا منه..".
سيضيف خبير البحث عن اسلحة الدمار الشامل ".. ونستطيع أن نتحدث ايضاً عن التخوف من احتمالية اخفاء النظام لاسلحته البيولوجية والكيمياوية داخل الاماكن المقدسة، وتحذير النظام من مغبة افعال كهُذهِ.." ستبحث خبيرة النفط في خرائطها بدقة، وتزم شفتيها الدميمتين لتعلن : لا شيء عندي مهم هنا حتى آخر التقارير. إذا استجد شيء وتعارض ذلك



يتبع

Romantic Flower
, Tue, 16 Oct 2007 09:07:48 +0200
مع مصالحنا، فيمكن نقل المرقد من موضعه لبضعة كيلومترات، لن يكون في ذلك أي أشكال على ما اتصور . سينقر مكتب المباحث الفيدرالية على حاسوبه الشخصي، ويتأمل في نتيجة البحث طويلاً، ثم يقول " ضعوه الآن –في مكانه- تحت الاقامة الجبرية. بعدها اريد آن اجري تحقيقاً مطولاً معه، اريد أن أعرف عن حقيقة دعمه لبعض التنظيمات الارهابية مثل حزب الله.. كما أني أريد أن أعرف عن مكان تواجده ليلة الحادي عشر من سبتمبر، هناك تقارير موثوقة وبالغة الاهمية تؤكد أنه التقى بمنفذي العملية ليلة قيامهم بها".
سينهره وكيل السـي آي أيـه : أجِّل هذا الموضوع الآن. واياك أن تعلن عن اقامة جبرية او تحقيقات معه، سيؤلب هُذا جماعته واتباعه.. من الافضل حالياً مهادنتهم وتذكيرهم بالاضطهاد الذي تعرضوا له من ابناء جلدتهم – من أجل أن يهبوا للأنتقام منهم (.. وسنوحي لهم أن يتفرغوا لنا بعدها)، بينما نتفرغ نحن لمن ينتصر منهم..
سيفرك مدير الشركات الاستثمارية عابرة القارات يديه جذلاً، امامه العقود جاهزة للتوقيع، سيعلن: سمعت أن الملايين من كل انحاء العالم يرغبون في زيارة هُذا المكان. هذه عقود لبناء مطار دولي حديث وفنادق خمس نجوم وشبكة طرق حديثة، سوف تسجل التكاليف على فاتورة اعادة الاعمار وقائمة الديون المتراكمة، أما الارباح فستصب في جيوبنا.."
سوف يصرخ هنتنغتون ومعه طاقمه من محرري مجلة الشؤون الخارجية ومعهم شهاداتهم الجامعية من هارفرد ويال عن مجتمعات لم يزوروها قط، سيصرخون " أنه صدام الحضارات. لا يمكنكم أن تغيروا ذلك. هُذا الشخص قنبلة موقوتة. نعم معرض للانفجار في أي وقت. لن ينفعكم أن تحولوا مرقده إلى منتجع سياحي.. أنها مسألة حتمية : صدام الحضارات هُذا..".
في ركن غير بعيد، سوف ترتجف بحقد، لهبة شموع سوداء، في ذلك الشمعدان السباعي اليهودي الشهير، وسوف يخرج صوت يهمس كفحيح الافاعي .. يالثارات خيبر. لن أنسى قط ما فعله يوم كسر باب الحصن. اقتلوه مرّة اخرى، اعدموه مرّة اخرى.. لكن اياكم أن تمسوا مرقده بسوء، اقتلوه في اذهان اتباعه، اقتلوا المعاني المرتبطة به، اقتلوا القيم التي حافظ عليها، اقتلوا صموده – اقتلوا عدم رضوخه ورفضه للمساومة .. آن اوان الانتقام لخيبر، لكن اياكم أن تمسوا مرقده.."
حدث ذلك كله، كحوار صامت، في خلفية المشهد الذي فاجأني ذلك الصباح الحزين، يوم سقطت النجف..
لكن مخرج الاخبار في قناة فوكس، صرخ. مونتاج !، وحذف الحوار كله باستثناء تلك الجملة الوحيدة التي تناقلتها وكالات الأنباء جميعها فيما بعد..

The City, Yes…. Imam Ali, No ….
*****************
تلك المعادلة الصعبة، لم يكن الدرب إليها سهلاً على أحد ..، وعبر عقود طويلة، اجبر الناس على المرور في درب واحد.. شديد الوعورة، شديد الصعوبة، معبد بالاشواك، سيق الناس عليه واجبروا على الزحف فيه.
طيلة عقود – مرَّ الناس بكابوس لا حدود له، وعانوا ظلماً لم يتصوروا ان ستكون له نهاية، واجتازوا سنيناً لا يمكن تصور اجتيازها، ونجوا من حروب ابادة لم تبق ولم تذر، وحملات اعتقالات لم يكن يعود منها أحد، قبور ضيقة سميت خطأ بالزنازين، ينال ساكنوها عذاباً قد يصمد إذا قورن بعذاب القبر..، وبين الحين والآخر، كان الزبانية يحرصون على ابقاء واحداً من المساجين على قيد الحياة، ثم يحرصون على اطلاق سراحه، ليس لأجل الرحمة والشفقة والعدالة والمفاهيم الاخرى المحذوفة من معاجمهم، ولكن فقط لكي يروي هُذا الذي (نجــا) ما يدور خلف تلك الاسوار العالية المكهربة بالخوف والرعب..
نعم.. لم يكن يخرج احد من هناك – إلا نادراً .. وإذا خرج فقد كان ذلك لسبب واضح ومحدد : أن يحكي عن الرعب المهول الذي مرّ به – أن ينشر الرهبة والخوف..
كانوا يخرجون عن نموذج بين الحين والآخر : من اجل أن يرى الناس الموعظة والعبرة في بقايا الانسان الذي افقدوه – في الداخــل- كل آدميته وعبر عقود طويلة، مر الناس بكابوس جثم على صدورهم وآمالهم وكل تفاصيل حياتهم – افقدهم آدميتهم، وحرَّم عليهم عقائدهم، وابادهم احياناً – فقــط- لأنهم اظهروا شعائرهم..
عبر عقود طويلة – مرّ الناس بواقع مرّ شديد المرارة – اجبرهم في الحقيقة على أن يقبلوا بواقع آخر، مر آخر، عسى أن يكون أقل مرارة.. وذاك الرجل العامي البسيط، الذي قال ما قال، .. The City Yes ، لو سألناه – وذكرناه اثناء سؤالنا بالامام – لكان حكى لنا عن قصة ظلم طويلة، وعذاب مريرة، لربما اخرج من جيب محفظته صور اخوته الذين اعدموا او ماتوا تحت التعذيب او فقدوا تماماً دون أي تعليق..
سيذكر لك عين والدته التي اعماها الصبر، وقلبها الذي قدده الدهر.. وسيمسح من عينه دمعة لم تنزل – عندما سيقول لك : مالذي يجبرنا على المر .. غير ما هو امر منه ؟؟..
ستنظر إلى الشاشة وترى الجموع – وهي ملتفة حول مرقد الإمام، تحاول أن تختار المر على الأمر..
او أنها على الأقل، تحاول أن تجد اساساً نظرياً، لما وجدت نفسها مجبرة عليه.



يتبع



ستنظر ملياً في الشاشة. لست في موضع لوم لأحد – لكنك فقط لست متأكداً ايهما المر وأيهما الأمر في لعبة الاختيارات الصعبة..
.. هل الظلم والطغيان والاستبداد هو الخيار الاشد مرارة، ام تراه الاحتلال والغزو ومسخ الهوية واستحلال كل القيم الحضارية تحت أسم صدام الحضارات..
بين الخيارين، اتأمل في الشاشة، لست متأكداً أيهما الاشد مرارة.. لكن الناس هناك يبدو متأكدين، - رغم أنهم لم يجربوا بعد الخيار الآخر.. لكن ما مرّوا به يجعلهم يتصورون أن لا شيء أشد هولاً وأكثر مرارة مما كان..
.. اتأمل في الشاشة، اقلب في الوجوه – كل وجه يحكي قصة، كل قصة تكشف ارشيفاً من العذاب والكبت والقهر..
فجأة يضئ فكري كمصباح كهربائي اوصل بتيار الحقيقة.. واجد الربط الهائل بين الخيارين..
لقد أعدوا المشهد بأتقان منذ عقود . لقد كتبوا السيناريو ببراعة وحضروا كل لوازم التصوير..
من أجل أن نقرر أن احتلالهم هو الخيار الأسهل – الاقل مرارة - ، جعلونا نمر بذلك الدرب الطويل من الكبت والقهر والاستعباد..
كان ذلك عن طريقهم، بعلمهم، بل واحياناً بمباركتهم، وبعض أقسى حملات الابادة والمجازر كانت بمعرفتهم وبأشرافهم. لقد جعلونا نمر بذلك كله – من أجل هُذهِ اللقطة بالذات The City Yes : .. المدينة نعــم..
لكن الرجل الذي امتزج بالمدينة، وصار جزء‘’ منها كما هي جزء‘’ منه – كان لن يقول " المدينة نعــم" – مهما كانت الظروف..
حياته كلها، حكايته كلها، ملحمته كلها.. تؤكد أنه كان سيقول ، " المدينة ايضاً لا"..
.. لا – بسيطة وحاسمة وقاطعة – غير قابلة للاستئناف او التأجيل او التبطين او التأويل..
لا – لا تحتاج إلى فتوى او اجتهاد – كما لا يحتاج التنفس إلى بحث عن أدلة شرعية ومرجعية وغير مرجعية ..
لا – صريحة واضحة وعالية، كما كان دوماً صريحاً واضحاً وعالياً..
لا ، ما كان الإمام ليقول " المدينة نعم.."…
ونعم، كان الإمام سيقول بالتأكيد بكل تأكيد : لا …
****************
قبل أكثر من عشر سنوات، من هُذا المشهد، كان هناك مشهد‘’ آخر – بالقرب من نفس المرقد ، ومرّ به نفس الناس – او اقاربهم او جيرانهم او اصدقاءهم..
كان مشهداً مريراً – مفجعــاً- مشهداً امتلأ بالكرب والبلاء – مشهداً كربلائياً .. لكن في النجف ..
كان ذلك هو المشهد الحقيقي الموجود في كواليس المشهد الحالي – كان مشهداً مروعاً دمرّت فيه القنابل واجهة المرقد، ودنست فيه الاحذية القبيحة باحة الحرم الداخلي، وانتهكت حرمات، وسالت دماء، وارتفعت بين المآذن تلك المروحيات الشريرة، واطلت منها مكبرات صوت، نقلت للناس، وكبرت لهم، انذارات وتهديدات ودعوات بالويل والبثور..
ذلك المشهد الكربلائي في النجف – والذي تكرر في كربلاء – كما في الديوانية كما في الناصرية وفي عشرات المناطق الاخرى، ذلك المشهد الدامي، كان في ذاكرة كل من كان في تلك التظاهرة، على الشاشة في ذلك اليوم..
ربما لم يكن في أرشيف شبكة فوكس نيوز صوراً لذلك المشهد – لكن ذلك لم يكن ليضعف ذاكرة الجماهير – كان في الارشيف الشخصي – المخبئ في وعي ولا وعي كل واحد من هؤلاء، صوراً دامية عن تاريخ دامي من الاضطهاد والقهر والكبت..
وفي كل الأحوال، فقد كان ذلك المشهد – الذي لم تحتفظ شبكة فوكس بصور عنه في ارشيفها، موجود – كسيناريو وكخطة وكمؤامرة – وفي ملف ما درج ما في من ارشيف المخابرات المركزية الامريكية التي اشرفت على كل تفصيل صغير في المشهد – كجزء اساسي – لابد منه – من أجل الوصول إلى المشهد النهائي – المتمــم –
المشهد الذي يقتحم فيه الغزاة المدينة، وهناك من يقول – لسبب او لآخر .. نعم..
*****************
بطريقة استثنائية جداً – كما كل الامور القدرية – يرتبط بيت جدي في ذهني و وعيي بذلك الاضطهاد الاستثنائي الذي مرَّ به سكان النجف وكربلاء، وبذلك الكرب والبلاء الذي مرَّ به كل من كان يتوجه بانظاره إليهما..
أكثر من ذلك، ارتبط البيت نفسه – وعبر نفس المحور .. بمصيري بشكل مباشر. اعني بمصيري المهني – بمستقبلي الدراسي بدون – أي استخدام لأي مجاز لغوي.. كيف ذلك ؟ ..
كيف يرتبط بيت - كان قد انهار وانتهى – في الوسط السني لبغداد، بعذابات الشيعة في الجنوب، وبمصيري الدراسي والمهني..
للوهلة الاولى الارتباط صعب. لكن في واقع تختلط فيه الاوراق – وتلتبس فيه الرموز، وتتبادل فيه المواقع.. لا شئ صعب حقاً.. ولا شيء مستحيل تماماً..





يتبع




*******************
عندما ولدت، كان البيت قد انهار تماماً.
في الحقيقة، كان عمري أربعة أشهر عندما ابلغوا رسمياً بأن عليهم ازالته بشكل نهائي، بسبب خطورته على السكان المجاورين من جهة كونه آيلاً للسقوط..
.. كان " أكبر بيت في بغداد " قد تدهور تدريجياً منذ أن اقتطع جزء منه من أجل الشارع. ليسَ بسبب الاهمال فقط وصعوبة الصيانة.. ولكن تيار الزمن – فجـأة – تسارعت وتائره بعكس اتجاه البيت.
.. وعندما أعلنت الجمهورية بعدها بسنة، اجترأ الناس أكثر فأكثر عليه. فجأة فقد جدي جزءً من هيبته المنتمية للعهد الذي أبيد وسحق وسحل بعضاً من رجالاته بالحبال في الشوارع..
.. وكان – كتحصيـل حاصــل – أن فقد البيت هيبته..
بدء الناس في المنطقة، التي تعرضت هي الأخرى لتغييرات طبيعية صاحبت الانقلاب غير الطبيعي، بدءوا يرمون بالقمامة والقاذروات والنفايات في البيت المهمل واسع الارجاء – المهدم من بعض اجزائه..
أفكر الآن بالامر بتجرد، فارى في ذلك السلوك مظهراً طبيعياً من مظاهر التمرد..
كان الوقت قد انقلب، والمائدة قد انقلبت، وتبوءت السدة شلة من الشيوعيين واشباههم واضرابهم، وارتفعت شعارات معادية لكل من كان يمتلك بيتاً اصلاً .. فكيف إذا كان اكبر بيت في بغداد..
.. وكان من الطبيعي، أن يرمي اولئك الذين يعيشون في بيوت صغيرة، (صغيرة لدرجة أنها لا تكاد تكفيهم)، بنفاياهم وقمامتهم في أكبر بيت ببغداد القديمة – آملين بأن بغداد الجديدة ستكون أكثر عدالة وتوازناً، وستتسع للجميع دون تمييز طبقي .. كانت قمامة ايدلوجية تماماً. لكن ذلك في البداية فقط، في أول الفورة التي ارتفعت فيها الشعارات وعلقت فيها الحبال..
مع الوقت، كما اتصور، صار الأمر روتينياً تماماً – محض كسل وتخلص من القمامة في أقرب مكان.. دونما ايديولوجيات . دونما شعارات..
زاد الأمر أن أهل المحلة الأصليين بدوا ينتقلون – بالتــدريج – إلى الأحياء الحديثة، وحلَّ محلهم، بالتدريج أيضاً، اناس زحفوا على العاصمة من خارجها – في ظاهرة عرفها العالم بأسره في تلك الفترة والفترات اللاحقة، وعرفت باسم الهجرة من الارياف، وجلبوا معهم سلوكيات ومظاهر ربما كانت غريبة عن الجيرة البغدادية وسلوكياتها العريقة.
وزاد الأمر مع الوقت. نفايات وقمامة وايادي العابثين السارقين، التي امتدت لتسرق حتى الشبابيك وزخارفها ونقوشها على الجدران..
.. وصار البيت مرتعاً للمراهقين والخارجين عن الاعراف والتقاليد وسلوكياتهم المنحرفة، وصارت الامهات في المحلة تحذر اطفالهن من الدخول إلى "الخــرابـة"..
نعم، بعد عشر سنوات من أول استقطاع (هــدم) من البيت، صار "أكبـر بيــت فـي بغـــداد" ، يسمى "خــرابـة".
نهاية مؤلمة لذلك التاريخ الطويلة، وحلقة حزينة اخيرة لتلك السلسلة من الانجازات.
وبعد ذلك كله ببضع سنوات، وكان عمري وقتها اربع اشهر فقط، بُلغِت والدتي رسمياً بامر الازالة الذي اصدرته الأمانة وقتها..
في الحقيقة أنها لم تَبلغ إلا لأن الامانة شاءت آن تغرم اهلي تكاليف ونفقات هدم البيت وازالة انقاضه..
وكان الأمر مؤلماً جداً لهم – كما أتصور – أن يجبر شخص على دفع تكاليف هدم وازالة البيت الذي كان ملعب صباه ومرتع نشوئه وايضاً هويته واعتزازه .. وكيانه .. -ولم يكن الأمر غريباً جداً في ذلك الوقت – أنها السبعينات والحزب الواحد يتصدر سدة الحكم، ويتصدره انصاف متعلمين واشباه عسكريين ويتعاملون مع الجميع بذات الاسلوب القمعي الشمولي..
وكانت أمي محظوظة جداً لأنها لم تجبر على دفع غرامات مماثلة غير تكلفة هدم منزلها..
فقد جاء زمن، تجبر فيه الأمهات، والاشقاء، والاباء – على دفع ثمن الرصاصات التي أعدم فيها اولادهن – اخوتهم وابناءهم..
.. ولم تكن جثث المعدومين تسلم لذويهم، قبل آن تستوفى منهم اجور الرصاصات التي اودت بهم في ساحة الاعدام، كان ذلك يحدث حقاً – رغم انه لا يكاد يصدق – لكنه كان يحدث – لم تكن الدولة فقيرة لهُذهِ الدرجة في أي وقت من الاوقات، لكن الزبانية كانوا مبدعين دوماً في الايذاء والقهر والقمع – لم تكن القيمة المادية للرصاصات والتي لم تتجاوز الخمسة في كل الاحوال – انما كانت القيمة المعنوية هي ما يريدون، كان استيفاء اجور الرصاصات من ذوي المعدومين – وعند استلام جثثهم بالذات، يصوب هُذهِ الرصاصات نحو رؤوس هؤلاء – يبقيها هناك، او يطلقها عليهم – يقتلهم بها – او على الاقل يقتل فيهم انتماءهم – يقتل فيهم حبهم لوطن يعدم ابناءه ويطالب ايضاً بثمن الرصاصات.
.. ومحظوظة أمي، محظوظة كل أم في وطني لم تلبس السواد على ولد لها – راح ولم يعد في النزوات والغزوات والحروب التي استنزفت من الامهات فلذات اكبادهن..



يتبع





ومحظوظة أمي، ومحظوظة كل أم في وطني، لم تضطر لدفع ثمن الرصاصات التي اودت بحياة ابنها، ولم تستلم ايصالاً دموياً يذكرها طول العمر بأنها شاركت – ولو قسريا- في قتل ابنها..
ومحظوظة هي الأم التي استطاعت أن تلبس السواد على ابنها، واستطاعت آن تنوح عليه علناً، دون أن يأتي رجال الأمن ليذكروها بالتعليمات التي تليت عليهم مع استلام الجثة: ممنوع اقامة العزاء. ممنوع لبس الحداد. ممنوع اعلان طريقة الوفاة.
محظوظة هي أمي – رغم أنها لم تدرك ذلك قط، ورغم أنها دفعت ثمن هدم منزل ابيها ورفع انقاضه.. إلا أن ذلك امر‘’ – لا يعد شيئاً بالمقارنة مع ما جرى طيلة عقود..
تمَّ اعدام البيت أذن وانا ابن اربع شهور. لم يبق منه سوى جزء من طرفه الشرقي المواجه لباب جامع السيد ابراهيم – ولا اذكر شيئاً سوى أن أمي قالت لي بوجه جامد، وهي تشير بأصبعها إلى نافذة غرفة كانت لاتزال باقية، قالت لي .. أن تلك كانـت غرفتـها .. كانت تصحبني في مشوار لها– لم أعد اذكره الآن، في تلك الازقة الضيقة، كنت في التاسعة او العاشرة من العمر، واذكر أنها شدَّت على يدي كما لو كانت تتشبث بالمستقبل في وجه الحاضر – من اجل الماضي..
كانت غرفتها، وغرفة اخرى تحتها هي كل ما بقي ذلك الوقت. وكانت قد اجرتا قبل ذلك كدكانة لنجار شاب سرعان ما اختفى في ظروف غامضة، وعلم أنه قد القي القبض عليه لأنتمائه لحزب الدعوة المحظور والذي كان برسم الابادة الشاملة في ذلك الحين..
لم يظهر النجار الشاب ابداً بعدها. ولعله لن يظهر ابداً. ولم يجرؤ أي أحد من العائلة على كسر الباب واقتحام الدكان أو الاتصال بعائلة النجار من أجل أنهاء الامور معهم..
بمزيج من الأمانة (تجاه النجار) والخوف (تجاه السلطات) والإهمال (تجاه كل شيء) بقيت الدكانة مغلقة الأبواب لما يزيد عن خمسة عشر عاماً.. ولم تفتح إلا في أواسط التسعينات، وبأمر قضائي من المحكمة..
.. هذا ما كبرت عليه. أكبر بيت في بغداد ليس سوى حكاية تلهب خيال الطفل الجامح خياله أساساً . أسطورة من أساطير الأولين، مقدسة ومعتبرة ولكنها، غير واقعية.. بلا مصداقية وبلا إمكانية للصمود..
هُذا ما كبرت عليه، أكبر بيت في بغداد، ليس سوى خرابة أزيلت، وصارت أرضا خلاءً، ودكانة اعتقل صاحبها ولم يرجع قط، ونافذة علوية مشرعة باتساع على الأزقة البغدادية الضيقة..
.. وعندما كبرت أكثر، كان أكبر بيت في بغداد قد تحول ليصير مرآباً متوسط الحجم للسيارات في وسط بغداد – كان هذا هو الواقع، البيت الذي استقر فيه التاريخ لفترة، صار، في نهاية الأمر، محض موقف عابر لسيارات عابرة يقوها اناس عابرون..
لكن – أيضــاً- كان ذلك المرآب، يدر مبلغاً مادياً مجزياً جداً، لا انكر أنه انقذ الاسرة من بعض المشاكل، في ظروف متقلبة عبر الحصار وغيره..
وفجأة، وكما لو كان القدر يريد أن يقول لي أن حقيقة الأمر غير ظاهره، وأن التاريخ لا ينتهي حقاً –كما قد يبدو- انتفض البيت من قبره، من تحت التراب الذي دفن تحته، ليتكون، ويتشكل، ويتدخل في تحديد مصيري..
**********************
(.. كنت اعد أوراقي للتقديم على الدراسات العليا، مستعيناً بالصبر الذي لابد منه مع أي مراجعة أداريه روتينية في دهاليز الدوائر والمؤسسات الحكومية..)
وكأي مواطن عراقي، كنت قد تعودت، أن أتسلح بمجموعة من الاوراق الثبوتية التي لا غنى عنها في أي معاملة رسمية مهما كانت بسيطة..
كانت خمس أو ست أوراق، تحتاج اليها في كل حين، وعليك أن تضعها في حرز حصين – إذا ضاعت فقد ضعت شخصياً، فلا شيء سواها يثبت أنك مواطن في هُذا البلد العظيم، وبما أن حقوقك – كمواطن – معدودة جداً أن لم تكن معدومة أساسا، فأن فقدانها سيعني ضياعك حرفياً – وبكل ما يعني للكلمة من إهدار لوقتك وأموالك..حتى لا أقول أدميتك وإنسانيتك..
والويل ثم الويل لمن صادف وفقد هُذهِ الأوراق جميعاً ودفعة واحدة، فاستخراج بدل ضائع عن أي منها يرتبط بوجود الاوراق الثبوتية الأخرى، وعندما تضيع جميعاً ستجد نفسك في متاهة من الدهاليز والإداريات ودروب الروتين التي لن تبدأ في مركز الشرطة حيث ستبلغ عن الفقدان كحادثة بوليسية، ولن تنتهي في مبنى الجريدة وأنت تدفع مبلغاً لأعلان – لن يقرأه أحد- عن فقدان هُذهِ الأوراق، كل على حدة..
وفي خضم ذلك كله، سيواجهك رجال الشرطة والأمن الذين تراجعهم بنظرات الشك والريبة، وقد يضعونك تحت مجهر تحرياتهم، فأنت – كمـواطن- متهم حتى لو أثبتت براءتك، فكيف بك و أنت قد اضعت اثباتات مواطنتك .. الا يعني ذلك قطعاً – انك تروم شيئاً ما ؟.. وأنك بصدد شيء ما – شرير ومعادي للحكومة والنظام..
كل ذلك من أجل حفنة من الأوراق تثبت انتماءك لوطن سبق ودفعت ضريبة انتماءك له من دمك وعرقك وأعصابك وغذائك وحليب أطفالك – ولم تشعر قط بالحاجة إلى هذهِ الأوراق لتكرس عندك انتماءك..


يتبع



كانت هناك من ضمن الأوراق تلك هوية الأحوال المدنية .. التي لا تفصح أبداُ عن حقيقة احوالك، وكانت هناك شهادة الجنسية منحوها لك كما لو كانت منّة عليك وكرماً منهم، وكانت هناك البطاقة التموينية التي تمنحك كل شهر النزر اليسير الذي لا يكفيك والتي يذكرك بشكل غامض بأن العالم كله متآمر عليك بشكل شخصي جداً، وهناك ايضاً بطاقة السكن الصادرة من مركز الشرطة والذي سيحدد إذا كنت قد تورطت في جريمة ما ام انك (بعـد) غير متورط، وستؤيد ذلك مضبطة لتأييد السكن يصدرها مختار المنطقة الذي لم تساهم فيه اختياره – ولم تعرف قط من اختاره وما المنطق في اختياره .. كل ذلك، واكثر أحياناً، وبنسخ تحتاج إلى تحديث دائم احياناً اخرى، كنت تحتاجه في كل خطوة تخطوها في أي دائرة من دوائر الدولة. إذا اردت التزوج.. أو اردت التوظف. او أردت الانجاب.. أو حتى إذا اردت أو ارادت السماء أن تموت ثم تدفن، فلا بد أن تكون معك تلك الأوراق في رحلتك إلى الآخرة..
.. ومن باب أولى، أن تكون معك.. إذا شرعت في التقديم للدراسات العليا.. كما فعلت أنا..
********************

كانت أوراقي كاملة قبل فترة، بالأضافة إلى بعض المستندات الأخرى الضرورية فقط من أجل التقديم للدراسات.. وكان الأمر يسير في طريقه الروتيني المعتاد إلى أن، صدرت تعليمات، من مكان ما (فــوق)، وقبل انتهاء فترة التقديم بفترة لا تزيد عن أسبوع، باضافة مستند آخر، يثبت (رعوية) المتقدم للدراسات العليا..
ومصطلح (الرعوية) الذي انتشر بعد هُذا القرار بالذات، هو مصطلح يعني أن أي أحد من اجداد المتقدم –سواء من الأب أو ألام- لم يكن من رعايا دولة أجنبية..
وبما أن العراق، لم يكن قد صار دولة بعد في عهد هُذا الجيل – على الأغلب – فأن العراقيين كانوا وقتها رعايا لدولة (أجنبية حالياً) اسمها تركيا، وكانت وقتها تسمى الدولة العثمانية..
ولأسباب مختلفة، اهمها الرغبة من التهرب من التجنيد في جيش دولة حروبها لاتنتهي، فقد سجل البعض انفسهم كرعايا لدولة أخرى، أجنبية ايضاً حالياً، وهي أيران..
وكان من الواضح تماماً، أن قرار اثبات "الرعوية" هُذا، الذي طلب اثباته في التقديم للدراسات العليا لم يكن موجهاً ضد العراقيين ممن هم رعايا للدولة العثمانية – وإلا كان صار موجهاً ضد الجميع وضد نفسه ايضاً..
لكنه – كما هو واضح تماماً ايضاً، كان موجهاً ضد هؤلاء الذين كانت –رعويتهم- تتجه نحو ايران..
وكان هؤلاء – في معظمهم – قد تعرضوا للتهجير والطرد ولاسقاط الجنسية عنهم
– في حملات متعددة، انتهت بوضع مئات الالاف منهم على الحدود الملتهبة بين العراق وايران- بل بوضعهم في حقول الالغام في بعض الاحيان..
ماذا يريد هُذا القرار منهم، وقد هجروا وطردوا وصودرت املاكهم وبيوتهم وذاكرتهم وكل تفاصيل حياتهم ؟.
آه. هناك استثناء بسيط بالنسبة لقرار التهجير السابق، جاء هُذا القرار الجديد ليطارد المستفيدين منه ويلاحقهم حتى الرمق الأخير..
كان هُذا الاستثناء والضيق يمنح فرصة البقاء للمرأة التي تبعيتها إيرانية إذا كانت متزوجة من رجل تبعيته عثمانية .. وبعد حوالي عقدين من هُذا الاستثناء. جاء هُذا القرار ليطارد اولاد تلك المرأة.
لا تهجير هُذهِ المرّة. ولكن منع من الدراسات. منع من التطور. منع من الالتحاق بالمناصب..
لا تهجير.. ولكن اصرار على الغباء – اصرار على الاقصاء، وعلى الاستعداء.. اصرار على منعهم من الاحساس بالانتماء..
أعتـرف : لم يكن الأمر يعنيني أكثر من كونه مجرد مراجعة روتينية أخرى في دائرة حكومية .. كنت قد اسندت ظهري مرتاحاً لحقيقة أن تبعية والدي عثمانية، ولم يكن هناك أي مشكلة سوى الوقت اللازم لاستصدار الاثبات.. وكان ضيقاً اصلاً وعلى وشك النفاذ.. لكن ثقتي هُذهِ اصطدمت بذلك الغباء البيروقراطي المرتدي البزة العسكرية والذي يمثل خلاصة ما وصلت إليه السلطة في زمننا ذاك..
*************************
نظر إلي كما ينظر قط إلى فأر وقد وقع في المصيدة..
"أريد أن اتأكد من شهادة جنسية والدتك.."
كان ضابطاً برتبة لم أعد أذكرها. لكن ليس اقل من رائد. وكان متسلحاً بذلك النسر على كتفيه، وبالشاربين على شفتيه، وبذلك اللقب العشائري المهم المكتوب على اللوح الخشبي على مكتبه..
وكنت مجرد فأر مذعور وقع في الفخ، بينما كان يريد التقديم للدراسات العليا –ووقته يكاد ينفذ-
أعتقد أنني بدوت غبياً جداً أمام سيادة الضابط عندما ناولته شهادة جنسية والدتي، وكانت عنده في الملف أمامه نسخة منها..
نظر لي من عليائه، نظرة كانت مغزاها ،هل أنني غبي فعلاً أم أنني اتغابى..
كتب شيئاً على الأوراق أمامه. ودفعها بأتجاهي، حركة كانت معناها أنه يسمح لي بالأنصراف..
في الممر خارج غرفته وقفت احاول أن أقرأ ما كتب. فشلت في ذلك، كان خطه لايتناسب مع هيبته وشاربيه والنسر الرابض على كتفيه. سألت واحداً من الجنود الموظفين عن الشيء المكتوب على الأوراق، نظر بخبرة وقال لي على الفور : "صحة صدور ؟ أنه يرسلك إلى مديرية الجنسية العامة..".
كان ذلك بعد أربع ساعات من الأنتظار..
وكان الوقت يكاد ينفذ.
*******************************
أنتظار آخر. في بناية أخرى -ضابط آخر – لكن هُذهِ المرة لم أره.. ظل خلف تلك الأبواب المغلقة..
بعد عدة ساعات، أطل جندي من خلف الباب وقال : " تعــال غـداً".
************************
يوم آخر … وانتظار آخر..
و "تعــال غـداً".. ايضاً و ايضاً.
************************
وكان الوقت ينفذ حقاً..
****************
.. واخيراً .. الورقة المطلوبة كتاب‘’ رسمي من مديرية الجنسية العامة يؤيد صحة صدور شهادة جنسية والدتي، ويذكر السياقات التي اصدرت على اساسها – وكانت سياقات عادية جداً، مستندة على شهادة جنسية سابقة لشقيقتها، والتي اصدرت اصلاً عند دخولها للكلية، بحضور المختار وشهادة اثنين من الجيران – وكانا اسمين مألوفين جداً تذكرت أني أعرف ابناءهما-.
.. أخذت الأوراق كما لو كانت طفلاً وليداً طال انتظاره وتصورت أن الأمر أنتهى عند هُذا الحد..
وكنـت مخطئــاً..
**************
مرّة أخرى .. النسر والشاربين .. العشيرة المهمة على اللوح الخشبي..
من فوق الشاربين كانت هناك نظرة جديدة، رماني بها بعدما رأى الكتاب الذي جئت به، نظرة كان مفهومها : وقعــت يـا شاطــر ! .. رغم أني لم أفهم ما الذي وقعت فيه بالضبط..
قال لي ، "لماذا شهادة جنسية والدتك أصدرت بناء على شهادة جنسية شقيقتها.. وليس شهادة جنسية والدها ؟"..
بدا لي سؤاله سفسطة لاتفسر إلا بأنه يتقصد تأخير معاملتي من أجل أن أدفع له..
وكنت مستعداً للدفع اكثر من أي شيء .. لكن في داخلي كان لايزال هناك الأحترام لتلك الرتبة ولذانيك الشاربين.. ولم يكن من الممكن أن أتجاوز تلك الحواجز دونما وساطات ووسائل تقريب..
.. أجبته ببساطة " لأن جدي لم يدخل الكلية في وقتها، فلم يحتج إلى شهادة جنسية .. بينما دخلت خالتي الكلية فاحتاجت إلى أصدارها..".
.. ولم أقل له أن جدي كان قد تخرج فعلاً من الكلية قبل نشوء الدولة العراقية لأن ذلك كان سيستفز النسر والشاربين بأكثر مما أحتمل من نتائج..
أعتبر ما قلته نكتة، ولم يضحك لها.. أجابني بحدة : "أثبت لي أن جدك كان عراقياً وبعدها ستحصل على رعويتك".
**********************

في الممر خارج الغرفة كان رأسي يدور .. – أثبت لي أن جدك كان عراقيــاً- بدت جملة غير مفهومة بالنسبة لي. إلى هنا كان الأمر لايبدو أنه أكثر من سياقات الروتين التعقيدية التي ستعملها الموظفون أما ايماناً منهم بالسياقات .. أو ايماناً منهم بأن هُذهِ السياقات ستحث المراجعين على دفع ثمناً مجزياً من أجل فك عقد الروتين..
لكن الآن، ومع هُذهِ الجملة، كان هناك تلميحاً آخراً لم أفهمه – ولم استسغه ولم اهظمه.. "أثبت لي .. أن جــدك..".
قال لي الجندي الواقف على الباب "مـابــك ؟ إلا تفهــم ؟. أنظر إلى لقـب جـدك..".
هبطت عيني من وجهه إلى الورقة في يدي، لأنظر إلى لقب جدي .. كما لو كنت أتعرَّرف عليه للمرّة الأولى..
نظرت إليه، وبدا أني اراه للمرة الأولى فعلاً.
بدا غريباً جداً بين الالقاب الرائجة والسائدة حالياً والقاب تستند على العشيرة، او على الجد وتضيف له "الــ التعريـف"، تنتسب إلى المدينة او المنطقة التي جاءَ منها الجد الأول..
كان لقب جدي مجرد لقب مهنة ينتمي بجذوره إلى العهد العثماني.. وكانت العائلة
–حتى في وقت عزها- صغيرة الحجم وقليلة العدد.. فكيف بها وهي تكاد تنقرض اليوم.. بالتأكيد يبدو اللقب هجيناً وناشزاً..
.." وغير عـراقـي"..
تلعثمت وأنا أقول للجندي "كان جدي عراقياً..".
قال الجندي وهو يحول ببصره عني "ربما. لكن سيادة الضابط يظنه أيرانياً.."
**************************
كنت متوتراً جداً عندما عدت للبيت – لم يكن الأمر تهمة ولم أكن لأكترث له أو اعتبره سوى نكتة لو لم يكن مصاحباً لتقديمي للدراسات العليا، ولو لم يكن لم يبق على المهلة المحددة سوى ثلاثة أيام..
قالت لي والدتي مغتاظة : لماذا لم تقل له أنه كان من مؤسسي الدولة العراقية؟.. فكرت أن رد فعل النسر والشاربين تجاه قول كهُذا سيكون غير مؤدباً على الأكثر..
أجبتها : ألم يكن من الأسهل أن يكون لجدي شهادة جنسية كما بقية الخلق ؟..
ردت علي بتبرم وهي تبحث في الجرارات : لم يكن ليحتاج اصلاً إلى أثبات هويته إذا دخل إلى أي مؤسسة حكومية .. كان معروفاً جداً وكان الموظفون يخجلون من أن يطلبوا منه اثباتاً لجنسيته..
كززت على أسناني وأنا اقول : ألم يكن من الممكن أن يحترم القانون ويطبقه شخص درس القانون مثل جدي ..
كانت – علي غير عادتها في ظروف كهذهِ – متفهمة. قالت لي أن الحاجة إلى شهادة الجنسية في ذلك الوقت لم تكن ملحة كما هي اليوم "لم نكن نحتاجها في كل خطوة نخطوها كما اليوم..".
كان ذلك واضحاً – ولكنه لم يكن يكفي.
وكانت أمامي كومة من الأوراق والمستندات – عليَّ أن استل منها اثباتاً يقنع سيادة الضابط بأن جدي كان عراقياً..
خلال ثلاثة أيام فقط..
*************
خلال هُذهِ الأيام الثلاثة، كنت أقوم برحلات مكوكية أنقل فيها ما يقع تباعاً في يدي من وثائق قد تثبت لحضرة الضابط عراقية جدي.. كانت هناك هويات مختلفة. منها دفتر للنفوس لعام 1947، وآخر لعام 1957، وايضاً جوازات سفر – لم ابينها جميعاً فقد كان مثبتاً فيها أنه زار أيران. اثبات للتهمة كنت في غنى عنه في تلك اللحظة..
رغم ذلك – لم يكن شيء من هُذا ينفع..
أنه يريد شهادة الجنسيـة.
عليَّ أن أقر هنا، أن الضابط كان شريفاً، لم يكن عنده أي نية إيذاء أو رغبة في الاضطهاد. كان ينفذ التعليمات حسب السياقات التي تعلم أني نفذها بها..
لم يكن يحاول الضغط على لدفع الرشوة – رغم أن تفسيراً كهذا كان جاهزاً و وارداً لكن أعترف : لم يكن هناك أي شيء من هُذا معه. لا تصريحاً و لا تلميحاً ولا أي شيء. بل أني عندما حاولت فتح قناة وسيطة معه – عن طريق الجندي الواقف على الباب – كما هي الأصول في حالات كهذهِ – صدني الجندي معلقاً أن الضابط ليس من هؤلاء..
كان شريفاً مثل الآف الضباط العراقيين الذين وضعهم الحظ العاثر في السياق الخطأ والوقت الخطأ – لم يكن سيئاً كأنسان، لكنه كالآلاف غيره- وضع في مواضع شديدة السوء .. وأخذت عنه قرارات شديدة الخطأ.. وما كان عليه – كعسكـري- سوى أن ينفذ..
ربما لو التقيت به في مكان آخر، لتجاذبت معه أطراف الحديث – كان يبدو ودوداً ولطيفاً- لكن الآن، والنسر والشاربين، وهذا اللقب المهم – وخلفها جميعاً رأس لايقتنع إلا بالسياقات الواضحة امامه والتي كان جدي – حسبها – ليس عراقيــاً..




يتبع



قلت له، وأنا احاول الاستعانة بقواعد المنطق الارسطي معه، وصبري و وقتي يكادان ينفذان : "هل تعقل يا سيدي، أن يكون وزير الخارجية العراقي أيرانياً ؟.." كانت هُذهِ هي المرة الأولى التي الوح فيها بهُذهِ الورقة. لم أكم قد نوَّهت قبلها بالمناصب التي تقلدها حتى لا يفهم الأمر بأنه نوع من التباهي..
.. وكنت أعتقد، عندما اضطررت اخيراً أن استعمل هُذهِ الورقة – أنها ستكون القاضية..
كنـت مخطئـاً بالتأكيــد..
قال، وعلى شفتيه ابتسامة هازئة وواثقة من نفسها، "وما علاقة هُذا بالموضوع، الم يكن جورباتشـوف – في نهاية الأمر "تبعيــة" ؟".
هُكذا – وبكلمة واحـدة- فسر الضابط انهيار الأتحاد السوفياتي السابق.. وربط الأمر بقضية تقديمي للدراسات العليا.
لم يكن من الممكن مواصلة النقاش معه، وكنت بالتأكيد لا أريد أن اسمع اراءه في السياسة الدولية والحرب البادرة..
كان من الواضح أنني اتعامل مع صخرة عنيدة. كان من الواضح على وجهي خيبة الأمل والأحباط..
قبل أن أصل إلى الباب، استدار لي وقال ".. ما دام كان وزيراً كما تقول، فهل بقيت لديكم سند طابو عثماني بأسمه ؟".
قلت ملهوفاً "نعــم" "بالتأكيــد".
ثم استدركت "أظن ذلك".
اجابني ، "هاتها إذن".
"ممكـن أن تنفــع"!
***************
.. من بين كل الوثائق، والمستندات والهويات، بنسخها الاصلية والمصدقة، والصادرة عن الدولة العراقية.. فأن الذي اعتمده الضابط، في النهاية، لم يكن سوى ورقة صادرة عن الدولة العثمانية وبختم الباب العالي..
نعم – ورقة طابو عثمانية، مصورة بالنيجاتيف الاسود، تروي بالمختصر المفيد حكاية انتقال الملكية من شخص إلى آخر، وصولاً إلى "العـراقي أبـن العـراقـي".. جــدي..
وكان هُذا هو المطلــوب..
كل الوثائق الاخرى لم تنفع، كل الاختام وكل التوقيعات وكل الرموز ابتداءً من شعار الملكية إلى نسر الجمهورية .. – كلها لم تقنع الضابط.. وحده (الطابو العثماني) كان مقنعاً للدولة العراقية. وياللتناقض .. ويالغرابة..
كل الحقائق والتفاصيل المادية والشاخصة لم تقنع السياقات العسكرية وسلسلة المراجع وقوانين مديرية الجندية ..(ولاحتى حقيقة واضحة ماثلة امامهم : أنني عراقي وكل ما اريده هو التقديم للدراسات).
كل الذي نفع، هو ذلك البيت الذي كان قد انهار وصار قاعاً صفصفاً.. امتار واحجار وبقايا تحت الأرض..
و ورقة ملكية – سوداء ومصورة وشبه مهترئة- عليها ذلك الختم بالطغرة العثمانية..
كانت مفارقة غريبة.. أن البيت المنهار في النهاية هو الذي أقنع الدولة الموشكة على الانهيار..
.. وأن ختم الدولة التي أبيدت – هو الذي اقنع الدولة التي تكاد توشك أن تباد..
لا شيء بالصدفة. فكل أمر يحمل معه دلالاته ورموزه – وأيضاً يحمل معه خطوط نهاياته..
لا شيء بالصدفة حقاً في هُذا العالم المحكوم بالسنن، لو أننا تأملنا قليلاً في ما نتوهمه تفاصيلاً عابرة.. لوجدنا الرموز والدلالات مقيمه هناك..
قبل السقوط، أتذكر أن الختم الوحيد الذي أقنع الضابط، هو ختم الدولة العظمى التي كانت، ثم سقطت ولم يكن ذلك مصادفة..
********************
سارت المعاملة بعدها بشكل سريع، ولم تنقض فترة طويلة حتى كنت قد قبلت فعلاً في الدراسات العليا..
لم يبق من تلك الفترة العصيبة غير تلك المرارة المتخلفة في فهمي من تلك البيروقراطية الظالمة التي يختلط فيها الروتين بالغباء بالظلم بالتمييز العنصري..
وبقيت تلك النكتة عن جورباتشوف مثالاً عن ذلك كله..
**********************************
لكن، هناك الآن، وربما حتى في وقتها : ماذا لو لم تكن هناك ورقة سند طابو


عثماني ؟.. ماذا لو أنها فقدت، تلفت، أو اهملت عبر تعاقب العهود – وتجديد وثائق الملكية الضروري واللازم حسب التعليمات الادارية..
ماذا لو لم تكن هناك ورقة سند ؟ .
سؤال آخر : ماذا لو لم يكن هناك طابو –أصــلاً- لكي يكون هناك سنده و ورقته؟..
ماذا لو كان جدي رجلاً بسيطاً : حمالاً ، نجاراً أو نحاساً في سوق الصفافير..
ماذا لو كان لا يمتلك بيتاً ولا سنداً عليه ذلك الختم العثماني ؟.. أكان على حفيده أن لا يقبل في الدراسات العليا – لمجرد أن جده لأمه كان رجلاً فقيراً..
********************
وسؤال آخر – أكثر أهمية والحاحاً- وماذا لو كان جدي ايرانياً – سواء كان ايرانياً فعلاً، أو أنه سجل كذلك لهُذا السبب أو ذاك..
.. ماذا لو كان ايرانياً فعلاً ؟ - ألم يكن هُذا التنوع العرقي – مصدراً للقوة والغنى والخصب طوال قرون متعاقبة ؟؟
ألم يكن تنوع الاعراق – وتعــدد الأعـراق- وتنافس الأعراق – هو الذي جعل العــراق- عــراق ؟..
ألم يكن تنافس الأخوال والأعمام – من عرب وكرد وترك وفرس وبربر وأفغان- مصدراً للتجاذب والشد في الشخصية العراقيــة ؟
ألم تنصهر كل هُذهِ الأعراق – وتلتحــم معـاً- وتنسجـم معـاً- في بوتقة بغداد.. دون أن تلغي خصائصها تماماً، ولكن بأن لغت الحدود فيما بينها .. ومنحت أفضل ما لديها ليصب في بحر واحد..هــو العـراق..
.. الم يكن الاخلال بهُذا التناغم – بالتمييز ضد عرق معين – ونسـب معيـن- ظلماً مُورس ضد الصورة كلها – بكل تفاصيلها، وكل أعراقها .. وكل أجناسها..
ألم يكن الاخلال بهُذا الانسجام – بتهجير عرق، وبطرد عرق، وبحرمان عرق، ومصادرة ممتلكات عرق – هو الذي زرع الالغام في الصورة بأجمعها.. وجعلها عرضة للانهيار والاحتراق .. في أي وقت ؟..
********************************
بعد كل هُذه الحيثيات، هناك اليوم سؤال أخير : هل كان يمكن إلا أن تسقط النجف ؟
هل كان يمكن لكل ذلك الظلم والقهر والاستبداد والاستعباد والتمييز إلا أن ينتج واقعاً هشاً يحمل معه بذور سقوطه وإرهاصات انهياه ؟؟
هل كان يمكن لكل ذلك الدهر الطويل من الاضطهاد إلا أن ينتج لحظة السقوط المزرية المؤلمة المعلومة .. والتي شاهدتها على شاشة التلفاز .. في ذلك اليوم اللامنسي..
.. وهل كان يمكن – إلا أن تسقط النجف ؟..
**********************
..كان يمكن – بتاريخ آخر، وفكر آخر، وثقافة أخرى، أن تكون النجف هي الحلقة الاصعب، والحلقة الاقوى، فتاريخها حافل بالاستشهاد، وترابها مليء بالشهداء، وابوابها عصية، وهواءها حتى هواءها – صعب المراس..
أقـول كان يمكــن..
لولا أن المسار كله وضع في خط آخر..
وسقطت النجف، ونقل سقوطها على رؤوس الاشهاد..
******************
في نفس اليوم الذي شاهدت النجف وهي تسقط – وكان جلدي يقشعر للمشهد – في نفس اليوم، في ظهيرته تحديداً.. علمنا أن الغزاة وصلوا إلى المحمودية – على بعد لا يتجاوز الثلاثين كيلو متراً من بغداد.. – لم نكن متأكدين بالضبط من مسار الضفدع القفاز الذي يحوم حول بغداد، ولم نكن نفهم كيف أنهم – للتــو – قد دخلوا النجف على بعد مائة وثمانين كيلومتراً – وكيـف أنهــم – في الوقت ذاته – على بعد ثلاثين كيلو متراً من بغداد..
وكنا نعلل التناقض بما نسمعه أنهم يقومون بإنزال ليلي في بعض المناطق الخالية
- ثم ينصبون بعدها نقاط تفتيش على الطرق الفرعية الخارجيـة – للإيحاء للسكان ولوسائل الاعلام – بأنهم قد سيطروا على تلك المناطق – كجزء من الحرب النفسية ..
كان ذلك مقنعاً إلى حد كبير في مناطق قاحلة وواسعة مثل الصحراء الغربية – مع مقتربات مدن مثل راوة وعانة وهيت وحديثة – تبعد مئات الكيلومترات عن بغداد وعن مناطق القتال الساخنة..
كان مفهوماً أن يكون هناك فراغ في تلك المناطق. فراغ من التواجد العسكري والأمني والسلطوي مما يسهل على الغزاة القيام باستعراض العضلات ذاك..



يتبع

Romantic Flower
, Tue, 16 Oct 2007 09:09:10 +0200
كان ذاك مفهوماً – وإلى حد ما مقبولاً – مادام من المستحيل أن نتوقع أن تنتشر قطعات الجيش لتغطي كل كيلومتر مربع من صحراء هائلة الحجم تغطي ربما مساحة ثلث العراق..
لكن، كان هُذا التعليل يبدو غريباً ومنذراً بالخطر، عندما يتعلق بمنطقة لا تبعد أكثر من ثلاثين كيلو متراً عن بغداد، وكنت تعدها طيلة عمرك من ضواحي بغداد – بغض النظر عن التقسيمات الإدارية التي تسبق أسمها..
لم تكن أي من وسائل الأعلام قد ذكرت أي نبأ مقارب لهُذا الخصوص – ولو أني كنت قد سمعت النبأ من أي شخص آخر لاعتبرت الموضوع مجرد إشاعة من الإشاعات الكثيرة التي نسمعها..
لكنه كان شاهد عيان.
.. وكان واضحاً، على وجهه، على عينه – أنه شـاهـد ما يقـول أنه شاهـده- .. وكان واضحاً عليه – أنه شاهد شيئاً مهولاً..
**************
كان أسمه أبو داود – لم يكن ذلك أسمه، بل كنيته التي لا أعرف غيرها اسماً له..
ولم يكن له طفل أسمه داود – فقد كان أفقر من أن يتزوج – لكن الكنية كانت لصيقة به – مثلما كان العوق الذي في رجله اليمنى سمة مميزة له ..
كان أبو داود مؤذنا للمسجد. وكما كان هناك إجماع بين المصلين على عدم محبة إمام المسجد وخطيبه، فقد كان هناك شبه إجماع بين المصلين على محبة "أبو داود" والانسجام معه..
لم يكن مجرد مؤذناً، فقد كان متخرجاً من إحدى كليات الشريعة، ويتابع دراسته العليا – وكان يمتاز على الإمام والخطيب وجوقة المعممين بصدقه وإخلاصه – إذا كان هناك من وسيلة حقيقية لتبين الصدق والإخلاص..
.. وفي المرّات التي كان فيها الخطيب يتغيب عن أداء صلاة الجمعة، كان أبو داود يصعد إلى المنبر ويتمكن من لفت انتباه المصلين بدلاً من تذكيرهم بالتثاؤب .. كان يقص في الغالب مواعظ مؤثرة وموقظة بدلاً من أيديولوجية اللف والدوران وخطب الغموض والتعمية التي تعودوا عليها..
لم يكن مجدد القرن – بالتأكيــد – لكن مقارنته بالآخر، كانت تجعله يبدو شيئاً
كهُذا !.
.. وكان من أهالي المحمودية..
*****************
قبل صلاة الظهر، في ذات اليوم الذي أعلن في صباحه سقوط النجف ، كان ابو داود واقفاً والمصلين حوله في حديقة المسجد أمام الحرم.. وكان واضحاً أن لديه ما يقوله..
.. وكانوا يريدون أن يسمعوا..
وكان واضحاً على وجهه أنه شاهد شيئاً مفزعاً أذهله وأرعبه..
كان ابو داود يردد : "الذي يسمع غير الذي يرى" – "الذي يسمع غير الذي يرى"..
كان ابو داود قد ذهب إلى أهله في المحمودية للاطمئنان عليهم.. وعندما رجع شاهد هُذا الشيء الذي أرهبه، والذي أن تراه غير أن تسمع به..
*************
ماذا شاهدَ أبو داود في المحمودية ؟..
لم يشاهد مذبحة هائلة ارتكبتها قوات الغزو بدم بارد. لم يشاهد الرؤوس المقطعة والجثث المتفحمة.. ولم يشاهد البيوت المتهدمة على رؤوس أصحابها..
لم يشاهد القنابل العنقودية تفقئ العيون وتقطع الأطراف .. ولم يشاهد الحبالى وقد تقطعت أرحامهن بفعل الشظايا، وأطفال يولدون ليموتوا ساعة ولادتهم..
لم يشاهد السيارات المحروقة على جانب الطريق، وعلى بعد أمتار منها جثث لأشخاص حاولوا التشبث بالحياة – وعاجلتهم الرصاصات الغادرة..
لم يشاهد شيئاً من هُذا .. ] أو أنه شاهده ولم يقل [ .. فقد كان كل هُذا روتيناً متوقعاً – لعله لا يستحق الذكر او التعليق..
وكان بالذات لا يستحق أن تقول عنه "الذي يسمع غير الذي يرى"..
لكن أبو داود رأى شيئاً أخرا .. غير هُذا كله..
لقد شاهد شيئاً أخطر من هُذا كله – وأكثر إرعابا من ذلك كله، وأكثر إرهابا من ذلك كله..
كان يقص علينا ما شاهد – وعلى ملامح وجهه الذهول، والألم وايضاً تشبث ساذج بعدم التصديق..
وكنا حوله، ملتفين نسمع، ونحن نتشبث ايضاً بعدم التصديق.


كان قد شاهد هولاً أكبر من كل مشاهد الترويع – شاهد شيئاً لم يكن في الحسبان – لم يكن قد دخل في دوائر التصور.. لم يكن قد طرأ وقوعه على الاذهان..
شاهد شيئاً مهولاً..
شاهد – فجأة-: نقطة تفتيش أمريكية !..
********
نقطة تفتيش أمريكية..!
*******
عندما اشرفت الحرب على الوقوع، كان كل منا قد ادى استعداداته لها بطريقة او بأخرى – وكل حسب طاقاته..
كان هناك استعدادات المؤونة الغذائية – وذلك الخزن للمواد الأساسية الذي شكل جزء من تراث الحروب المتكررة والحصار المستمر..
.. وكانت هناك استعدادت المؤونة الدوائية.. والتي تشمل على الإسعافات الاولية وادوية المضادات الحيوية وادوية السعال والاسهال كثيرة الاستعمال.. إضافة إلى ادوية الامراض المزمنة لأصحابها..
.. كان البعض مستعداً حتى لمواجهة حرب كيمياوية .. بشراء الاقنعة الواقية من الغازات السامة – رغم ارتفاع اسعارها -، وذهب البعض إلى حد شراء الدجاج الحي ووضعه في الحديقة من أجل أن يعمل كجهاز انذار مبكر – حيث يفترض أن الطيور تستنشق الغازات السامة قبل البشر، ولا أدري علام استندت هُذهِ الفرضية بالضبط..
كنا قد اعددنا عدة التجويع، وايضاً عدة الترويع..
وكنا قد تهيئنا نفسياً، وتدربنا ذهنياً – لاشد مشاهد القصف والتدمير، ساعدتنا الصلاة والتضرع بالدعاء على الاستعداد للقنابل العنقودية والقنابل الفراغية والقنابل الكهرومغناطيسية، وتخيلنا المشاهد المروعة للموت القبيح وهو يخطف احبابنا منا، ويسقط السقف علينا بينما نتراكض لنحمل بقاياهم..
كنا مستعدين للتعامل مع مشاهد كهُذهِ .. – كانت في بالنا طيلة الوقت..
لكننا لم نكن قد تهيئنا – ولم نكن نعرف كيف نتهيأ – للتعامل مع المشهد المهول الذي شاهده ابو داود..
نقطة تفتيش أمريكية ..
نعم، لقد كنا اعددنا العدة لكل شيء ، إلا هُذا..
***************
ربما لم يكن النظام الذي يحكم بلدك افضل نظام في العالم..
(.. بل ربما انه يتنافس على كونه الاسوء..)
وربما لم يكن الوضع في بلدك، افضل وضع لبلد في العالم.. بل لعله كان سيترشح ليكون اسوء وضع..
.. وربما كان لديك الف ملاحظة والف انتقاد على الحكومة التي تحكم بلدك – وعلى رئيسها بالذات..
وربما كان صدرك ضيقاً بالعيش في بلدك – تعيش فيه وعيناك متجهتان صوب تأشيرة سفر و ورقة اقامة في بلد آخر..
.. وربما كان عندك الف سبب لتدعم شعورك هُذا، ربما كنت قد دفعت الثمن من أحد أخوتك او أخوالك أو أعمامك – ولعلك اضطهدت بشكل شخصي لهُذا السبب او ذاك..
ولعل كل الايدلوجيات والشعارات التي تتغنى بحب الوطن كانت تبدو لك كئيبة وسخيفة ومملة – مادام وطنك لا يجعلك تشعر بكرامتك فيه..
كل ذلك، نعم – وأكثـر – افهمه واتفهمه واتفاعل معه..
لكن كل ذلك – وكل أكثر من ذلك – سيبدو سخيفاً وبلا معنى – كل ذلك – سيكون لاشيء – أمام ذلك المشهد المروع المهول الذي لم يكن أحد منا مستعداً له – والذي فاجأ "أبو داود"، على غرّة..
أنها نقطة التفتيش الأمريكية !..
****************
ربما كنت قد تعودت الاذلال من طيف واسع من الموظفين في بلدك.. من أصغر موظف استعلامات في اتفه مؤسسة حكومية – إلى أكبر مسئول أمني من اولئك الذين يستطيعون ايداعك أنت وأهلك وراء الشمس..
.. ربما تعودت الاذلال منهم.. وتقطيبة جبينهم … والتعبيسة التي يواجهون بها اسئلتك.. ربما تعودت على نفاذ صبرهم عندما يتعلق الأمر بك، ونباحهم بوجهك كلما خطر على بالهم ذلك..



يتبع




وربما لم تتعود بالضبط. لكن اقسرت نفسك على قالب من اظهار الادب والتهذيب أمام هؤلاء – بينما في داخلك بركان يغلي ويحترق ويهدد بالانفجار في كل حين..
.. وربما كنت تحمل حقداً لا حدود له – على كل شخص يمكن أن يمثل السلطة – من أصغر شرطي مرور إلى أكبر رأس في النظام .. وربما كنت تعد كل مسئول في النظام مسئول كل مذلة تعرضت لها بشكل فوري وشخصي، وتتمنى لو نال إذلالاً – لا حدود له – كعقوبة لها عن كل إذلال تعرضت له..
.. ربما كنت تعتبر أن " لاشيء، في العالم كله، اسوء من الوضع الذي أنت فيه".
ولكن، رغم ذلك، رغم كل ذلك – فأنه قد يأتي عليك حين.. لتغير كل أفكارك - .. وتكتشف أن كل ما كان – بالنسبة لما سيأتي – لم يكن أكثر من مزحة عابرة.. ستأتي عليك لحظة – لن تفهمها – لم تكن مستعداً لها ولم تكن قد تهيأت لها.. لكنها ستأتي عليك – بشعور جديد.. شعور لم تتعوده، ولم تتخيل قط أنه سيمر بك – أو أنك ستمر به..
فجأة، وعلى حين غرّة، ولأنك لم تتهيأ الأمر، ستجد أن أرضك قد زلزلت، وكونك قد انهار، ومجرتك قد غيرت عنوانها..
.. فجأة سيصير ظلم ذوي القربى عدلاً قضيت عمرك وأنت تحلم به، سيغمرك نوع من الحنين الغامض – الذي لن تفهم كنهه.. لشرطي المرور الذي اضطهدك – ولرجل الأمن في الاستعلامات الذي أذلك..
لست مازوشياً ولا تحب أن يبرع الآخرون في إيذاءك..
ولكن – في الوقت ذاته – ستفضل – وكخيار شبه فطري ولا علاقة له بالعقل والمنطق والنظريات والايدلوجيات – ستفضل أن يكون أن اذلالك على يد ابناء وطنك.. لا على يد نقطة تفتيش أمريكية..
وربما لن تفهم أي مما قلت – إلا إذا خضته – وإلا إذا شاهدت ذلك الشيء الذي شاهده أبو داود، والذي ارتسم على وجهه بملامح الذهول وعدم التصديق.. نقطة تفتيش أمريكية..
**************
.. عندما تمر بحياتك نقطة تفتيش أمريكية – فأنها لايمكن أن تكون عابرة..
لايمكن آن تكون مجرد نقطة تفتيش – لايمكن أن تكون مجرد "نقطة"..
قد تكون جملة طويلة مريرة ملآنة بالجمل الاعتراضية، وبعدها اشارات استفهام وادوات استنكار، وعلامات تعجب – لكنها ابداً ابداً لن تكون مجرد "نقطــة"..
مهما كنت قد تعرضت لنقاط تفتيش سابقة، اذلتك بالبحث عن تهمة، واضطهدتك بالتدقيق في هويتك، واثقلتك بالاسئلة ودفعتك من أجل أن تدفع رشوة..
مهما كان ذلك قد حدث لك – فأن نقطة التفتيش الامريكية لن تكون حدثاً عابراً في حياتك – ربما ستجتاز النقطة، لكنها، بطريقة ما ستظل عالقة معك، هناك في حلقك، كشيء مزعج بين اسنانك، عند بلعومك، كشيء يضغط على اعصابك ويكاد ينفجر في دماغك..
لن تجتاز الأمر ابداً. قد يسمحون لك بالمرور. لكن شيئاً آخر سينفجر في رأسك : لن يسمح لهم بأن يسمحوا او لا يسمحوا لك بالمرور..
لن تعبر قط من تلك النقطة. ستظل تتعثر بها. ستظل عالقة معك ولن تستطيع أن تتجاوزها..
وعندما يؤشرون لك بأيديهم او بتلك الهزة من رؤوسهم : أن اعبر.. سينتابك شعور هائل عصي على الفهم أنك قد تعرضت لأهانة فظيعة لم يوجهها لك أحد طيلة حياتك – رغم أنك كنت قد تعودت الاذلال – لدهور مضت..
ستشعر أن يداً قاسية وخشنة قد صفعتك على وجهك، ستنظر إلى المرآة في السيارة وستفاجئ بأن خديك كليهما قد احمرا من أثر الصفعة..
ستحتاج وقتاً لتفهم، أن آثار السياط على ظهرك في اقبية المخابرات ممكن أن تلتئم مع الوقت، وأن الجروح التي احدثتها السجائر في خضم التحقيق ممكن أن تنطفئ مع الوقت..
لكن الآن، مع تلك الاهانة، مع تلك الصفعة الغيرمرئية التي تلقتها حياتك، لن يزيد الوقت خديك إلا احتقاناً واحمراراً.. سيمتلئان بالالتهاب والقيح – سيتورمان بالغيظ والحقد وسيزدادن ورماً كلما مرّ الوقت..
وذات يوم ستنظر في المرآة وتجد وجهك وقد أكله سرطان قبيح ملئ بالدمامل والبثور.. وستذكر أن ذلك كله قد بدء يوم مررت بنقطة تفتيش أمريكية ،ربما تكون سيارتك قد اجتازتها، لكنك فشلت في تجاوزها طيلة حياتك..
******************


ربما كنت مستعداً للموت – انت وابناءك تحت القصف.. ربما كان الموت وقتها سيكون غامضاً قادماً من طائرة بعيدة لن يتسنى لك مشاهدة الطيار الذي يقودها، أو الذي ضغط على الزر الذي اسقط الصواريخ التي هدمت السقف على رؤوس صغارك..
سيكون الأمر كما لو أنه غير شخصي – كما لو أن الطيارة كانت بلا طيار – ويمكنك بعدها أن تصب جام غضبك على النظام الذي دفع بالطيار، وبالمؤامرات والايدلوجيات والاستراتيجيات التي تدفع أنت وأطفالك الثمن لها..
لكن مع نقطة التفتيش الأمريكية، تجد نفسك فجأة مع ما لم تستعد له : العدو – وجهاً لوجه .. العدو – على بعد أمتار منك .. على بعد سنتمترات منك.. على بعد رصاصة واحدة منك..
كان العدو دوماً بالنسبة لك شكلاً هلامياً غامضاً غائم الملامح، رمزاً لمؤامرة كبرى ومخططات عسكرية ومطامح اقتصادية.. كان الاشخاص وصورهم يعبرون عن محض رمز..لم تكن تفكر كثيرا بهم . انهم مجرد( رمز)!
تبقى الاستراتيجية،و لكن تغيب الصور وتذوب الشخصيات، ويبقى ذلك العلم و صورته رمزاً ثابتاً لكل ما حاق ويحيق بك وباولادك.. ويحاصرهم ويهدد احلامهم وآمالهم ومستقبلهم..
فجأة سيستحيل الرمز اشخاصاً حقيقين، بشراً من لحم ودم، جاءوا من أقصى الارض الى بلدك – عبروا القارات والمحيطات – ربما لكي يثبتوا لك – أن الأمر، في النهاية، ليس مجرد خطط واستراتيجيات ونظريات.. وأنما يتطلب ايضاً بشراً – يكونون أحياناً مجرد وسيلة – ويكونون احياناً هدف ..- ولايكونون، في بعض الاحيان أكثر من ترس صغير – ولكن ضروري – في آلة قتل هائلة الحجم..
نقطة التفتيش الأمريكية تلك.. لن تستوقفك فقط ولكن ستستوقف مفاهيمك، وستغير قناعاتك..
ستكتشف أن عدوك لم يكن نظرية او خطةٍ او مؤامرة محضة..
وأنما كان يتقمص أحياناً شكل اولئك الجنود الذين وقفوا على ذلك الحاجز – عند نقطة التفتيش الأمريكية ..
***************
.. قبل أن تزول القشعريرة من جلدك – سيغامرك شعور غامض أن هوليوود قد خدعتك .. وأن الصورة التي روجتها ورسختها في ذهنك لجنودها الوسيمين مفتولي العضلات، هي صورة منقوصة أن لم تكن مغلوطة اساساً..
لن تجد ميل غيبسون أو شارلي شين عند نقطة التفتيش. ربما ستكون ملامح الجنود قريبة من مواصفات الجمال التي عممتها هوليود ايضاً.
لكن ستكون هناك تفاصيلاً اخفتها للكاميرا بأتقان..
نعم، أنهم بيض، وقد تعودت أن تعتبر ذلك دليلاً على الوسامة، لكنك ستلاحظ أن بياضهم ليس ناصعاً – وأنما تخالطه صفرة خبيثة لن تخطئ فهمها..
ستلاحظ ايضاً أن عيونهم ملونة – لكن نظرة اللؤم فيها واضحة وشديدة البروز..
رغم الاسطورة الهوليوودية المرسومة بأتقان، ستجد في الجنود الامريكان شيئاً كريهاً بشكل شخصي – بشكل فردي يخص كل فرد من هؤلاء الجنود – عند نقطة التفتيش الأمريكية..
سترى في كل تفصيل من تفاصيل وجوههم شيئاً يستهدفك وبلدك، وستتأمل فيها كما ليلى تتأمل في الذئب المتنكر بملابس جدتها، ستبدو عيونهم أكبر من حقيقتها، وستعلم أنها لن تحدق إلا في خصوصياتك وحرماتك، وستبدو أنوفهم أكبر من حقيقتها، وتعلم أنها لن تكون كذلك إلا لكي تنقب عن النفط والغاز والثروات الأخرى في بلدك، وستلاحظ أن أفواههم أكبر من المعتاد، سيكون ذلك من أجل أن يبتلعوا بلدك بثرواته وخيراته..
برعب ستلاحظ أن اسنانهم كلها أنياب، لن يكون ذلك إلا لأنهم سيغرسونها في عنقك – في الموضع الذي تحب تقبيله من اعناق اطفالك..
ربما لن تكون بصيرتك واعية لهُذهِ الدرجة من البصر. ربما ستلاحظ فقط أن ملامحهم كريهة ولزجة – حتى لو كانوا ينفذون التعليمات الموجهة لهم والقاضية بتوزيع الابتسامات.. لن ترى في ابتساماتهم غير أفعى تزحف بخبث، وذئب يتربص بمكر..
ستكرههم شخصياً ربما دون أن تعرف لماذا. سيكون ذلك مؤلماً بشكل استثنائي. ستحاول أن تخفف من ألمك بأن تهمس لنفسك، بأنهم مجرد بشر، مجرد جنود ينفذون الأوامر.. وربما لم رأيتهم في وضع آخر، وملابس آخرى، لأبتسمت لهم وهززت رأسك وأنت تحييهم..



يتبع





نعم. ربما في مكان آخر. ووضع آخر..
لكن ماداموا هنا، ماداموا هنا بملابسهم العسكرية، واحذيتهم الضخمة، تلك الخوذ التي تغلف رؤوسهم – لايمكن أن تشعر نحوهم إلا بهُذا الكره..
نعم. ماداموا هنا ، فليس سوى الكـــره..
****************
شيء آخر لن تتمكن من أن تفر منه، إذا كنت ملتزماً ولو إلى حد بسيط بالشعائر الدينية، والتي غالباً ما تكون النظافة وقواعدها في مقدمة العملية الشعائرية منها أن لم تكن في الصلب منها..
لن تتمكن من أن تطرد رأسك، والجندي الأمريكي على بعد خطوات من رأسك، حقيقة أن بعض أدق تفاصيل النظافة – التي تشكل جزءً اساسياً من موروثك النفسي والذهني – لاتتوفر عند هُذا الجندي الأبيض القادم من ما وراء البحار..
ربما كنت قد رأيت وأجانب من قبل وتحاورت معهم وجلست معهم وربما عشت معهم لسنين – لم تفكر بهم هُكذا من قبل – لم تتدخل في خصوصيات نظافتهم – بل أن فكرتك عنهم عموماً – كانت مرتبطة بالصورة المتحضرة الزاهية التي رسختها أجهزة الاعلام في ذهنك..، لكن الآن – على الحاجز – والخوذة والبدلة والحذاء العسكري الضخم على تراب بلدك – لن يمكنك إلا أن تفكر بأنهم قذرون..
سيخطر على بالك أنهم لا يغتسلون من جنابة، وأن قواعد دينهم لا تعلمهم كيف يتبرؤن من بولهم، وأن آليات الطهارة المقدسة التي تعلمتها منذ طفولتك غير موجودة عندهم –بل أن معجم لغتهم خال من مرادف لكلمة الطهارة بالمعنى الاصطلاحي الذي تعودنا عليه..
لديهم مساحيق للغسل والتنظيف عديدة، لديهم عطور غالية الثمن.. ومعطرات فاخرة، وموانع للتعرق فعّالة – ولكــن – ليس لديهم هُذا الشيء الذي يسري في دمك قبل أن يكون على جلدك – الطهارة..
عند نقطة التفتيش الأمريكية، ستفهم اخيراً ما كنت قد سمعته من أن الكفار انجاس – كنت قد عرفت طيلة حياتك اصدقاء وجيران من ديانات أخرى – بالذات من نفس ديانة الجنود عند نقطة التفتيش الأمريكية – لكن لم تلاحظ قط أنهم أنجاس.و لم تعتبرهم انجاسا قط..
الآن فقط – متأخراً جـداً – تفهم أنهم لا يكونون انجاساً إلا إذا كانوا اجانباً ، غزاة .. مثل اولئك الجنود الواقفين عند نقطة التفتيش الأمريكية ..
**************
.. نقطة التفتيش الأمريكية تلك، لا تريد حقاً أن تفتش صندوق سيارتك كما سيبدو لك للوهلة الأولى..
أنها تريد أن تقتحم صندوق دماغك، أن تداهم تلافيفه، وتسيطر على خلاياه..
أنها تريد أن تحدد مسار حياتك. وتعسكر داخل حياتك.. تمضي أنت، ولكن تمكث نقطة التفتيش تلك في داخلك – تحتلك، تسيطر عليك، وتحدد مسارك..
ليس صندوق السيارة – و ما يمكن ان يحتويه من أسلحة.. ولكن ذلك الصندوق الصغير بين كتفيك – والافكار المحتواة فيه.. والالغام المزروعة فيه..
.. وعندما سيأمرك ذلك الجندي وعلكته في فمه يمضغها باستهتار.. عندما يأمرك بأن تترجل من سيارتك – فأنه في الحقيقة يأمرك بأن تترجل عن كل قيمك – كل مبادئك – كل موروثاتك. وكل مكتسباتك..
.. وعندما سيأمرك بأن تنبطح ارضاً ليتمكن من تفتيشك بأتقان – فأعلم أن وضعية الانبطاح تلك – هي الوضعية الامثل بالنسبة له.. أنها الوضعية التي يريدون ابقاءك فيها إلى الأبد – ولو قمت عن ذلك مظهرياً – فأن الانبطاح هو وضعك الأمثل بالنسبة لهم..
.. وعندما سيتفرسون في وجهك ليبحثوا عن قائمة مطلوبيهم من المسئولين والقادة العسكريين، لا تطمئن كثيراً إلى انهم سيتركوك، فأنت ايضاً مطلوب بشكل او بآخر – بل أنك على رأس القائمة – ولو لم يرد اسمك فيها..
ولا تصدق تلك القائمة المعلنة – فمعظم من فيها من اسماء لا اهمية لهم ولايشكلون خطراً على نقطة التفتيش الأمريكية .. لكن هناك قائمة اخرى مضمرة – غير معلنة – جاءوا من أجل اسمائها بالذات، عبروا المحيطات وجيشوا الجيوش وقاموا بغزوهم هُذا من أجل تلك الاسماء..
أنها القائمة التي تضم أسماء أئمتك واعلامك، صحابتك وقادتك وعلماءك، تلك الاسماء المطرزة في أعمق اعماقك، الموشومة بالجمر في شرايينك واوردتك..
.. وعلى رأسها يوجد ذلك الاسم – أسم نبيك عليه أفضل صلاة وأتم تسليم..



يتبع



لا تهرب من هُذا. لا تخدع نفسك بأي شيء آخر. هُذهِ القائمة المضمرة هي ما دفعتهم للمجيء..
ذلك الأسم الذي على رأس القائمة هو الذي يريدون ..
كل الباقي مجرد تفاصيل..
**********
.. وعندما ستجتاز تلك النقطة، ستلاحظ أن واحداً من جنودها بصق على الأرض .. ستقول مع نفسك أن مشهداً كهُذا لا يظهر في هوليود، وأن الممثلين الوسيمين يظهرون دوماً متمسكين بقواعد التهذيب..
ستواسي نفسك بأن تقول لها أن الكثيرين من ابناء بلدك يبصقون ايضاً على الأرض.. وأن هُذا الجندي لا يعدو أن يكون مثلهم – وجد حاجة بيولوجية لأن يبصق، فبصق..
ستقول لنفسك : أنها مجرد بصقة . لا فرق حقاً في منشئها – سواء كان محلياً ، أو أجنبيا..
لكن لا خديعة ، لاسواء..
فتلك البصقة ستشعر بها لزجة ومقرفة وتغطي وجهك كله..
ستشعر بالبصقة وهي لا تقصد تراب بلدك. بل بلدك بأكمله. بكل تاريخه. بكل قيمه.. ستشعر بها تقصد رأس القائمة المضمرة..
.. ستمتلئ بالغضب. ستلتفت نحو نقطة التفتيش.. سترى تلك النظرة على وجه الجندي تقول لك "ردها عليَّ أن أستطعــت"..
ستقضي عمرك و انت تذكر انك لم تستطع..
*************

بينما نحن بعد في الجامع، وأبو داود يضيف بعض التفاصيل للذي شاهده – والذي أن تشاهده غير أن تسمع به – بينما نحن لانزال متحلقين حوله – دوى أنفجار هائل شديد القرب.. ثم تلاه آخر .. فآخر..
قال العارفون بالأمور – وهم كثر في أحوال كهُذهِ- أن اصوات الانفجارات هُذهِ، هي صوت المدفعية العراقية المنصوبة ولابد في مكان قريب، وهُذهِ الانفجارات القريبة كانت مصداقاً مباشراً لما شاهده أبو داود.. القوات الأمريكية كانت ولابد على مرمى المدفعية المباشرة.. عشرين إلى ثلاثين كيلومتراً لا أكثر..
.. وأكد العارفون بالأمور أن التمييز بين صوت المدفعية وهي تقصف، وبين صوت الصواريخ والقذائف وهي تسقط سهل – لأنك تسمع صوت الأولى ثم تحس بالاهتزاز، بينما تحس بالاهتزاز –مع الثانيـة- ثم بعدها تسمع صوت الأنفجار.
الكلام سهل نظرياً طبعاً. لكن التمييز كان صعباً جداً على المستوى العملي – عندما تتوالى الانفجارات، فأن عقلك يكون مشغولاً بأمور أخرى كثيرة، قبل ترتيب اولويات الانفجار واهتزازته..
أكد العارفون بالأمر أن التمييز جداً سهل. وايدهم بعض الواقفين. ولم يكن هناك فائدة من الجدل، فمالخيارات التي نملكها اصلاً – سواء كانت الاصوات اصوات انفجارات لقذائف تسقط علينا من بعيد او أصوات لقذائف تطلقها مدفعيتنا..
عدت إلى البيت وأنا لا أعرف بالضبط هل الخبر الذي أحمله سيئاً او جيداً – كنا قد وصلنا إلى تلك النقطة التي لاتعرف معها بالضبط ماهو السيء وما هو الجيد.. هل هو شي جيد أن تكون المدفعية منصوبة على بعد أمتار من بيتك – مما يجعله عرضة للقصف المضاد- أم هل هو شيء جيد أن يكون الغزو قد وصل إلى حد – أنه صار على مرمى المدفعية المتوسطة المدى.. وصلنا لتلك النقطة – التي يتساوى فيها السيء والجيد.
وصلنا لنقطة صار فيها هناك سيء وأسوء فقط، لا شيء جيد هناك..
كان هناك عندنا عامل للكهرباء – كردي وطيب جداً- استفسر مني عن صوت الانفجارت المدوية فطمأنته (!) أنها اصوات مدفعيتنا .. وكذلك طمأنت من في البيت.. وكان الأمر له مفعول السحر في تهدئة مخاوفهم بل وازالتها تماماً.
بعد دقائق، دوى صوت انفجار هائل مرّة اخرى. ثوان اعقب الأنفجار حاولت أن أركز لأعرف هل عقب الاهتزاز الصوت أم سبقه..
بصراحة : لم استطع التمييز. لكن في داخل كل منا – على ما يبدو- آلية تحاول انتقاء افضل الخيارات من أجل أن تزرع – بـلاوعــي- الطمأنينة في نفوسنا.. لذلك خيل لي – عن طريق هُذهِ الالية- أن الصوت سبق الاهتزاز فصحت : لا تقلقـوا .. أنها مدفعيتنـا من جـديــد..





كانت الكلمة لها مفعول مثل السحر ايضا على الجميع. ذهب الروع الذي كان على وجوههم، عاد الاطفال للعبهم دون أي مبالاة، و واصلت زوجتي أعداد الطعام، و واصلت خالتي متابعة الأخبار..
.. وعندما توالت اصوات الانفجارات الهائلة – وكان كل واحد منها يبدو أكثر قرباً من الآخر – واصل الجميع ما كانوا يعملونه.. "أنـها مدفعيتنــا" ولا داعي للقلق.. الآن على الأقل..
ثوان واقتحم – بدون استئذان- عامل الكهرباء والفزع يبدو على وجهه.. كان واضحاً انه لم يقتنع بما قلته له – والذي قاله لي العارفون بالأمور- من أنها أصوات مدفعيتنا – مادام الصوت قد سبق الاهتزاز..
قال لي وهو يكاد يلهث. "هل تريد أن تقتلني ؟".
قلت له : "كاكـه• ! .. ما بـك ؟. لا تقلـق ! أنها مدفعيتنــا ؟".
رفع يده وهو يحمل قطعة معدنية صغيرة. وقال " لا كاكــه. هُذهِ ليست مدفعيتنا".
"أنظـر ،أنها شظية من قذيفة أمريكيــة".
ونظرت إلى تلك القطعة المعدنية الحادة – التي لاتزال ساخنة كما لو كانت جثة طفل وليد مات فور ولادته..
أمسكت بالقطعة المعدنية. لم تكن عندي أي خبرة من أي نوع .. لا بقذائف مدفعيتنا، ولا بقذائف مدفعيتهم..
أمسكت بالقطعة اتأملها، كانت اطرافها حادة ومدببة.. بدت لي مثل أنياب فك مفترس، ليس من شراهة فيه إلا للدماء..
كانت القطعة كريهة. باردة الملامح – رغم سخونتها فيها شيء غامض ووقح- وقدرت بسذاجة أنها لابد أن تكون امريكية مادامت كذلك..
قبل أن افرغ من تأملاتي كان كاكه عبد الله قد جلب شظية اخرى. واخرى. واخرى..
.. في الشارع أمام الباب كان هناك المزيد من الشظايا المتناثرة.. كان من الواضح، اننا تعرضنا لقصف قريب.
.. وكان من الواضح ايضاً، أن العارفين بالأمر.. قد اتضح أنهم لايعرفون شيئاً.. كما هو معتاد.. ومتوقع !..
* * *
كانت القذائف الصاروخية قد سقطت على منزلين في شارع خلفي لا يبعد أكثر من خمسين متراً عن شارعنا..
وخلال بضعة دقائق – كنت أرى من شرفتي منظر غريب لناس يمشون فرادى ومثنى وجماعات – يتركون المنطقة وهم يحملون أقل من القليل من المتاع وحطام الدنيا..
كانوا في معظمهم .. كما توقعت من سكان المنطقة الفقيرة المجاروة المحاذية للطريق السريع.. قدروا – عندما حقت الحقيقة – أن بيوتهم الآيلة للسقوط لن تصمد أمام قصف قريب.. وقرروا أنهم سيغادرون .. كان بعضهم قد ركب في الحوض الخلفي للشاحنات الصغيرة، ومعهم بعض ما استطاعوا أن يحملوه من أثاث وأدوات – تصوروا أنها ستكون مهمة أو خشوا عليها من السرقة – وكان البعض الآخر لم يجد شاحنة تحمله واثاثه، فحمل على ظهره ما استطاع أن ينوء به من ملابس وأغطية وبعض المواد الغذائية..
لن أنسى ابداً.. منظر اولئك الناس الفارّين من بيوتهم وهم لا يحملون شيئاً يذكر، لايلوون على شيء سوى الفرار من قدر تصوروا أنه سينهار فوق رؤوسهم تلك الليلة..
لن أنسى منظر تلك السيدة المسنة، الواضح جداً من زيها أنها مسيحية، محنية الظهر من حمل عشرات السنين من المصاعب والهموم تجر نفسها جراً – ولا تحمل غير كيس صغير لعله لا يحمل سوى مؤونة يوم أو أقل..
من شرفتي شاهدت العشرات يغادرون – باتجـاه واحــد- الشارع العام، حيث كانوا ينتظرون أن يستقلوا سيارة تقلهم إلى قدر آخر – قدروا أنه سيكون أكثر حناناً عليهم..
عرفت، فيما بعد، أن ذلك اليوم بالذات، شهد خروج مئات الالاف من سكان بغداد.. وعرفت أن الطريق الوحيد الذي بدا للسكان آمناً وقتها – وكان طريق بعقوبة- شمال شرقي بغداد- قد امتلأ على آخره، بطاقته القصوى – بل بأكثر من طاقته القصوى..



يتبع

Romantic Flower
, Tue, 16 Oct 2007 09:11:08 +0200
كان الطريق السريع – باتجاهي الذهاب والاياب، قد امتلأ بسيارات متجهة صوب جهة واحدة..
ذهاباً ، خارج بغــداد !.
*************
.. تلك الليلة، حوالي الساعة الثامنة مساءً، غرقت بغداد في ظلام دامس.. كان التيار الكهربائي قد أنقطع عدّة مرات عن بغداد خلال الحرب، لكن ليس بصورة كاملة عن كل أحياء بغداد.. وكنت إذا صعدت إلى السطح تستطيع أن ترى من بعيد بعض الانارة الخافتة المنبعثة من الساحات والاحياء – تبعث في نفسك الطمأنينة بأن هناك بعض الضوء في ذلك النفق الذي دلفنا إليه..
تلك الليلة، كان الأمر مختلفاً جداً.. لم يكن هناك ضوء البتة.. وعندما صعدت إلى السطح لاستطلع الأمر، وكلي أمل بضوء ولو خافت ولو من بعيد، لاتعلق بحباله المهترئة الذائبة.. وجدت أن بغــداد كلها قد غرقت في ظلام دامـس شديد الحلكــة. بل وجدت –في تلك الليلة التي غاب فيها القمر، أن الكون بأكمله قد سقط في هوة معتمة شديدة السواد..
تلك الليلة – لا قمر ولا ضوء ولا بصيص أمل.. وبغداد مظلمة كما لم تكن ابداً من قبل – مظلمة كلها دفعة واحدة دون أن يكون هناك قصف قد وقع وأدى إلى ذلك..
نعم. كانت الأمسية كله أمسية قصف كالعادة – لكن لم يكن في اللحظة التي انقطعت فيها الكهرباء – أي قصف شديد و واضح يتوقع منه أن يخرب محطات الكهرباء الرئيسية في المدينة..
كان ذلك الانقطاع لغزاً غامضاً لم نفهمه – بينما نحن ندلف في ذلك النفق المعتم- تعالت التفسيرات والتحليلات (التي عادة تزيد من غموض القضية).. وكان الأمر غامضاً ومبهماً لدرجة أن العوائل التي تمتلك مولدات كهربائية امتنعت عن تشغيلها خوفاً أن تكسر تعتيماً معيناً ارادته السلطات..
لم نكن نعلم، أن ذلك الظلام الذي خيم على بغداد، وتلك العتمة التي غرقنا فيها – ليست سوى رمز صغير ذو دلالات كبيرة..
تلك الليلة، لا قمر فيها ولا حتى بصيص من ضوء.. لا عود ثقاب. لا شمعة. لا بطارية لمصباح صغير..
لم نكن ندري، أو أننا كنا ندري ولكن تجاهلنا، أن ذلك النفق المظلم الذي دلفنا فيه، سيصب بنا في بحر الظلمات..
لم نربط كثيراً بين الظلم – والظلمات.. رغم أن الربط كان واضحاً .. من الظلم إلى الظلمات .. سقطنا في هوة مرعبة لا قاع فيها.. في تلك الليلة تحديداً..
.. كانت الليلة التي بدءت فيها معركة "المطـــار" !.
****************
رغم خوفنا من كسر التعتيم الذي كانت احتمالية قائمة – فأننا قمنا بتشغيل المولد الكهربائي الصغير الذي نملكه، كنا جياعاً لعود ثقاب، لخبر فيه شمعة، فيه بصيص من أمل..
في تلك الليلة، ظهر ذلك المراسل، الذي علا نجمه في حرب افغانستان، تيسير علوني، وهو في منطقة ما من ضواحي بغداد، وخلفه كانت اضواء لانفجارات هائلة.. لكن الصورة كانت غامضة.. فاضواء الانفجارات لم تصاحبها اصوات هائلة كالعادة..
كان الامر يشبه مذبحة صامتة. طلقة نارية قاتلة من مسدس كاتم للصوت. وسادة تكتم الانفاس على وجه الضحية ثم فوهة مسدس توجه نحو صدغه دونما تردد..
نعم. كانت الانفجارات بلا صوت.. وكان ذلك الصمت مفزعاً حتى اكثر من كل الاصوات الهائلة المهولة التي مرت باذاننا وزلزت حياتنا عبر الاسابيع الماضية..
كان الصمت مرعباً – أكثر من أي شيء آخر- كان يعني انك ستتلقى فجأة طعنة دون سابق انذار او تنبيه..
كان الصمت مفزعاً – أكثر من أي شيء آخر- كان يعني أنهم يستخدمون سلاحاً غير تقليدياً هُذهِ المرّة..
كان الصمت مروعاً – كان يكاد يشعرك أن حواسك بدأت بالتعطل ..أنهم سلبوك سمعك اولاً – ثم أنهم سيسلبوك بصرك ثانياً ولاتدري بعدها أي شيء سيسلبوك، من أجل أن يدفعوك في الطريق الذي يريدون..
دفعني ذلك الصمت الغامض أن اصعد إلى السطح، لأتحقق من أن الأمر لم يتعلق بخلل ما في إرسال الجزيرة !!.. كما كنت آمل أن يكون الأمر..
من بعيد، في الجهة الشمالية الغربية، كانت هناك تلك الأضواء المكتومة الصوت – الاضواء التي لم تكن تزيد الظلمة الا ظلاماً.. من بعيد، كان هناك شيء ما يحدث في الأفق، شيء غريب لم يكن يمكن تبنيه.. شيء ما في الأفــق..
شـيء‘’ ما عنـد "المطــار"!.
**********************
آه، المطار..
كتاب اغلقت صفحاته على اسرار دفنت مع الضحايا هناك، تفحمت جثثهم وزال اللحم عنها في لحظات .. لم يبق سوى هياكل عظمية لم تجد فرصة لتروي ما حصل..
آه ، المطــار..
ربما لن يعرف أحد حقيقة ما حصل. ربما لن يتمكن أحد من رواية ما حصل. وربما لن يصدق أحد حقيقة ما حصل..
..المطــار .. تلك الليلة..
أتخيل تلك العيون وهي تفتح على اتساعها – من الرعب، من الهول، من ذلك الانفجار كاتم الصوت الذي لم يفهموه.. جمدَ الرعب في عيونهم، جمدت عيونهم، جمدت الدماء في عروقهم.. وماتوا.. قبل أن يفهموه..
آه المطــار .. تلك الليلة..
والأمهات، لا يعرفن بالضبط ماذا يدور، لكن قلوبهن تهمس في آذانهن بتلك اللغة التي لا تتقنها غير الأمهات .. يرحن . يجئن. يعددن الطعام، يقرأن القرآن، ويتظاهرن بالتماسك والانصات بأهتمام.. لكن قلوبهم قبل آذانهن – ترهف السمع، لأي صوت عند الباب، قد تنشق بعده الباب، عن ذلك الحبيب البعيد، الجندي عن المطار، وقد استطاع أن يحصل على اجازة لتلك الليلة..
.. المطــار .. تلك الليلة..
.. قلوبهن عرفت شيئاً.. لكنها جهلت التفاصيل، قلوبهن قالت شيئاً، لكن آذانهن ابت التصديق..، قلوبهن قرأت في الجو شيئاً غامضاً، بلغة لا تتقنها غير قلوب الأمهات..
المطــار .. والأمهـات .. تلك الليلة..
عيونهن شاخصة على الباب.. آذانهن مرهفة إلى الباب. قلوبهن متعلقة بالدعاء.. يطلبن ويترجين النجاة لاؤلادهن.. ولو عرفن ما يدور حقاً في المطار تلك الليلة، لصلين بحرارة فقط من أجل أن يموت اولادهن بسلام، بسلاح تقليدي، برصاصة رحمة، بشظية قاضية..
لو عرفن، الأمهات، تلك الليلة بما يدور، قرب المطار، لطلبن منه تعالى فقط آن يموت اولادهن دونما ألم.. لطلبن فقط أن يعجل بموتهم – رحمة بهــم .. وبهــن.
المطار، تلك الليلة في ذلك الخميس الحزين.. لن يعرف أحد ماذا حدث، لم ينج أحد على ما يبدو من تلك المحرقة الصامتة، العيون جمدت على المنظر. والحناجر جمدت على صرخة الرعب.. والزمن كله توقف لبرهة ستستمر إلى الأبد..
تلك الليلة، بغداد في ظلام دامس لا نهاية له، وشمالها الغربي يضيء بصمت مريب، بضوء هو جوهر الظلام..
تلك الليلة، الطريق إلى المطار يتحول إلى مقبرة جماعية غامضة، لجثث تحولت إلى عظام في ثوان، وثوان استمرت لدهور بالنسبة لأصحاب تلك الجثث..
تلك الليلة، لم ينقل أحد صرخات الاستغاثة – لم يسمعها سوى ذاك الذي لا يغيب عن سمعه شيء، غيره لم يسمع أحد.. ولم يكترث أحد..
تلك الليلة، وأولئك الذين ماتوا – في درب المطار المزروع بجثثهم واحلامهم وخيباتهم واحباطاتهم ودعاء ودموع امهاتهم- اودعوا صرخاتهم والآمهم ورعبهم في زجاجة، وظلت الزجاجة تهوي نحو قعر محيط لا قاع له..
.. تلك الليلة، المطار، شيء ما في الأفق ينذر بشيء ما "غير تقليدي" – استخدم- لم يفصحوا عنه، بل كتموه وتكتموا عليه، وسوف تظل المنطقة بأكملها محظورة على دخول الصحفيين لفترة طويلة، حتى لا يتمكن أحد من معرفة ما حدث..
لم ينج أحد. لم يخرج أحد من تلك المحرقة ليروي ما حدث.. لكن الذين كانوا في المشرحة رأوا آثار الجريمة على الجثث. الاطباء في المستشفيات شاهدوا شيئاً لم يشاهدوه من قبل، فاعلي الخير الذين دفنوا الجثث المتفحمة الملقاة على قارعة الطريق، رأوا عظاماً منزوعة اللحم، منزوعة البصمات، منزوعة العواطف ومنزوعة الحظ..




يتبع



.. لم يعرف أحد حقاً ما دار فعلاً – لكن الجميـع- وأولهم الأمهـات – يعلمون أن شيئاً ما، غريب جداً، مريع جداً، نادر جداً، قد حدث في المطار.. تلك الليلة..
وذات يوم، بطريقة ما سيعثر على تلك الزجاجة الهاوية في قاع المحيط، وستنقل تلك الصرخات – تلـك النظــرات- التي تجمدت في احداق وحناجر أولئك الذين تفحموا – بسلاح لا نعرفه، لكنه بالتأكيد غير تقليدي .. في المطار، تلك.. الليلة، ذلك الخميس المظلم الحزين..
****************
المطار، قبل تلك الليلة – بثلاثة اسابيع بالضبط.
خميس حزين آخر، الخميس الذي سبق الحرب بالذات (التي بدءت ايضاً يوم الخميس)..
المطار – ذلك الخميس الذي سبق الحرب، وبغداد كلها تبدو كئيبة – لكن متماسكة، لم تفقد بعد رباطة جأشها- ترتدي ثياب الحداد على الحسين – سمحوا اخيراً لها بذلك..
كان ذلك الخميس – الذي سبق الحرب- هو يوم عاشوراء، وكانت ذكرى الحسين تزيد من كآبة المشهد وتلقي عليه بظلال لا يمكن إلا أن تكون ظلال الموت..
.. وكان المشهد كله، الخميس الذي سبق الحرب، ذلك العاشوراء الحزين، يشبه، وبشكل مفاجئ، مشهد العاشوراء الاصلي..
.. كان العالم كله يتفرج علينا ونحن نكاد نذبح، البعض كان مستعداً لمحض التعاطف معنا، والبعض الآخر كان مستعداً للعويل واللطم من أجلنا..
البعض كان مستعداً لاظهار الفرح بذبحنا، والبعض الآخر كان مستعداً لأظهار اللامبالاة واللاإكتراث من أجلنا..
.. البعض كان مستعداً للتظاهر من أجلنا، ولاصدار البيانات ولكتابة القصائد، وايضاً المقالات..
لكن – بعد ذلك كله – في النهاية، لم يكن هناك أي أحد – ولا شخص واحد – مستعد لأن يفعل شيئاً – حقاً من أجلنا..
كنا سنموت وحيدين .. نذبح ونقصف ونهتك وحيدين..
..وكان ذلك هو جوهر الكرب والبلاء .. جوهر عاشوراء –أن تموت مظلوماً، وحيداً، وقد خذلك الجميع- أن تموت وحيداً، والعالم كله كربلاء- وانت غريب حتى بين اهلك- واهلك ايضاً غرباء عندما يتعلق الأمر بذلك الموت الذي يستهدفك من جميع الجهات..
ذلك هو عاشوراء : أن تموت مظلوماً، ويخذلك الجميع.. الجميع.. الجميع..
وذلك الخميس – العاشوراء الحزين- كان العالم كله – كلــه- قد أعد العدّة ليعد عداً تنازلياً قبل أن يبدء ذبحنا – وقبل أن يبدء التفرج علينا، بينما نحن نذبح – ونقتل.. ونحترق.. ونؤخذ سبايا في سوق الرقيق العالمي- على رؤوس الاشهاد..
ذلك الخميس الحزين – عاشوراء ليسَ بالمصادفة، بل بذلك القدر الذي يجعل الرموز والدلالات في الواقع اوضح وأكثر بلاغة من أي فن مصنوع..
ذلك الخميس الحزين، وعاشوراء ليس مجرد يوم في السنة، أنه تاريخ طويل عاشته بغداد – أنه ذاكرتها وذكرياتها وهاجسها المزمن الذي عاشته بأتقان طوال عصور..
عاشوراء ليس مجرد رأس الحسين الطاهر وهو يفصل عن جسده وينتقل بين الامصار، أنه رأسك ايضاً، ورأسي ، ورأس اخيك واخي ووالدي ووالدك، أنه رأس أي واحد منا المهدد بالفصل لأي سبب كان – وبلا أي سبب كان- في مواجهة عهود ظلم واستبداد مزمنة .. عاشوراء هو الاحتمالية الدائمة لأن تذبح بلا سبب، ويمثل بجسدك بلا سبب، ويبحث بك ناس بلا سبب..
عاشوراء هو ذلك التاريخ الطويل المستمر الذي نبكي خوفاً من تكراره فينا
– وكربلاء ليست حقاً مدينة تبعد سبعين ميلاً عن بغداد- بل هي تقع في مركز بغداد- داخل كل شخص من السكان في بغداد – أنها ذاكرة الكرب والبلاء التي في رأس كل واحد منهم
–ورأس كل واحد منا- كربلاء موجودة في كل المدن التي عانت من استبداد وظلم وطغيان
– أنها موجودة في كل سنتمتر مربع من الخريطة، في كل مليمتر مربع من تلافيف ادمغتنا التي تقولبت على القمع والكرب والبلاء.
بغــداد – في ذلك الخميس الحزين- ذلك العاشوراء الاستثنائي.. كانت تبكي دون أن تدري حتفها، كانت ترتدي السواد ليس على غريب كربلاء فحسب – ولكن على غرباء آخرين سيسقطون جثثاً بلا اسماء- بلا ملامــح – بـلا هويــات- فقط بعد ثلاثة اسابيع من ذلك العاشوراء الحزين.
بغــداد، ذلك الخميس الحزين الذي سبق الحرب – عاشوراء ما قبل الحرب – كانت تبكي دون أن تدري أنهم سيحاصرونها كما حاصروه – وسيمنعون عنها الماء كما منعوه، وسيذبحون صغارها كما ذبحوا صغاره..، وسيقتلونها كما قتلوه، ويفصلون رأسها ليتناقلوه ويشهروا به، كما فصلوا رأسه الكريم.. وتناقلوه.. و .. و ..
بغــداد، المتشحة بالسواد المزمن، والدمعة المزمنة، والكرب والبلاء المزمنين – لم تكن تدري- أنها، بعد ثلاثة اسابيع، ستؤخذ كسبية.. وأن بناتها سيبعن كرقيق رخيص، ويهربن عبر الحدود كأرخص بضاعة معروضة في سوق الدعارة العالمية.. كما ..
..كفــى !.
*****************
بالقدر الملآن بالرموز – وليس بالمصادفة العبثية- كنت .. ليلة الخميس ذاك
–عاشوراء الحزين- في المطار..
.. كان قد مضى عليَّ حوالي خمسة عشر سنة لم اطأ بقدمي في أرض المطار
– الذي كان مغلقاً معظم تلك الفترة بسبب الحصار الذي عطل الملاحة الجوية تماماً حتى عادت بشكل محدود جداً، قبل اشهر فقط من ذلك العاشوراء الحزين..
كل من ودعتهم من اقرباء واصدقاء واحباء –عبر سنوات الحصار التي نزف فيها العراق خيرة ابناءه وعينتهم- كانت مغادرتهم ليس عبر المطار بل برياُ انطلاقاً من كراج للسيارات..
لكن تلك المرّة بالذات، ذلك العاشوراء الحزين قبل الحرب بأسبوع، كنت أودع واحداً من أقرب أصدقائي – في المطار..
كان سفره قد واجه جملة عراقيل قانونية تم تجاوزها بما هو أشبه بالمعجزة في الأسابيع التي سبقت الحرب مباشرة..
.. وحتى اللحظة الأخيرة –لحظة دخوله "قاعــة المغادريـن"- كان هناك قلق من عدم تمكنه من المغادرة- كان جواز سفره قانونياً تماماً، لكنا كنا نعيش في عهد يمكن لأي قرار جديد أن يصدر فيه "تريــث" يوقفه إلى الأبد – ويتضح أن القرار كله قد صدر من أجل شخص أو شخصين استفادا منه "قانـونيــاً"- ثم يغلق بعدها "البــاب" إلى الأبد..
كان صديقاً قريباً جداً – جمعتني به سلسلة مما يعتبره الناس في العادة محض مصادفات- وهي في الحقيقة سلسلة من الاضاءات الالهية المباشرة في درب الوحشة الأنسانية الوعرة..
كان الجوع إلى "الرفقة" – إلى الضوء هو المعيار الاول في تلك الصداقة النادرة التي اخترقت حياتينا معاً- وغيرت حياتينا معاً..
وكان سفره هُذا –على الأغلــب- سفراً نهائياً لا رجعة فيه – فقد كان كل افراد عائلته – كلهم دون أي استثناء- قد اختاروا العيش في المهاجر الغربية منذ سنوات – كما فعلت عشرات الالاف من العوائل العراقية بضغط الحصار او غيره- وكان قد بقي هو وحيداً محاصراً بعراقيله القانونية التي منعته من الالتحاق بأهله..
وفي تلك الليلة بالذات، ليلة عاشوراء الحزينة، كان عليَّ أن اودع شخصاً كان أقرب إليَّ من طلقة نارية تخترق جبيني..
(أسباب كثيرة للبكاء – في عاشـوراء ذاك..)
.. عندما مررت بسيارتي – أنا وصديقي وبعض الأصدقاء- بذلك الشارع، والسيارة تنهب الطريق الاسفلتي السريع المؤدي للمطار، كنت أجهل أن دموعي تلك لن تكون سوى قطرات في بحر من الدموع التي ستذرفها الأمهات والزوجات على اولئك الأحباب الذين سيبقون – لأيام طويلات- على قارعة طريق المطار- مجرد جثث محترقة..
لم أكن أدري ، وأنا أركن سيارتي في ذلك المرآب العلوي المواجه لصالة المغادرين، أي هول، أي رعب، أي وحشية ستحط في هُذا المرآب .. بعد أسابيع فقط من ذلك العاشوراء الحزين..
لم أكن أدري، وأنا أدخل صالة المغادرين – في ذلك الخميس الحزين- أن خميساً حزيناً آخراً – بعد ثلاثة أسابيع فقط- سيشهد- في نفس تلك الصالة، صالة المغادرين، مغادرة الالاف من الجنود البسطاء المساكين في رحلة الأبدية..
لم أكن أدري – أن صالة الشرف الكبرى- المحاطة بالمحذورات الأمنية والأسيجة الواقية –ستتحول إلى صالة الهول الكبرى .. وصالة الرعب الكبرى- وأخيراً صالة الذل الكبرى..



يتبع



أكن أدري – أن الصالة التي كانت متلألئة بالأنوار في ذلك العاشوراء الحزين، ستشتعل وتضاء بلهيب الجحيم وسعيره بعد ثلاث أسابيع بالضبط من ذلك اليوم..
لم أكن أدري أن أرضية المطار اللامعة – التي كانت تغسل ساعة دخلنا بالمنظفات الملمعة- ستغسل بالدماء بوفرة، وستسيل عليها دماء كما لم تفعل على نفس المساحة المربعة..
.. ولم أكن أدري أن كل تلك الدموع التي ذرفها كل المغادرين ومودعيهم من أحباء وأقرباء وأصدقاء – عبر تاريخ المطار كله- كلها لم تكن حقاً موجهة نحو اولئك الذين لوحوا بأيديهم عبر الزجاج واستقلوا طائراتهم المريحة نحو عواصم أوروبية – على الأغلب- بل كانت كلها –قد جمعت عبر العقود- وخزنت في رواق من أروقة المطار.. وذرفت تلك الليلة - من أجل اولئك الذين قتلوا في المطار بطريقة غير تقليدية، بسلاح غير تقليدي، غرقوا بماء النار المندلع عليهم من أبواب الجحيم الذي حط في المطار – تلك الليلة..من أجل الذين التهمهم الوحش الكاسر وهشمّ عظامهم بأنيابه..
كل تلك الدموع – التي ذرفت في صالة المغادرين، منذ افتتاح المطار- كانت من أجل اولئك الذين سيقضون في المطار – في ليلـة قصــف صامتـة- من أجل تلك الجثث المتفحمة.. والاشلاء الممزقة.. والأطراف المقطعة..
.. لم أكن أدري، وأنا أسير على أرض المطار – أن كل بلاطة من أرضية المطار، سيسقط عليها جزء ، أو طرف أو نسيج من أنسان..
هنا سيتناثر جزء من دماغ، كان يختزن في تلافيفه ذاكرة لاتنسى احداً من الأقارب والأحباب- وهنا سيسقط ذراع شخص طالما ربت بحنان على أكتاف الآخرين- وهنا سينزف قلب طيب ليس هناك من هو أطيب منه – إلا قلب أمه المفجوع عليه- وهنا سيتمزق صدر كان يختزن هموم أكل الأولاد وحمل الطعام اليهم كل ليلة..
لم أكن أدري – أي ملحمة ستقع في المطار، بعد ثلاث أسابيع فقط – أي محرقة، أي مذبحة – (ولو دريت…. ماذا كان سيحـدث ؟..)..
.. ولم أكن أدري، عندما انزويت لأصلي في المصلى الصغير الملحق بصالة المغادرين، أن العشرات من الجثث هنا في المطار لن تجد فرصة لتغسل .. او تكفن.. أو حتى تدفن..
ناهيـك عن أن يصلى عليها..
لم أكن أدري ذلك كله، ربما لو تفرست في المكان، لوجدت دليلاً أو اثراً على ما سيحيق به –وبنــا- بعد ثلاثة اسابيع فقط.. لكني لم أفعل.. فقد كنت مشغولاً بتوديع صديقي..
***********************
دهـر الوداع كان صعباً… دعــونا منــه..
لكن عندما اجتاز صديقي ذلك الحاجز الزجاجي – غمرني شعور‘’ بأن المسافة الفاصلة بيني وبينه تضاعفت لملايين المرّة خلال ثوان.. فجأة فصلتني عنه محيطات وبحار وعوالم.. فجأة وجدتني في قارة ووجدته في قارة أخرى مختلفة وبيننا ذلك الحاجز الزجاجي الذي لا يتجاوز سمكه بضعة مليمترات.. ولكنه كان كافياً لقطع الاتصال بين روحين ظلتا ملتصقتين لفترة تلاصق يتيمين في ملجأ..
.. لم أكن أدري – وأنا أحاول عبثاً أن أتحدث مع صديقي- عبر الحاجز، أن ما حدث في المطار تلك الليلة، هو ما سيحدث لنا جميعاً ، جميعاً !.
.. لم أكن أدري، أننا سنوضع –جميعــاً- خلف قفص زجاجي كبير، وأن العالم بأكمله، سيأتي ليتفرج علينا .. كما يتفرج على حيوان نادر مشرف على الأنقراض..
لم أكن أدري، أننا خلف ذلك القفص، سنحاول عبثاً أن نسمع صوتنا لأحد .. خلف ذلك الحاجز، سنصرخ، ستتمزق حناجرنا ونحن نحاول أن نسمعهم، سنفقد أصواتنا في النهاية، سنحاول أن نستخدم لغة الإشارة، سنرطم الجدار بأيدينا.. ثم برؤوسنا.. سنلطم.. سنبكي.. سننهار.. ولن يفهمونا.. لن يفهمونا..
.. سيأتون وسيتفرجون.. سيلصقون على شفاهنا ما لم نقل. سيؤكدون نظرياتهم ومعتقداتهم وفرضياتهم بالأعتماد على قراءتهم المغلوطة لحركة شفاهنا. سيعلقون، ويضحكون، ويهزؤون، ويمصمصون شفاههم أو يسخرون ويذهبون..
لكنهم لن يفهمون.. لن يفهمون.. سيظل ذلك الحاجز الزجاجي فاصلاً بيننا وبينهم كما كان فاصلاً بيني وبين ذلك الصديق … تلـك الليلــة..
(عبثاً حاولت أن أوصل صوتي إليه ..عبـر ذلك الحاجـز.. ذلك العاشوراء الحزين)..
كنت أريد أن أقول له شيئاً لم استطع أن اقوله في دهر الوداع الصعب..
كنت أصرخ بالكلمات بأعلى صوتي.. لكن أي من كلماتي لم تستطع اختراق الحاجز..
وكان صديقي، على الجهة الأخرى من العالم – عبر ذلك الحاجز الذي لا يتجاوز سمكه مليمترات..- يؤشر لي أنه عاجز عن سمعي..
وسط نظرات رجال الأمن القمعية – والتي احترفت وامتهنت عبر العقود منع التواصل بين البشر- وسط تلك النظرات، وجدتني أحاول التواصل بواحدة من أقدم الطرق التي اخترعها البشر، بالكتابة..
.. فتحت حقيبتي ووجدت ورقة صغيرة (لا أزال محتفظاً بها( وكتبت بها على عجالة ما أريد أن اقوله لصديقي في الطرف الآخر من العالم.. كانت جملة من أربع كلمات – خفيفة على اللسان ثقيلة في الميزان- أنها الطريقة المحببة التي يتوادع بها المصريون..
كتبت له تلك الكلمات "لا إلــه إلا اللـــه"..
والصقتها على ذلك الحاجز الزجاجي – الحد الفاصل بين قارتين..
.. في عينه ترقرقت دمعة – كنت قد خبرت صدقها- عندما قرأ تلك الكلمات.. تحركت شفتاه .. بالرد اياه، ادهشني أن أسمع الكلمات بوضوح رغم الحاجز المانع.. – لكن دهشتي زالت، فقد كنت قد سمعته بقلبي لا بأذني-..
أدهشني كيف أن الكلمات والرد الذي هو تتمتها الحتمية استطاعت أن تلغي ذلك الحاجز –أن تمحيــه- أن تمد جسر التواصل بين القارتين ولعل ذلك لم يكن مدهشاً بعد كل شيء..
تلك الكلمات التي سطرتها على الورقة، والتي قالها على شفتيه، ودمعته تترقرق في عينيه – لم أكن أدري أنها ستطير وتحلق عالياً لتستقر في سقف المطار- ذلك العاشوراء الحزين..
ولم أكن أدري، أنها ستنتظر ثلاثة أسابيع – هناك في سقف المطار – إلى أن تأتي المحرقة، إلى أن تأتي المذبحة، عندها وعندها فقط، ستخرج تلك الكلمات من مخبأها، تحت القصف، بين القذائف، وستتناسل، وتتكاثر، وتتناثر، لتطرز الشفاه المحروقة لاولئك الذين سيلقون حتفهم بعد ثلاث أسابيع من ذلك العاشوراء الحزين..
لم أكن أدري أن تلك الكلمات، التي سطرتها على عجالة، على ورقة صغيرة (لا أزال محتفظاً بها..) يمكن أن تلقن اولئك المحترقين كلماتهم الأخيرة – الشهـــادة- قبل أن يتركوا صالة المغادرين.. في رحلتهم إلى الآخرة..
لا . لم أكن أدري، كنت مشغولاً بالــوداع..
كانت ليلة عاشوراء حزينة..
*********************
.. في طريق العودة، مروراً بطريق المطار، وضع القدر على السنتنا – نحن المودعين- كلمات مذهلة الدلالة والترميز .. عندما اتأملها الآن، بعدما كان كل ما كان.. كان النشيج أعلى في طريق العودة، أعلى مما كان في طريق الذهاب إلى المطار، بالذات كان أعلى في المقعد الخلفي، حيث جلس صديق لصديقي، وقريب له أسمه عمر..
كان عمر، ابن السابعة عشر، وهو أبن خالة لصديقي، ينشج بصوت عالٍ، ويردد، بين دموعه وشهيقه، كلمتين اثنتين..
كان يقول "الطيــب راح".. "الطيـب راح"..
وكانت كلماته موجعة ومفجعة، فقد كنت أعرف بالذات ماذا يقصد بالطيب الذي راح..
كان عمر، وأمه وأخ آخر له، يشكلون عائلةً فقيرة بدخل محدود أن لم أقل أنه معدوم.. وكان صديقي – الطيـب الذي راح- والميسور إلى حد ما، يشكل سنداً مادياً لهم في ظروف بالغة الصعوبة والعسر – بل أنه كان، كثيراً ما يستضيفهم لأسابيع، في بيته، حيث كانوا يتمتعون بذوقه العالي في الطعام والشراب، ويوفرون ثمن القوت الذي كانوا سيدفعونه لو كانوا في بيتهم..
.. في عالم ملئ بالظلم والشر، والجشع والشراهة، كان صديقي – الطيـب الذي راح- يشكل نسمة من العدل والطيبة في هُذا العالم – على الاقل بالنسبة لخالته واولادها.
تلك الليلة، في ذلك العاشوراء الحزين، وجد عمر وأمه واخوه أنفسهم في عالم فارغ تخلى فيه عنهم الجميع.. وخذلهم فيه الجميع.. وسد الجميع أبوابهم.. وآذانهم.. وصار العالم
– فجأة برية خالية إلا من الوحوش والضواري – صقيعا بارداً لا دفء فيه ولا حنان.. فالطيب راح .. الطيب راح..
عمر، يبكي في عاشوراء على الطيب الذي راح..
أي رمــز… وأي دلالــة..



يتبع




على جانبي الطريق الأسفلتي، كانت هناك حاشية ترابية ضيقة، تنمو بها بعض النباتات البرية والحشائش.. لم التفت إليها، ولا أظن أحداً ممن كان معي في السيارة التفت إليها..
بل أني لا أظن أن أحداً – لا في تلك الليلة ولا في سواها- قد التفت حقاً إلى تلك الحاشية الترابية الضيقة..
لم يقف احد‘’ – ليتأمل في ذلك الهامش الضيق- ليتفرس في تلك المسافة الضائعة التي لا يفكر فيها أحد..
لم يتصور أحد – ولا تصورت أنا- أن ذلك الهامش الضيق سيستوعب ملحمة تعجز عن استيعابها الآف الصفحات.. وأن تلك الحاشية الصغيرة ستكتب ما لا يكتب في المتن الاصلي..
في تلك الحاشية، على جانبي الطريق، سيدفن – بعد موتهم بفترة- المئات، وربما الآف ، سيدفنون دون أن يحوزوا فرصة ثانية – وربما حتى دون أن يكونوا- قد حصلوا على فرصة أولى..
في تلك الحاشية، سيدفنون، بعضهم تحت حجر.. وبعضهم تحت جذع شجر.. وبعضهم بلا تحت أي شيء، بلا أي أثر..
سيكتب ،اولئك الذين سيخرجون بعد أيام من سكان المناطق القريبة، ليدفنوا اولئك المشلوحين في العراء، سيكتبون، على احجار، بخط ردئ، بحبر ردئ، كل المعلومات التي استطاعوا أن يحصلوا عليها من الجثث الصامتة – التي لا تدلي بشيء- لعل وعسى يأتي يوم.. ويأتي من يبحث عن تلك الجثث..
كتبوا "هنا يرقد عقيد مجهول الأسم يقود سيارة نوع كورونا بيضاء".. لا شيء آخر..
ويسرح خيالك ليملئ الفراغ الذي لم تملئه المعلومات المدونة على الحجر فوق القبر، لعل العقيد كان يملئ الدنيا بهيبته وشاربيه وابتسامته، كان "رفعـة رأس" أهله وعائلته. وقرة عين أمه المصابة بالضغط والروماتيزم – وظهر أرملة أخيه واولادها الأربعة- ]والآن من يكون ظهر أرملته وأولاده الخمسة – افكر، لكــن اللــه موجود)[ .. لعله كان يساعد أبن الجار عندما ادى الخدمة العسكرية، ولعله كان كثيراً ما يؤدي "الواجــب" مع الجيران والأقارب..
.. قرة عين أمه .. عميت عين أمه عليه، ليس سوى حجر فوقه، عليه تلك الكلمات "عقيد مجهول الاسم – يقود سيارة….".
وهنا كتب "هنـا يرقد مدني يلبس حذاء رياضة وتراكسوت ازرق" هُذا كل شيء. حياة انسان كاملة، مشاعره عواطفه همومه وأفكاره كلها تصير موجزه كبرقية – لا تسمن ولا تغني من جوع .. حذاء رياضة وتراكسوت أزرق – هي كل ما يمكن أن يدل على أهله الذين ستتقطع بهم السبل بعده.. وربما لن يدلهم الحذاء والتراكسوت على شيء..
وهنا كتب "شاب يرتدي نظــارة" لا شيء عن عينيه، عن شفتيه، عن أذنيه – لا شيء عن يديه وعن رجليه..
لا شيء عن أي من العلامات الفارقة التي تكتب في الهوية – ويتصورها الناس عادة ثابتة .. كل شيء زال- لم يبق إلا ما كان يبدو أنه زائل جداً : فقــط نظارتيــه..
وهنا لم يكتب أي شيء. لم يجدوا أي شيء يمكن الاستدلال عليه: مجرد شخص آخر –يشبهني او يشبهكم او يشبه أي واحد من معارفنا- فكروا لو انا كنا هناك – بالصدفة المحضة بالقدر المحض- في محرقة المطار في ذلك الخميس الحزين – وكانوا وجدونا هناك، بعد أيام، مجرد جثث نصف متفسخة – نصف متفحمة- ماذا كانوا سيجدون فينا مميزاً ليكتبوا على الحجر. فكروا لو انا تجردنا من الالقاب التي تسبق اسماءنا ومن ملابسنا ومن معارفنا ومن علاقاتنا – وكنا هناك جثثا بلا ملامح مميزة في تلك الحاشية الضيقة على طريق المطار السريع ، ماذا كانوا سيكتبون سوى اللاشيء المدونة قرب معظم الجثث المدفونة هناك.. عند ذلك الهامش الذي لم التفت إليه، بينما كنت أمر مسرعاً بسيارتي – في ذلك العاشوراء الحزين-..
****************
لم نكن ندري – ولا كان عمر يدري- أن طيبين كثيرين سيروحون على جانبي طريق المطار، وفي المطار، وفي بغداد كلها.. لم نكن ندري أن "الطيــب راح" – تلك العبارة التي كان يرددها بين نشيجه ودموعه والتي كان يقصد صديقي الذي هو أبن خالته - ستكون ، تلك العبارة، شعاراً لمرحلة – ورمزاً لفترة قادمة-: الطيب لن يروح فقط فيها. بل سيحرق، وسيتفحم، وسيدفن دون أثر، دون دلالة..
ذلك العاشوراء الحزين – قبل الحرب بأسبوع فقط : وقصة الطيب الذي راح هي قصة البلد بأكمله..
كان صديقي ذلك هو نهاية سلسلة طويلة من الاصدقاء – الطيبيــن- الذي راحوا
–بضغط الحصار على الأغلب- عبر ثلاثة عشر سنة طويلة طويلة طويلة..
.. وكما لو كانوا الآن يريدون آن يتأكدوا أن لا يبقى أحد : الحرب هُذهِ المرّة..
(.. الطيـب سيـروح بالتأكيــد..)
ليلة عاشوراء – ليلة البكاء على الحسين، وعلى الاصحاب، وعلى الطيبين الذين راحوا، والذين سيروحون، والذين على وشك الرواح…
.. ليلة عاشوراء – ليلة البكاء على غريب كربلاء، وعلى غرباء المطار. وعلى الغرباء المشردين في المنافي والاصقاع – بسبب الكرب والبلاء
.. ليلة عاشوراء – ليلة فصلوا الرأس الطاهر عن الجسد الكريم، ليلة الرؤوس المنزوعة عن مسقطها، المتشردة في الدول والبلدان..
.. ليلة القبور الدوارس، الشواهد مجرد احجار.. واحياناً بلا أي أثر..، بلا أي حجر..
عاشوراء ليس بالمصادفة.. بل بالقدر.. أنه التاريخ الذي لا يزال مستمراً..
********************
قيلت لنا اشياء كثيرة، عن ليلة المطار تلك..
بعضها كان واضح التزييف والكذب - لكننا صدقناها لأننا كنا نريد أن نصدق.. كنا نحتاج إلى أن نصدق.. كنا نحتاج إلى أن نبتلع تلك الحبة المهدئة – حتى لو كنا نعرف أنها لن تنفع.. وأنها مجرد حبة فارغة او منتهية المفعول..
.. وبعض الأشياء التي قيلت، كان يمكن أن تكون حقيقية، لكننا كنا أعجز من أن نصدقها – لأن الذين قالوها طالما كذبوا علينا.. وطالما تحققنا من تعمدهم الكذب تحت شتى الشعارات.. بعض الاشياء التي قيلت كانت حقيقة فعلاً- كانت واقعاً شهد به الكثيرون .. لكن لأنهم قالوه دونما وثائق .. دونما صور.. وجدنا انفسنا اعجز من أن نصدق..
أشياء كثيرة قيلت لنا.. لكن اذهاننا كانت مشوشة عقولنا كانت مرتبكة.. كنا أعجز من أن نفهم أو نصدق أو نكذب أو نقبل أو نرفض..
لقـد وصلوا المطــار..!

**************************
قالوا لنا، أن انقطاع التيار الكهربائي عن بغداد بأسرها، ليلة معركة المطار، كان امران مرتبطان ببعضهما البعض.. لا بسبب قصف معادي .. بل لأن الطاقة الكهربائية –كما قيل- استخدمت كسلاح استثنائي في كهربة شبكة انفاق تحيط بالمطار .. وكان لا بد أن الغزاة قد تورطوا بها..
لم تكن هُذهِ هي المرّة الأولى التي تستخدم فيها الكهرباء ضد البشر، لكنها كانت بالتأكيد من المرّات النادرة التي تستخدم ضد غير المواطنين..، فقد كان الاستخدام التقليدي للكهرباء – والتي تختزنه ذاكرة بالناس وذاكرة الاقبية والانفاق، هو الاستخدام في التعذيب على أيدي المحققين والزبانية.. وكانت هناك بعض التجارب الأخرى.. في كهربة الاهوار في الجنوب …
لكن هُذهِ المرّة، كما قيل، استخدمت ضد الغزاة – لا أعرف احداً شعر بالاسى او الاسف او حتى الاشمئزاز من أجل طريقة الموت تلك – لو أن أي أحد من هؤلاء الغزاة –قد صعق بالكهرباء وهو يصلح اداة منزلية كهربائية بين زوجته واطفاله- وقدر لنا أننا رأينا الخبر او تعليقاً عليه – لربما كان ملئنا الفغم واسقمتنا الكآبة.. لكن الآن، والكهرباء قد صعقت –كما قالوا- المئات.. لا نشعر بأي شيء من التعاطف .. (مالذي جاء بهم إلى هنا اصلاً.. لو كانوا بقوا في بيوتهم .. هل كانت ستصعقهم الكهرباء ؟)..
.. قالوا لنا ذلك ولم نتأكد قط مما حدث حقاً هناك، فكل ما حدث قد دخل في قنينة الاسرار المكتومة الساقطة نحو قاع محيط لا قعر له.. كل ما حدث دخل في برزخ لا يمكن استكشافه أو التنقيب فيه..
(.. وقيل لنا ايضاً – وتناقلناه كما نفعل مع كل ما قيل لنا، أن أنقطاع التيار الكهربائي كان تغطية على هروب بعض المسؤولين الكبار وعوائلهم من المدينة – تحت جنح الظلام .. كما لو كانوا يهتمون اصلاً بما سيقال عنهم، كما لو كانوا يكترثون ويتجشمون مشقة الاستتار على كل فعلوه طيلة عقود..)
(وقيل ايضاً، وتناقلناه كذلك، أن فرقة أمريكية خاصة قامت بأنزال في وسط المدينة .. لاعتقال شخصية معينة هي "الشخـص" بعينه وشحمه ولحمه، وكان التعتيم الذي فرض على المدينة تضليلاً لهذه الفرقة، من أجل


يتبع



تسهيل هروب ذلك الشخص، بعينه .. كما لو كانت الفرقة الخاصة تعتمد على أنارة الشوارع العامة واضواء بيت الجيران !.. لا نـدري بالضبط ماذا حدث.. لكننا نعرف أن بغداد غرقت في الظلمة، وأن الكهرباء لم ترجع بعدها..)
وقالوا كذلك.. أن الغزاة تكبدوا خسائر فادحة في المطار – وأن اعداداً كبيرة، بالمئات، من جنودهم، قد اسروا.. مما افقد الغزاة اعصابهم ودفعهم لاستخدام ما استخدموه من
اسلحة .. مما لا يعلمه إلا الله.
.. وسيقولون بعدها – ليسَ بعدها بكثير جداً- أن تلك الخسائر التي تكبدها الغزاة .. تلك الجثث واولئك الأسرى .. استخدموا جميعاً للمقايضة في صفقة مريبة .. مقابل تسليمنا جميعاً .. ومقابل تسليم بغــداد..
.. وقيل ايضاً .. قاله ذاك الذي حاز على شهرة اعلامية واسعة اثناء الحرب، أن المعركة حسمت لصالحنا، وتحدى الجميع باصطحاب الصحفيين ومراسلي الوكالات للمطار، ثم عادَ ادراجه في منتصف الطريق بحجة أن القصف شديد في المنطقة..
.. وقيل ايضاً، أن الخيانة بدءت من هناك.. وكان ذلك كذباً مفضوحاً، فالخيانة تبدأ عندما تبدأ ليس بين ليلة وضحاها ولكن .. قبل أن تظهر على السطح بفترة طويلة..
وقيل ايضاً، أن بعض افدح الخسائر التي تكبدناها كانت نتيجة مباشرة لقصف بعض قطعاتنا لقطعات اخرى – فيما بدا للوهلة الأولى أنه خطأ شنيع وقاتل ولكن غير مقصود- ثم سيتبين لاحقاً أنه جزء من هوة الخيانة التي سقط فيها بعض القادة العسكريين المقربين من السلطة..
(كان ولاءهم دوماً مبنياً على الاغراق في المال.. وعندما جاء من يدفع اكثر لم يتوانوا..)
وستتناقل بغداد قصة المروحية الامريكية الغامضة التي حطت على سطح منزل واحد من كبار القادة العسكريين .. ونقلت عائلته بعيداً كجزء من الصفقة التي عقدوها معه..
.. وسيقال لنا –كما قيل دوماً- أننا سنقطع رأس الأفعى ، كما كانوا يقولون قبلها، أننا سنقطع جسدها الممتد على طول الصحراء إلى قطع صغيرة..
سنحاول أن نتناقل ذلك، ولن يمنعنا عن تناقله غير أننا نشعر بشيء ما عند حنجرتنا،.. ما هُذا ؟..
نعم. أنه رأس الأفعى، يلتف عند رقابنا.. يكاد يخنقنا ويحطم عظامنا.. يكاد يقتلنا.. وقد قيل لنا أننا سنقطعه اوصالاً..
.. مرهقين كنا، مشوشين.. مخذولين ومخدوعين.. ورغم الظلام الدامس .. رغم أننا كنا لا نكاد نرى شيئاً .. رغم أن عقولنا مشوشة وافكارنا حائرة إلا أننا كنا نعرف شيئاً واحداً لا شك فيه .. لقـد وصلــوا..!
*******************




























المشهد الثاني


لقد وصلوا!


















صلاة الجمعة في مدينة توشك على السقوط تجربة مريرة.. ليس ما هو أمر منها غير صلاة الجمعة في مدينة قد سقطت فعلاً..
.. وقد جربتها معاً. في جمعتين متتاليتين – لا يفصل بينهما غير أسبوع السقوط نفسه..
الجمعة التي سبقت السقوط، والتي صحت فيها بغداد على حقيقة أنهم (..وصلوا..)
–كانت جمعة مريرة جداً، ليسَ هناك ما هو أمر منها (غير الجمعة التي تلت السقوط..).
.. قصدت المسجد الذي تعودت أن أذهب إليه قبل بدء الغزو –كنت أذهب إليه مع صديقي الذي غادر نهائياً ليلة عاشوراء- قبل ثلاثة اسابيع من ذلك كله..
ذهبت كما لو أني كنت أريد أن اتفقد كل شيء، أو ربما اودعه.. او هكذا، ذهبت بلا سبب واضح المعالم في وعيي يملي علي سلوكي..
.. بدا اسم المسجد – للمرة الأولى- موحياً وله دلالاته: (عمر المختار ).. كان يبدو
–قبلها- مجرد اسم لجامع.. لكن الآن بدا الأسم عنواناً لمرحلة .. وقدراً لوطن..
(..ساعدوا الشيخ العجوز على صعود الكرسي، وضعوا الحبل المتين على عنقه.. شدوه جيداً من الخلف.. تأكدوا من أنه لن يفلت.. شدّوا وثاقه جيداً، تأكدوا من متانته
.. قدم‘’ ما ترفس الكرسي .. يترنح الجسد العجوز ويهتز في الفراغ. يلبط. يشهق.. ويختنق. ثم يسكن تماماً.. رغم اهتزاز الحبل كالبندول..)
.. يومها – تلك الجمعة المريرة – بدا الاسم منذراً بأننا جميعاً –نحن المصلين في ذلك الجامع- على وشك صعود الكرسي الذي سترفسه قدم ما.. على وشك أن نهتز في الفراغ.. على وشك أن نشهق.. ونختنق..
ونمــوت..
(لكن دون أن نحوز شرف المقاومــة..)
للمرة الأولى بدا الأسم له معنى، أكثر من الاحترام والتقدير لذلك الرجل الذي قضى قبل حوالي قرن في قارة أخرى..
للمرة الأولى قرأت في الأسم أسمي، وأسم صديق لي.. وأسم وطني الذي شدّوا وثاقه جيداً..
ثم (ســاعـدوه).. في صعود الكرسي..
حتى أسم المنطقة التي يقع فيها الجامع،اليرموك، بدا موحياً ومليئاً بالدلالات بعدما كان مجرد أسم لمنطقة لا يذكرني إلا بأسماء اصدقائي الذين خرجوا ولم يعودوا في معظمهم..
فجأة، صار الأسم – اليـرمـوك- يذكرني بالتاريخ الذي خرج ولم يعد هو الآخر.. وبالروم الذين هزموا، و بالروم الذين عادوا ،و الروم الذين على الابواب، والروم الذين وصلوا..
وصار الأسم يذكرني بالجيل الذي خرج ولم يعد.. وبالمجد الذي خرج ولم يعد.. وبالعز الذي خرج ولم يعد..
صار أسم اليرموك يذكرني بالواقع الذي اوصلنا لما وصلنا إليه، يذكرني بضباط كبار وقادة عسكريين يسكنون اليرموك – خدموا بلدهم لعقود- ثم انتهوا إلى راتب تقاعدي يكاد لا يكفي لاكتراء سيارة أجرة واستلام ذلك الراتب التقاعدي..
جامع عمر المختار.. في اليرموك في تلك الجمعة المريرة التي لا أمر منها غير الجمعة التي تليها – اسمان بدوا يومها مختلفين جداً عما سبق..، اسمان صارا فجأة مليئان بالدلالات والايحاءات..
*******************
لا أذكر شيئاً من الخطبة غير النشيج.. غير ذلك البكاء الذي كان يسري بين المصلين كالعدوى التي لا تجدي معها وقاية..
بلى، اذكر شيئاً مريعاً غير البكاء. اذكر جملة قالها الخطيب وعلا بعدها النحيب. قال "لايقعد أحدكم في بيته ويغلق بابه عليه ويقول الأمر لايعنيني".. علا النحيب، علا النحيب، علا النحيب.. اجهشت الجموع في البكاء. كانت تعلم أن هُذا ما سيحدث بالضبط كانت تعلم
–ربما دون أن تعترف- أن كل واحد منها –في اللحظة الحاسمة جداً- عندما يدخل الغزاة، سيغلق الباب عليه ويقعد وينتظر.. ويقول : "الأمــر لا يعنينــي"..
الصلاة كانت مروعة وأن كنت لا أذكر شيئاً منها غير القلوب التي بلغت الحناجر، والزلزال الذي زلزل المؤمنين..، وكان قلبي عند حنجرتي.. وكان الزلزال يعصف بكل وطني..
عند القنوت قال الأمام شيئاً لا ينسى ، قال وهو يتحشرج : " نشهدك يا رب أننا نحب بغــداد".. ثم سكت ،اختنق عندها وظل ساكتاً .. اختنقنا معه.. خنقتنا عبراته وخنقته عبراتنا.. دارت الدنيا بنا.. وكانت قلوبنا عند الحناجر.. والحناجر كانت مكلومة، تئن وتنزف وتتحشرج.. بعد الصلاة، شبكني من الخلف صديق قديم منذ أيام الدراسة الابتدائية، احتضنته واحتضنني وظلنا نبكي في احضان كل واحد الآخر لدقائق – بكينا كما لم نبكي حتى في طفولتنا الغابرة، بكينا كل شيء. بكينا الزمان الذي راح والطيب الذي راح.. بكينا الطفولة الذبيحة وبكينا الامان الذي اغتيل، وبكينا احلامنا البريئة وطموحاتنا القتيلة، وبكينا الخداع وبكينا الحقيقة، وبكينا أنفسنا.. بكيناها طويلاً طويلاً..
ولم ننسى أن نبكيكم ايضاً.. نعم، لقد ذكرناكم و بكيناكم.. بكينا كل شيء .. لكن تهربنا من البكاء على بغــداد .. نرثي أي شيء، نبكي أي شيء إلاها .. إلا بغـــداد..
(هُذا ما يفعله الرجال في المدن التي توشك أن تسقط مدنهم : أنهم يبكون.. أنهم بدلاً من أن يذهبوا ويتهيأوا للقتال او يحفروا الخنادق أو أي شيء من هُذا القبيل، فأنهم يبكون..)
كلي خجل‘’، أقـول، منكم ومن الأجيال، من أولادي، لكـن – كلـي صـدق: نعـم، هُذا ما فعلناه، لقد بكينا..، وقفنا نبكي كما يبكي كل الرجال في المدن التي توشك على السقوط – (نبكي كالنساء ملكاً لم نحافظ عليه كالرجال..)، ربما يسقط الرجال قبل أن تسقط المدن.. وربما لاتسقط المدن ابداً إلا إذا سقط الرجال..
لن أبرر.. لن أحاول أن أبرر فليس عندي تبرير اصلاً.. لكن الكلام عن الجهاد والقتال سهل، وعندما تحين الحقيقة وساعتها أو دهرها – الأمر اصعب..


يتبع




لن أبرر، لكن سأحاول أن افسر والكلام سهل، لكن الحقيقة أصعب، ليس الأمر أن تضغط على زر فتجد في نفسك مقاتلاً مستعداً للموت – بدلاً من رب الأسرة الذي يعود كل ليلة حاملاً الطعام والحلوى لصغاره – ببساطة الأمر ليس سهلاً- ولا يمكن أن يحدث فجأة- ولايمكن بالذات أن يحدث إذا كانت ارادتك سليبة – إذا كنت لم تتعود أن تأخذ قراراتك بحرية، إذا كنت مجرد عبد سليب الإرادة في مجتمع مستعبد بالكامل..
لا أحاول التبرير… فقط التفسير..
وقفنا نبكي كما لم نبكي في طفولتنا : متحاضنين كما لو كنا نحتمي بطفولتنا –من واقعنا المر- كما لو كنا نود الاختباء فيها، في خبايا ذكرياتها، وفي زوايا المدرسة وممراتها –وفي حديقتها الخلفية حيث كنا نؤدي التمارين والالعاب- من تلك العاصفة التي توشك على ابتلاعنا..
كان يسكن –كما أذكر في منطقة قريبة من الجامع- عكسي أنا الذي أسكن على الجانب الآخر من بغداد. قال لي، بين دموعه : إلا يـزال بيتكم في موقعــه ؟..
لم أكن متأكداً من الجواب . كان قد مضى عليَّ أكثر من ساعة منذ غادرت المنزل، وفي ساعة –كان فيها الكمية المعتادة من القصف- يمكن لأي شيء أن يحدث..
لكن بعد كل شيء، اليس العالم كله كله قد تغير موضعه – وليس بيتي وحده الم يكن كل حجر على حجر في بغــداد، قد غير موقعه- في هُذهِ الاسبوعين المنصرمين..
لم يكن يقصد أي شيء من هُذا بسؤاله الواضح، طبعاً..
هززت برأسي فيما بدا أنه علامة أيجاب..
أجابني : "ماذا تفعل هنا إذن ؟ .. أذهب إلى البيت.."
تلك النصيحة - أذهـب إلى البيــت- كانت تلخص كل ما سيحدث، وكل ما حدث فعلاً بعدها – "لا يقعد أحدكم في بيته ويغلق الباب عليه" نصيحة الشيخ على المنبر، تقابلها نصيحة صديقي "أذهب إلى البيــت"..
لست متأكداً، لكني أعتقد أن الشيخ نفسه، قد طبق نصيحة صديقي..
تلك الجمعة المريرة، انسحبت من "اليرمــوك" – لقد كان الــروم على وشـك الوصــول-..
*****************
تلك الليلة، ظهر –هــو- على شاشة التلفاز..
كانت المشاهد التي صورت له تظهره وهو يتجول عصر ذلك اليوم في شوارع المدينة ين سحب الدخان والخرائب.. وهو يحيي الناس ويتفقدهم بينما هم يمارسون ما تعودوا أن يمارسوه –عبر ثلاثة عقــود وأكثـر- من هتاف .. تصفيق و .. وثنيــة.. كان سلوكاً جماعياً يؤديه القطيع المدرب على ذلك دون أن تكون هناك آليات واعية واضحة المعالم لتغيير هُذا السلوك..
لم يكونوا جميعاً منافقين. بل كانوا مدربين، مغسولي الدماغ عبر عقود طويلة على التصرف بهذا الشكل.. مزيج من الخوف والإرهاب والتقليد و التعــود..
أدمغتهم – كجماعة وكقطيع من البشـر- لم تغسل فحسب، ولكنها ركبت بهذا الشكل .. من أجل الوصول إلى هُذا الشكــل..
من السهل اتهام هؤلاء بالنفاق.. وهي صفة ستكون متوافرة فعلاً عند البعض – لكن تعميمها رغم سهولته، سيكون عملية غير منصفة.. وغير مطابقة للواقع.. كان الأمر أعقد من مجرد نفاق..
لو أنك استوقفت واحداً من هؤلاء المصفقين – ودخلت في أفكاره، في اعماقه، لربما وجدته لا يكره شخصاً في العالم بقدر هُذا الذي صفق له وهتف بحياته.. لربما وجدته يسبه اقذع السباب كل يوم، ويعتبره السبب الاساسي – أو الوحيد- في كل مشاكله الخاصة والعامة ابتداءً من قوت أولاده الى دواء امراضه إلى قنينة الغاز التي يحتاجها لطهي طعامه
–كل ذلك وأكثر- ولكن، عندما يأتي امامه مدججاً بحمايته وشرطته وأمنه الخاص وغير الخاص – فأن ذلك كله يختفي من وعيه ويظهر لاوعيه شخصاً آخراً يقفز ويهلل ويهتف بحياة هُذا الذي لايكره احداً في العالم بقدره..
انفصام في الشخصية ؟ تناقض مرضي ؟ نفاق ؟ خوف ؟ طمع ؟ غسل في الدماغ ؟.. مزيج من كل ذلك ؟ - ربمــا- .. المهم انه كان سلوكاً جماعياً انساق له الالوف – أن لم يكن المئات من الالوف ممن لا نستطيع أن نتهمهم جميعاً بالنفاق الخالص او العمالة الكاملة..
.. وفي تلك الليلة الليلاء، عندما ظهر على شاشة التلفاز ، حدث نموذج آخر من ذلك السلوك الجماعي الذي تعوده القطيع..
.. قيل لنا، أنه كان يحاول أن يرفع الروح المعنوية لشعبه – مقابل ذلك الأنكسار الذي أحدثته ليلة المطــار..
كان الحديث عن "الروح المعنـوية" امراً يشبه نكتة قديمة لم تعد تضحك احداً، لقد كان هناك من لايزال يتحدث عن "الـروح المعنـوية" – بينما كانت عشرات الارواح تزهق وتخرج من الأجسـاد- هناك في المطار وفي الطريق اليه وفي الضواحي المحيطة ببغــداد..
كان الحديث عن "الـروح المعنــوية" التي يفترض أنها سترتفع بين صفوف الشعب حديثاً سخيفاً – فالناس لم تعرف اصلاً بأنه خرج ليتجول في الشوراع ويرفع معنـويات (رعــايـاه)- فالكهرباء قد قطعت تماماً منذ الليلة السابقة، القلة التي لديها مولدات ويمكنها التواصل مع الأخبار –مثلنا نحن- فهمت الأمر بشكل معكوس تماماً : "لقد اعتبرنا الأمر توديعاً من قبل (سيــادته) لرعايــاه – لا أكثر ولا أقل. عن أي روح معنــوية يتحـدثون : لقــد وصلــوا !".
*****************************

اعترف ايضاً، أن المشهد كله، كان مثيراً للحزن جداً، كما بدا كل شيء في تلك الجمعة المريرة..
اعترف أني بكيت .. وأن والدتي بكت.. وان زوجتي بكت.._عندما شاهدنا ذلك الرجل الذي اوصلنا لما وصلنا اليه-و هو يقوم بما فهمنا انه توديعنا..
عليَّ أن أجد تفسيراً عقلانياً لتلك الدموع.. وهو ما أعرف أنه صعب أن لم يكن مستحيلاً..
كان في رأس كل منا –رغم الدموع التي يذرفها- تاريخ طويل وعام من الكره والرفض تجاه هُذا الرجل الذي قادنا بحماقاته او بشئ آخر إلى ما وصلنا إليه ..
.. وكان هناك، داخل رأس كل منا –رغم الدموع- تاريخ خاص من التفاصيل المروعة والمفجعة والموجعة التي سببها هُذا الرجل بشكل شخصي لكل واحد منا..
كان في رأس زوجتي ذكرى دامية لخال شاب اقتادوه من بيته ذات ليلة قدر أنها كانت قد باتت فيها عنده .. وعند عروسه الشابة.. وتلك الطفلة ذات العشر سنوات – التي كبرت فيما بعد لتصير زوجتــي- سوف تظل تحتفظ في ذاكرتها بذلك المشهد، وبمشهد آخر، يوم جئ به في تابوت.. ويوم فتحوا التابوت .. وكان قد مات تحت التعذيـب..
.. وفي ذاكرة والدتي، كان هناك المصادرات المستمرة الظالمة للاراضي والاملاك، والمعاملة المهينة في أروقة الدوائر الرسمية .. فقط لأن والدها كان مستوزراً في عهد سابق مباد..
.. وفي ذاكرتي كانت هناك الاستدعاءات المتكررة لدوائر الأمن.. وأمزجة الضباط المتقلبة التي يجب أن اتقبلها بصدر رحب –دون خيار آخر- وهم يجسون نبضي باسئلة تتراوح بين السياسة الدولية والمعلومات التاريخية .. فقط من أجل صلاتي في المسجد..
وكانت هناك قائمة الممنوعات والمحرمات التي تجشم على صدري، كما صدر أي مواطن آخر : الكــلام ممنـوع، التعليـق ممنـوع، التنكيــت ممنـوع و الضحك على التنكيت ممنوع، الكتابــة ممنوعــة والنشر من باب أولى ممنـوع، الـدّش ممنـوع والنقـال ممنـوع، النظــر ممنـوع والمقارنــة ممنــوعة ... لكـن التنفـس مكرمـة سمـح بهــا سيادتـه، وعلينا أن نسـبح ونحمــد ونهلـل لحفظـه من أي مكـروه من أجل ذلك..
.. وكانت هناك، في رأس ورؤوس الآخرين، ممرات تسير عليها قوافل المعدومين
–لمجرد أنهم خالفوا قوائم الممنـوعات-، وقوافل الشهداء والمفقودين .. لمجرد أنهم ولدوا في سنوات سيقت مواليدها في محرقة الغزوات والنزوات..
كان هناك الدم، والمزيد من الدم، والقمع، القهــر ، الكبــت..
.. وكان هناك الرعب – ربما مغلف، ربما مكتوم ، لكنه موجود فعلاً- الرعب تجاه هذا الشخص.الكره.الحقد-تجاهه
ليسَ اقل من ذلك، وربما أكثر بكثير..
و ها هو الان، وهو يتجول في الشوارع – ربما للمـرة الأخيــرة- في المدينة التي طالما اضطهدها واستلبها.. والتي طالما –رغم ذلك- هتفت وصفقت له..




يتبع

Romantic Flower
, Tue, 16 Oct 2007 09:12:56 +0200
تلك الجمعة الحزينة – وبغــداد غارقة في ظلمتها وظلامها وظلمه لها وظلمها لنفسها بالقبول بظلمه لها.. وظلم الآخرين لها..
تلك الجمعة – وتلك المشاهد التي تبث على واحدة أو اكثر من القنوات نزر يسير جداً من العراقيين شاهدوها- تلك الليلة..
الكثيرون من ذلك النزر، قالوا لي، انهم بكوا، كما بكيت أنا، وبكت والدتي.. وبكت زوجتي..
كان ذلك غريباً، كما قد تتوقعون..
كنا نكرهه.. ومع ذلك بكينا عندما شاهدنا تلك اللقطات التي فهمناها انه توديع ما، لعصر ما..
لو أن الذين كانوا يبكون، كانوا من محبيه، من اتباعه، من المنتفعين منه.. لقلنا انهم يبكونه..
لكن الدموع التي ذرفت .. كانت من عيون طالما نظرت بكره ورفض لصوره وتماثيله التي لا تخلو ساحة أو منعطف منها..
طالما بكت منه .. ومن جرائمه المروعة..، وطالما اغمضت ليلاً وهي تحلم به وهو يتلقى جزاءه وقصاصه العادل..
.. او تحلم بأن تفتح على عالم يخلو منه ومن امثاله..
لكن عندما حانت تلك اللحظة، فيما بدا أنه الوداع لا محالة..
أنهمــرت الدمــوع..
لعله أمر غريــب ؟..
*************************
يستطيع أي مستشرق، وبالذات أي مستغرب، لو دخل علينا في تلك اللحظة، ونحن نبكي، أن يهين لنا عدته التحليله وادواته السايكولوجية ليفسر لنا الموقف بما يتوافق مع منطلقاته ودوافعه الايديلوجية..
.. سيقول لنا أنها المازوشية المتأصلة فينا.. أنها عقد الشرقيين في عشقهم المتخلف لكل من يبدع في ايلامهم .. أنه قيس الذي يعشق عذابه بليلى أكثر من عشقه لليلى نفسها.. أنها العلاقة المركبة التي تربط بين زعيم سادي وشعب مازوشي، وهي علاقة تشكل ظاهرة ليست نادرة في تاريخ المجتمعات الشرقية..
سيقولون ذلك متذاكين، وسيردد قولهم آخرون.. وسيعتبرون هُذا التفسير نهائياً وقاطعاً وغير قابلاً للمراجعة أو التغيير..
أعترف أني بكيت ، تلك الجمعة الحزينة، لكن لم يكن هناك –أي دموع موجهة له- تجاهه على الاقل ، كما لم يكن هناك أي من الترهات الفرويدية المعتادة..
لم تكن تلك الدموع المنهمرة، هي دموع السجين وهو يودع سجانه وزنزانته وقضبان سجنه .. ولم تكن دموع الضحية وهي تودع جلادها وسوطه وركلاته..
لقد بكيت نعم.. لكني لم ابكيه هو .. لقد بكيت اجيالاً كاملة ضاعت اعمارها هدراً تحت زعامته.. وبدا المشهد، وبغــداد تحترق، والناس – لاتـزال تصفق وتهتـف- محزناً جداً، مبكياً جداً، لقد كانوا لايزالون – حتى هُذهِ اللحظة، والروم قد وصلــوا- يصرون على أن يصدقوه، أو يتظاهرون بأنهم يصدقوه.. ويهتفون له.. ولحياته التي حياتهم فداء‘’ لها..
كان منظرهم محزناً جداً، لقد كان وعيهم مغيباً لهذهِ الدرجة.. كانت وجوههم بلا ملامح، بلا تفاصيل، كانت العلامة الفارقة الوحيدة فيها هي تلك الفجيعة – تلك الخديعــة- تلك الخيبة التي صارت اعمق ما فيهم وابرز ما فيهم واصدق ما فيهم .. حتـى لو كانوا لا يعلمــون..
بكيتهم تلك الليلة، ناسي وابناء شعبي الذين ضاع عمرهم في كذبة تلو اخرى – وخيبة تلو أخـرى- وفجيعة تلو أخرى..
.. قال لهم، وصدقوه أو توهموا ذلك .. أنه سيملئ حياتهم عزاً ورخاءً وبحبوحة، وانتهوا بأن عاشوا في مجاعة وفقر وفاقة..و صار بلدهم يستجدي المساعدات من دول كانت تستلم منه المعونات..
قال لهم، أنه سيملئ بلادهم كرامة ورفعة .. وانتهوا بالذل المهين امام ابواب السفارات الغربية المغلقة ابوابها في وجوههم ووجه طلباتهم باللجوء..
قال لهم، انه سيحرق نصف اسرائيل، لكنه احرقهم هم، وعذبهم هم، وقتلهم هم، وشردهم هم..
.. وقال لهم، أنه سيلقن الغزاة درساً – فإذا بهم قد وصلــوا- وإذا بهم على الأبواب..
لا، ليس شعبي مازوشياً – بل هو محض شعب طيب- كان مستعداً للمغفرة ونسيان كل الجرائم التي ارتكبت ضده.. فقط لو أنه كان قد صدق مرّة واحدة – واحــدة فقـط- ولم تأت .. حتـى هُـذهِ اليتيمة..
لــم تـأت..
نعــم، بكيت، وبكينا عندما بدا انه مشهد وداع – لكن تلك الترهات السايكولوجية لم تكن التفسير..
كان الأمر ابسط. وأسهل، واوضح.
كنا نبكي شبابنا المأسوف عليه.وطننا المأسوف عليه.تأريخنا المأسوف عليه.و مستقبلنا المأسوف عليه..
ربما كان البعض يبكي وهو يودع الشـر – لأنه كان شراً يعرفه- خوفاً من شر آخر لا يعرفه.. لقد تعودنا أن نفضل الشين الذي نعرفه على الزين الذي لا نعرفه، فكيف إذا كان الذي لا نعرفه شيئاً آخراً – ربما يفوق سابقه في المساوئ- أن لم يكن هو استاذه ومدربه في السوء..
.. نعم، كانت القيود والسلاسل مؤلمة لنا – رغم أنها صارت جزءً من جلدنا ومن عظامنا- ولكن عملية نزعها ستكون مؤلمة أكثر..
.. وكنا نعلم أن الذي ينزعها عنا سيستبدلها بقيود اخرى، ربما من نوع آخر، ربما ستكون غير واضحة للعيان كما سابقاتها، لكنها قيود على أي حال.. وقد تكون –على المدى البعيد- مثل تلك القيود التي نزعوها منا..
او اخطر؟
نعم.. كنا نبكي –نبكي استبداداً عرفناه، وخبرناه- خوفاً من احتلال لم نجربه بعد.. وأن كنا قد عرفنا نواياه..
*******************
وعندما يبكي الرجال .. في مدينة على وشك السقوط، فأنك تعلم أن المدينة ساقطة لا محالة.. وأن تعلم أنهم الرجال قد سقطـوا.. أن المدينة ستسقط – لأنهم قد سقطوا..
****************************
السبت ربما..
تحاول أن تهرب مما يدور، من نفسك.. من واقعك من مدينتك التي توشك على السقوط..
تحاول أن تهرب من الاخبار بالذات : تشعر كل كلمة في التقارير والنشرات المتواصلة كما لو كانت تقصد ايذاءك وجرحك.. تشعر بكل كلمة كما لو كانت سكيناً يواصل طعنك والنكش في جروح غير ملتئمة لك..
بل أنك تخاف أن تسمع – بين الأخبـار- خبر نعيـك، أن تشاهد بين الصور، صورة لجثتك أو جثة اولادك.. وتخاف عندما ترى صور المنازل المهدمة.. أن ترى بينها صور بيتك..
تقرر أنك متعب جداً وأنك تجاوزت الحد الفاصل بين الواقع والخيال – (كما فعل كل شيء تقريباً..).
تقفز إلى ذهنك أسم رواية قرأتها قبل سنوات..( وقائع موت معلن) لماركيز.. حيث تدور احداث الرواية كلها في يوم واحد .. يبدء بشخص يعلن أنه سيقتل شخصاً آخراً بدافع الثأر أو الانتقام.. وينتشر خبر الموت المعلن في القرية، ويصل إلى الشخص المعني الذي يحاول بشتى الوسائل تجنب موته المعلن..
لكن سيناريو الموت المعلن – واقعة بعد أخرى- يستمر ليصل إلى قدر اللحظة الأخيرة.. حينما يقتل ذلك الشخص الذي أعلن موته قبل أن يموت.. دون أن يتمكن من تغييره..
.. كل تلك الأخبار والنشرات والتقارير كانت تبدو لي مثل "وقائع موت معلن" لي، لأطفالي.. لوطني كله..
سانتياغو نصار ! يقفز أسم بطل الرواية إلى ذاكرتي.. اغص إذ اتذكر أن احداً لن يكتب أسمي، ولا أسماء أطفالي، إذا ما تم موتنا المعلن. أغص إذ أتذكر أننا سنقضي كما سيقضي الآلاف غيرنا، تحت السقوف المنهارة، مجرد عدد ربما سيحسب وربما لا .. لن يكترث أحد بذكر أسمائنا، أو بكتابتها ناهيك عن كتابة رواية عنها..
أغص إذ أتذكر أن يكون سانتياغو نصار اللعوب التافه قد وجد من يدون وقائع موته المعلن، بينما يموت وطني –وطنـــي !- على رؤوس الاشهاد، ويذبح عبر البث المباشر، وتنقل وقائع انتهاكه واغتصابه عبر الأقمار الصناعية – ولا يكتـب أحد وقائع قتلـه المعلــن..
أقرر أن أعصابي لم تعد تحتمل ذلك كله لكني لا أقوى على تغيير المحطة، أحاول رشوة اطفالي لكي يقوموا هم بالمهمة.. فاخبرهم أن بأمكانهم مشاهدة قناة الرسوم المتحركة –إذا احبـوا !-





وكنت واثقاً تماماً –أن هؤلاء سيستغلون خبراتهم العريقة في التصفيق والتأييد والهتاف من أجل أن يستمروا في التشبث بالكرسي والمنصب- حتى مع الغزاة عندما يصلون..
تذكرت كل ذلك عندما قيل لي، أن اعلاناً قد صدر، من جهة ما في الدولية الموشكة على السقوط، يغير توقيت المدينة (التي وصل الغزاة إلى ابوابها) إلى التوقيت الصيفي..
كان ذلك التغيير بمثابة نكتة سريالية مالحة عن البيروقراطية التي لا يهمها شيء غير متابعة عملها – ولا تتقن شيئاً غير الاستمرار في اوامرها الادارية- ولا افق لها غير حافة مكاتبها..
**************
لكن، بعد قليل من التأمل، وجدت أن الأمر ملئ بالرموز والدلالات.. تلك الجمعة المريرة – وبغــداد غارقة في ظلمتها- والروم قد وصلوا، ربما كان الأنسب أن يتغير التقويم كله –لا التوقيت فقط… الزمن كله- تفاصيله وعناوينه وفهارسه.. ومفكرته..
.. لم يكن التوقيت الصيفي هو الذي فرض يوم الجمعة 4/4 – لكن الزمن الأمريكي هو الذي زحف علينا، على بغــداد- على زماننا وايامنا وتاريخنا وصولاً إلى مستقبلنا..
الاجندة الامريكية، هي التي جاءت لتلغي كل مفكراتنا ومعاجمنا وترمي بها إلى الوراء..
الوقت الأمريكي –هو الذي جاء ليحاصرنا ذلك اليوم- لم يكن الأمر يحتاج إلى بيان أو مرسوم أو أعلان.. كان موجوداً في الجو، كنت اذا خرجت قليلاً إلى الهواء (غير الطلق)، ارهفت السمع لأصوات الانفجارات، ستسمع البيان واضحاً، بابلغ ما يكون بيان : أنه الزمن الامريكي .. قادماً على جحافل الدبابات والمدرعات وعبر الطائرات التي تقصف زمنها علينا..
.. وبينما كان التوقيت الصيفي، يقدم الوقت ساعة ليصبح الفرق اربعة ساعة عن توقيت غرينتش بدلاً من ثلاثة،.. فأن التوقيت الامريكي كان يريد سرقة زمننا بأكمله –كان يريد- رغم أنه ادعى غير ذلك –إرجاعنا آلاف الساعات- بلا آلاف السنين .. عن توقيت غرينتش .. وعن أي توقيت آخر..
*************
الأحــد – بالتأكيــد
في الليل، لم أكن متأكداً اذا كنت اسمع صوت طائرة مروحية أم أن الامر كان صدى لكابوس كان الواقع جزءً متمماً له..
قلت لزوجتي – وكانت تنام بحجابها وملابسها الكاملة، وتحرص على أن ينام الاطفال بأحذيتهم خوفاً من أن نضطر لترك البيت تحت أي ظرف – قلت لها أتسمعين ؟.. أنه صوت الاباتشي..
سكتت قليلاً ثم قالت : لا أسمع شيئاً غير اصوات القصف الاعتيادية.. ادهشني انكارها.. نعم، كنت مرهقاً ومتعباً ونصف نائم.. لكن الصوت كان أوضح من أن يكون مجرد صدى لكابوس..
قلت لها : أنها الاباتشــي!
قالت، واتخيل أنها كزت اسنانها باصرار : أنه مجرد قصف اعتيادي ..
لكن صوت الاباتشي ظل يروح ويجيء. ولم يكن هناك صوت مضادات .. (.. كنا قد وصلنا لهُذهِ المرحلة.. وكانوا قد وصلــوا .. وصلـــوا).
في الصباح انكر الجميع أنهم سمعوا شيئاً كهذا.. وتأكدت من أنهم سمعوا الصوت وقرروا أن يتجاهلوه ويغضوا النظر والسمع عن الأمر..
قالت خالتي الاولى أنها لم تسمع متعللة بسمعها الثقيل –الذي بدءت أميز انتقائيته أكثر من أي وقت- وقالت خالتي الثانية أنها كانت تعبة ونامت دون أن تسمع شيئاً، أصرت والدتي أنها لم تنم ولم تسمع.. وحده أبني كان مستعداً لتأكيد روايتي، بل أنه كان مستعداً للاضافة عليها، بأنه صعد إلى السطح وشاهد الاباتشي وهي تحترق وتهوي وطياريها وهم يؤسرون..
.. كانوا في انكارهم يمارسون أقدم آلية دفاع عن النفس عرفها البشر.. النسيان .. او التناسي.. كانوا لا يريدون مواجهة تلك الحقيقة – ذلك الشر الذي يحلق على ارتفاع منخفض..
كان الانكار هو طريقتهم في دفن الرؤوس في الرمال – وكانت الرمال ساخنة ومتحركة- وكانوا لايزالون يسمعون – وينكــرون- ويغرقون رؤوسهم اكثر .. فأكثر..
كان اعترافهم بالاباتشي، يعني اعترافهم بانهم قد وصلــوا على بعد بضعة عشر متراً لا أكثر من سطح المنزل.. الطائرات الاخرى التي كانت تقصف وتهدم وتقتل وتحرق كانت تحلق على ارتفاعات شاهقة واحياناً على بعد شاسع.. – لم يكن ذلك يفيد كثيراً في طمأنتنا- لكن الآن، وهذا القرب، هُذا الارتفاع الواطئ – يحفر في رأس ويستفزني .. لقد اصبحوا قريبين جداً، على مرمى حجر –حـرفيــا- على مرمى شهقة، على مرمى نظرة.. على مرمى طائرة ابن الجيران الورقية.. كان الأمر مخيفاً، ولربما كان الافضل لو أني اتبعت آلية الدفاع في التجاهل التي اتبعها كل من حولي من افراد اسرتي..
لم تكن تلك الآلية سهلة على اذن مرهفة كاذني، خصوصاً وانهما كانت مدربتين على تحديد صوت المروحية بالذات –
(فيما مضى، وقبل الحرب، ومنذ أن ابتعت الصحن اللاقط- كنت أحمل معي ذلك الهاجس الامني المزمن – واذناي تعملان كصحن لاقط آخر ليميز صوت أي مروحية .. فقد كانت المروحيات تستخدم وقتها للكشف عن وجود الصحون اللاقطة على سطوح المنازل- وكان اقتراب صوت مروحية ما، يعني أن اتراكض على السلم وصولاً إلى السطح لاتأكد من أن الغطاء الذي يلف الصحن اللاقط لم يتزحزح بفعل الهواء أو أي شيء آخر..).
آه، ماذا فعلنا بأنفسنا – وبمــدينتـنا- وبسطوح منازلنا.. مروحياتنا تفتش سطوحنا بحثاً عن صحن لاقط صغير – وقبلها تقصف قرانا وتقتل ناسنا واهلنا.. وشيئاً فشيئاً، بين مروحية تمارس دور رجل الامن الذي تارة يقصف ويقتل وتارة يبحث عن صحن لاقط، فوجئنا بالاباتشي وهي فوق سطوحنا – تحفر في رؤوسنا، وتجوس بالقرب من نخلة دارنا .. تارة كالحفارة في الضخمة التي تدق في اعصابنا .. وتارة كالحشرة المزعجة التي تطن في آذاننا..
-لقد فعلنا هُذا بأنفسنا- لم يفعله احد بنا إلا بعد ما فعلناه نحن بأنفسنا..
- لكن كان هناك فرق كبير وجوهري بين صوت المروحيتين- الاولى كانت تبحث عن الصحن اللاقط كان صوتها عندما يختفي تتنفس الصعداء وتنسى الأمر إلى حين الغارة التالية، أما الاباتشي فأن صوتها يظل حتى بعد أن تذهب.. يظل صداها هناك، فوق السطح، قرب النخلة، عند آذاننا.. عند اذهاننا – يظل صوتها كالحفارة، وتظل مروحتها تحوم حولك- تريد أن تفرم لحمك ولحم اطفالك..
لكنهم انكروا جميعاً انه سمعوا شيئاً كهُذا..
.. قطيع من النعام – يغوص بأكمله في رمال حارقة .. وخانقة..
*****************

الأحد – أو الاثنين ..
على الشاشة ترى دبابة امريكية محترقة وحولها مواطنون يهتفون ويصفقون وبعضهم يرقص..
تخطف بصري – لا الدبابة ولا الجموع الجذلة- ولكن خلفية المشهد .. الشارع الذي احترقت فيه الدبابة .. اركز أكثر .. أنه طريق سريع ويمكن أن يشبه أي طريق سريع على بعد مائة كيلومتر أو أقل أكثر.. لكن شيئاً ما فيه يبدو مألوفاً بطريقة مزعجة..
أقلب بين القنوات وانتظر رؤوس الساعة من أجل أن أجد لقطةً أطول أو عبارة ما من الجموع الراقصة ترشدني إلى المكان الذي يبدو مألوفاً بطريقة مزعجة..
اتفرس في تفاصيل البيوت والطريق الوسطي خلف الدبابة المحترقة، اشعر أني كنت هناك من قبل، وأني مررت بهذا المكان مئات المرّات..
أحس بأسم المكان على طرف لساني، واعجز عن التذكر..
.. اظل اتابع الاخبار والقنوات وانا اتقلب على سطح صفيح ساخن.. أقول لنفسي مالفرق؟ .. بغــداد كلها تبدو وكأنها على وشك السقوط في أي لحظة.. السكين معدّة، والرقبة على الدكة .. والضحية مستسلمة لأن الاستسلام هو أكثر ما تتقنه منذ قرون..
تقول لي نفسي، الفرق كبير بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون..، ومهم جداً أن تعلم متى ستصل السكينة إلى بلعومك..
اركز اكثر، كل القنوات على ما يبدو محتفية جداً بالدبابة المحروقة، ومراسلوها لا يقولون سوى الجنوب الغربي من بغداد –الجنـوب الغربـي- الجنوب الغربي.. حسناً : ليكن الجنوب الغربي : كما يقولون، لكنك ابن بغداد –ولا تحتاج إلى الخارطة لتتعرف عليها- ولا البوصلة لتحدد مكان اختراقهم – جنوبها الغربي او




يتبع


شمالها الشرقي سواء عندك، أنها مدينتك ولا تستطيع أن تفرق بين نواحيها- كما لا تستطيع أن تميز حقاً بين شرايينك واوردتك..، أيهما سيخترق السكين – فأنك ستنزف حتى الموت.. حتى الموت..
لا ازال احاول أن أميز المكان – هُذهِ اللافتة المرورية المعلقة التي تشير بسهم إلى اليمين وتقول (حلة – كربلاء) اعرفها جيداً. طالما مررت بها، ولعلها هي لا غيرها التي كنت اهتدي بها عند ذهابي إلى أول عيادة عملت بها في الضواحي بعد تخرجي قبل عشرة سنوات تبدو اليوم كما لو كانت عشرة قرون..
الصورة تقترب أكثر. اسم المنطقة على طرف لساني يلسعني .. يحرقني يحاول تذكيري..
ينقذني واحد من المراسلين، ويقولها اخيراً :الــدورة !.
نعم. أنها منطقة الدورة !
الــدورة!
وهُذا هو الطريق السريع الذي يمر عبرها، وهناك طالما مررت بسيارتي عند ذهابي إلى صديقي حسين. وفي ذلك المنعطف الذي يصل إلى بيته، كانت هناك تلك الحفرة الهائلة التي لم أجعلها يوماً تعتب عليَّ، كما كان يقول هيثم، كلما دخلت بسيارتي في الحفرة – رغم تحذيره منها- في كل مرّة..
.. نعم. بالتأكيد ، أنها الدورة
لكن ما بال هؤلاء الناس فرحين – بأحتراق الدبابة ؟، لقـد وصلــوا !
وسواء احترقت هُذهِ الدبابة او تلك – وسواء انسحبوا بفعل المقاومة او كجزء من خطة مسبقة .. لقـد وصلــوا.. ومروا من هنا، من الدورة .. ليست ضاحية في الجنوب الغربي من بغداد – كما قد يتخيل المشاهد الجالس في القاهرة او دمشق أو لندن..
ربما قبل عقدين أو ثلاثة كانت من الضواحي، لكن اليوم – وبغـداد التي ظلت تتسع بكل الاتجاهات وتقول : هل من مزيد ؟ - جعلت من تلك الضاحية، بالتدريج، خصوصاً مع شبكة الطرق والجسور السريعة، تقترب من قلب بغداد.. وشرايين بغداد .. واوردة بغداد..
إنها الدورة.. والناس يقفزون فوق الدبابة المحترقة – والتـي تقــول- أنهم مرّوا من هنا، حتى لو احترقت وصارت رماداً..
نعم، أنها الدورة – والطرق السريعة والجسور التي تمر بالقرب منها – تربطها بكل قلب بغداد.. بكـل بغــداد..
اتأمل في الصور على الشاشة.. لماذا يرقصون ؟
******************
كنت أحاول كتم موضوع "الـدورة" عن زوجتي – التي لا يبعد بيت أهلها كثيراً عن الدورة – وبالذات عن طريقها السريع..
في الحقيقة، كنت احاول كتم الموضوع عن نفسي اولاً .. كنت أقول آن "السيـدية" غير "الـدورة" متجاهلاً أن الفرق بينهما مجرد جسر للمرور السريع لا يتجاوز طوله كيلو متر أو اقل .. متصوراً أن القذائف – أو الدبابات !- مضطرة إلى الذهاب إلى تلك الاستدارة البعيدة التي نضطر لأخذها نحن –ملتزمين بقوانين المرور- إذا اردنا الالتفاف من الدورة إلى السيدية..
لم يكن ممكناً الاستمرار في التكتم.. نعم، أنها الدورة، قلت لها – وليست السيدية-، كذبة مفضوحة لم يكن من الممكن التصور أنها ستهدئ قلق زوجتي.. بالاضافة إلى أنها لم تهدئ قلقي الشخصي.. الحل الوحيد – كان أن نستقل السيارة- ونذهب إلى هناك، لنطمئن موقعياً..
**********************
الأحــد – أو الاثنيـن
جـولة في بغــداد – التي توشـك على السقـوط..
رحلة في المدينة مغلقة العينين – لست متأكداً أن كانت نائمة – أو ميتــة- أو مصابة بالاغماء..
لست متأكداً أن كانت قد اغلقت عينيها بوعيها : كي لا ترى ما سيحدث لها – أو لابنائها- أو أنها كانت قد اغلقتها قسراً، ارهاقاً أو تعباً.. بغــداد مغلـقة العينيـن.. ونجول فيها وعيوننا مفتوحة باتساعها .. نكاد لا نصدق ما قد حل بالمدينة، منذ أن اقترب الغزو منها –كنا قد مررنا بالطريق نفسه قبل ثلاثة أيام لا أكثر- لكن كل شيء تغير في هُذهِ الأيام الثلاثة.. كـل شيـئ .. نزعت المدينة جلدها – أو انزعوها عنه قسراً .. وخلت الشوارع من المارة.. وبدت المدينة مهجورة كما لو أن انذاراً بأنها تنتظر ضربة ذرية أو كيمياوية..
اصرت خالتي على أن تأتي معنا.. فضلت ببساطة أن تعرض نفسها للخطر بالتجول في المدينة في ذلك اليوم، على أن تعرض نفسها للقلق بانتظار عودتنا في المنزل..
بدت بغداد غريبة جداً بالنسبة لها، كما بالنسبة لنا، لكن بالنسبة لها بدت غريبة لدرجة أنها لم تتعرف عليها، كانت تقول : أيـن نحن الأن ؟.. أيـن نحـن ؟. لم أعد أميز شيئاً.. ظلت تردد ذلك طوال الوقت.. وكانت محقة. اوشكنا نحن ايضاً أن لا نعرف " أيـن نحن".. كانت حركة المرور قد خفت بالتأكيد منذ بداية الحرب – لكن ليس لهُذهِ الدرجة- ليس لدرجة أن تسير في شارع مزدحم مثل الكرادة •(والذي كنت احرص على تجنبه في الأحوال الاعتيادية) ولايكون فيه سيارة اخرى ، غير واحدة تطارد الأفق..
كان الأمر مرعباً – فقد كانت المدينة قد فرغت من سكانها الا بعض الناس المسرعين مثلنا، وبعض المسلحين خلف المتاريس واكياس رمل نعرف جيداً – كما يعرفون- أنها ربما كانت ذات جدوى أمام الاسلحة قبل عقدين أو ثلاثة من الزمان، ولكن لن تكون كذلك أمام ما نسمعه به من أسلحة حديثة..
.. كانت قلوبنا تنبض في الفراغ – ليس لأنها محطمة من المنظر فقط – ولكن لأننا لم نكن ندري إذا كنا سنلتقي – عند منعطف ما نمر به – الغزاة.. وقد تمترسوا واخذوا تشكيلاً دفاعياً عن ما لا يحق لهم الدفاع عنه.. كان هُذا الاحتمال وارداً جداً ..
لقد كانوا في الدورة، قبل ساعات، مالذي يمنعهم أني حدثوا ثغرة اخرى.. ويصلوا إلى الكرادة ؟؟
- أم أن شيئاً ما سيمنعهم ؟ -
***********************
كان خلو الشارع يدفع إلى تساؤل كهُذا، مع تساؤل آخر، لو أنهم وصلوا – لو أنهم تمكنوا من فتح ثغرة وعبروا إلى الرصافة- لو أنهم أمامنا الآن، هل سيقوم أحد –بوضــع حاجــز- بوضع اشارة .. او علامة .. لتقول قــف، أنتبــه ، أمـامــك خطـر، أمامـك غــزو قـادم.. امامك وحش حضارة اخرى جاءت لتلتهمك..
طوال الطريق كان هُذا الاحتمال واردا.. وكانت عجلات السيارة تنهب الطريق، وقلوبنا تخفق بسرعة عشرين حصاناً برياً أو أكثر..
.. كان الطريق الذي نمر به – يخترق الكرادة وصولاً إلى الجادرية•، ومن ثم إلى جسرها الطويل الخطر الذي يربط بالسيدية ويمر امام مصفى الدورة ومحطة توليد الكهرباء الرئيسة..
في كل ركن من أركان الكرادة كان لنا ذكرى، مثل كل سكان بغداد – هنا، عند مرطبات الفقمة – موقعها القديم، ذهبت لأبتاع لزوجتي الآيس كريم بالفستق.. وكان المخاض قد جاءها ولم تكد تكمل التهام الآيس كريم حتى ذهبنا إلى المستشفى وانجبت أكبر اولادي
–وهنا في مطعم "الهنوف" المظلل بالنخيل والاضواء الخافتة- قضينا والاصدقاء أطيب الاوقات، وهنا في مطعم "بلـوتـو" خرجنا معاً أنا وزوجتي لأول مرة بعد عقد القران، وهناك في (سيسبان) نصحونا أن نذهب، واتفقنا على الذهاب ثم اختلفنا في الميعاد.. كل ركن في الكرادة كان مليئاً بالذكريات والبصمات.. لكن لا تصدقوا أننا تذكرنا شيئاً من هُذا كله عندما مررنا بالكرادة يومها .. ابــداً، ولا ذكرى – ولا لمحة من أي ذكرى – لاتصدقوا أن احداً كان في تلك الساعات يمتلك القدرة على التذكر.. أو على السياحة في عوالم الماضي والذكريات .. كانت ذاكرتنا مشلولة تماماً.. خلاياها مشدوهة، واقفة على اطراف اصابعها، بالكاد تتحرك، بالكاد تتنفس، بالكاد تستطيع أن تتصور أن تبصر..
لا.. الناس المتدافعون في هيروشيما – في لحظة الازل تلك، قبل أن يذهبوا- لم يتذكروا شيئاً عن تفاصيل مدينتهم، الناس المتراكضون في بومباي بينما البركان يحجرّها
- ويحجرهم فيها- إلى الأبد .. لم يجدوا لحظة في دقائقهم ما قبل الأخيرة.. لا وقت ليتذكروا شيئاً عن الشوارع والازقة التي قضوا فيها..
ليس من "فلاش بـاك" في اللحظات الأخيرة..
ليس سوى الشهيق والزفير في اللحظات الاخيرة، وانت ترى مدينتك فارغة تنتظر أن تهوي –تسقــط- في هاوية الاحتلال..
لكن حتى الشهيق والزفير في بغـداد – بدا صعباً تلك الامسية، فحتى الاوكسجين يبدو أنه حزم حقائبه ورحل عن بغـداد – أو تكوم في ثقـب مـا- في جحر ما.. من جدار ما.. لا اوكسجين في المدن التي توشك على السقوط



يتبع






..وليسَ سوى رئاتنا تخفق في الفراغ، لسنا سوى اسماك غلاصمها مهترئة – في محيط مظلم خلا إلا من ذلك الانتظار لحوت هائل سيفترسنا في أي لحظة..
*****************
عند التقاطع المروري الذي يربط الجادرية بجسرها وقفنا الطريق المؤدي الى جامعة بغداد على شمالنا .. والاخر المؤدي الى شارع أبي نؤاس على يميننا .. خلفنا مدينة بتاريخ طويل تركناه وراءنا.. لست متأكداً أن كان هو الذي خرج ولم يعد – أم انا كنا نحن الذين خرجنا من التاريخ ولم نعد..
.. أمامنا كان المجهول – كان الغيب .. كان الجسر الذي يقود نحو الضفة الاخرى من الواقع.. الضفة الاخرى من الكابوس..
عند التقاطع المروري ذاك وقفنا. شاهدنا هناك ما يصلح أن يكون لوحة تعبيرية ملآنة برموز ودلالات لم نستغرق وقتاً طويلاً لادراكها..
كانت هناك عند التقاطع، سيارة حديثة الطراز، من تلك التي تستعملها الكوادر الحزبية أو العسكرية التي اخذت تتجنب ركوب عربات عسكرية مكشوفة الهوية.. وكانت السيارة متروكة في عرض الشارع.. باب سائقها مفتوح ومتروك وهو كذلك..
كانت السيارة مهجورة على قارعة الطريق، في منتصفه بالتحديد..، دون أن يجد سائقها وقتاً على ما يبدو – لايقافها على جانـب الطريق..
على الرصيف، كان هناك ساتر مكوناً من اكياس الرمل – وخلفها هناك تلك الاسلحة المضادة للدروع مصوبة باتجاه الجسر.. دون أن يكون هناك أحد خلفه..
وعلى الجسر، كان هناك حاجز حديدي بسيط – للتنبيه على عدم المرور.. كان موضوعاً في الجانب الذاهب من الجسر.. بينما لا حاجز في الجانب الآخر،.. الجانب القادم من الضفة الأخرى..
كان الشارع خالياً تماماً إلا من سيارة واحدة امامنا، رأى سائقها ما رأينا.. ووعى ما وعينا، واستدار مسرعاً وعاد من حيث جاء..
.. وقفت للحظات في التقاطع.. لم انبس ببنت شفة.. فقط شهيق و زفير.. التفت إلى زوجتي لم انطق ولم تنطق، ولكن فهمت أنها قد فهمت..
كان واضحاً أن الجنود قد تركوا الموضع الذي تحترسوا فيه.. تركوه بأسلحته.. كما هو.. دون قتال .. – كان من الواضح أنهم تعرضوا لقصف من نوع مختلف- قصف نفسي هزهم من الاعماق، من الجذور – قصف نفسي استمر لسنوات خلت.. جعلتهم لا يتحملون فكرة أن الوحش هناك على الضفة الأخرى..
كان من الواضح أنهم قد وضعوا بمواجهة حادة مع واقع كالكابوس – جعلتهم يتركون الموضع كما تركوه، كان من الواضح أن شيئاً ما قد قيل لهم جعلهم يفرون من المكان الذي هم فيه.. وجعلت سائق تلك السيارة لا يهتم حتى بوضعها جانباً.. أو بغلق بابها.. قبل أن يهرب ويتركها.. في تقاطع الجادرية كان ذلك المشهد ملخصاً لما سيدور لاحقاً.. كان كرة بلورية نرى من خلالها كل ما سيتكرر في كل مكان..
.. ربما كان الجنود قد سمعوا تواً ما حدث عند المطار.. ربما سمعوا بالجثث المتفحمة والقنابل التي لا تحدث صوت.. ربما خافوا.. فهم بشر بعد كل شيء – لايمكن لومهم، لذا لا تلوموهم رجاءً.. ربما لو كنتم مكانهم – خلف ذلك الساتر، في ذلك التقاطع.. وامامك جسر خلفه يزحف ذلك التنين الهائل.. وجاء من يهمس في اذنيك بما حدث لأولئك الذين كانوا خلف السواتر على طريق المطار.. ربما لتركتم الساتر كما تركوه.. وربما ما اغلقتم الباب خلفكم.. كما فعل ذلك السائق الذي فرَّ من سيارته العسكرية..
كان الحاجز على الجسر – بالذات على الجانب الذاهب منه- معبراً هو الآخر.. كان وجوده هناك –يعنـي، ولـو رمـزيــاً- اننا لا نستطيع العبور إلى الوحش – كان حاجزاً حديدياً خفيفاً، من السهل ازاحته.. لكن احداً لم يتقدم ليزيحه.. ذلك الحاجز كان رمزاً صغيراً على مدى عجزنا.. وكان ذلك الحاجز شاهداً على مدى تكبيلنا – كان الدليل على أن الأغلال في اعناقنا في اعماقنا إلى الاذقان فنحن مقحمون..
.. وكان الجانب الآخر، من الجسر ، بلا حاجــز..
كان الوحش يمكن أن يعبر الينا – دون أن يمكن لنا نعبر إليه..
لحظات كالازل امام ذلك التقاطع، قبل أن أحزم امري واستدير بالسيارة لم انطق بكلمة. لم ينطق أي منا بكلمة واحدة..
عندما التفتت إلى زوجتي كانت ترتجف بصمت.. ففي نهاية ذلك الجسر، لم يكن هناك الوحش الرابض الزاحف علينا فقط – ولكن كان هناك ايضاً- عند نهاية الجسر تحديداً : كان هناك ايضاً، بيــت أهلهــا..
*************************


الأثنيــن
جاءت خالتي الاخرى التي تعيش في الكرخ – فيما بدا لحظتها انه مكان بعيد جداً.. ومعها ابنها..
سألتهما مندهشا : كيف عبرتم ؟..
شرح لي ابن خالتي الطريق، واسهب في شرح ما شاهد خلاله، دبابة محترقة في مكان ما، عند جسر ما، وبقايا لأخرى – تـم سحبهــا- في مكان آخر..
كان هو، وخصوصاً والدته، فرحين جداً بالدبابة المحترقة.. وكنت لا ازال عاجزاً عن فهم ذلك، عن فهم الفرح برؤية دبابة محترقة في ضاحية من ضواحي بغـداد – ناهيك عن أن تكون في قلـب بغــداد- كنت أعرف آن فرحهما يستند على حقيقة أن الدبابة احترقت، وأن بقية الدبابات قد هربت.. وكنت عاجزاً عن فهم ماهية الفرح – حتى لو كانت الدبابة قد احترقت، والبقية هربت : لقــد وصلــوا..، وهنا أو هناك – دبابة أو أكثر ستحترق..، لكن البقية - في مكان ما، من مكان ما - ستحترق.. وستنفذ.. وستدخل..
عندما خرجت خالتي وابنها – خرجنا أنا وزوجتــي- لأتباع الطريق الذي ارشدانا إليه، تمكنا من العبور فعلاً، على جسر باب المعظم – لكن حاجزاً اوقفنا عند مدخل شارع حيفا، بعد نزولنا من الجسر مباشرة. كان على الحاجز مسلحون مدنيون – شباب صغار- كان من الواضح أنهم من أبناء المنطقة، اشاروا بايديهم لنا أن نعود من حيث أتينا.. كنت اتمنى أن اقف لأسألهم حقيقة الامر.. هل وصلوا حقاً ؟. هل لا زالوا هنا ؟ .. مالذي يحدث بالضبط؟.. –لكني كنت في الوقت نفسه مرعوباً من سماع الاجوبة- لدرجة أني لم أكن أريد سماعها .. وكنت أفضل أن أدفن رأسي في الرمال.. وأعود من حيث أتيت..
.. ورغم أني عدت ادراجي – إلا أني لم أكف عن المحاولة- عبرنا من جسر آخر، جسر الأعظمية، وكانت المفاجئة أن احداً لم يوقفنا بعده. لم يكن هناك حاجز –رغم وجود المسلحين .. توغلنا.. مررنا.. بالمنصور، بشارع 14 رمضان تحديداً، وهالنا ما رأينا من آثار قصف استهدف منزلاً قيل أنه (هــو) قد أجتمع فيه مع بطانته .. لم يقتل (هــو) ولا أي واحد من بطانته بالتأكيد كما في كل مرة، وكما في كل مرّة، قتل العشرات من الابرياء – وهدمت تماماً عدة منازل.. وكانت واجهات المحلات ولافتات العيادات ونوافذها محطمة تماماً عن بعد ما لا يقل عن خمسمئة متر من موقع الانفجار، اتعجب الآن كيف كيف لم أمر من أمام عيادتي – غير بعيد عن ذلك كله- لأتفقدها..، فقد كانت في وسط مجموعة من الاهداف التي قصفت بكثافة وتركيز : معرض بغــداد الدولـي، مستشفى الهـلال الأحمـر، الاسواق المركزية، مبنـى المخابـرات..الخ..، ربما لم يكن الأمر عجيباً بعد كل شيء فقد كانت كل دقيقة اضافية في الطريق تعادل دهراً من الزحف على الشوك في رحلة الاهوال والمصاعب.. كنت أنهب الطريق في المدينة الخالية المليئة بآن واحد..خالية لأن الناس قد تركوها، ومليئة لأنها لم تتركهم حتى عندما تركوها، ظلت فيهم، ساكنة فيهم – وظلوا فيها .. حتى بعدما تركوها.. يجوبونها كالاشباح في قصر قدره أن لا يكون مهجوراً حقاً..
حاجز آخر. هُذهِ المرّة عند ساحة قحطان•، قرب جامع بلال الحبشي. لو أننا عبرناه لكنا وصلنا إلى طريق سريع يأخذنا مباشرة إلى بيت أهل زوجتي لكن الحاجز كان هناك..
جربنا طريقاً آخراً.. كدنا نصل.. مرة أخرى الحاجز..
.. وثالثة ايضاً : الحاجز..
كنا ندور في حلقة مفرغة.. كنا نعرف أنها كذلك لكن كنا ندور فيها كما يدور الثور في ساقية.. كنا نأمل أن نجد ثغرة ما في الحلقة تلك نتمكن عبرها من الوصول.. كانت الحلقة تضيق حيناً حتى نكاد نأمل في الوصول – وتتسع الحلقة فنظل نتشبث بالسراب.. شيئاً فشيئاً، فهمنا الموضوع وامتلكنا –دون أن نتناقش أنـا وزوجتـي في الأمـر- رؤية متكاملة
–لعلهم يسمونها بانورامية ؟– للحلقة التي ندور حولها، لقد كانت الحواجز متفرقة حول شبكة الجسور والطرق السريعة التي تربط بين جانبي دجلة وتصلهما بالطريق السريع القادم من الحلة وكربلاء، - وتصلهما ايضاً بطريق المطار.. (آه.. المطــار..).


يتبع








في وسط هُذهِ الشبكة كلها، بالذات عند نهاية جسر الجادرية، وعلى بعد لايزيد عن المائة متر من طريق الحلة السريع، كان يقع بيت أهل زوجتي وسط البساتين التي يسمونها بالحزام الأخضر – موقع استراتيجي وممتاز في وقت السلــم : يرفع من سعر المتر الواحد اضعافاً..
ولكن وقت الحرب، خاصة عندما تكون غزواً – فأن الموقع استراتيجي ايضاً.. ولكن من ناحية أخرى..
لم يكن يدري، عمي، عندما اختار قطعة الأرض تلك، ووضع فيها تعب عمره وكد سنينه، وبنى ذلك البيت وسط البستان، لم يكن يدري وقتها أن قيادة عسكرية ما، اجنبية، بالذات امريكية ستختار ما اختاره، وستتخذ من ذلك البيت وسط البساتين، بالقرب من كل تلك الجسور قاعدة لها..
لم نكن ندري، أن، من بين كل البيوت في المنطقة، وكل البساتين، أن الغزاة قد اختاروا البيت الذي ندور من أجل الاطمئنان على من فيه..
لم نكن ندري، أن تلك القذائف التي نسمع صوتها، كانت تسقط على تلك الاماكن التي نحبها.. تلك الساحة حيث كان خال اولادي يلعب السلّة، وتلك الحظيرة حيث أبني متعلق بالحيوانات..، وذلك الحقل البهيج حيث طالما تجمعنا..
لم نكن ندري، أي هول يحدث هناك..
لم تكن زوجتي – رغــم قلقهـا- تدري، أو تتخيل.. مايدور هناك.
كانت قلقة.. ترتجف بصمت. لكنها لم تكن تدري..
لا هي.. ولا الجنين أبن الست اسابيع الذي كان في احشائها..
******************
جميل أن تعود إلى بيتك، والقصف ينهش المدينة نهشاً، فتجده واقفاً مكانه.. لم يسقط.. لم ينهار.. لم يتهدم تحت القصف.. جميل أن تعود، فتجد أن القنابل العنقودية لم تختر بيتك وحديقتك لتسقط فوقهما وتنفجر على افراد عائلتك..
..جميل أن تعود، فتجد أطفالك احياء يرزقون، اطرافهم في اماكنها، لم تتقطع، وعيونهم –الاغلــى عليك من عيونــك- لم تفقأ بعد، وادمغتهم في رؤوسهم –ولم تنشطر لتصبح شظايا- على السقف..
.. جميل أن تعود، والقصف ينهش المدينة، فتجد أن والدك المريض في فراشه منذ عقود.. لايزال يتنفس.. وأن والدتك لاتزال تصلي.. وأن خالاتك لايزلن يمارسن طقوس المشاكسة والمناكفة بينهما كما لو أن العالم لا يحترق في الخارج..
كل ذلك جميل، ويستحق أن تستغرق في التسبيح والتحميد – لمجرد أن معجزة البقاء على قيد الحياة قد حدثت..
كل ذلك جميل، لكنه للأسف غير كاف لجعلك تشعر بالطمأنينة..
*********************
ستدخل البيت، وأنت تحمد الله أنه واقف مكانه.. وتغلق الباب وراءك.. تريد أن تعزل نفسك وأهلك عن ذلك الرعب الذي الخارج، تريد أن تسد الباب بوجه الريح.. لتستريح.. دقائق، وتكتشف أن الأمر أصعب مما اعتقدت.. وأن الريح لا تصدها الباب حقاً، فهي تعصف بالبيت كله، تدخل من النوافذ، من الشقوق من التصدعات.. الريح تعصف بك حتى وأنت داخل بيتك – وتدخل حتى من مسامات جلدك..
ستظل قلقاً.. ولن تفهم لماذا – ما دامت اطراف اولادك في مكانها، وعيونهم ليست مفقوءة- وما دام والدك لا يزال يتنفس.. ستشعر كما لو أنك نسيت شيئاً.. لست متأكداً بالضبط ماذا، لكنك ستظل تتقلب علىنفس الصفيح الساخن. ستشعر كما لو أنك تركت والدك وهو يحتضر تحت الريح والقصف واغلقت دونه الباب..
ستشعر كما لو أن أحد اولادك في الخارج وهو يملئ الدنيا – واذنيـك- صياحاً وبكاءً وطرقاً على الباب..
ستظل تدور لتتأكد أن كل شيء – فـي بيتـك- في مكانه..
كل شيء في مكانه..، لكن مع ذلك يساورك الاحساس، بأن كل شيء ليس حقاً في مكانه..، بل أنك أنت وبيتك كل افراد عائلتك وتاريخك وكل تفاصيل حياتك، قد جمعوا جميعاً في خيمة بوجه العاصفة والرياح والقصف..
تعود لتتفقد الباب والاقفال والمزلاج، ثم تعود لتتفقد والدك وانفاسه..
ولا تزال تشعر أن هناك شيئاً يخصك في الخارج.. شيء ما – مهم كما ابنك الغالي و والدك المريض و دعاء والدتك الحنـون..- شيء ما في الخارج تحت القصف والريح والزلزال.. على وشك السقوط..
.. شيء يخصك، ويهمك.. نعــم..
بالتأكيد : أنهــا بغـــداد..
بغــدادك !!
***********************
قال لي صديقي عبد اللطيف، وهو يصلح لي سيارتي، وهو شبه منهار، هل ستبقى ؟.. هل ستستطيع أن تبقى بعدما يأتون ؟.. هل ستستطيع أن تكون موظفاً وتستلم راتبك من الأمريكان ؟..
.. وضعني سؤاله أمام الواقع – أمام أمـر ليـس لــه- على مايبدو دافع..
وضعني سؤاله أمام الكابوس وقد تجسم ليصير واقعاً حياتياً لم يكن ليخطر على بالي، ولا على بال أي من فصيل النعام الذي دفن رأسه في الرمال..
.. أن اعيش تحت الأحتــلال ؟.. وأن يرتفع علمهم على أرض بلــدي ؟.. وأن أرى احذيتهم وهي تدوس على التراب الذي ضـم رفـات اجــدادي ؟..
.. أن أمر قربهم و وجهي في الأرض.. وظهري مكسور ينوء بعار الاحتلال. أن أقف في طابور طويل انتظر دوري في الذل..
أن يداهموا بيتي، ويفتشوا اوراقي، وينثروا اغراضي.. أن تمتد ايديهم لتفتيش في ثياب زوجتــي.. في…
آه الكابوس سوف يصير واقعاً يجثم على صدري .. افتح عيني عليه كل صباح..
ويأتيني صوت الصديق .. "هــل ستبقــى ؟"
*******************
.. وهــل سـابقــى ؟..
هل املك سوى أن ابقــى ؟..
وهل هناك خيار آخر غير البقاء – غير التشبث بالبقاء .. وغير التمسك بالبقاء..
نحن الذين بقينا – رغـم كل الظـروف- وعانينـا – وخضنـا – وقاسينــا.. وخرجنا من طور إلى آخر.. نحن الذين تمسكنا بالبقـاء، بطن حوت الاستبداد – الى بطن حوت الحصار..إلى بطن حوت الظلم المركب والعوز والحاجة..
هل نملك الآن، إلا أن نصمد، في بطن حوت يضم كل الحيتان السابقة : سيصير اسمه الأحتــلال..
هل نملك سوى أن نصمد، نحن الذين جذورنا تمتد في الأرض.. كجذور النخيل، هل نملك سوى أن نمارس اكثر ما نتقنه، وأكثر ما تعلمناه، من بغــداد- سوى أن نبقى فيها ،في بغــداد..
.. هل نملك، نحن الذين ودعنا الاصدقاء والاقرباء، ورأيناهم وهم يحزمون حقائبهم، ويهزون ايديهم – بيـن دمـوعهم- بيـن دمـوعنا- ملوحين مودعين..
نحن الذي رأينا ملامحهم تذوب في السراب.. – وتمسكنا رغم ذلك بالبقاء.. بالصمود، وقاومنا الانقارض، وتكيفنا مع بطن الحوت.. ..بأستراتيجية واحدة، تغيرت اساليبها و بقي جوهرها ثابتاً … الصمــود..
نحن الذين رأينا السماء تندلق علينا ناراً، والأرض تنشق تحتنا متزلزلة.. – ومع ذلك بقينا في بغــداد.. وبقــت بغــداد فينـا..
و ".. هــل سـأبقـى ؟"
.. وهل املك إلا أن ابقى – حتى لو احتلوا بغــداد- وهم يكادون أن يفعلوا فعلاً.. وهي على وشك السقوط فعلاً – رغم ذلك.. رغم مرارة ذلك .. وفجيعة ذلك..
هل أملك إلا أن ابقى، وامارس كل ما علمتني بغـداد – بسقوطها المتكرر وقيامها بعد كل سقوط- أن امارسه واتقنه.. الصمود ..
هل أملك إلا أن اصمد، واتشبث بها – وتتشبث بــي.. ويبقى كل منا صامداً بوجه الريح والعاصفة والزلزال..
لا شيء غير الصمود..
لو أنهم كانوا قد جاءوا من أجل النفط، فذلك اعترف أنهم قد يحصلون عليه..
لكن النفط ليس سوى تفصيل من تفاصيل القضية – كما اراها..
لقد جاءوا من أجل رأسي. ورأس أولادي.. جاءوا من أجل أن يغيروا ما بداخلي.. يجتثوا اشياء .. ويزرعوا اشياء..
.. نعم، من أجل رأسي ، وخصوصاً رؤوس اولادي.. جاءوا..
.. وهُذا –أعـرف جيــداً- أني لن أسلمــه أياهــم..


يتبع


بقية الكتاب بعد مرور بعض ساعات

ثعلوبه
, Tue, 16 Oct 2007 23:10:12 +0200
الف شكر حبي ولو مقريت الموضوع لان طووووويل واني اقدر تعبج ومجهوودج ومبين حلوو وبي تفااصيل نجهلها احناا بس ان شاء الله اتفرغله بيوم من الاياام واجي ارد عليج ياورده وتدللين

Romantic Flower
, Wed, 17 Oct 2007 13:42:17 +0200
منوووورة عيوني

Romantic Flower
, Wed, 17 Oct 2007 13:45:21 +0200
ســأصمــد..
**********************
لوالدتي مزاج غريب في التحكم بالاشياء. أنها –مثلاً- تقوم بتغيير اسماء الاشخاص والاماكن والاشياء، إلى اسماء أخرى، اقرب إلى (ما تتصوره هي) أنه الحقيقة بالنسبة لهؤلاء الاشخاص والاماكن.. وحتى الاشياء..
.. وفي حياة والدتي، وعبر العقود المتعاقبة، توجد وردة سرية غامضة، تغيب لسنين
– ثم تظهر فجأة – دون سابق أنذار.. تلك الوردة الغامضة تغير الوانها بطريقة فيها من الخبث بقدر ما فيها من الاناقة .. تارة تكون حمراء بلون ذبيحة برية.. وتارة تكون صفراء بلون دهن ساخن وتارة تكون زرقاء بلون سماء لم تلوثها حرب بعد..
وتارة تكون مزيجاً سريالياً من كل ذلك..
لا اتكلم عن خرافة.. عن نبتة اسطورية في خيال والدتي واحلامها بل عن نبتة حقيقية في الحديقة. مزروعة في التراب.. تمارس عملية التركيب الضوئي كما كل النباتات الخضراء..
عن وردة حقيقية .. اتحدث – تظهر وتغيب، تطفو وتغطس.. تموت ثم تبعث حية من جديد..
.. كانت والدتي تغير تسمية هُذهِ الوردة الغامضة – التي رافقتها في مسيرة حياتها.. وعبر العقود حصلت تلك الوردة على عدة تسميات، عكست مزاج والدتي .. أكثر مما عكست حقيقة الوردة زئبقية اللون..
قالت لي والدتي، قبل خمس سنوات أو أكثر، عندما فاجئتها الوردة بلون أحمر حرّاق
–بعد عقد كامل من الخمود.. أنها كانت تسمي هُذهِ الوردة – في الخمسينات- ابان المد القومي بأسم "جمال" – تيمناً بجمال عبد الناصر.. الذي طبع تلك الفترة ببصمة زعامته و جاذبية شخصيته وآفاق احلامه..
قالت لي ذلك عندما قررت أن تغير أسم الوردة، إلى أسم آخر، - أسم حفيدتها، أبنة شقيقتي المغتربة، التي دفعتها نفس الظروف التي دفعت مئات الالوف من أبناء جيلي – إلى ترك الوطن والتغرب في مشارق الأرض ومغاربها..
"يســر" هو أسم ابنة شقيقتي التي ولدت في ظروف شديدة العسر – فور انتهاء الحرب- أي حرب ؟ ما الفرق. واحدة من تلك الحروب التي حررنا بها، تصادف أنها حرب الكويت تلك المرّة – والتي كبرت في ظروف حتى أشد عسراً في الحصار.. وكانت نور عين والدتي عندما اخذها والداها معهما في رحلة البحث المرير عن واقع أقل مرارة..
"يســر" هو أسم أبنة أختي التي نتهرب جميعاً من حساب عمرها الآن، حتى لا نتفاجئ بطفلة الأربع سنوات وقد صارت صبية على وشك دخول مرحلة المراهقة ..، كبرت في الغربة، ولا تتقن من العربية غير عاميتها..
و "يســر" هو الاسم الذي اختارته والدتي لتلك الوردة الساحرة المزاجية المتقلبة العصية على الفهم التي ظلت تروح وتجئ في حياة والدتي..
.. هُذا العام. لم تأت تلك الوردة. تعرفون أن الربيع كله لم يأت خوفاً من القصف والعمليات العسكرية.. وظلت تلك النبتة الغامضة ذابلة حزينة تنتظر الربيع وتنتظر الوردة وتنتظرنا… !..
.. وعندما يأتي الربيع القادم.. إذا اتى ! – وإذا اتت تلك الوردة بالوانها المتقلبة ومزاجها الغامض.. وإذا جاءت ووجدتنا هناك.. فأني اعرف أن والدتي ستغير أسم الوردة مجدداً..
وأعرف من الآن، ما سيكون الاسم..
.. تعرفون أنتم ايضاً ؟..
بالتأكيــد.. بغــداد..
*******************

يتبع







المشهد الثالث

ليلة سقوط بغداد


الثلاثاء بالتحديد والتأكيد
كانت ليلة هادئة، لن انسى قط، أن ذلك الرعب كله سبقته ليلة هادئة جداً، لعلها أول ليلة هادئة منذ بدء الغزو..
بعد صلاة الفجر، الظلمة لا تزال مخيمة، بدء القصف .لا، لم يكن قصفاً هُذاِ المرّة، كان شيئاً اخراً، كلمة قصف تبدو قاصرة هنا مثل طفل اقسروه على ارتداء ملابس اخيه الاصغر منه..
نعم، كانت ليلة هادئة.. ولكن بعد الفجر، بدء "الضـرب". ليس من كلمة اخرى غير ما نستخدمه في العامية. الضرب. نعم. كان ضرباً وحشياً مخيفاً، كذلك الذي يسمع أنه يحدث في الزنازين واقبية التعذيب التي قلما يخرج منها أحد..
سمرني الضرب في فراشي، كان مختلفاً عن القصف التقليدي الذي تعودنا عليه. لم يكن اقوى- كان مختلفاً.. وقد تعودنا ايضاً، عبر خبرة الحروب المتعاقبة، أن لا يجر الاختلاف غير الكوارث والويلات..
في فراشي ظللت ارهف السمع وأترقب، مررنا في رحلة أهوالنا بقصف اقوى، ومرت على بيوتنا صواريخ هزتها هزاً، وكادت أن تقتلعها من جذورها اقتلاعاً..
.. ولكن، اليوم، وبعد ليلة لن انسى قط أنها كانت هادئة، يبدو الضرب مختلفاً –ليس اقوى.. لكنه اكثر قدرة على الارعاب..
.. لم يكن الامرالمرعب يقاس بعلو الصوت وقوته. طرقة شديدة على بابك، قد تكون مرعبة بالنسبة لك، أكثر من انفجار ذري – إذا كنت تعرف أن خلف الباب من جاء ليأخذك إلى ما وراء الشمس..
.. كذلك كان ذلك الضرب – ليس قوياً كالصواريخ التي سقطت على الشارع الخلفي المجاور- ولا مزلزلاً كالصواريخ التي سقطت حيث كنت اقف في انتظار حافلة المدرسة.. ولكن كان مختلفاً.. كان شخصياً.. كان قريباً.. كان مهدداً أكثر – أفهم الآن، بعد أن انتهى كل شيء.. أنه كان اعلاناً شخصياً إلى كل فرد منا.. كان تبليغاً شخصياً جاء إلى باب كل بيت من بيوتنا – ذات فجر.. بعد ليلة لن انسى قط أنها كانت هادئة..
.. ارهفت السمع أكثر، فشلت أن أدفن نفسي في النوم أو في الرمال أو في أي شيء آخر.. عجزت عن التهرب من استلام التبليغ..




.. كانت اذني قد استلمت المعلومات، الداتا، وارسلت الاشارات إلى دماغي لتحليلها..، لكن دماغي حاول التأجيل، مارس التسويف البيروقراطي – حاول أن يتصرف كالنعامة اياها.. حاول أن يتهرب من مواجهة الحقيقة..
لكن الضرب صار اقوى.. واذني كانت مرهفة، واستمرت بأرسال الاشارات..
دماغي وقف امام الشفرة عاجزاً، مرعوباً، مشلولاً.. كان يعرف في اعماق تلافيفه – لماذا الضرب هُذهِ المرة مرعب أكثر من القصف، كان يعرف في اعماقه –وان كان يتجاهل- ماهية الاختلاف هُذهِ المرة..
انهار دماغي وهو يعترف لي هامساً أن هُذا الضرب مختلف‘’ – وهو بالتأكيد ليس قصفاً- لأنه مختلف فعلاً.. أنه – مايسمونـه في نشرات الاخبار- تبادل‘’ لأطلاق النار..
نعم.. هُذا الضرب الذي بدء بعد ليلة لن انسى قط كم كانت هادئة.. كان تبادل لأطلاق النار.. ليست صواريخ هُذهِ المرّة.. ولا قذائف صاروخية ولا قنابل عنقودية.. ولا صواريخ عابرة للقارات.. فقط اسلحة خفيفة او متوسطة حسب المعايير العسكرية.. لكني في ذلك اليوم اكتشفت أن الاسلحة الخفيفة أثقل بكثير – من كل الصواريخ التي سقطت فوق رؤوسنا عبر كل الحروب التي مررنا بها..
تلك الاسلحة الخفيفة – وذلك التبادل لاطلاق النار عبرها- قال قولاً ثقيلاً، قولاً عسيراً.. قولاً كان وقعه مثل وقع صاروخ ثقيل في اذني..
انتهـى الأمـر .. لقــد وصلــوا..
*********************
على فداحة الموقف كانت اذناي لاتزالان تعملان بشكل جيد. في الحقيقة ،لم يكن هناك شيء في يعمل غير اذني..
ارهفت السمع أكثر.. صرت استطيع تمييز هُذا التبادل بشكل واضح. كان الصوت مختلفاً.. والصدى كان مختلفاً.. ايضاً..
.. نزلت من فراشي.. اسرعت الى الشرفة وفتحت بابها، و وقفت متلصصاً اتنصت على ذلك التبادل .. كان الأمر اوضح .. صرت استطيع تمييز أن النيران المتبادلة تأتي من اماكن مختلفة صرت اقدر على تحديدها..
كان هناك مساحة من الصمت بين كل مجموعة كثيفة من النيران.. مساحة تشبه تلك اللازمة لوصول رسالة بالبريد الالكتروني وقراءتها.. ثم الرد عليها..
كانت النيران المتبادلة، بمثابة حوار متبادل بلغة اخرى – لغة غير كل اللغات العالمية التي تتداول في وسائل التعليم والاعلام والترفيه..
من الشرفة، وقفت اتنصت على ذلك الحوار..

يتبع

Romantic Flower
, Wed, 17 Oct 2007 13:45:57 +0200
وتعطلت لغــة الكـلام..
لم يعد هناك – في هُذا العالم، ذلك الفجر، بعد تلك الليلة التي كانت تبدو أنها كانت هادئة.. من وسيلة للتفاهم – للحــوار- غير تلك اللغة التي علا صوتها ذلك الفجر..
ولعل تلك اللغة كانت منذ البداية هي الوحيدة الحقيقية، واسلوب التعامل بها هو نمط التفاهم الوحيد الموجود –لكننـا- كعادتنـا- صدقنا كل ما قيل لنا باللغات الاخرى – التي اجهدنا انفسنا في تعلمها وتأنقنا بالترطن بهما- .. وانظـروا اين وصلــوا هـم- واين وصلنا نحن .. لقد قضينا اجيالاً في محاولة التلاقي على "ارضية مشتركة"- كنا مخلصين في ذلك، تصورناهم كذلك، وانظر اين وصلوا –انظـروا اين وصلنـا- لم تقنعهم تنازلاتنا
– والارضية المشتركة الوحيدة التي قبلوا بها، هي رقعة ما في قلـب بغـداد- مكان يحدث فيه تبادل اطلاق النيران الآن، هُذهِ اللحظة..
.. حاولت آن احدد الجهة التي يحدث فيها هُذا الحوار، خرجت إلى الشرفة، في الفضاء، حيث الاصداء مفتوحة لكل الاتجاهات، قدرت أن الامر ليس بعيداً، ربما عند "الباب الشرقي" – ساحة التحرير، او شيء مقارب، على بعد لايزيد عن ثلاث كيلومترات.. من حيث اقف ( اتضح فيما بعد أن مقدار الخطأ فيما قدرته كان لايتجاوز النصف كيلومتر بأتجاه الضفة الاخرى.. عند كرادة مريـم•)..
.. هناك، على الشرفة، والفجر لا يريد أن يطلع، كنت استمع إلى حوار الحضارات ذاك..
او تصادمها ؟..
لا فـرق !
********************
عدا عن حوار الحضارات، كنت بحاجة إلى أن اتحاور مع احد.. ربما ليس الحوار هو ما كنت احتاجه بالضبط. كنت احتاج إلى أن اقول ما عرفت، ما سمعت من حوار الحضارات..، كنت احتاج أن ازيح ذلك الحجر عن صدري لاشارك احداً بــه..
تسللت الى امي، كانت – كعادتها، منذ أن مرض والدي قبل اكثر من عقدين من السنين، نصف نائمة نصف مستيقظة- يكفي فقط أن أمر امامها بهدوء كي تنهض مذعورة وهي تقول : مـاذا ؟ مـاذا حـدث ؟.. كل مرّة، عندما تسأل ذلك، كنت اسارع إلى طمأنتها حتى قبل أن تنهي سؤالها..




هُذهِ المرّة، وقفت ساكتاً.. لم اتمكن أن اقول : لا شيء، لم يحدث شيء.. وانا اعرف أن الذي حدث ليس شيئاً فقط.. وانما اشياء ستجر اشياء.. واشياء .. واشياء..
وقفت صامتاً.. زاد ذعرها وهي تسأل "مـاذا ؟.. مـاذا هناك ؟"
كان ذعرها – تقليــديـاً- من وقفة صامتة كهُذهِ ينصب على خبر موت احد ما، او شيء مقارب..
كان الخبر الذي احمله غير مقارب. لا أظنني تصورت –فـي حياتـي- كلها أني سأقف لأقول شيئاً كالذي اريد أن اقوله الآن..
قلت لها : هُذا ليــس قصفــاُ..
بدا على وجهها عدم الفهم.. ما هو أذن ؟. إذا لم يكن قصفاً ؟..
قلت : أنـه تبـادل لأطـلاق النيــران..
سكت.. سكتت هي ايضاً. للحظات بدا عليها عدم الفهم ايضاً..
ثم فهمت.. بان على وجهها أنها فهمت..
قلت "أنهــم هنــا" "لقــد وصلــوا إلـى هنــا"..
كانت مستعدة للفهم.. لكن ليس للقبول.. كانت مستعدة للتصديق أنهم هنا، وأنهم وصلوا –لكن ليس لقبول أن الأمر قد انتهى.. في الخامسة والستين، لكنها كانت اكثر املاً مني – وكنت أكثر يأساً منها.. – طار النوم من عينيها فجأة، انتفضت في عروقها الحيوية .. قالت شيئاً عن كون الأمر كله انزال وسيحبط..
هراء.. لقد أوشك الأمر على الانتهــاء..
لقــد وصلــوا..
و..ص..ل…و…ا
*********************
عدت إلى الخروج.. السطح هُذهِ المرّة.. كان حوار الحضارات قد خفت وطأته نوعاً ما، دون أن يعني ذلك أنها كفت عن التصادم..
في الجو كان هناك شيء غريب .. شيء غامض.. شيء مريب، كذلك الذي يمكن أن يكون قبل أن تقع جريمة نكراء..، كالجو الذي كان في كربلاء – قبل أن تقع واقعة كربلاء..
.. في الجو كان هناك ترقب.. كان هناك حذر.. كنت تستطيع أن تشعر بذلك – كنت تستطيع أن تحس بشيء ما، أن تستشعره، تحدسه بحاسة غامضة دفينة في اعماقك- لم تدر بوجودها لأنك لم تمر بشيء مشابه طيلة حياتك.. شعوب كاملة لم تمر بشيء مشابه.. ولم تدر بوجود تلك الحاسة..
كان شيئاً غامضاً سيطر عليّ، وعلى الجو.. فجأة تحس بهيمنة غريبة في كل مكان، تلتفت، يتأكد احساسك بالخطر دون أن تدري لماذا..
لا أعرف كيف اعبر عن هُذا.. لكني أعرف أني احسست به.. واعرف أن آخرين، مثلي احسوا به، بل أني متأكد أن الناس في هيروشيما، في ذلك الصباح، تلفتوا بتوجس وقد أحسوا بشيء ما في الافق –كما احس الآن- ثم نظروا إلى الأعلى.. وكانت طائرة الجحيم في الاعالي غير المنظورة، بعد…
.. وفي الاعالي المنظورة، رأيتها هناك، تلك الطائرة التي كانت تحوم بلا صوت..
صدمني وجودها.. كانت بلا صوت –حقاً بلا صـوت- كانت تطير على ارتفاع منخفض جداً.. وكانت بلا صوت..
وجدتها فجأة، بلا مقدمات، هناك عند مئذنة المسجد –بلا صوت كذلك الذي يسبق رؤيتنا للطائرات..
كانت قريبة جداً.. لا استطيع أن احدد أي عدد بالامتار.. قرب كهذا لا يقاس بالارقام.. انه يقاس بعدد خفقات القلوب المرعوبة.. بعدد العيون المصوبة نحو ذلك الخطر.. بعدد الاطفال النائمين في البيوت المهددة..
لا شيء مثل طائرة تتقدم بلا صوت، كالسرطان يتقدم بلا ألم، بلا انذار.. – لا شيء مثل طائرة تجدها عند المئذنة التي كبرت على صوت اذانها..
لا شيء مثل طائرة تجدها في سمائك الدنيا .. سمائك القريبة التي تستنشق هواءها وتزفره فيها..
كانت قريبة جداً . كان قربها مستفزاً ومذلاً.. كان يشعرك بان طيارها مطمئن تماماً إلى عدم وجود مقاومة.. كان يتحرك ويحلق على مرمى المدفعية المضادة للطائرات، لكنه كان واثقاً – ســاخـراً- يعلم أن الأمر انتهى.. وأن الشخص خلف سلاح المدفعية أما قد اصابه الشلل – (أو أنه هرب..؟)، بمجرد أن عِلمَ أنهم وصلوا.. وأن الأمـر قـد أنتهــى..
كانت الطائرة قريبة لدرجة أني لو كنت امتلك كافة حواسي، لربما استطعت رؤية وجه الطيار أو على الأقل نافذته..
لكني لم امتلك حواسي.. لقد جمدت.. لقد شللت.. طالما سمعت بأن الناس يهربون ويتراكضون على السلالم إذا شاهدوا طائرة معادية في الافق.. كذب.. كله كــذب.. أنهم يشلون.. يجمدون.. يقفون عند المذبح في انتظار دورهم.. أنهم يظلون على السطح في انتظار حتفهم..
أو هُذا ما حدث، معي على الاقل.. لقد ظللت واقفاً على السطح وعيني مصوبة إلى الطائرة.. لا ، ليست شجاعة.. أنه الشلل.. أنه الجمود.. لقد وجدت اطرافي عاجزة عن


يتبع

Romantic Flower
, Wed, 17 Oct 2007 13:46:54 +0200
الحركة.. عن أبداء أي ردة فعل.. طالما اسمعونا في حربهم النفسية أن هناك قنابلاً سيجربونها علينا تؤدي إلى الشلل.. ربما كانوا يقصدون هُذا.. لست متأكداً..
.. للحظات، صارت رئتاي تبحثان عن الاوكسجين الذي بدا أن الطائرة قد شفطته كله..
للحظات، لم يكن هناك في الكون سوى تلك الطائرة – وسوى تلك النملة الواقفة تتأمل بذهـول.. أنــا..
كانت اشعة الشمس التي بدءت للتو بالبزوغ، تنعكس على جسم الطائرة وتعطي مظهرها المعدني لوناً احمراً يكسبها طابعاً دمويـاً..
بدت لي الطائرة، بمظهرها ذاك، وحشاً خرافياً قادماً من اسطورة عتيقة..
بدت لي، تنيناً مجنحاً عشت عمري وأنا اتصوره محض خرافة.. إلى أن قابلته على السطح – بعد ليلة ليتها لم تكن هادئــة..
.. وفي الاسطورة لا دور للعبيد.. لا دور للنمل.. لا دور للرقيق المقيد في الاغلال والسلاسل..
.. ولم أكن سوى عبد ذليل.. لم نكن جميعاً سوى رقيق مقيدين بذلهم وعجزهم منذ عقود.. عفــواً، منـذ قــرون..
وفي الاسطورة ليس من دور لنا.. ليس سوى التنين.. والفارس النبيل على الجواد الأبيض..
والان ها هو التنين.. أنه حقيقة واقعة وليس اسطورة من اساطير الاولين، أما الفارس النبيل، فلا أدري أين هو، لقد ظللنا ننتظره لقرون، وصدقنا كل مجرم وافاك وسفاح أراد أن يمتطينا بحجة أنه قد يكون ذلك الفارس المنتظر – وربما لم يكن هُذا الفارس سوى اسطورة – سوى كذبة – سوى خرافــة- ربما كان بيننا نحن، ربما كان نحن – لو علمنا، لو اجتمعنــا- لكننا استسلمنا للاغلال.. ولانتظارنا لذلك الفارس في خيالنا.. واستسلمنا للمجرمين يتقمصون دور الفرسان ويمتطوننا نحن.. ومن واحد إلى آخر.. انظروا أين وصلنــا..
صحيح.. أيــن وصلنـــا ؟..
وصلت أنا إلى السطح.. وأمامي وحش الخرافة التي اتضح أنها ليست خرافة..
وانما واقعاً اشاهده بأبعاده الثلاثة.. الثلاثة أو اربعة أو العشرة.. لم أعد متأكداً كم بعد هناك لهُذا الواقع.. لست متأكداً سوى من وجود هُذا التنين الطائر واجنحته التي تبدو لامتناهية في العدد والحجم..
فجأة.. كشر التنين عن أنيابه.. من بطن الطائرة هبطت النار، كرات من النار نزلت ببطء وبشكل عمودي.. طالما رأيت في السينما صور القذائف تهبط مسرعة من الطائرات وبشكل افقي – كذب ايضاً، أو على الاقل ليس هُذا ما حدث، هُذهِ المرّة.. هبطت النيران كما لو كانت تلك شرارة منبعثة من جهاز لحام الحديد.. كانت بلا صوت ايضاً..
كانت تتهادى ببطء اثناء هبوطها، الأمر الذي يغير من موقع سقوطها على الأرض، أو هكذا خيل لي، في تلك الثوان التي استغرقتها كرات النار إلى أن وصلت إلى الأرض.. لم استطع تحديد موقع سقوطها، فالارض كروية كما تعلمون، أو هكذا قيل لنا – رغم أنها تبدو الان ليست مسطحة فحسب.. ولكن تنتهي في المكان الذي تنتهي الغابة، حيث تغطس الشمس وراء الجبل – كما كانت تبدو في عيون قبيلة بدائية في مجاهل افريقيا..
حسناً، لم ارَ اين سقطت بسبب أن الارض كروية – أو بسبب أن البيوت والاشجار أمامي حجزت الرؤية..
لا ادري متى بدء الصوت بالضبط.. هل بمجرد أن سقطت كرات النار الصامتة، أم بعد وصولها إلى الارض..
كان صوتاً هائلاً.. لا علاقة له بالنار. صوت‘’ مجسم شق حجب الترقب والحذر.. لا اعرف كيف اصفه، لكن كنت واثقاً أنه صادر‘’ من بطن الطائرة، من محركها – على الأرجح..
كان يشبه صوت محرك لشاحنة ضخمة وقد حشر في زاوية ضيقة عجز عن الخروج منها.. تبادر إلى ذهني أن الطائرة تواجه عطباً ما، وأن كرات النار تلك كانت صادرة عن المحرك المعطوب..
لكن الطائرة استقامت بعدها، واستمرت تحوم على نفس الارتفاع المنخفض..
ومرّة اخرى، كرات النار تتهادى ببطء كما لو كانت تسير في جنازة، ومرّة اخرى احس بلسع النار وهي تندلع في مكان ما لا استطيع تمييزه.. ومرّة اخرى يأتي الصوت ذاته..
.. خيل لي، هُذهِ المرّة، أن التنين يتجشأ، او يتثاءَب، أو انه يعبر عن مشاعر ما، غيظ او غضب (أو فرح لأنه استطاع أن يقصفنا..)..
ثوان اخرى، اقترب الوحش أكثر وأكثر، خيل لي أنه سيقطع اسلاك الكهرباء والهاتف (المعطلين بكل الاحوال..)، بدا أنه مقبلاً بأتجاهي بالذات.. جمد الدم في عروقي.. لا اظن أي شيء، أي عضلة في جسدي كانت تعمل بأستثناء لساني، كان لايزال يعمل، لا يزال يلهج طالباً للرحمة من ذلك القادر عن كل شيء..




هبطت كرات النار بهدوءها المستفز.. واحدة تلو الاخرى، والتنين مستمر في اتجاهه نحوي.. وكرات النار تتهادى.. واحدة تلو الاخرى.. ونملة عند السطح تنتظر الضربة القادمة.. تنتظر حتفها بلا حول ولا قوة..
عندما عبرني التنين محلقاً فوقي، بينما النيران تتساقط في مكان آخر – فوق بيت آخر، او سيارة اخرى، أو نملة اخرى.. صدر عنه الصوت نفسه مرّة اخرى..
.. وهُذهِ المرة فهمته..
فهمت الصوت.. و وعيت معناه..
لقد كان هُذا التنين يهزأ بي.. يسخر مني.. يصدر هُذا الصوت متحدياً، هازناً، ساخراً منا جميعاً – نحن المرتجفيـن ذلاً وقهـراً ورعبـاً- المتوقعين منه أن يقتلنا ويشردنا ويهدم بيوتنا فوق رؤوسنا..
بدلاً عن ذلك، أنه يطلق نيرانه.. ثم يصدر هُذا الصوت البذئ، الذي يصدره عادة الساقطون والرعاع – في اركان الشوارع الخلفية وزواياها المظلمة، الفتوات و (البلطجية) على ابواب الملاهي الليلية..
.. أنهم يسخرون من خوفنا.. يعلمون أنا نراقبهم بذعر.. ولذلك يرسلون قنابل النار تلك، ثم – يرسلون تلك الاصوات بعدها- موجهة للذين نجوا.. ليقولوا لهم : ربـما سنحرقكـم في المرّة القادمــة..، أو أنكم لا تستحقــون حتى القتـل..
لا تستحقــون سوى هُذا الصــوت..
بدا الأمر كما لو أن هُذا التنين يريد أن يهيننا.. يطلق علينا صوته كما لو يبصق علينا في سخرية – يتبول علينا- في اهانة..
.. حركت الاهانة الدم في عروقي، كنت اظنه قد تجمد لكن الصوت اوقظها..
وجدت اطرافي اخيراً، و وجدتها تتراكض قبلي على السلالم هبوطاً من السطح إلى شقتي، سمعت صوتي واستغربته عندما وجدته يأمر الجميع بالهبوط إلى الطابق الارضي.. وجدتني اصرخ بأبني واهزه لأوقظه من نومه هزاً شديداً – وأحمل ابنتي بيد- والعالم كله بيد اخرى.. واهبط على السلم – كل درجتين بقفزة..
.. على الوجوه كان الرعب سيد الموقف.. لم يكونوا قد رأوا التنين كما رأيته – لكنهم احسوا انفاسه الكريهة- وسمعوا ذلك الصوت الذي سمَرهم في اماكنهم..
.. قلت لهم، وانا اركض لا ازال : أنهــم فــوق، فــوق.. كانت تلك عبارة لا معنى لها.. فقد كانوا دوماً "فــوق"، بطريقة أو بأخرى – على الاقل في نظرتنا إليهم- وكنا دوماً "تحــت" – بطريقة أو بأخرى - على الاقل في نظرتنا لأنفسنا- وربما كان هُذا الفوق والتحت هو الذي اوصلنا لما وصلنا إليه..
وضعت أبنتي التي لا تزال نائمة على الاريكة في غرفة المكتب حيث كانت والدتي تنام، وحيث كانت الجدران تروي تاريخ العراق، بينما كان التنين في الخارج يرسم صورته في المستقبل..
تجّمع الكل في غرفة المكتبة – التي لم تكن ملجئاً مثالياً على الاطلاق، أن لم تكن الاسوء من بين كل غرف البيت، بالسقف الثانوي المعرض للسقوط بسهولة، بالواجهة الزجاجية الملونة على طريقة البيوت البغدادية التي ستتحول الى شظايا قاتلة، برفوف المكتبة الضخمة التي لو سقطت علينا لقضت علينا كما قضت على الجاحظ..
لكن الخطط كلها – عندما يحين اوان تطبيقها- كانت تكشف عن ثغرة مميتة تقلبها رأساً على عقب.. وأهم ثغرة، أن أي مكان آخر لم يكن يصلح لأي تجمع – ما دام لا يمكن نقل والدي المشلول من سريره الطبي- في غرفة ملحقة بالمكتبة، إلى أي مكان آخر..
بدءت بفتح الباب.بدت لي التحصينات الأمنية في غرفة المكتبة ، بالباب الخشبي بمزاليجه واقفاله – ومن ثم الباب الحديدي واقفاله المزدوجة، غير ذات جدوى أن لم تكن معيقة للعملية الأهم والتي يجب أن تتم بسرعة : فتح الباب والخروج بسرعة إذا حدث شيء..
.. خرجت إلى الحديقة، لا يزال التنين – لا اراه ولكن أحس بأنفاسه، اسمع صوته يحوم في الجوار..
فجأة يظهر وهو يحلق منخفضاً وقد حجبه الجدار العالي للمبنى المجاور.. اراه الان من منظور الفريسة في لحظاتها الأخيرة، وهي تغمض عينيها قبل أن ينقض الطير الكاسر عليها.. ويفترسها..
اجزاء من الثانية فقط، لا أكثر، امامي لأحل المعضلة الكبرى التي اواجهها. اجزاء من الثانية – لاعطي جواباً مصيرياً لسؤال قد يحدد مصيري..
السؤال، الذي لا أملك سوى اجزاء من الثانية لاجيب عنه، هــو، هل عليَّ أن ابقى –وأهلي وأطفالي في البيت- أم عليَّ أن اصدر لهم امراً سريعاً بالاخلاء، والخروج إلى الحديقة..
السؤال –بصيغة اخرى- ولا املك سوى اجزاء من الثانية لأجيب عنه، هل افضل أن أموت –وأبــي- واطفالــي وادفن تحت انقاض البيت..
أم افضل أن نحترق ونتمزق بالشظايا.. في خارج البيت..
باجزاء من الثانية، اقرر أن فرص النجاة في الخروج أكبر..
أدخل البيت وأنا اصرخ – أخرجــوا ، اخرجــوا، ابني وابنتي نائمان على الاريكة وأبي، هناك ، على سريره الطبي الضخم الأكثر عرضاً من كل الأبواب التي تفصلني عنه..



يتبع

Romantic Flower
, Wed, 17 Oct 2007 13:47:36 +0200
اجزاء من الثانية، وصوت التنين وهو يزأر، اتخيله يفتح

فمه لينفث غيظه وحقده كرات ملتهبة من النار، اتصور الطير الكاسر
وهو يصوب بؤرة عينيه صوب بيتي.. اجزاء من الثانية فقط، اجزاء من الثانية..
.. امامي ابني وابنتي نائمان على الاريكة، وأبي هناك، لا يملك فرصة .. اغفر لي يا رب… سامحنــي يا أبــي..
اجزاء من الثانية لأقرر، لاجيب عن سؤال آخر، سؤال مصيري
تبدو امامه كل الاسئلة الكبرى التي واجهتها الانسانية، في
متاهاتها المتعددة ساذجة وسخيفة وغير ضرورية..
كل تلك الاسئلة التي تقلبت على اجوبتها البشرية ومفكروها
وملهموها بين شك ويقي
–بين ايمان والحاد- اسئلة الخلق والوجود والعدم والموت
وما بعده وما قبله.. كلها كلها كانت ساذجة ولا معني لها امام
ذلك السؤال الذي واجهني ذلك الصباح – بعد تلك الليلة التي كانت هادئــة..
كانــت هادئــة… كانــت هادئــة
كان السؤال – آه ، السؤال – هو، أي من اولادي سأترك ،
(أيهمــا سأتــرك!)و أي واحد منهما سآخذ .. وانا لا املك
سوى ذراعين وسوى اجزءا من الثانية.. وهما اجزاء من كبدي.. من رئتي.. من شراييني..
الولد.. البنت.. نائمان على الاريكة اجول ببصري بينهما.. اجزاء من الثانية.. واقرر..
.. واخذت البنت، نهبتها نهباً وركضت بها إلى الخارج .
سأعيش عمري وانا لن انسى تلك اللحظة التي اخذت فيها
هُذا القرار..، ليس "لــن أنســى" فقط.. وأنما "لــن أفهـم" .. "لــن أعــرف
كيــف" "لــن استطيــع أن أفسر".. ذلك القرار الذي اخذته في اجزاء من الثانية..
لماذا اخذتها هي ؟.. ربما لأنها الاصغر.. وربما لأنها –كأنثــى- الاضعف وربما لأنها تخاف أكثر..
لا أدري.. ولو اخذت الولد لما دريت ايضاً لماذا اخذته.. ولسألت نفس الاسئلة.. ولما وجدت اجوبة..
لا أدري.. وربما لن ادري قط.. ولن اغفر ايضاً، لا لنفسي ولا لأي احد في هذا العالم –أنني اخترت- أنني استطعت أن اختار واحداً منهما – أيــا كان- لأهرب به إلى ما اتصور أنه اكثر اماناً.. واترك الآخر – أياُ كان- ليقضي مؤوداً تحت الانقاض..
كل ما اعرفه، أني اخذت البنت، وهربت بها خارجاً، وأنا اصرخ بأسم الولد..
.. ثــم كان الزلزال..
********
. …………………………………………………..


.. عندما انتهى الزلزال، انتبهت إلى أني كنت جاثياً على ركبتي، احتضن ابنتي بين ذراعي، كنت هادئاً كجثة – لكنني كنت واثقاً أني لا ازال على قيد الحياة- كانت ابنتي ترتجف –ذعراً على ما أظن- أما أنا فقد كنت ساكناً..
احتضنتها بشدة .على خدي سالت دمعة، اظنها هبطت من عيني (و ربما كانت من عين ابنتي) لم تكن دمعة خوف أو حزن أو شيء من هُذا القبيل – كانت دمعة ذل على ما اظن.. لم يسبق لي أن اذللت إلى هذهِ الدرجة من قبل … كان الذل موجعاً بشراسة.. ولم يكن هناك ما أفعله سوى آن اذرف تلك الدمعة اليائسة..
احتضنتها بشدة اكبر، تذكرت أني اسميتها آمنة رغم أنها ولدت في ظروف استثنائية من عدم الامان . "ثعلــب الصحــراء"• حرب صغيرة و عابرة– حسب مقاييسنا الحالية، قصف لمدة ثلاثة ايام ولدت آمنة في يومه الرابع، قبل موعدها المتوقع بحوالي شهر.. استنكر بعض الاصدقاء الاسم..عن أي امان اتحدث ؟.. لو يعلمون.. لو أني كنت أعلم – ما سنراه بعدها.. وما ستراه هي ، آمنة، قبل أن تكمل اعوامها الاربعة..
.. تساءلت، مستدركاً لا التسمية، بل الأمر برمته، اعني الانجاب بحد ذاته، تساءلت عن الحكمة في الاتيان المزيد من اطفال سوف ننجبهم إلى عالم سوف يستمر بظلمنا واذلالنا..
تمنيت لحظتها لو أني لم انجب آمنة .. لو أني لم أولد قط.. فهمت معنى أن يتمنى المرء لو أنه لم يكن.. لو أنه كان تراباً.. لو أنه كان نسياً منسياً..
.. لم يستمر الامر طويلاً.. لقد "كنــت!" وانتهى الأمر – وعلي أن اواجه هُذا العالم القاسي الذي تبدو امامه الاساطير المرعبة قصصاً مسلية..
مسحت الغبار عن وجهي، وعن وجه آمنة، كلما وجدت نفسك حياً، مرّة بعد اخرى، غارة تلو غارة، تحدس أن الله تركك حياً لحكمة ما عليك أن تنجزها..
صوبت عيني نحو وجه ابنتي التي اعشق ومسحت عنها الغبار والرعب، لكن الكاميرات ووسائل الاعلام ستصوب نحو وجه طفلة أخرى، اصغر حتى من ابنتي –مـن هــي ؟ اسمها فاطمة طارق.. وعمرها حوالي السنة.. وتسكن عمان.. ما قصتها ؟.. لا

---------------------------------

• عملية ثعلب الصحراء_ديسمبر 1998قامت بهاالقوات الامريكية بعمليةقصف و تدمير سريعة.



يتبع

Romantic Flower
, Wed, 17 Oct 2007 13:48:24 +0200
قصة مميزة غير أنها مجرد طفلة اخرى بريئة في عالم غير برئ – اختطف منها اباها الذي كان على السطح، يؤدي عمله، عندما فاجأه التنين..
.. مــن هـو ؟.. أوه.. لقد سمعتم بأسمه كثيراً وقتها.. ولعلكم نسيتموه الآن..، كما تنسى كل الاشياء .. اسمه طارق ايوب.. وكان يعمل كمراسل لأحدى القنوات الاخبارية .. الجزيرة بالذات..
.. وكانت تلك هي الغارة التي قتلته تحديداً..
**********************
.. ما أن تكتشف انك نجوت، حتى تتبدل اولوياتك.. تريد أن تعرف من الذي لم ينجو؟.. تريد أن تعرف ماذا يحدث خارج نافذتك .. حديقة منزلك وباحة دارك..
اسرعت لتشغيل المولد الكهربائي. ملأته الخزان إلى آخره بالبنزين، الذي كنا قد اضطررنا إلى دفنه في أوعية خاصة في ركن بعيد في الحديقة، كان علينا أن نقتصد في الوقود الشحيح اساساً بسبب الحرب، والذي يتوقع أن ينقطع تماماً في الايام القادمة.. لكن هُذا الأمر لم يمنعني عن ملئ الخزان حتى آخره، ولو كان هناك نقطة واحدة من البنزين، لكنت وضعتها في المولد .. لأعلم ماذا حدث.. وأين كان تبادل اطلاق النار – ذلك الحوار الذي دار بين الحضارات والذي تلصصت عليه من شرفتي..
شغلت المولد.. عادت الكهرباء تسري في عروق الاجهزة والادوات ، عادت الصورة إلى التلفاز..
ليتها لم تعــد
ليتني لم أكن املك المولد .. ولا الصحن اللاقط..
ولا حتى قطرة بنزين
************************
قليلون هم العراقيون الذين رأوا تلك الصورة عندما بثت بشكل مباشر..
.. قليلون اصلاً كانوا يمتلكون الصحن اللاقط.. والقلة التي امتلكت الصحن اللاقط.. كان يجب أن تمتلك مولداً كهربائياً – و وقــوداً !-
الملايين –فـي خارج العــراق- رأوا تلك الصورة – لكن قليليين فهموا- قليلين وعوا..
والذين رأوا، وفهموا، و وعوا.. هزهم ولابد الالم لتلك الصورة.. وتمنوا لو أنهم لم يمتلكوا صحناً لاقطاً.. ولا مولداً كهربائياً.. لكي لا يروا.. هُذهِ الصورة التي رأوها..
كانت صورة ملتقطة من جانب الرصافة الذي أسكن فيه، لكنها مصوبة الى الجانب الآخر –الكــرخ- بالضبط إلى بداية الجسر_ إلى جانب الجسر الاقرب إلى الكرخ..
كان جسراً تعّود البغداديون عليه، تعودوا المرور عليه وتعودوا رؤيته.. تعودوا أن يشاهدوه هناك – كما تعودوا على دجلة، وعلى شط دجلة- وعلى الشط المقابل..
كانت الصورة لجسر الجمهورية.. وكانت مؤلمة جداً إذ أن فيها اضافة هجينة لم نتصور اننا قط سنراها هناك..
فعلى ذلك الجسر، كانت هناك دبابة..
دبابة امريكيــة ..
******************
من بين كل الجسور التي تربط بين جانبي بغداد الكرخ والرصافة، والتي يبلغ عددها سبعة او ثمانية أو حتى أكثر – لا أدري- ولست في مزاج الان لتعدادها – من بين كل الجسور- يتمتع جسر الجمهورية بتلك المكانة المميزة في نفوس البغداديين..
لا ادري لماذا بالضبط.. وازيد أني لست متأكداً بالضبط من ذلك. لكني اعرف أنه كان شيئاً مميزاً بالنسبة لي على الاقل، ربما لأنه شهدني منذ طفولتي وأنا اعبره يومياً برفقة ابي – قبل أن يقعده المرض تماماً.. ثم شهدني وأنا اعبره يومياً –ذهاباً وعودة- إلى حيث عيادتي في الكرخ..
لست متأكداً أن كان الكل يشعرون كما أشعر، لكن كلمة "الجســر" باطلاقها، كانت تعني بالنسبة لي.. جسر الجمهورية لا غير .. كان يوصل بين ضفتي بغداد بطريقة شديدة التناسق، هناك عند طرفه الذي في الرصافة كانت المدرسة التي تخرجت منها والدتي، والتي ظلت عبر العقود تمد الكليات العليا في الجامعة بأجمل وأذكى الفتيات ممن كانوا يصرن فتيات احلام كل الشباب في مراحلهن.. وأمام الجسر كانت "ساحة التحرير "الذي سيتحول ليصير احتلالاً- وامامهم جميعاً كان نصب الحرية •منصوباً – كسراب لوهم لا يتحقق ابداً.. يستغله المتعاقبون واحداً تلو الآخر لينصبوا علينا فرداً فرداً..
.. وعلى الضفة الاخرى، كان هناك حي كرادة مريم العريق، ومبنى الاذاعة والتلفزيون الذي بثت فيه أول محطة تلفازية في الشرق الاوسط..، وفندق المنصور الذي طالما اجتمعت فيه بالاصحاب وثرثرتهم وتحدثهم عن الوجود والفن وكل الاشياء الاخرى قبل أن تفرقكم الظروف في الاصقاع والمنافي..
ذلك الجسر لم يكن جسراً فقط بنظر البغدادييــن، سواء وعوا ذلك أم لم يعوه.. لقد كان صورةً عنهم حتى وأن لم يفهموها.. كان انعكاساً لرحيلهم المكوكي الدائم نحو الضفة الاخرى، والحلم الآخر.. والسراب الآخر..

------------
• نصب الحريةلجواد سليم المشرف على ساحة التحرير –مركز بغداد.

كان مثلهم جميعاً يتوق للخلاص.. كل صباح..
وكان مثلهم جميعاً، يعود محبطاً كل مساء..
.. ومثلهم جميعاً، دمروه – وحطمــوه- مرّة بعد مرّة.. -ومثلهم جميعاً- كان يقوم كل مرّة .. (كان سيقوم في هُذهِ المرّة ايضاً.. كما سيقومون ايضاً..)..
تلك الدبابة على الجسر.. لم تكن تمتطي الجسر وحده. كانت تمتطينا ايضاً..
ولقــد نقلـوا ذلك بالبـث المباشــر..
*******************
تلك الصور التي نقلت مشهد الدبابة على الجسر، كانت مؤلمة أكثر حتى من الصور التي نقلت لحظات تدميره في حرب الخليج (الثانية ؟) قبل أثني عشر سنة من الآن..
كانت تلك الصورة، تنقل المشهد من الطائرة التي قصفته تحديداً، كانت تلك الصورة بخلفية مخضرة كما كل الصور التي تلتقط من الطائرات اثناء الغارات الليلية.. كانت تشبه إلى حد بعيد صور العاب الفيديو والاتاري الرائجة.. شكل هندسي بعيد لجسر (سيقولون لك أنه جسر الجمهورية دون أن تتمكن من فحص بصماتك عليه وتاريخك معه..) يربط بين ضفتين أكدوا لك أنها كرخ اجدادك ورصافة احلامك – وجسم سريع يركض على الجسر- سيقولون عنه أنه سيارة يقودها "الرجل الاكثر حظاً في العالم" – لأن الطيار قد انتظر أن يكمل مروره قبل أن يقصف الجسر.. كذابــون طبعاً، رغم أننا صدقناهم وقتها كما فعل الكثيرون – لكننا نعلم الآن من خبرتنا في الحروب أن عصفاً كالذي نتج عن عملية تدمير جسر لا يمكن إلا أن يكون قد محا السيارة وصاحبها..
تلك الصور – التي تدمر فيها الجسر تماماً أمامنا كانت مؤلمة طبعاً.. –ولكـن ابداً ابــداً- ليس كتلك الصورة الآخرى..
.. وفيها دبابة‘’ … على الجسـر..
**************************
فجــأة، دبابـة علـى الجسـر..
ستنظر وأنت غير مصدق .. تتمنى لو أن تكون المدينة مدينة أخرى، والشط شطاً آخراً، والجسر جسراً آخراً، والسماء أخرى … والدبابة أخرى..
لكن لا، أنـها بغــداد_ انها بغدادك!_، وهُذا دجلــة، والشط شـط الكرخ، والجسر جسـر الجمهوريـة.. وهُذهِ هي الدبابة الأمريكية. فجأة على الجسـر..
.. وسوف تتمنى أن لا تكون أنت آنــت.. – حتى لا يكون هُذا الذي تشاهده حقيقة.. لكنك أنت أنــت.. والدبابة على الجسر..
سوف تلتفت – وأنت لا تزال غير مصدق – وتقول لنفسك لا، لاريب أن هناك خطأ ما،.. لا ريب أن في الأمر خديعة ما..
نفسك – بنفسهــا- سوف تجيبك، تصفعك. لا خطأ. ولا خديعة. أنها الدبابة على الجسر..
.. سوف يطير قلبك من مكانه، ويهدر دائراً بين القباب والمآذن على الشط.. متفقداً احجارها.. واركانها.. وبصمات الزمن عليها..، سوف يتفقد اعشاش الطيور عليها.. وسيجدها مهجورة جميعاً..
(طـار اللقلـق .. طــرنـا ويــاه..)..
لا ، للأسف لا . لقد طار اللقلق، ولكننا لم نطر معه.. بقينا حيث نحن.. وياليتنا كنا طرنا معه، أو مع أي كان.. حتى لا نرى ما نرى.. وحده اللقلق نجا، والذين طاروا معه – من مشاهدة المشهد (أم أنهم رأوه في الصحـن اللاقــط.. ؟).
.. سيطوف قلبك على الشط.. أنه يعرفك وأنت تعرفه.. فالشط وفيّ ولا ينسى اصحابه. وسوف تسمع صدى صوتك يتردد في جنباته..، أنت الذي كنت تقف على شطه في سكون الليل، وتجمع كل نزقك وفضولك وطفولتك وتهتف بأعلى صوتك، باقوى مما تحتمله حبال حنجرتك، هاتفاً بالشط، موقظاً اياه من نومه : "يـا شـط يـا شـط، تـأكل سمك لـو
بـط ؟".. وكان الشط يجيبك، متقمصاً صدى صوتك، قائلاً باصرار .. بــط .. بــط..
آه،يا شط. لو كنت تعلم يا شط. ولو كان يعلم السمك.. ولو كان يعلم البط.. لو كنا نعلم نحن – الذيـن وقفنـا علـى شـطــك- ما سيدور على شطك.. ما كنا تركناك قط..
(او ربما ما كنا وقفنا هناك قط..)
.. وآه .. يا شواطي دجلة، يا ذلك الصوت المبحوح.. يغني "على شواطئ دجلة مر.. يا منيتي.. وقت الفجــر•"..
آه، يا شواطي دجلة، يا أنا، يا أنتم، يا فجر – لو تعرفون، لو تعرفين يا شواطي دجلة أي شيطان سيمر، وقت الفجر، لو تعرفين، أي شيء سيحصل- عند الفجر.. على الجسر.. لو تعرفين أنه فجأة ستظهر دبابة .. على الجسـر..
سيروح قلبك ليتفقد صيادي السمك ومراكبهم الخشبية وشباكهم المهترئة ، ولا واحد هناك. ولا واحد هنا : تريد أن تطلب منه "بُنَّيــة"•؟ .. ام تراك تفضل الشبوط ؟
آه، يا صياد السمك لو تعلم أن كل السمك، سيغادر ذات يوم، البنية والشبوط وكل شيء، لو تعلم .. أننا كلنا سنصير سردينا تافها بلا ملامح في بطن حوت هائل



يتبع

Romantic Flower
, Wed, 17 Oct 2007 13:49:43 +0200
ستمسك الدربين•.؟..هل تريد ان تنظر حبك؟-لن تنظر سوى خيبتك. سوى احباطك. سوى هزيمتك.. وتلك الدبابة على الجسر…
سيفتش قلبك عن النذور التي تتركها النساء على الشط، ويهدينها للشط، يشعلن الشموع ويضعنها في طبقات البيض الفارغة، أربعة وعشرين شمعة من أجل غائب لا يعود، أو طفل مريض، أو جرح لا يطيب .. يأخذها دجلة ليوصلها – كما يتصورن، لشيـخ الشـط (أو للخضــر..؟)
-لا أدري- لكني ادري أن كل تلك الشموع لم تكن لتفيد – لم تكن لتقيد في تلك الظلمة،.. وأنها كلها كلهــا لو اجتمعت اليوم لما فاد النــذر- مادامت الدبابة على الجسر..
.. وستسأل عن زارع "البزرالقوش"• – ولن تطلب منه أن يزرع "حنــة" فالعطار لن يصلح ما افسدته الدبابة على الجسر – ولكن ستطلب منه أن يزرع لك ترياقاً-او مخدرا- يجعلك لا تـرى.. ولا تسمــع.. ولا تتـذكــر..
.. آه، الدبابة على الجسر –وقلبـك _بدلا ان يكون على ولدك•_يكون علـى الجسـر- رغم أن الجسر من حجر..
سيحلق قلبك نحو النخيل على الشط، سيبحث عمن هو "فـوق النخــل•" أهو خد العاشـق الولهـآن .. أم هو القمـر ؟؟..
لا شيء فوق النخل. لا شيء فوق، غير الخيبة وطلع غير ملقح.. لا "خــدك" – ولا حتى القمر..
وكيف لا .. وهٌذهِ الدبابة على الجسر..
.. ستظل لا تصدق.. ستصرخ.. ستسأل اللقلق الذي علاّ وطار، وستسأل تلك الطائرة الورقية التي لا تعرف أين ينتهي خيطها.. ستسأل السكارى الذين هم سكارى فعلاً – ستسأل البلاّمين والعشاق الحيارى، والمصلين السهارى.. ، ستسأل النسوة ونذورهن وستسأل الشط وشيخه، والجرف واعشابه.. والسمك وصياديه.. والخضر و مريديه.. ستسأل الفجر، وتسأل النخل، وتسأل القمر.. – وسوف تطرح السؤال على نفسك ايضاً- سوف تصرخ بقوة، وانت تشير باصبعك إلى ذلك الشيء – علــى الجسـر..
كيف وصلت هُذهِ الدبابة هنا، على الجسـر ؟.
----------------------•

الدربين: الناظور باللهجة البغدادية.و الاغنية التراثيةتقول"يا يمه انطيني الدربين تانظر حبي و اشوفه"
• بزر القوش: بذر القوش. بذر معين تطلب الاغنية البغدادية من زارعه ان يزرع الحنه، الحناء،_بدلا عنه_" يا زارع البزر القوش .. ازرع لنا حنه"
• تقول الاغنية التراثية: قلبي على قلب ولدي و قلب ولدي من حجر
• الاغنية البغدادية الشهيرة"فوق النخل فوق النخل فوق يابه فوق النخل فوق، ما ادري لمع خدك مادري القمر فوق"






*******************************
سوف يرتد سؤالك إليك – خاسئاً وهو حسير..
سوف تجد شيئاً مثل الجواب في اعماقك.. سيكون جوابك انت على سؤالك أنت..
ستقول لك نفسك، أن هُذهِ الدبابة كانت موجودة دوماً – لم تدخل فجأة ولم تصل إلى هنا على غفلة من الزمن..
ستقول لك نفسك : أن الدبابة كانت موجودة دوماً.. أنت فقط لم تنتبه لذلك.
ستستنكر ذلك. لقد كنت دوماً منتبهاً للجسر "وما حواليه".. لايمكنك أن يفوتك شيء مثل ذلك..
ستقول لك نفسك أن الدبابة كانت مختبئة.. عشرات، بل مئات من الدبابات والمدرعات كانت مختبئة في كل مكان..
ستسأل :أيــن ؟ وأي مكان يمكن أن يخبئ ذلك كلــه ؟؟..
ستجيبك نفسك : داخل "حصــان طــروادة" – الموجود في كل مكان..
.. حصان طروادة ؟ .. ستستغرب! ما المقصود بالضبط.؟.
ستقول لك : بل كل خيول طروادة، ليس حصان واحد فقط – بل مئات من خيول طروادة.. في كل مكــآن- وفي داخل كل منها دبابة أو مدرعة أو مجزرة.. ترى اكان واحداً فقط : على الجسر.. ستلح. ما المقصود بالضبط من هُذا كله..؟
ستجيبك نفسك : خيول طروادة هي تماثيل الطاغية الموجودة في كل مكان، أنها صورة وانصابه المنتشرة في الساحات والشوارع و"بين كل صورة وصورة توجد صورة اخرى بالتأكيد" أنها تماثيله القبيحة التي طالما مررت قربها واشحت بوجهك عنها وأنت تلعن وتسب في سرك – ربما لهُذا بالذات، لأنك لا تنظر إليها-
لم تنتبه أن خلف كل تمثال وكل نصب وكل صورة، يوجد دبابة امريكية مختبئة ..
.. ستقول لنفسك : نظرية المؤامرة مجدداً ؟ لا يصدقها إلا من كان من مخلفات العصور الوسطى..
.. ستجيبك نفسك بحدة : لا. ليس نظرية المؤامرة.. بل نظرية الحقيقة.. الحقيقة المطلقة والواحدة ولا شئ سواها..
ليست نظرية المؤامرة.. بل قانون نيوتن ونظرية ارخميدس.. بديهة حقيقية من اولى بديهيات الحياة .. "لكل فعل رد فعل مساوي له في القيمة ومعاكس في الاتجاه..".
تلك هي الثغرة التي تدفق منها العدو.. لا، ربما كلمة "تـدفــق" ليست دقيقة.. ربما "تسلــل" كلمة افضل. بالتدريج تسلل العدو – بالتدريج اختبئ خلف كل تمثال – كل صورة- كل نصب للزعيم الاوحد و "القائــد الضــرورة"..
ليست نظرية مؤامرة.. بل قانون الافعال وردود الافعال. ذلك الظلم كله، والاستبداد كله، والطغيان كله، والتمييز كله، أدى إلى هُذا كله.. أدى إلى هُذهِ الدبابة –علـى هُذا الجسـر-..
نعم. حصان طروادة في كل ساحة من الساحات.. وخلف الحصان، داخل النصب، عبر الجدار.. كانت هناك الدبابة رابضة –تنتظر الفرصة المناسبة.. لتتسلل- لتزحف بطء والنيران تتقدمها.. نحو الجسر .. نحو كل جسر.. كل فجـر..
.. نعم، كانت الدبابة دوماً هناك، ما دام هناك ظلم وابادة وطغيان كان هناك – وأن لم ننتبه لها، وأن غضضنا البصـر- وأن تظاهرنا بأن الأمر ليس كذلك..
لم تأت فجأة –هُذهِ الدبابة على الجسر.. لم تأت فقط كجزء من العمليات العسكرية- ولم تأت كقدر لا دافع له مكتوب في لوح محفوظ لا راد له.. لقد كنا شركاء ايضاً، نحن العبيد الارقاء، نحن المكممين الصامتين، نحن المغلوبين المجهضين.. نحن كنا شركاء في الجريمة.. بسكوتنا. بذلنا. بصمتنا المهين. باشاحتنا لوجهنا عن الجريمة، باعتبارنا الأمر لا يخصنا..
"كنــا شـركــاء" .. في نصب حصان طروادة.. في تعبيد الطريق لتلك الدبابة.. إلى أن وصلت.. هذا الفجـر، على هُذا الجسـر..
ليس (فجــأة)
ابداً، التدريج..
رويداً رويداً، إلى أن وصلت، دبابة على الجسر..
******************************
قيل لنا، بعد تلك الصور – أن معركة ما تقع على جانب الكرخ من الجسر، بالضبط عند كرادة مريم- حيث تقع بعض المراكز السيادية –كمــا يسمونــها- المهمة.. مبنى الاذاعة والتلفزيون.. وزارة الخارجية.. وزارة الاعلام.. وايضاً واحد مما لا يعد ولا يحصى من القصور الرئاسية..
.. وكان هناك ايضاً، على شاطئ النهر، غير بعد عن هُذا كله، مكتبان لقناتين فضائيتين .. هما الجزيرة، وأبو ظبي..
كان مكتب الجزيرة قد قصف فعلاً منذ أولى ساعات الصباح. أما مكتب قناة أبو ظبي، المجاور، فقد حوصر، لقد وقع بين طرفي حوار متبادل – كذلك الذي دوّى في المدينة.. ثم ما لبث أن تعرض للقصف ايضاً.. و انقطع البث منــه..
قبل أن ينقطع البث، نقلت قناة أبو ظبي ذلك الخبر الذي عجزت الجزيرة عن بثه..
طارق أيوب ، مراسل الجزيرة، مات، حتى قبل أن يصل المستشفى..
**********************






ما حدث بعدها كان استثنائياً إلى درجة تحيرني حتى الآن – بعد أشهر من أنقضاء كل شيء..
فالذي حدث، أننا نحن الذين نسكن مدينة هي على شفا حفرة من السقوط في الهاوية، انشغلنا بمقتل الصحفي – شهيــداً.. شهيــداً.. شهيـــداً- وبأسرته وزوجته وطفلته..
نحن الذين كنا ننتظر دورنا في المحرقة، نحن الذين وقفنا طابوراً طويلاً من أجل أن يتم ذبحنا، نحن الذي أسندنا اعناقنا إلى الدكة الخشبية واغمضنا اعيننا وتشاهدنا في انتظار أن تهوي المقصلة.. –انشغلنا بطــارق أيــوب.. وبكينا عليه.. وعلــى أسـرتــه..
كان ذلك غريباً جداً.. لكنه حدث.. حدث لدرجة أني لا أذكر شيئاً آخر بعد تلك الدبابة على الجسر – غير طارق أيوب..
قد تقولون أنه الاعلام وتأثيره وقدرته على غسل أدمغة البشر وجعل قطيع الغنم المعد للذبح يبكي على شاة ذبحت للتو – لا علـى بقيــة افـراد القطيــع..
ربما .. لست أدري.. لكني أعلم جيداً أن شيئاً آخراً لم يعلق في ذاكرتي عن ذلك اليوم بعد تلك الدبابة التي صدمتني على الجسر – غير طارق أيوب..
نبشت طويلاً – فـي أدراج ذاكـرتـــي- بحثت عن شيء اذكره من ذلك اليوم بعد –الدبابـة على الجسـر- فلم اجد ،عدا طارق ايوب، غير بعض التفاصيل المشوشة عن سيدة من الجيران ظنت أنها تعاني المخاض – بعد عقـم طويــل- وكان ضغطها مرتفعاً، وذهبت زوجتي لقياس ضغطها.. لكن لا شيء بعد هُذا محدد و واضح في ذاكرتي..
هُذا مايفعله المحبطون. اليائسون.. أنهم ينسون.. أنهم يحاولون النسيان من أجل أن يخففوا الآمهم – أن يخرجوا من احباطهــم..
.. ربما لهُذا، وربما لأن مشهد الدبابة على الجسر كان قد حل في مخيلتي كما لو أنه مشهد النهاية – أسـدل دماغــي السـتار- واعتبــر- بلا وعي.. أن تلك كانت النهاية.. وأن السقوط قد حل لا محالة ولم يبق سوى بعض التفاصيل.. لم يبق سوى أن يأتي من يهيل التراب علينا لتنتهي المسألة..
لاشيء في ذلك اليوم وتلك الليلة، غير طارق أيوب.. رغم أنها كانت ليلة فاصلة. لم نكن نعرف ذلك طبعاً وقتها، لكنها كانت ستكون فيما بعد تلك الليلة الليلاء التي لن تنسى قط..
كانت ستكــون، ليلــة سقــوط بغــــداد..
*********************************
هل كان يمكن إلا أن نحبهم، ونتعلق لهم، اولئك المراسلون الذين كانوا يدخلون إلى جحورنا، ويقتحمون علينا مخابئنا وملاجئنا، ويتغلغلون في مخاوفنا وهمومنا.. هل كان يمكن إلا أن نحبهم، ونتعلق بهم – نحن الذين الفنا زيارتهم، وتعودنا مجيئهم، وادمنا حديثهم بلساننا، ونقلهم لنبضتنا،..
هل كان يمكن إى أن نتعلق بهم –وبوجوههم- هم الذين صاروا من "أهل البيت" يزوروننا فلا تحتجب نساءنا، ولا نسارع بالترحيب بهم..
لم نكن نعتبرهم ضيوفنا – هم الذين كانوا يعرفون اخبارنا اكثر مما كنا نعرفها نحن، وكانوا يدركون اسرارنا – ولا يكتمونها !- بالضبط كما كنا لا نكتمها نحن..
كانوا يكذبون احياناً، مثلنا، وكانوا يضطرون للكذب من أجل أن يواصلوا زيارتنا. وكنا نغفر لهم ذلك، هل كان يمكن إلا أن نغفر لهم – نحن الذين كنا نغفر لأنفسنا أننا نكذب كما يفعلون، نحن الذين كنا نعرف أن بديل الكذب احياناً هو الموت والرمي في الزنازين. وكنا نكذب، لكي نعيش – كلما تواجهنا مع السلطة وقمعها..
نعم، كانوا احياناً يكذبون –علــى الهــواء- من أجل أن يمرروا الصدق في بعض الاحيان الاخرى. من أجل الاستمرار في الظهور.. والاستمرار في زيارتنا..
ولأننا كنا نحتاجهم، فقد كنا نغفر لهم كذبهم وتزويرهم في بعض الاحيان. كنا نعيش نفس الواقع الذي يضطرهم للكذب، ويضطرنا احياناً للكذب.. وللسكوت.. وكان لايمكن الا أن نعذرهم.. ونغفر لهم..
.. لكن كان هناك آخرون يعيشون في رفاهية ملاجئهم، ويتمتعون بمزايا تغربهم – لم يعذروا ولم يغفروا قط- كانوا – كما الجميع- يريدون أني يقول هؤلاء ما كان اولئك يودون لو أنهم سمعوا.. (كما كنا نريد بالضبط)..
لم يغفروا أنهم لم يقولوا الشعارات التي كانوا يريدون أن يسمعوا – رغم أننا غفرنا لهم شعارات كنا نتمنى أن لا نسمع..
.. لقد تعودنا عليهم، وتآلفنا مع طلتهم علينا – كنا نفتقدهم إذا غابوا، ونقلق عليهم إذا اطالوا الغياب.. كنا نسميهم باسمائهم الاولى، كما نسمي اصدقائنا واقاربنا دون الحاجة إلى ذكر اسماء ابائهم او القابهم لقد كانوا هناك، على الشاشة، بيننا وأمامنا، ماجد، تيسير، ماهر، عبد الحق، عمرو، وضاح، جابر.. وآخرون..
ثم اخيراً، في الاسبوع الاخير فقط : طـارق..
كان طارق يشبه طفل‘’ تقمص دور رجل جاد، بطريقة ما.. كان في وجهه لمحة طفولية لاتنسى، وفي الوقت نفسه كانت هناك جدية وانهماك فيها..
.. في تقريره الآخير، الذي بث قبل يوم واحد من موته، اتذكر أنه ذهب ليقابل الفقراء في قاع المدينة. بائع جرائد عجوز بلغ من العمر عتياً.. وبقال في مرآب للسيارات، لم يكف عن فتح بقالته طيلة أيام الحرب.. سألهم واجابوه، وكذبوا قليلاً كالعادة. نقل كذبهم – ومن



يستطيع لومــه- كان متحمساً ومتعاطفاً كأي طفل جاد.. وكنا قد لمسنا ذلك التعاطف، وشعرنا به وهو يخرج من الشاشة ليغمرنا يحنانه ويدثرنا بدفئه..
.. لكن ذلك لم يدم طويلاً..
فقد كنا قد دخلنا في الوقت الضائع..
وفجأة، عندما ، عندما اندلع ذلك الحوار الحضاري –وجاء التنين ليوزع انفاسه وغيظه وكرات ناره- كان طارق على سطح مبنى الجزيرة – كما كنت أنا علـى السطح- لم يخطر بباله أن الأمر سيصل لهذا الحد : أن يقصفوا مبنى قناة فضائية لاسكاتها أو اجبارها على السكوت..
لكن الامر كان قد وصل، وفي لحظة ما، كان على طارق أن يدفع حياته ثمناً، لأنه صدق أن –في لحظــة- كما كثيرين جداً – أن امريكا وتنينها ومدرعاتها ومجزراتها سيسمحون بحرية الكلام، وحرية الرأي – حرية نقل ما يـدور..
شاهدنا ما حدث بعدها، من مكتب قناة أبو ظبي، العمال و الموظفون في الجزيرة يحملون طارق في بطانية أو ما شابه، تيسير يسير بقربه ويحاول أن يكلمه، من الواضح أنه لا يحصل على جواب، يتخلف تيسير عن الركب، على وجهه تعبير سنفهمه لاحقاً – عندما نعرف أن طارق مات فوراً وقبل أن ينقل إلى المستشفــى..
.. ثم شاهدنا ما حدث مع قناة أبو ظبي.. سقطت الكاميرا –ورأيناها بالذات وهي تسقط- وانقطع البث وحوصر الموظفون هناك – بينما فرَّ موظفو الجزيرة وقد تركوا معداتهم واجهزتهم ( و سنعرف لاحقا :حتى ملابسهم..)
.. تابعنا مع حدث بالتفصيل ونحن لا نكاد نصدق أن الأمور وصلت إلى هُذا الحد.. لكن هاهي وقد وصلت لهُذا الحد فعلاً، وهاهم هؤلاء الذين جاءوا لينقلوا آهاتنا واوجاعنا همومنا وايضاً اكاذيبنا، يتعرضون لما يفترض أن نتعرض نحن له..
.. وقفت الصورة هنا..
ركزنا عليها ونحن لانكاد نصدق : إذا كانوا قد فعلوا ذلك بهم، فماذا سيفعلون بنا ياترى ؟..
وقفت الصورة هنا..
وبقيــت واقفــة..
***********************
نشرة الاخبار في الجزيرة
اتصال هاتفي بأرملة طارق ايوب السيدة ديمة طهبوب. الصوت المتهدج يضم وراءه حزناً لا حدود له.. ولا حدود لوقاره في الوقت نفسه..
.. والكلمات المتماسكة تكشف عن شخصية متماسكة لزوجة وأم قد فقدت للتو – منذ بضع ساعات فقط- زوجها ووالد طفلتها الوحيدة..
لا شيء في الدنيا يهز مثل الحزن المتماسك.. لا شيء مثل دموع ترفض أن تهبط. لاشيء مثل حزن يتكبر عن النواح واللطم..
الحزن المنفعل قد تنفعل معه.. تبكي معه.. لكن الحزن المتماسك يمسكك من تلابيبك ويهزك بعنف.. يلطمك ثم يحكي لك، يقول لك قبل أن تقول له..
.. لاشيء ابداً مثل الحزن الوقور.. المتماسك.. المتكبر.. أنه يجبرك أن تصير اقوى.. أن تصير أكبر..
نشرة الاخبار التالية..
الجزيرة تذهب إلى منزل طارق ايوب.. عزاء السيدات. لا شيء من مظاهر العزاء التقليدية في احوال كهُذهِ . الرجل مات –وبطريقة مفجعة- للتو. مع ذلك لا نواح، لا لطم. لا ملابس حداد.. فقط حزن وقور ومتكبر.. حزن قوي ومتمرس..
تركز الكاميرا اولاً على وجه تلك الطفلة : فتكسب قلبك فوراً، تلاحظ بذعر أنها تشبه اطفالك عندما كانوا في مثل سنها.. تلاحظ أن ذلك ينطبق ايضاً على معظم الاطفال الذين تعرفهم، من ابناء اصدقائك واقاربك.. لن تستغرب ذلك فكل الاطفال يتشابهون بعد كل شيء.. ستلاحظ ايضاً أنها غير واعية لما يدور..
بل أنها تبدو سعيدة بالكم الهائل من الضيوف الذي غزا البيت فجأة..
لا مشكلة في ذلك.. ستفهم لاحقاً.. (لديها عمرها بأكمله ، لتفهم لاحقاً..)
ستنقل الكاميرا صورة والدته، الصبورة كسنديانة.. الحزينة كشمعة، ستتوقع منها أن تنوح أو تلطم أو تبكي على الأقل – كما يحدث عندنا على الأغلب..
لكن بدلاً من ذلك ستقول لك كلمة ستجعل تلافيف دماغك تقشعر في مكانها..
ستقول ببساطة – كما لو كانت تلقي إليك بقنبلة يدوية :
الحمــد للــه !
الحمد لله. هكذا ببساطة. الحمد لله.. تلك الكلمة التي نقولها نحن دون أن نقصد شيئاً
-حقـــاُ- فقط نكرر ما تعودنا أن نقولها..
لكنها قالتها، بطريقة مختلفة.. قالتها وهي تحمده حقاً : الحمــد لله
.. تلك السيدة صدتني بتلك الكلمة البسيطة. ابنها لم يصارع السرطان منذ سنين، ليموت فيبكيه الجميع بينما يتنفسون الصعداء من اجله واجلهم – لقد كان للتو هناك على الشاشة، مراسلكم في بغـداد، في نشرة اخبارة السادسة، ينقل اخبار القصف والدمار.. والموت.. فاذا به يصير خبراً كذلك، في نشرة اخبار العاشرة..


يتبع

Romantic Flower
, Wed, 17 Oct 2007 13:50:25 +0200
"الحمــد لله" من تلك الأم الثكلى صدمتني احسست اني لم افهم الكلمة ولم اقلها قط في حياتي – كنت اتمتم بها واستعملها كفاتحة في كل صلاة- كما الجميع.. لكن بدا لي أني لم اعنيها قط.. ولم استوعبها قط..
"الحمــد لله" نقولها بعد أن تنتهي الغارة ولا نموت.. نقولها عندما نفتح الصنبور فنجد فيها ماء.. نقولها عندما تقود إلى البيت فتجده قائماً في مكانه.. وتجد والدك لا يزال يتنفس..
لكن أن تحمد تلك السيدة الله، بتلك اللهجة المتماسكة، على أن ابنها قد توفي للتو
–وأبنته أبنة السنتين- في حضنها.. بدا امراً غريباً.. هزني بعنف..
بدا "الحمــد" سلاحاً تدربت عليه تلك السيدة عمرها كله – من أجـل تلك اللحظـة"..
بدت كل تلك التسبيحات والتحميدات التي تعودنا على قولها بما يبدو انه لا مناسبة، تدريباً طويل الأمد من أجل لحظة حاسمة كهذهِ – بدت كلمة "الحمـد لله" .. امتحاناً في غير الموضع الذي تعودناه فيه، كاشفاً عن خلل كبير .. في حياتي، في اسلوب حياتنا جميعاً، في الاسس التي قامت علينا معيشتنا والتي تأسست عليها رؤيتنا للأمور..
بدوت –امام تلك السيدة الثكلى تواً- في ورطة. نعم، انا بل –نحن جميعاً- كنا في ورطة مقارنة بتماسك تلك السيدة التي فقدت ابناً للتو – وشاهدت ذلك حدثاً حدثاً بالاقمار الصناعية..
.. قالت بعدها شيئاً عن الذين "حرموها ابنها" – "أن يحرمهم الله نور اعينهم"..
كلمة (آميـــن) التي رددتها السيدات حول الأم .. بدت كما لو أنها صادرة من عمق الحرم المكي المزدحم بعدة ملايين في صلاة التراويح ليلة القدر من رمضان..
كن بضعة سيدات، عشرة أو أثني عشر، لا أكثر.. لكن "آميــن" بدت كما لو أنها صادرة من عمق اجيال بأكملها –جيـل الأم- وجيـل الزوجة- وجيل الطفلة..
بدت تلك الـ (آميــن) كما لو أنها صادرة من عمق القهر. من عنق القهر. من عرق الذل. وعمق الذل وذاكرة الذل..
بدت تلك الـ (آميــن) سلاحاً تستخدمه تلك الاجيال بوجه ذلك التنين الذي اغتصبها وقهرها واثكل الامهات ورمل النساء.. ويتّم الاطفال..
آميــن، سمعتها للمرة الاولى ايضاً.. بدت مختلفة، ومغايرة.. بدت كما لو أنها تستخدم قوتها من ذلك التجمع من المقهورين، المذلولين، العبيد الارقاء، الذين لن يعودوا كذلك لو تجمعوا.. لو اتحدوا..
آميــن .. بدت صرخة بوجه الظلم.. تعويذة ضد القهر.. ترنيمة ضد الذل.. وترتيلاً ضد القصف..
.. ومرّة اخرى وجدت نفسي وانا امام كلمة استعملتها طيلة حياتي – لكن دون أن استعملها حقاً.. دون أن اعرف استعمالها الحقيقي..
مرّة اخرى، ذلك اليوم الذي ابتدء بالتنين على السطح، وبالدبابة على الجسر – وجدت نفسي أن ما ينقصنا جميعاً كانت اسساً ثابتة، لتلك الخيمة في مهب الريح- التي كنا فيها..
بدت تلك الاسرة متماسكة اكثر مني – ومن اسرتي..
بدا ذلك أكثر اوضح عندما تكلمت زوجة طارق أيوب. أرملة للتو. كانت تشبه زوجتي جداً، وقد لاحظت ذلك كما لاحظت خالاتي وأمي ذلك، خلق ذلك نوعاً من الارتباط الفوري معها، حتى قبل أن تتحدث شعرنا أننا نعرفها منذ زمن، وأننا الفناها منذ فترة..
.. تحدثت السيدة ديمة، وقالت عن زوجها أنه عندما حج في موسم الحج الأخير كانت تسمعه وهو في الحرم المكي لا يدعو إلا للمسلمين أجميعن، فقالت له، "يا طارق ادع لنا" – "ادع لنفســك" فأجابها، "أن شــاء الله يستجيـب لنا بمعيــة المسلميــن.."
ثم قالت شيئاً آخراً، حفر في اعماقي بسرعة، وطعنني في الاعماق.. قالت شيئاً اذهلني. كنت اعرفه لكن الأمر عندما يخرج من سيدة فقدت زوجها للتو يكون مختلفاً..
قالت "قد تنسوه أنتم، وقد تنساه الجزيرة، وقد ينساه جميعاً- لكنه الآن عند من لاينسى احدا"ً..
وقفت الصورة هناك..
في تلك الظلمة، كانت هناك نقطة من الضوء.. ولقد رأيتها بنفسي..
*********************

في خضم هُذا حدثت امور أخرى، تتعلق ايضاً، بطريقة أو بأخرى بطارق أيوب..
فقد فرَّ كل المراسلين لمعظم القنوات – ومن ضمنها الجزيرة- إلى المركز الاعلامي الرئيسي في فندق فلسطين مريديان – على بعد لا يتجاوز الكيلو متر والنصف من منزلي حيث أقيم..
كان ماهر• يقف أمام الفندق، وهو يروي ما حصل مع طارق بالتفصيل، لم يلحق أن يروي الكثير.. فقبل أن يكمل جملته الاولى، والتي اذكر تحديداً أنها كانت عن سؤاله لطارق عن موعد صلاة الفجر – قطع كلام ماهر انفجار هائل هز البيت و النوافذ..

____________________

• السيد ماهر عبد الله.موفد الجزيرة الى بغداد ابان الحرب.



يتبع




أما ماهر فقد تناثر عليه الزجاج..
وعندما نظر إلى الأعلى، وجد الدخان متصاعداً من أعلى الفندق. .. قتل مصور لوكالة رويترز، وآخر لوكالة انباء اسبانية، وجرح آخرون واخريات في الحادث..
.. و وقفت الصورة هناك. و وقفت انفاسنا عليها. لم يعد ممكناً اعتبار ماحدث مع طارق ايوب خطأ، ومصادفة..
( الجزيرة.. أبو ظبي.. رويترز.. وكالة انباء اخرى -تليثنكو ؟-) ..
.. فكرنا : أنهم يستهدفون طرد الصحافيين والاعلاميين، أنهم يجبرونهم على المغادرة بطريقة أو اخرى..
أنهم يريدونهم كتلك القردة الهندية : لا ترى .. لا تسمع.. لا تتكلم..
.. فكرنا : لابد أن شيئاً ما سيحدث، ويريد هؤلاء أن يبعدوا الصحفيين عنه.. أو عن الكلام عنه..
فكرنا : كان ذلك الشيء، على الاكثر، سيحدث لنا .. وبنا..
كنا ذلك "المفعول به" الذي توقعنا أنهم يريدون أن يبعدوا الصحفيين عنه.. حتى لا يرى احد "الفعلة".. ولايسمع أحد الصراخ اثناء الفعلة.. ولا يتكلم احد..
.. كنا مخطئين..
.. لقد ارادوا أن يجمعوا الاعلاميين حيث تجمعوا.. لم نفهم ذلك وقتها لكن نفهم الآن..
لقد ارادوا أن يركز الجميع، عدساتهم ومايكروفوناتهم واقلامهم وتعليقاتهم، على تلك المساحة بالذات، التي تجمعوا فيها..
لقد حادوا ركب الاعلاميين إلى هناك..
استدرجوهم إلى هناك..
.. وهناك، سيصوب العالم انظاره نحو تلك المساحة التي لا تتجاوز بضعة مئات من الامتار..
مقابل فندق فلسطين .. ساحة الفردوس..
**********************
يبدو أنني لم اكن وحدي قد رأيت نقطة ضوء في اسرة طارق ايوب..
ولكن عمرو خالد رآها كذلك..
ولما كان الحدث كله قد وقع يوم الثلاثاء، موعد بث برنامجه الاسبوعي – عدا عن برنامجه اليومي الذي كان قد بدءه بسبب الحرب، مع بدء الحرب، عن الحرب..
لكن الثلاثاء، كان موعد برنامجه الاسبوعي، الثابت منذ أكثر من سنتين..
في منفاه البيروتي – رأى عمرو خالد الضوء من بعيد – من تلك الاسرة في عمّان، التي فقدت حبيباً في بغداد..
وقرر أن يستحضر هُذا الضوء.. في برنامجه..
**************
كان عنوان برنامجه ".. ونلقــى الاحبـــة"
.. وكان عمرو خالد ما انفك يكرر السبب الذي من أجله سمي برنامجه - عند احتضاره ..بهُذا الاسم –أنها ابيات من الشعر قالها بلال – مـؤذن الرسول قال : غـداً القى الأحبــة، محمــداً وصحبــه..
وعن هؤلاء الاحبة، ومواقفهم واخلاقهم، كان عمرو خالد ينقل مشاهديه –في ساعة واحدة- هي مدة البرنامج – عبر آلة الزمن، إلى جو آخر، وزمان آخر، وبعد آخر..
.. كان ينقل شاهديه إلى جو من الصفاء والايمان والاخلاق مما لا وجود له في العصر الحالي..
.. ورغم الدموع التي كان يذرفها المشاهدون، ورغم تأثرهم بما ينقله لهم عمرو خالد – فقد كانوا يعلمون، في قرارة انفسهم- ربما هو كان يعلم ايضاً، أن الأمر كله –رغم كونه جذاباً ومريحاً- إلا أنه صعّب التنفيذ في عصرنا الحالي، وسط اعباء الواقع المعاصر وارهاصاته واشكالاته..
كان عمرو يقدم نماذجاً من زمن جميل، زمن قديم، زمن كان يمكن أن تحدث فيه الاشياء التي يقول عنها..
أما عصرنا هُذا، فهو مختلف..، كان الناس يمسحون دموعهم بعد انتهاء الحلقة..، وينتهي الأمر – على الاغلب مع نهايتها..
.. كان عمرو خالد يعرف ذلك.. ويعاني من ذلك..
.. وعندما شاهد نقطة ضوء – في تلك الاسـرة- في نشرة الاخبار على قناة الجزيرة.. – تشبث بها، وقرر أن يستضيفها..
***********************
.. كان عمرو منهاراً..
كان قد رأى ما رأيناه، وفهم ما فهمناه من أن قتل الصحفيين سيكون مقدمة "لمجزرة شديدة سيتعرض لها اخواننا في العراق" – على حد تعبيره..
.. اخذ عمرو يستعرض التواريخ والارقام. اظنه تصفح في كتبه ومجلداته – وربما في حاسوبه الشخصي..



توقف عمرو عند تشابه في التواريخ..
16 محرم كان هو تاريخ سقوط بغــداد الاول – بيد التتار..
و16 محرم كان هو تاريخ بدء الحرب هُذهِ المرّة..
التشابه بين التاريخيين كان أكبر من مجرد مصادفة. كان يربط بينهما تاريخ طويل من السقطات المتتالية، من الظلم، من القصف من العذاب..
بغــداد – التتار، وبغــداد – الامريكان، ماذا يربط بينهما، غير تاريخ محرم الحرام، تاريخ الكرب والبلاء، تاريخ السقوط.. في هاوية لا قرار لها..
استرسل عمرو خالد في الاستذكار..، كان يعذب نفسه بذاكرة التفاصيل التاريخية المؤلمة للسقوط الاول..بيد التتار
مازوشية عمرو خالد، كانت بالنسبة لنا سادية لا تصدق..
كان يذكر كل تلك التفاصيل المهولة المروعة للسقوط، باعتبارها ما سيحدث غداً –أو بعد غــد..
كانت هناك تلك الفاصيل التي وقفت اعصابنا متأهبة لسماعها : مليون قتيل : أو مليونان الف الف أو الفي الف.. الهروب إلى المساجد.. القتل في المساجد.. الهروب إلى السطوح.. القتل في السطوح..
والمزاريب تجري بالدم.. بالدم..
كان عمرو خالد ينكأ جروحه، ولم يكن يدري أي رعب يلحق بنا – لا اظنه كان يتصور أن هناك أي أحد من العراق، من بغــداد، يشاهده تلك الليلة الليلاء..
كان محقاً في ظنه هُذا.. لكننا كنا نشاهده.. ونتابعه. حرفاً حرفاً. دمعة دمعة .. شهقة شهقة..
قال شيئاً مروعاً آخراً عن الناس يقفون في صف طويل ينتظرون دورهم في أن يقتلوا.. مستسلمين تماماً لأنتظار الموت.. دون أدنى محاولة للمقاومة.. دون أدنى محاولة – حتـى للهـرب..
هل هذا لا يصدق ؟. بلى أنه يصدق. لقد كنا واقفين في الطابور هناك، ننتظر دورنا.. نكاد نرى وجوهنا في الصف.. لقد كنا هناك، وضعنا اعناقنا على الدكة في انتظار الساطور..
قال شيئاً عن الاختباء في قنوات المجاري، والمزابل.. وعن الأب لا يعرف ابنه والابن لا يعرف ابيه..
قال شيئاً عن اكوام الجثث المتفسخة.. المتروكة في الطرقات والرائحة الخارجة عنها. والريح تنقل الوباء إلى الشام..
.. وقال شيئاً ادمانا، قال أن بغــداد ظلت اربعين يوماً بلا آذان..
.. كنا نسمع ما يقول باعتباره ما سيحدث لنا غداً أو بعد غد، لست ادري أن كان واعياً بالالم الذي كانت تحدثه كلماته.. في البغدادييــن اينما كانوا..
خصوصاً البغدادييــن ، البغدادييــن، أعني اولئك الذين لم يتركوا بغــداد..
الذين كانوا ينتظرون المقصلة.. الذبح..
ثــم السلخ..
**************************
لكن عمرو مع ذلك كان قد وجد نقطة ضوء، كما اسلفت..
وبالرغم من تلك الظلمة كلها – بالرغم من ذلك السقوط الواقع لا محالة، بالرغم من كل تلك التفاصيل المرعبة..
كانت هناك نقطة ضوء..
ربما ليس "بالرغم من". ربما "بســبب" كل تلك الظلمة، كان لابد من نقطة ضوء.
********************
للعولمة ايضاً فوائدها، عليَّ أن اعترف !
فلولا منتجاتها ووسائلها ما كان لعمرو خالد أن يلمح الضوء المنبعث من ذلك البيت في عمّان..
وما كان له أن يحاول التقاطه، والتشبث به،.. تركيز بؤرة العدسة عليه.. ونقله إلى كل مكان..
نعم، للعولمة ايضاً فوائدها. لابد أن اعترف..
*****************
من الممكن جداً أن يعتبر احدهم أن عمرو خالد قد حصل على سبق صحفي، خبطة اعلامية.. او ما شابه.. من أجل الترويج لنفسه، ولبرنامجه.. الناجحون يدفعون ضرائب اضافية من هُذا النوع – وقد كان عمرو مستعد دوماً لدفع الضرائب- في الحقيقة أن هذا كان تخصصه الاصلي !.. لكني، كنت اعلم أن عمرو كان يطمح بشيء أكبر.. كان يريد حلقة معاصرة من برنامجه ".. ونلقى الاحبــة". كان يريد أن يقول لنا، ولنفسه ايضاً، أن الأمر ليس ماضياً حدث وانتهى واصبح في خبر كان – لكنه ايضاً واقع يمكن أن يكون، ومستقبل يمكن أن يصير..
لقد اراد أن نلتقي بأحبة معاصرين – من لحم ودم- اشخاص حقيقيين، يعيشون ويتنفسون كما نفعل – ولكنهم يقدمون مواقفاً كما مواقفاً تنتمي للزمن الجميل : ايمان وصبر وقوى ورضا بقسمة الله.. حتى لا نفكر أن نفعل.. كل ماسبق من حلقات رائجة – تألق فيها



يتبع

Romantic Flower
, Wed, 17 Oct 2007 13:50:55 +0200
عمرو بحق- كانت تدريباً نظرياً، في النهاية كانت محض كلام، ودموع تمسح وكفى الله المؤمنين المعاصرين شر تجربة أي شيء..
هُذهِ الحلقة كانت مختلفة ،كانت المحك.. كانت التطبيق العلمي لكل ذلك الكلام النظري المؤثر..
تلك الحلقة كانت تقول إن ذلك الكلام –كله- قابل لأن يتكرر. لأن يعاد..
تلك الحلقة كانت تقول لنا أن النظرية قابلة للتطبيق. وأن الشعارات يمكن أن تتنزل على الواقع بل وأن تعيد تشكيله..
تلك الحلقة كانت نقطة الضوء وهي تتحول إلى شعاع يتحدى الظلمة..
تلك الحلقة كانت، بطريقة ما، الرد العملي.. على السقوط. على الدبابة على الجسر..
****************
عبر الاقمار الصناعية، استضاف عمرو خالد نقطتي ضوء ذلك الثلاثاء الرهيب..
أنها اسرة طارق ايوب، لم يكن له بهم معرفة سابقة. شاهدهم فقط كما شاهدناهم في نشرة الاخبار..
.. شاهد في لمحة واحدة – ما شاهدت من نقضة ضوء تتحدى الظلمة..
اسرة طارق ايوب : هُذهِ المرّة والده.. ومرّة أخرى : زوجتــه..
.. ستتوقف الصورة هناك..
وستكون فيها تفاصيل كثيرة، كل واحدة تحتاج أن تتوقف عندها..
***********
للوهلة الاولى، سيبدو والد طارق ايوب كما لو كان شخصاً عادياً، قد يشبه والدك أو والد أي شخص آخر، بسيط التعليم – أن كان قد تلقى اساساً أي قسط منه..
للوهلة الاولى سيبدو كذلك..
لكن الأمر لن يكون سواء عندما سيتكلم ذلك الاب الذي فقد ابنه منذ ساعات فقط. ابداً، ليس سواء..
سيتمخض ذلك "الشخص العادي" عن جبل آخر – لا تهزه ريح..
سيقول لك ذلك الشخص – الذي يبدو عادياً وغير متعلماً- ما يعجز عن قوله الاكاديميون.. والايديولوجيون والمنظرون..
سيقول لك ما لاتملك إلا أن تصدقه، ولو قاله اكاديمي قابع في برجه العاجي – لما كنت تملك إلا أن تكذبه..
سيقول أنه ربّاه على الصلاة.. سيقول بطريقة شبه عابرة، أنه يكثر من دعاء نبي الله إبراهيم في صلاة الوتر كل ليلة "رب أجعلنــي مقيــم الصـلاة ومن ذريتـي ربما وتقبـل دعــاء"..
سيقول أنه عندما كبر، كان طارق يستحلفه بالله عند خروجه من المنزل لعمله – أن لايدخل "لقمــة حــرام" إلى البيت..
سيقول أن سجادته لم تكن لتفارقه، اينما ذهب..
.. وسيقول اشياء اخرى، كتلك التي يقولها كل والد يوم وفاة ولده، لكنك ستصدقه أكثر، وستتأثر به أكثر، سيهزك تماسكه وقوته، سيشدك منطقه وتوازنه..
ستكبر فيه صبره على جرحه، ستتأمل ذلك كما لو كان اسطورة – لكن لا، أنه ليس اسطورة- أنه ليسَ شخصية هلامية قادمة من الكتب والمجلدات – أنه ليس نمراً من ورق.. أنه شخصية حقيقية .. امامك، على شاشة مسطحة، انما بابعاد لا متناهية، مجسمة امامك ومزروعة في الواقع..
ستسأل نفسك عن السر في هُذا الرجل – الذي يبدو عادياً جداً- لكن لا سر في الموضوع، أنه يقول كل شيء، اوراقه واضحة ومكشوفة ككتاب مفتوح.. أنه متدين، ولا شيء آخر..
متدين ؟. أنك تعرف متدينين كثيرين – لكنك لم تصادف شيئاً كهذا، .. نعم. هُذا هو الفرق بينه وبينهم : أنه متدين حقاً – متدين من الداخل.. تدينه منحه صلابه وقوة- لا سفسطة ولا رياء.. تدينه الحقيقي جعله ذلك الجبل الذي لا تهزه ريح..
اراهن معكم أنه لم يقرأ كتب العقيدة الطحاوية – ولا التدمرية- وأنه لم يقتني مجلدات الفتاوي المذهبة.. بل لعله لم يحفظ من القرآن غير بعض قصار السور.. واراهم أنه لم يسمع عن صدام الحضارات. ولا عن نهاية التاريخ. ولا هنتنغتون ولا فوكوياما.. وأنه لم يحضر محاضرة من تلك التي يتمنطق فيها المتأدلجون والمنظرون..
لكنه متدين حقاً.. كل تلك الاشياء غير مهمة عندما يكون التدين حقيقياً، يكون في الداخل، من الداخل،.. عندما يكون عموداً فقرياً.. نخاعاً.. جذعاً صلداً لنخلة صامدة..
.. شعرت بالخجل من نفسي. لو كنتم مكاني، لخجلتم ايضاً.. لو كنتم مكاني، أنا القابع في بيتي في مدينة على وشك السقوط. انا المنهار المذعور المستسلم على دكة المقصلة
– وهُذا الرجل قد فقد ابنه، فقد الذي كان يفتخر به، الذي كان "يطلع على التلفزيون"- ومع ذلك تراه متماسكاً.. قوياً..
..أنــه متديــن حقــاً..


بأن كل ما عرفته من تدين في حياتي، لم يكن حقيقياً. لم يكن مهماً – مادام لم يدخل في نخاعي، ويجعل عمودي الفقري صلباً وقوياً ومتماسكاً..
شعرت أني لم أعرف شيئا حقاً..
ذلك الضوء، على الشاشة، جعلني أعي مدى الظلمة التي كنا فيها.. – حتى أكثر مما حدث عندما انقطع التيار الكهربائي عن بغـداد بأسرها..
***********************
.. في كل مرّة كنت اواجه سؤال المسابقات المتكرر كثيراً اياه، عن اعلى قمة جبل في العالم – كنت اتردد بين اختيارين، وغالباً ما كنت أحسم ترددي بالاختيار الخاطئ..
.. إذا واجهني هُذا السؤال مرّة اخرى، لن اتردد..
سأقول : اعلى قمة جبل في العالم، هي ديمة طهبوب. زوجة طارق ايوب.
.. نعم، أعلى قمة هي تلك المرأة الثكلى، المؤمنة، الصابرة، القوية دونما تكلف، المتماسكة دونما تصنع، الحزينة دونما تشنج..
كانت تبكي ؟. بالتأكيد كانت تبكي. لا مشكلة في ذلك، لكن لم تكن تبكي فقط..، كانت تحكي ايضاً – وكانت حكايتها تفصح عن ذلك الصبر القوي وقمته العالية..
.. كان هناك شعارات ؟. نعم، ايضاً. كانت هناك شعارات ورغم انك سئمت الشعارات وكرهت مطلقيها واسئت الظن بمروجيها – إلا أنك ستتوقف عن ذلك كله الآن، كنت تكرههم وتسئ الظن بهم لأنهم كانوا يفرون عند أول مواجهة، ويسقطون عند اول امتحان.. هُذهِ السيدة –على أعلى قمة جبل- ستوقفك عند حدك. لقد فقدت زوجها اليوم. ولديها طفلة تيتمت اليوم. ولديهما معاً، هي وابنتها التي لم تتجاوز العامين.. عمراً كاملاً ليقضياه بمفردهما – أو هكذا ستظن للوهلة الاولى..
هناك ايدلوجيا ؟. نعم، هناك ايدلوجيا. لكنها ايدلوجيا لم تفقد معتنقها انسانيته أو حيويته.. بل اختلطت ايدلوجيته – بطبقاته باعماقه .. ومساماته..
اعتذرت ديمة اولاً من كل زوجات الشهداء في فلسطين والعراق. لماذا ؟ ستقول لأنها كانت تتعاطف كثيراً معهن لكنها الآن تكتشف أن مشاعرها السابقة لم تكن كافية.
كان ذلك يعني، في الوجهة الاخرى، كلاماً موجهاً لنا، للآخرين، مفاده : مهما تعاطفتم، مهما بكيتم، مهما شعرتم.. فأن الأمر مختلف .. الأمر مختلف..
ولن تفهموا حقاً، إلا عندما يأتي دوركم..
كانت متحدثة بارعة، استاذه جامعية أو شيء من هُذا القبيل، سحبت البساط من مضيفها عمرو خالد نفسه ببساطتها وتلقائية كلماتها وعمق ما تشعر به..
استسلم هو لهُذا. كان منهاراً كما اسلفت، جلس يبكي في زاوية من زوايا الكاميرا غير آبه بشيء من تعليمات المخرج.. واضعاً يده على جبينه مرّة ربما ليخفي دموعه – ساحباً منديلاً ورقياً ومتمخطاً بشدة وبصوت عال مرّة اخرى..
تحدثت ديمة عن زوجها. عن حرصه على الصلاة وخروجه إلى المسجد حتى في الثلوج الشديدة – في عمّان. تحدثت عن صيامه وعن بره بوالديه- دموعها ستذكرنا –بين الحين والآخر- عندما تكاد نشرف على النسيان أن هُذا الذي تتحدث عنه ليس قادماً من زمن الاحبة – الصحابــة، بل هو شخص من حياتنا المعاصرة. كان حياً حتى هُذا اليوم، ثم وقف على السطح –كمـا فعلــت- وواجهه التنين – كما فعل معي.. ثم مات..
بينما تتحدث ديمة، ستلاحظ شيئاً يذهلك. أنها تستطيع أن تتحدث عن زوجها –بصيغة الماضي- لقد كان للتو حاضراً، والحديث عنه ومعه يكون بصيغتي الحاضر والمستقبل..
سوف تذهلك قدرتها على ذلك. سوف تفكر كيف استطاعت تقبل الأمر بهذهِ السرعة.. سوف تفكر أن تركيبتها مختلفة عنك.. وعني وعن الآخرين الذين لو وضعوا في مكانها لأنهاروا نحيباً وبكاء وضجيجاً وهذياناً..
نعم. سوف تهز رأسك : تركيبتها مختلفة..
ستقول ديمة شيئاً آخراً. ستقول أنها تتمنى لو أن موت زوجها سيوقظ الأمة..
سيضربك الصداع في رأسك. من أين تأتي بهذهِ القدرة ؟. كيف تستطيع أن تقول كلاماً كهذا، كيف تستطيع أن تفكر هكذا، كيف تأتي على بالها هُذهِ المفردة –الكلمــة- المصطلح : (الأمــة) –وزوجها لم يدفن بعد- (في الحقيقة، كان حتى لم يغسل بعد..)..
كيف تستطيع أن تكون بهذا التوازن. والتماسك.. والحزن الجليل الوقور..
ستجيبك كما لو كانت تعرف فيم تفكر، ستقول لك بلا موارية بلا لف ولا دوران..
ستقول شيئاً خطيراً، سراً عظيماً، خبراُ عاجلاً، سيهزك ويهز اركانك.. ستبوح لك بالكلمة –المفتاح-، بالشفرة السرية وراء تلك القوة وذلك التماسك..
ستقول : من وجد الله فلم يفقد شيئاً، ومن فقد الله .. فما وجد شيئاً..
أنتهــى!
*****************
يــا الله..
كنت قد سمعت هُذا القول مراراً. وقرأته تكراراً، سمعته على المنابر، في الخطب، في المواعظ، على الاشرطة المهترئة.. والاقراص الممغنطة..
.. من اولئك الخطباء الذين الله اعلم بحالهم – قرأته في الكتب الصقيلة والمجلدات المذهبة والكتيبات الملونة..



يتبع

Romantic Flower
, Wed, 17 Oct 2007 13:51:29 +0200
سمعته وقرأته.. مراراً وتكراراً – لكن لم يبق في بالي ولا مرة، ولا حتى مرّة واحدة..
لا اقول أني لم اصدق. لكن أقول أن الأمر لم يتعد كونه قولاً مأثوراً..
وعاظ وخطباء –شيوخ ومعممين – للأسف لا شيء يتخلف في اعماقك منهم..
لكن عندما تقول تلك المرأة ذلك – تلك المرأة التي هي أعلى قمة في أعلى جبل في العالم..- عندما تقول ذلك، تلك الثكلى التي لم يدفن زوجها بعد، تلك الصابرة التي لديها العمر القادم بأكمله لتصبرـ تلك المؤمنة التي ايمانها ليس ترفاً اضافياً او اكسسواراً زائداً – عندما تقول، فأن الكلمة ستنفجر في وجهك كقنبلة..
"من وجد الله لم يفقــد شيئــاً .. ومن فقـد الله فمـا وجــد شيئـاً".
.. للمرة الاولى اصطدم بقول مأثور ينفجر عليَّ كلغم. كعبوة ناسفة تطيح بدلك التناقض بين القول والعمل الذي طالما عطل أي تفاعل مع كل كلمة تقال على المنابر أو عبر تلك المجلدات..
.. للمرة الاولى، تجسر تلك الهوة الهائلة الواقعة بين النظرية و التطبيق..
للمرة الاولى، ارى على الشاشة، انساناً حقيقياً، انساناً – انساناً، انساناً يمكن أن يصير اعلى قمة في الجبل..
للمرة الاولى، أحس أن الشعارات لم تعد مضحكة، لم تعد غبية.. صارت قابلة لأن تكون حقيقة.. لأن تكون واقعاً..
.. للمرة الاولى، اكتشف أن هناك حلقة مفقودة في داخلنا، لو وصلنا إليها – لو سلكناها، لاكملنا ذلك الطريق نحو إنسانيتنا..
.. على الشاشة قالت تلك المرأة ذلك الشيء الذي فسرَّ كل الاشياء.. "من وجد الله لم يفقد شيئاً.. ومن فقد الله لم يجد شيئاً.."
كنت مخطئاً اذن. لن تكون وحيدة في هُذا العمر الذي ستمضينه..
سيكون معها ما وجدته – والذي معه، لم تفقد شيئاً..
..الله..
***************
.. على الشاشة رأيت الضوء..
تلك الليلة المظلمة. حالكة السواد. وبغــداد تلفها الظلمة. والكهرباء منقطعة منذ حوالي اسبوع.. والتنين هناك، وهم هناك، والدبابة على الجسر، ونحن عبيد ارقاء، ننتظر دورنا في الذبح..
تلك الليلة، برق الضوء – رأيته هناك. رغم كل تلك الظلمة – بل ربما الاجدر أن اقول أني رأيته بسبب كل تلك الظلمة..
عندما تنشد الضوء، تكون الظلمة هي المكان الانسب للرؤية.. ولااستطيع تخيل ظلمة احلك من تلك التي كانت تلك الليلة – ولا ضوء اشد انارة .. اشد لمعاناً.. من ذلك الذي كان..
في لحظة واحد فهمــت !.
لم يكن الضوء قد كشف السر في قوة تلك السيدة على قمة الجبل فقط..
لكنه كشف عن الضعف في الآخرين. الضعف فيَّ. في اسرتي. فينا نحن، ذلك القطيع المستسلم بلا قيد ولا شرط..، نحن المنتظرون لدورنا في القتل من عهد التتار إلى اليوم..
نعم. الضوء الذي كشف عن قوة ديما طهبوب، هو ذاته الذي كشف عن الضعف فينا.. وعن سبب كل ما حدث..
تلك الجملة التي ربما بدت للبعض عابرةً وغير مهمة – كانت هي الجملة الاهم في كل ما حدث- ورغم كل ما قيل.. فأن تلك الجملة تظل هي الاهم.. هي الاكثر اختزالاً – ورغم ذلك الاكثر دقة في وصف كل ما حدث..
تلك الجملة، تلك الليلة، قالتها تلك السيدة في ليلة اليوم الذي شهد مقتل زوجها، ستفسر كل ما حدث، وكل ما سيحدث، في اليوم التالي تماماً لكل ذلك..
تلك الجملة، ستكون الجواب عن ذلك السؤال المؤلم – المفجع الذي سيسألني اياه ابني فيما بعد، حينما سيقول "لماذا حدث ذلك يا بابـا… لماذا سقطت بغــداد ..؟
.. سأحاول معه على طريقة الكلمات المتقاطعة..
جدها في جواب ديمة.. معكوسة..
لقد فقدناه.
فما وجدنا بعده شيئاً..
هُذا هو..
***********
نعــم، لقد فقدنـاه
فقدنا الله. فما وجدنا بعد الله شيئاً، يحمينا، يسندنا، ينقذنا من تلك العاصفة، من ذلك التنين، من الروم، -والروم قد وصلــوا !- من الدبابة على الجسر.. من الذبح – ومن انتظار الذبح..
من انفسنا.. من انفسنا .. من انفسنا..
.. ومن ذلك السقــوط..



نعم، لقد فقدناه..، فما وجدنا بعده شيئاً، جعلنا ذلك نهوي في القعر – ربما كان السقوط بطيئاً، او الهاوية سحيقة.. المهم أننا سقطنا.. حاولنا أن نتمسك بشيء. أن نتشبث بشيء لكننا ما وجدنا شيئاً نمسكه أو نتمسك به – تعلمون ذلك، لقد فقدنا الله.. فما وجدنا بعده شيئاً..
.. نعم.. على صعوبة ذلك. وعلى صعوبة الاعتراف بذلك، علي أن اقولها بالفم الملآن – الملآن بالاشواك والحسرات والصرخات المكبوتة – علي أن اصرخها في نفسي- في وجهي.. فيكم وفي وجوهكم..
لعلكم تقولون أني خادعت وسرحت بكم طيلة هُذهِ المدّة حتى اصل بكم إلى هُذا الشعار المكرر، والنتيجة الببغائية : أن كل ما حدث كان بسبب بعدنا عن الله، وأن العودة إلى ديننا هي الحل..
لعلكم تقولون أني أقول هُذا الآن، وبأثر رجعي، بعد أن انتهى كل شيء، وما كنت لأقوله في البداية..
ربمــا..
وربما لأن الظلمة التي غرقنا فيها هي التي جعلتنا نرى ذلك الضوء – وقبل أن يبدء كل شيء..
.. وربما يكون ما اقوله مكرراً. لكن، إليس التاريخ كله، محض حوادث تتكرر، ودروس تعاد .. (ولا يستفيد منها أحـد..؟)..
لا أعرف. لست متأكداً من شيء إلا هُذا الذي أقول، هُذا الذي أعرف.. لقد فقدناه، فقدنا الحبل، فقدنا طوق النجاة.. وعندما سقطنا.. ولم نستطع أن نتشبث بشيء، لم تنتبهوا أنتم أن سقوطنا هو العلامة الاولى على السقوط القادم الشامل لا محالة، وأن الدوي الهائل الذي ترددت اصداءه عندكم، كان محض محصلة نهائية للسقوط الذي مررنا به بصمت..
استغرق الأمر مدة. اعترف. هل السقوط كان بطيئاً ؟. أو أن الهاوية كانت عميقة ؟ لا ادري. لكني أعلم أن الصوت الهائل الذي شق عنان السماء عندنا وعندكم وفي كل مكان
–لم يكن سوى التحصيل الحاصل لما مرّ بنا، ومررنا به..
نعم.. سقطنا نحن، قبل أن تسقط بغداد.، ولولا سقوطنا لما سقطت بغــداد..
كان سقوطنا هو المقدمة الاولى – لتلك النتيجة الحتمية..
سقــوط بغــداد..
".. ومن فقد الله، فما وجد شيئاً.."
كالقنبلة تلك الكلمة انفجرت في وجهي، كالعبوة الناسفة المرزوعة في اوتاد خيمة في العاصفة كالخنجر .. يغوص في احشائي..
قالتها تلك السيدة – ابداً ليست وحيدة، وأن بدت كذلك، على أعلى قمة في أعلى جبل..
في ليلة سقوط بغــداد…
***********************
ستشيحون بوجوهكم عما اقول، بتقزز..
"هؤلاء الاسلاميون وطروحاتهم المكررة. أنهم لايتفكون يعيدون ويستعيدون ما قالوه منذ قرون. كلما صادفنا واحداً منهم واعتقدنا أنه مختلف، عاد بنا إلى نفس النقطة.."
"أنهم لايزالون مهووسين بارجاع كل شيء إلى العلة الاولى والسبب الاول.."
ساسمح لكم بأن تقولون ما تعتقدون.. وساتقبل ذلك حتى وأن لم اوافق على ما تقولوه.. ربما كان علينا أن نفعل ذلك، على الاقل بعدما حصل ما حصل .. علينا أن نكف عن سماع صوتنا فقط والتوهم بأنه الصوت الوحيد –فلقد كان حوار الطرشان هُذا- الذي لم نتقن غيره منذ قرون – سبباً اساسياً في السقوط.. الذي شق دويه الهائل آذاننا الصماء..
لكن مقابل ذلك، عليكم ايضاً أن تسمعوا ما اقول..، .. لا يكفي ابداً أن أكون اسلامياً لكي تلغوني من اسماعكم..
انكم لا تكفون عن اتهامي بمحاولة الغائكم..
لكن في الوقت نفسه-لا تكفون عن محاولتكم الغائي..
كفوا عن ذلك ،و لو قليلا
و اسمعوني..
****************
.. لم أقصد عندما قلت أننا "فقدناه"، أن يكون نموذج تلك المرأة، ديمة طهبوب، هو المقياس الذي اريد تعميمه حتى نكون "وجدنــاه"..
لا . لم اقصد ذلك.
فلا يمكن تخيل أن يكون كل منا تلك القمة العالية.. قصدت ما هو ابسط من ذلك، واقل من ذلك.. واسهل..
قصدت أن ديمة، حتى ديمة، هي –بعد كل شيء- نتاج بيئة معينة تمكنت فيها أن تزدهر قدراتها الذاتية وترقي من امكانياتها.. وصولاً إلى تلك القمة العالية..
لكن البيئة كانت موجودة..
.. بيئة التدين العريقة..
****************
و "بيئة التدين العريقة".. كانت هي ما فقدناه .. – وشببنا فلم نجده وبعدها لم نجد شيئاً..


يتبع

Romantic Flower
, Wed, 17 Oct 2007 13:52:44 +0200
واقصد ببيئة التدين، ذلك الحرص البسيط والعميق على مظاهر التدين الاولية : الحرص على الصلاة، وعلى ادائها. الصوم. حفظ القرآن واحترام الشعائر وعلى الاخلاقيات والسلوكيات الملتزمة عموماً..
.. هُذا ما قصدته ببيئة التدين العريقة..، أنها البيئة التي يمكن أن تزدهر –فيما بعد- الايدلوجية الدينية فيها..، والتي يمكن، لأفراد فيها، أن يعبروا تلك الهوة بين الفكر والسلوك .. وصولاً إلى تلك القمة على الجبل..
بيئة التدين التي قصدتها هي أن يكبر الطفل ليجد أمه واباه واخواله واعمامه جيرانه واقاربه.. كلهم كلهم يصلون.. أن يجد العالم من حوله في حالة (صلة) بالله – قد تكون صلة مشوبة ببعض المشاكل، ربما هي حالة تقليدية اكثر منها تدين حقيقي، لكن ما اشدد عليه هو اهمية أن يفتح الطفل عينيه على عالم في حالة صلة بالله..
أن يكون هُذا هو الوضع الطبيعي.. وكل شيء عداه هو الشاذ والذي يستحق الانتقاد..
نعم. هُذهِ هي بيئة التدين – التي يمكن للناس فيها أن يعبروا الهوة يحلقوا عالياً نحو تلك القمة..
بالتأكيد، هناك اشخاص، بين الحين والآخر، يمكن لهم أن يعبروا دون وجود تلك البيئة في خلفيتهم الاجتماعية..
لكن عندما نتحدث، عن جيل، عن مجتمع، عن ظاهرة لابد أن نجد تلك البيئة في خلفيتها.. في عمقها..
.. وهذا لم يكن موجوداً عندنا
أعرف أن ما سأكتبه الآن سيكون صعباً على التصديق. لكنه صعب ايضاً عليَّ الاعتراف به، صعب عليَّ أن اكتبه أو أن اروج له.. لكن الآن، وبعد كل ما حدث، أعتقد أننا علينا مواجهة كل ما نتهرب من مواجهته..
نعم. ليس التدين، كظاهرة، منتشراً او عريقاً في العراق.
عليَّ أن اقر بذلك. رغم صعوبته..
نعم. ليس الامر كما هو في دول كثيرة التدين فيها ليس اكثر انتشاراً فحسب – ولكن اكثر عراقة.. أكثر قدماً، بحيث أن الطفل ينشئ في بيئة تكون الصلاة جزءً من مفرداتها.. لم يكن الأمر كذلك معنا.. للأســـف..
***************
عندما كنت طفلاً، لم يكن هناك في عائلتي من يصلي. أعني في بيتنا..
لا أمي.. لا أبي.. لاشيء غير ذكرى غير واضحة ومبهمة لسجادة جدتي لأبي.. في الحقيقة حتى هُذهِ السجادة لا اذكرها. فقط قالوا أنهم وجدوها ميتة على السجادة..
لكن قطعاً لا احد يصلي..
لن اضجركم الآن بتلاوة قصة عن بدئي بالصلاة.. لكني اود أن اؤكد أن تلك ليست قصتي وحدي، بل قصة الكثيرين من اقراني واصدقائي ممن هم يصلون الآن، وملتزمون الآن..
.. وعندما تعلم جيلي الصلاة، كان في الحقيقة يكتشفها، يستكشفها، يغوص في اعماق محيط متحسساً تلك القارة الصلبة الغاطسة التي يمكن أن تصير كوناً رحباً له وللآخرين..
.. ورغم أن جيلي أخذ بيد الكثيرين من افراد الجيل الذي قبله – نحو الصلاة، أي أن الكثيرين من اقراني صلوا واباؤهم وامهاتهم في نفس الفترة- وهو أمر يستحق الفخر، بلا شك –إلا أن الأمــر ليس سيان- ابداً، ليس سيان أن تنشأ في بيئة تحترم التدين وتجله وتوفر مظاهره، وبين بيئة تسخر من المصلين وتستصغرهم وتهزء من عقلياتهم..
حتى لو اكتشفت الصلاة بنفسك. فأن الأمرعندما يكون كذلك سيكون شخصياً، فردياً، وليس نتاجاً لظاهرة اجتماعية، لمجتمع ينشد الخلاص..
.. تقولون أن تلك ظاهرة عامة في العالم أجمع، وحتى ليس في البلدان الاسلامية وحدها، ظاهرة عودة التدين ؟..
في الحقيقة ربما. لكن بفارق أنها كانت في العراق، ظاهرة اكتشاف للتدين.. كان التدين بلا جذور تقريباً، أو بجذور شبه ميتة، شبه مقطوعة، عندما اعاد جيلي اكتشافه.. في فترة ما – من العقود الثلاثة المنصرمـة..
***********************
كيف حدث ذلك ؟..
كيف حدث أن أي من اجدادي – من جهة أمي ومن جهة أبي- لم يكونَا يصليان.. لم يكونا يصومان.. بل أنهما ايضاً –وعلى الأكثر- كانا يشربان..
كيف حدث ذلك ؟ ومتى بدء ذلك بالضبط ؟، قبلهما، قبل جيلهما، أم معهما – مع ذلك العصر الذي شهد انهيار زمن وقيام زمن آخر..؟؟
كيف حدث أن انقطعت تلك الصلة – التي كانت يوماً ما جوهر الحضارة وقوام مجتمع- كيف انقطعت تلك الصلة التي كانت عموداً فقرياً لتماسك المجتمع وتوازن اطرافه..
.. كيف حدث أن المجتمع صار (غير مستقيم على القبلة..) ؟.
.. وكيف يمكن أن لاي كون ذلك مرتبطاً بكل ما حدث بعد ذلك – خطوة خطوة حتى درب السقـوط..


كيف يمكن أن لايكون ذلك مرتبطاً بأن "أكبـر بيـت في بغــداد" صار قاعاً صفصفاً ؟.. كيف لايمكن أن يكون ذلك مرتبطاً بهُذا الذي يحدث ؟ بالدوي الهائل الذي سيشق عنان السماء ويمزق طبلات آذانكم ؟..
.. لايمكن الا أن يكون هُذا السقوط مرتبطاً بسقوط آخر بدء منذ فترة طويلة جداً..
***************
.. شيء ما حدث، في فترة ما معقدة، بدءت ذلك كله – وجاء جيلنا- بعد عدة اجيال متعاقبة- ليدفع الثمن كله..
.. شيء ما حدث – وشيء ادى إلى آخر، في ذلك التفاعل المتسلسل من الاحداث- وسط ظروف صعبة ومعقدة – منتهياً بذلك السقوط الذي شاهدتموه جميعاً – عبـر الاقمــار الصناعيــة..
.. هل هو ذلك الأرث القبيح من الصراع الطويل المتبادل بين الامبراطوريتين الصفوية والعثمانية – والتي تداولت السلطة والسيطرة .. بطريقة لا استطيع أن اقول غير أنها غير لطيفة- وبرر كل طرف كل مجزرة ارتكبها بمبررات دينية ومذهبية بغيضه وضيقة.. في حق الطرف الآخر..
.. وعندما ولت الامبراطورة الصفوبة – وتلتها العثمانية، ظل في نفوس السكان- شيء من ذلك كله، شيء من الربط اللاواعي بين شعارات التدين المرفوعة وحقيقة المذابح المروعة –وادى ذلك إلى الانكفاء عن الدين والتدين- الذي كان يمكن أن يكون في حال آخرى، حلاً لذلك التناقض كله..
هل هو ذلك التردد بين البداوة والريف – الموجود في عمق المدينة العراقية، في عمق الشخصية العراقية- والمزدهر اساساً بسبب الاستبداد ومظاهره المتجددة..
هل هو الاستبداد – المستند دوماً على تبريرات دينية، والذي وجد دوماً في وعاظ السلاطين والشيوخ التافهين المتهافتين دعامة لاستمرار المظالم والاستبداد.. جعل الناس يربطون، يفكرون، يصدقون، أن الدين –الذي أتخذ كمطية وكشمّاعة- له علاقة فعلاً باولئك الذين تسلطوا عليه..
.. وعندنا مات الرجل المريض .. ودخل البريطانيون محررين لا فاتحين، كالعادة !، وجدوا مزيجاً من الاعراق والطوائف والمذاهب، وجدوا تعدداً يمكن أن يكون سبباً للتنافس والابداع، كما يمكن أن يكون سبباً للتناقض والاقتتال.. ولسبب او لآخر، بنوا لبنة الدولة التي بنوها بشكل يعزز الاحتمال الثاني – التناقض والاقتتال- بدلاً من الاحتمال الاول : التنافس والابداع. جعلوا في لبنة الدولة اساساً لاقصاء طرف وتقريب طرف، واستعداء طرف لحساب طرف، واستجداء طرف على حساب طرف. في انتظار اقتتال الطرفين..
ورسموا للدولة التي بنوها حدوداً تورث النزاعات وجعلوا ضمنها اقليات وشتات، وكل منهم يريد.. وكل منهم ينظر إلى ما وراء الحدود..
وضعوا الفتيل واشعلوا خيطه الأول.. ثم ولوا مسرعين قبل أن ينفجر بوجوهم (اظنهم تركوا بطاقة كتبوا عليها : لن نقول وداعاً.. بل سنقول إلى اللقاء.. ولو بعد حيـن)…
.. وعندما جاءت النخب غير المنتخبة جاءت معها مشاريعها التغريبية التي وضعت الدين في أسفل القائمة.. لا. للأسف، اخطأت، لم تضعه اساساً لا في أسفل القائمة ولا في أي مكان..
أنها سايكولوجية الهزيمة.. أنها طبيعة الاشياء.. فجأة ارتبط الدين بذلك الرجل المريض الذي قضى نحبه – والذي لايزال يجد من يتباكى عليه- وارتبطت الهزيمة بالدين. والتخلف بالدين.. والاستبداد بالدين.. وارتبطت كل امراض ومثالب ذلك الرجل المريض بالدين..
.. وبشكل او بآخر، تصور –حتى المخلصين- أن التدين سيعمق من هوة الخلاف بين الغرقاء.. فاندفعوا بعيداً عن الدين ومظاهره، متجاهلين صيغة اخرى تلم ولاتفرق، وتجمع ولا تمزق..
.. وجاء الشيوعيون وحبالهم.. والبعثيون ومشانقهم واساليبهم المبتكرة في الاضطهاد والترهيب والتعذيب.. والمساجد فارغة.. فارغة تماماً إلا من امام وخطيب وهو في حقيقته مجرد موظف، وخادم ومؤذن للمسجد هو في حقيقته مخبر.. وفي زاوية المسجد، هناك، يجلس بضعة عجائز ومتقاعدين..
.. وكان هناك –ايضــاً- بعض الاسلاميين وسلوكياتهم، وطروحاتهم، وتمسكهم بخرافات سخيفة – ابعدت العقلاء من الناس عنهم.. وعن الفكر الذي ادعوا أنهم يحملون رايته..
كل ذلك، وأكثر، مع الاستبداد الذي كشر عن انيابه واخذ ينهش في البقية الباقية من الظاهرة.. لقد اتى حين من الدهر، كانت الصلاة – الصـلاة فقـط ! – مجرد اداءها ولو بشكل منفرد – يمكن أن يؤدي إلى تحقيق، واستجواب.. وحتى الاعدام..
.. كل ذلك .. وأكثر.. ادى إلى أن تكون ظاهرة التدين منكمشة .. ومنكفئة.. ومحددة..
.. وعندما اكتشف جيلي الصلاة – كما لو كانت بمعجزة، اكتشف الايولوجيا اكثر مما اكتشف التدين. اكتشف المناظرة والجدل أكثر مما اكتشف رعشة القلوب عند الصلاة.. اكتشف كتب العقيدة والمجلدات المذهبة اكثر مما اكتشف العقيدة نفسها، عقيدة الخبز اليومي، وعقيدة العمود الفقري، عقيدة الوتد بمواجهة العاصفة، .. وعقيدة الصبر ورباطة الجأش..



يتبع




لكننا برعنا في الايدلوجيا. في النقاش.. في الجدال.. في التمذهب البغيض.. في صدام الحضارات..
.. وعندما حصل فعلاً –صدام الحضارات- ، اكتشفنا أن الايدلوجية لا تسمن ولا تغني من جوع .. وأن عقيدة "العجائز في نيسابور" تفيد أكثر بمواجهة القصف. بمواجهة الموت .. بواجهة الغزاة، و(الغزاة قد وصلــوا)، بمواجهة الدبابة على الجسر..
"فقدنا الله.. فما وجدنا بعده شيئاً.."
نعم. ليلة السقوط.. بدت تلك الكلمات كما لو كانت ضوءً في منارة بعيدة، تلتمع من بعيد، تدلنا على الطريق في ذلك الخلاء الاجرد الموحش الذي كنا فيه..
لم نكن نعرف هل لاتزال لدينا فرصة في اللحاق بالضوء.. بالامساك بما فقدناه.. أم أن الوقت قد ادركنا.. واننا سنظل نضرب في ذلك الخلاء الاجرد المروع حتى الموت..
لا ادري..
لا أحد يدري بالضبط..
.. لم يكن هناك سوى تلك الكلمات، قالتها تلك السيدة..
ثم الظلام..
******************
استطيع الآن أن اقف هنا، واقول : كفي !..
هُذا ما حصل، وهُذا الذي جرى في ليلة سقوط بغــداد
وتعرفون كلكم ماذا احداث اليوم التالي، اراهن انكم تحلقتم حول شاشات التلفاز، عندما عرض ذلك الشيء الذي حصل في ساحة الفردوس.. أراهن انكم علقتم على ما حصل،وعلينا، اراهن أن بعضكم سبّنا باقذع الشتائم، وأن بعضكم بصق علينا.. اراهم انكم حاكمتمونا وحكمتم علينا – واصدرتم حكمكم علينا بناءً على ما شاهدتم هناك..
.. استطيع أن أقول هنا، كفى، انتهى الأمر. كانت هُذهِ هي ليلة سقوط بغداد، والدبابة على الجسر، والروم قد وصلوا.. واضع نقطة نهاية السطر..
استطيع أن ارد على تساؤلاتكم، ليس من شيء آخر، ليلة سقوط بغداد، تفرجنا على عمرو خالد وبكينا على طارق أيوب..
هل توقعتم وثائق ومشاهدات حية عن مؤامرة ما، دبرت بليل، في تلك الليلة.. ليلة سقوط بغداد..
حسناً.. ليس الآن على الاقل. وارجو أن لا يلقى كل شيء على كاهل المؤامرات والخيانات.. صحيح أنها كانت هناك بلا شك.. لكن السقوط كان قادماً لامحالة.. (لقد فقدناه.. فما وجدنا بعده شيئاً، كما تعلمون).. ربما الخيانة سهلت الأمر.. سرعت الأمر.. (وهناك من سيقول، أنها حقنت الدماء..)..
ربما الخيانة سهلت من تقديم الأمر بالشكل السينمائي الذي قدم فيه..
لكن لا وثائق عندي.. لا شيء غير ذلك السر الذي قالته ديمة طهبوب بشكل عابر.. أنه السر وراء كل شيء، وراء كل ماحدث من سقوط..
أما المؤامرات، والخيانات – تلك التي دبرت بليل، تلك التي ستكشف عنها الوثائق تلك التي تريدون أن تسمعوها- فلم تكن سوى تفاصيل في ذلك السر..
***************
..قلت أني يمكن أن اقف هنا. و اسدل الستار على الموضوع، واوفر على نفسي، وعلى ناسي، ألماً جماً،.. واحراجاً كبيراً..
استطيع أن اقول : انتهــى، كما سيفعل كثيرون. ويدفنون رؤوسهم في الرمال.. لكن لا هروب منكم، ما دمتم قد رأيتم..
.. وما دمتم قد علمتم، وما دمنا قد فضحنا – وانهتك سترنا بما قد رأيتم-..
فلا أن نخوض في الأمر،لا لكي نبرر.. ولكن لكي نفسر..
وايضاً لكي نخلص من الأمر، لكي نخرجه من جوفنا، من اعماقنا، .. كان يمكن أن اقول (انتهــى) . واسدل الستار..
لكني احتاج إلى أن اكمل.. احتاج إلى أن اقول.. احتاج إلى ازيح هُذا الحجر الذي يثقل صدري وكاهلي..
.. الجرح الملتهب في اعماقي لم يلتئم بعد، لم يشفى بعد، وهو يحتاج إلى الشمس.. يحتاج إلى الهواء..
رئتي تحتاج إلى أن يخرج القيح المحبوس في داخلها.. تحتاج إلى الهواء النقي ليدخلها. ليطهرها..
أريد أن اخوض في الأمر، في ما حصل ذلك اليوم بالتحديد، وما حدث بعدها، أريد أن لا اتجاهل شيئاً ولا اداري شيئاً..
نعم. محملاً بعاري وبخجلي اقول ذلك..
لكني أريد أن اتخلص من هُذا الاحساس –الاحساس بالعار- أريد أن اقضي على هُذا الشعور بالخجل..
أريد أن أرفع رأسي من الورقة، الآن، وانظر اليكم، في وسط أعينكم، دون أن اغرق في عرقي، أو أموت من خجلي..



نعم. هُذا ما حدث.. نهار السقوط..



المشهد الرابع


السقوط،حقا





"الجزيرة هُذا الصباح"•
ماهر، واقفاً امام فندق فلسطين، مرتدياً نفس القميص البسيط الذي كان يرتديه بالأمس، وهو يتكلم عن ليلة هادئة قضتها بغداد..
ستقول في نفسك أنها كانت هادئة فعلاً، لكنك تستدرك على نفسك أن الليلة التي سبقتها كانت هادئة ايضاً، ثم طلع الفجر على ما طلع عليه من يوم مرعب ومهول..
يفاجئك ماهر بأنه يقول الشيء ذاته الذي نفكر فيه، يفاجئك بأنه يده امتدت عبر الشاشة وخطفت من قلبك مخاوفه ونشرته على الملايين..
حكيم روحاني حضرتك ؟.. تبتسم في سرك قد كنت تهم بالبكاء.. وترد : لا ، حكيم اخبــار. وتتذكر أن هُذا الشخص يمر بما تمر به، ويشعر بما تشعر به، وأنه تعرض للموت أمس مرتين، وخطف الموت زميل له كان ينام معه في نفس الغرفة..
تشعر بالتعاطف مع هُذا الشخص الغريب على الشاشة.. بالذات تشعر بالقرب منه – تمتلئ روحك بود مجاني ونقي لا ينتظر مقابلاً ولا شكوراً.. فجأة تهب رياح وتؤثر على الصوت. عدنان الشريف•، في ستوديو الاخبار في الدوحة، يطلب من ماهر أن يعدل من وضعية الحاكية في القميص.. يرد ماهر، بشكل عابر تمامأً، ساحاول ذلك، مع العلم أنه "القميص الوحيد المتبقي"..

----------------------------

• نشرة الاخبار الصباحية الرئيسية على قناة الجزيرة، في الخامسة بتوقيت غرينتش..


• مذيع الاخبار في قناة الجزيرة.

كانوا قد تركوا كل حاجياتهم، في المكتب الذي قصف وحوصر يوم أمس..
.. لا ادري كيف، ولكن ادري لماذا، وجدت نفسي وقد امتلئت تصميماً على أن أهديه قميصاً. أنها فرصة نادرة، لكي يتجسد هُذا الود الذي قلت عنه بشكل مادي، محسوس..
في دولابي، بين اكداسي الملابس، ابحث عن قميص جديد استلمته كهدية قبل فترة، ولم تتسن لي فرصة ارتدائه، قميص ايطالي بعلامة تجارية عالمية : شيء يليق بالجزيرة وبماهر وبحجم التعاطف الذي أكنه لهما..
كنت أعلم أن كل شيء انتهى، وأن السقوط قد حل عملياً. وأنهم عما قليل سيحزمون حقائبهم ويرحلون. وكانت هُذهِ الهدية بمثابة لمسة حنان قبل السقوط.. لمسة حنان قبل السفر..
.. هل كنت أود أن أترك اثراً طيباً عن العراقيين ؟. هل كنت أود أن أحسن صورتهم؟ .
بالتأكيد لا. لم يخطر ذلك ببالي، لقد كانت صورتهم حتى الآن معقولة. لم أكن أدري أي شيء سيحدث بها خلال ثلاث ساعات فقط، لم أكن أعلم بأي صورة مشوهة وبشعة سيظهر العراقيون خلال ثلاث ساعات فقط، على شاشات العالم أجمع..
(لو علمت، لربما دفنت رأسي خجلاً وما خرجت..)
لم يكن هناك أي ايدلوجيا أو نية مسبقة فيما فعلت. فقط ود. فقط حنان. فقط لمسة منهما قبل السقوط، قبل السفر..
.. قبل أن تنتهي نشرة الاخبار – وتبدء اخرى، كنت قد ارتديت ثيابي وكتبت شيئاً عابراً، ومتعاطفاً على غلاف القميص..
.. وعندما قلت بصوت عال، وأنا أهم بالخروج، أنني ذاهب للجزيرة. لم يصدقني أحد –بأستثناء زوجتي، التي كنت قد اخبرتهـا سلفاً- واعتبرني الجميع أنني أمزح بلا شك..
كعراقيين، عشنا اعمارنا جميعاً تحت ظل انظمة قمعية احترفت تدجيننا وقولبتنا، لم يكن هناك أي مجال لأن يصدق أحد ما قلته ويأخذه على محمل الجد..
طيلة عقود –هي كل حياتي وأكثر- كان الاتصال بأي اجنبي يمكن أن يتحول إلى تهمة ممكن أن تتحول إلى عقوبة..
.. وأعني هنا بالاتصال، الاتصال المحض – لا شيء أكثر…
وعندما يكون هُذا الأجنبي صحفياً، فأن الأمر يصبح أخطر، والتهمة تصبح أكثر تأكيداً..
.. وعندما يعمل هُذا الصحفي في قناة فضائية، طرد واحد من مراسليها اثناء الحرب، واوقف آخر، فأن التهم ستتساقط عليك من السماء..


يتبع

Romantic Flower
, Wed, 17 Oct 2007 13:54:33 +0200
لكننا برعنا في الايدلوجيا. في النقاش.. في الجدال.. في التمذهب البغيض.. في صدام الحضارات..
.. وعندما حصل فعلاً –صدام الحضارات- ، اكتشفنا أن الايدلوجية لا تسمن ولا تغني من جوع .. وأن عقيدة "العجائز في نيسابور" تفيد أكثر بمواجهة القصف. بمواجهة الموت .. بواجهة الغزاة، و(الغزاة قد وصلــوا)، بمواجهة الدبابة على الجسر..
"فقدنا الله.. فما وجدنا بعده شيئاً.."
نعم. ليلة السقوط.. بدت تلك الكلمات كما لو كانت ضوءً في منارة بعيدة، تلتمع من بعيد، تدلنا على الطريق في ذلك الخلاء الاجرد الموحش الذي كنا فيه..
لم نكن نعرف هل لاتزال لدينا فرصة في اللحاق بالضوء.. بالامساك بما فقدناه.. أم أن الوقت قد ادركنا.. واننا سنظل نضرب في ذلك الخلاء الاجرد المروع حتى الموت..
لا ادري..
لا أحد يدري بالضبط..
.. لم يكن هناك سوى تلك الكلمات، قالتها تلك السيدة..
ثم الظلام..
******************
استطيع الآن أن اقف هنا، واقول : كفي !..
هُذا ما حصل، وهُذا الذي جرى في ليلة سقوط بغــداد
وتعرفون كلكم ماذا احداث اليوم التالي، اراهن انكم تحلقتم حول شاشات التلفاز، عندما عرض ذلك الشيء الذي حصل في ساحة الفردوس.. أراهن انكم علقتم على ما حصل،وعلينا، اراهن أن بعضكم سبّنا باقذع الشتائم، وأن بعضكم بصق علينا.. اراهم انكم حاكمتمونا وحكمتم علينا – واصدرتم حكمكم علينا بناءً على ما شاهدتم هناك..
.. استطيع أن أقول هنا، كفى، انتهى الأمر. كانت هُذهِ هي ليلة سقوط بغداد، والدبابة على الجسر، والروم قد وصلوا.. واضع نقطة نهاية السطر..
استطيع أن ارد على تساؤلاتكم، ليس من شيء آخر، ليلة سقوط بغداد، تفرجنا على عمرو خالد وبكينا على طارق أيوب..
هل توقعتم وثائق ومشاهدات حية عن مؤامرة ما، دبرت بليل، في تلك الليلة.. ليلة سقوط بغداد..
حسناً.. ليس الآن على الاقل. وارجو أن لا يلقى كل شيء على كاهل المؤامرات والخيانات.. صحيح أنها كانت هناك بلا شك.. لكن السقوط كان قادماً لامحالة.. (لقد فقدناه.. فما وجدنا بعده شيئاً، كما تعلمون).. ربما الخيانة سهلت الأمر.. سرعت الأمر.. (وهناك من سيقول، أنها حقنت الدماء..)..
ربما الخيانة سهلت من تقديم الأمر بالشكل السينمائي الذي قدم فيه..
لكن لا وثائق عندي.. لا شيء غير ذلك السر الذي قالته ديمة طهبوب بشكل عابر.. أنه السر وراء كل شيء، وراء كل ماحدث من سقوط..
أما المؤامرات، والخيانات – تلك التي دبرت بليل، تلك التي ستكشف عنها الوثائق تلك التي تريدون أن تسمعوها- فلم تكن سوى تفاصيل في ذلك السر..
***************
..قلت أني يمكن أن اقف هنا. و اسدل الستار على الموضوع، واوفر على نفسي، وعلى ناسي، ألماً جماً،.. واحراجاً كبيراً..
استطيع أن اقول : انتهــى، كما سيفعل كثيرون. ويدفنون رؤوسهم في الرمال.. لكن لا هروب منكم، ما دمتم قد رأيتم..
.. وما دمتم قد علمتم، وما دمنا قد فضحنا – وانهتك سترنا بما قد رأيتم-..
فلا أن نخوض في الأمر،لا لكي نبرر.. ولكن لكي نفسر..
وايضاً لكي نخلص من الأمر، لكي نخرجه من جوفنا، من اعماقنا، .. كان يمكن أن اقول (انتهــى) . واسدل الستار..
لكني احتاج إلى أن اكمل.. احتاج إلى أن اقول.. احتاج إلى ازيح هُذا الحجر الذي يثقل صدري وكاهلي..
.. الجرح الملتهب في اعماقي لم يلتئم بعد، لم يشفى بعد، وهو يحتاج إلى الشمس.. يحتاج إلى الهواء..
رئتي تحتاج إلى أن يخرج القيح المحبوس في داخلها.. تحتاج إلى الهواء النقي ليدخلها. ليطهرها..
أريد أن اخوض في الأمر، في ما حصل ذلك اليوم بالتحديد، وما حدث بعدها، أريد أن لا اتجاهل شيئاً ولا اداري شيئاً..
نعم. محملاً بعاري وبخجلي اقول ذلك..
لكني أريد أن اتخلص من هُذا الاحساس –الاحساس بالعار- أريد أن اقضي على هُذا الشعور بالخجل..
أريد أن أرفع رأسي من الورقة، الآن، وانظر اليكم، في وسط أعينكم، دون أن اغرق في عرقي، أو أموت من خجلي..



نعم. هُذا ما حدث.. نهار السقوط..



المشهد الرابع


السقوط،حقا





"الجزيرة هُذا الصباح"•
ماهر، واقفاً امام فندق فلسطين، مرتدياً نفس القميص البسيط الذي كان يرتديه بالأمس، وهو يتكلم عن ليلة هادئة قضتها بغداد..
ستقول في نفسك أنها كانت هادئة فعلاً، لكنك تستدرك على نفسك أن الليلة التي سبقتها كانت هادئة ايضاً، ثم طلع الفجر على ما طلع عليه من يوم مرعب ومهول..
يفاجئك ماهر بأنه يقول الشيء ذاته الذي نفكر فيه، يفاجئك بأنه يده امتدت عبر الشاشة وخطفت من قلبك مخاوفه ونشرته على الملايين..
حكيم روحاني حضرتك ؟.. تبتسم في سرك قد كنت تهم بالبكاء.. وترد : لا ، حكيم اخبــار. وتتذكر أن هُذا الشخص يمر بما تمر به، ويشعر بما تشعر به، وأنه تعرض للموت أمس مرتين، وخطف الموت زميل له كان ينام معه في نفس الغرفة..
تشعر بالتعاطف مع هُذا الشخص الغريب على الشاشة.. بالذات تشعر بالقرب منه – تمتلئ روحك بود مجاني ونقي لا ينتظر مقابلاً ولا شكوراً.. فجأة تهب رياح وتؤثر على الصوت. عدنان الشريف•، في ستوديو الاخبار في الدوحة، يطلب من ماهر أن يعدل من وضعية الحاكية في القميص.. يرد ماهر، بشكل عابر تمامأً، ساحاول ذلك، مع العلم أنه "القميص الوحيد المتبقي"..

----------------------------

• نشرة الاخبار الصباحية الرئيسية على قناة الجزيرة، في الخامسة بتوقيت غرينتش..


• مذيع الاخبار في قناة الجزيرة.

كانوا قد تركوا كل حاجياتهم، في المكتب الذي قصف وحوصر يوم أمس..
.. لا ادري كيف، ولكن ادري لماذا، وجدت نفسي وقد امتلئت تصميماً على أن أهديه قميصاً. أنها فرصة نادرة، لكي يتجسد هُذا الود الذي قلت عنه بشكل مادي، محسوس..
في دولابي، بين اكداسي الملابس، ابحث عن قميص جديد استلمته كهدية قبل فترة، ولم تتسن لي فرصة ارتدائه، قميص ايطالي بعلامة تجارية عالمية : شيء يليق بالجزيرة وبماهر وبحجم التعاطف الذي أكنه لهما..
كنت أعلم أن كل شيء انتهى، وأن السقوط قد حل عملياً. وأنهم عما قليل سيحزمون حقائبهم ويرحلون. وكانت هُذهِ الهدية بمثابة لمسة حنان قبل السقوط.. لمسة حنان قبل السفر..
.. هل كنت أود أن أترك اثراً طيباً عن العراقيين ؟. هل كنت أود أن أحسن صورتهم؟ .
بالتأكيد لا. لم يخطر ذلك ببالي، لقد كانت صورتهم حتى الآن معقولة. لم أكن أدري أي شيء سيحدث بها خلال ثلاث ساعات فقط، لم أكن أعلم بأي صورة مشوهة وبشعة سيظهر العراقيون خلال ثلاث ساعات فقط، على شاشات العالم أجمع..
(لو علمت، لربما دفنت رأسي خجلاً وما خرجت..)
لم يكن هناك أي ايدلوجيا أو نية مسبقة فيما فعلت. فقط ود. فقط حنان. فقط لمسة منهما قبل السقوط، قبل السفر..
.. قبل أن تنتهي نشرة الاخبار – وتبدء اخرى، كنت قد ارتديت ثيابي وكتبت شيئاً عابراً، ومتعاطفاً على غلاف القميص..
.. وعندما قلت بصوت عال، وأنا أهم بالخروج، أنني ذاهب للجزيرة. لم يصدقني أحد –بأستثناء زوجتي، التي كنت قد اخبرتهـا سلفاً- واعتبرني الجميع أنني أمزح بلا شك..
كعراقيين، عشنا اعمارنا جميعاً تحت ظل انظمة قمعية احترفت تدجيننا وقولبتنا، لم يكن هناك أي مجال لأن يصدق أحد ما قلته ويأخذه على محمل الجد..
طيلة عقود –هي كل حياتي وأكثر- كان الاتصال بأي اجنبي يمكن أن يتحول إلى تهمة ممكن أن تتحول إلى عقوبة..
.. وأعني هنا بالاتصال، الاتصال المحض – لا شيء أكثر…
وعندما يكون هُذا الأجنبي صحفياً، فأن الأمر يصبح أخطر، والتهمة تصبح أكثر تأكيداً..
.. وعندما يعمل هُذا الصحفي في قناة فضائية، طرد واحد من مراسليها اثناء الحرب، واوقف آخر، فأن التهم ستتساقط عليك من السماء..


يتبع



سيكون اولها، وابسطها، انك تملك صحناً لاقطاً في سطح بيتك..
..والبقية تأتي..
كعراقي، لم يكن ممكناً أن تخرج من بيتك وتقول أنك ذاهب إلى مكتب قناة فضائية إلا أذا كنت تمزح أو كنت قد فقدت صوابك..
.. لم أكن أمزح.. ولم أكن قد فقدت صوابي، لكن صوابي قال لي "أنهــم" الآن مشغولون ولابد بأشياء أهم من صحن لاقط على سطح بيتي..
كنت مخطئاً..
.. وعندما قدت سيارتي – لبضعة دقائق فقط- إلى فندق فلسطين حيث يتجمع الصحفيون، أمام ساحة الفردوس، كنت أملك تصوراً أني سأضطر إلى إيقاف سيارتي في مكان بعيد، وأكمل رحلتي سيراً على الأقدام..
كنت أتصور أن الطريق المؤدي إلى الفندق لابد أني يكون مقطوعاً بالمتاريس أو بما شابه. لقد تعرض المكان للقصف أمس. ولابد من حماية الصحفيين..
أو هكذا ظننت..
كنت مخطئاً مرّة اخرى..
لا متاريس.. لا اكياس رمل.. لا مسلحين في الشارع.. لا شيء. أكثر من هُذا كله : وجدت مكاناً فارغاً امام مدخل الفندق بالضبط. اوقفت سيارتي فيه. لبالغ دهشتي، لم يمنعني أحد. لم ينهرني أحد. ولم يصرخ في وجهي أحد..
وعندما ترجلت عن السيارة – وبيدي القميص المغلف- لم يسارع أحد لأعتقالي أو لأستجوابي – أو على الاقل – لأخذ هويتي..
.. لم يكن هناك أي من هؤلاء الذين تعودنا أن يقوموا بمهمات كهذه..
لا أحــد..
دخلت إلى الحديقة من حيث يوجد باب صغير للاستعلامات.. لم يكن في الاستعلامات أحد ليستجوبني.. تلفتت يميناً ويساراً، في داخل الحديقة كان هناك عشرات من المراسلين واجهزتهم وعرباتهم وصحوتهم اللاقطة..
اقتربت من اثنين كان واضحاً عليهما انهما عراقيان، وتصورت أن عليهما استجوابي – أو أن علي اخبارهما أن لم أجد أحداً لأستجوابي .. وقفت أمامهما بتردد وذكرت اسم قريب لي يعمل في مكتب الجزيرة وأنا واثق تماما ً من عدم وجوده لأني كنت أعلم أنه(عالــق‘’) في منزله..
بدت على وجهيهما الدهشة لأنهما فهما أني اطلب الاذن منهما، واشارا إلى حيث يقف العاملون في الجزيرة .. سألت عن ماهر بتحفظ. كانت لدي نظرة وتصور أن جميع المراسلين لديهم نظرة وتصور عمن يتحدث معهم أن عينه على هاتف الثريا الذي يحملون، من أجل اجراء مكالمة مع قريب له في الخارج.... وذلك بعد أن قصفت جميع البدالات العاملة، وانقطعت كل وسائل الاتصال مع العالم، باستثناء هواتف الثريا التي يحملها المراسلون حصرياً (حيث لا يحق لأي عراقي اقتناء هاتف ثريا.. وإلا .. أعــدم..)..
.. وكنت أعلم أن المراسلين –لهذا السبب- يعرضون لغير قليل من التطفل من أجل السماح باستخدام الهاتف. كنت أنا نفسي اكاد اموت من اجل مكالمتين خارجيتين : واحدة مع شقيقتي لأبلغها أننا لانزال احياء. واخرى مع صديقي لارى أن كان لايزال حياً !! – لكني فكرت أن ذلك سيساء تفسيره، وستعتبر لمسة الحنان التي احملها معي بمثابة "رشــوة" من أجل الهاتف..
.. وحرصاً على صورة العراقي كنت مصراً على استبعاد ذلك( لم أكن أدري ماذا سيحل بالعراقي ولا بصورته، بعد ساعات من الآن، على بعد امتار من هنا..)
لذلك، عندما ردَّ تيسير علَّوني على سلامي بترحاب و ود بالغين، رددت عليه بتقطيبة وجفاء مفادهما (اياك أن تتصور أني اريد هاتفك). وسألت عن ماهر كما لو كنت أنوي اغتياله حالاً..
اجابني انه في الطابق الثاني..
كان من الواضح أن يقصد أن اذهب إليه هناك. وكان من الواضح أني لن افعل ذلك.. لن اتجاوز الخطوط الحمراء إلى هُذاِ الدرجة.. ليسَ إلى درجة الدخول إلى الفندق..!
نعم، كان الأمر عميقاً فيَّ، فينا، إلى هُذهِ الدرجة. ابواب الفندق مشرعة. لا رجال أمن (واضحون) للعيان. لكن الحاجز كان في داخلي أنا.. لن ادخل.. سأنتظر في الخارج..
في الخارج كان هناك بعض المراسلين (لوكالات اجنبية على الاغلب)، وهم يتهيئون للمغادرة خوفاً من تكرار استهداف الصحفيين الذي حصل يوم أمس. سيخسرون مشهداً سينمائياً قليل التكرار.. سيدور بعد ساعات قلائل..
.. لم يطل انتظاري. بعد اقل من نصف ساعة، هبط ماهر، كان مألوفاً جداً بالنسبة لي إلى درجة أني استغربت أنه لم يعرفني ويتجه الىَّ فوراً. بدلاً من ذلك اتجهت أنا إليه، بادرته بالسلام، وقلت له شيئاً عن "القميص الوحيد المتبقي لديه".. كان لطيفاً و ودوداً وسريع البديهة، قال على الفور "فاتني أن أقول أنه البنطلون الوحيد المتبقي ايضاً"..
بعد ساعات قلائل، سيرى ويسمع الملايين في العالم – ربما عشرات الملايين، سرعة بديهة ماهر ودقته في انتقاء المفردات على ما سيحدث على بعد أمتار من هذا كله- في مشهد سينمائي نادر الحدوث والتكرار على مر الازمنة..


.. وعندما درت بسيارتي حول ساحة الفردوس عائداً إلى البيت لم أكن ادري أن انظار العالم أجمع كلها ستدور حول تلك الساحة، اليوم، بعد ساعات فقط، ولم اكن ادري، أن كاميرات كل الصحفيين، وشاشات كل الفضائيات، وانظار كل المشاهدين، ستصوب على تلك الساحة – التي ستستحيل فجأة كما لو كانت مركزاً جديداً للكون، لم أكن ادري، أن ذلك الشيء المنصوب في الطرف الجنوبي من الساحة، والذي تعودت أن اتحاشى النظر إليه حتى لا تفيض مشاعر الكراهية من صدري إلى وجهي ويلاحظ أحد ذلك، لم أكن أدري أن ذلك الوثن، التمثال، سيكون له دور البطولة، في ذلك المشهد السنمائي الحاذق الذي سيضحكون فيه على اذقاننا..
***************
كنت قد اعتبرت محظوظاً لأني لم اعتقل أو حتى لم استجوبه اثناء ادائي لتلك المهمة الخطيرة التي قمت بها.. لكن شيئاً ما كان يلح في ذهني.. اين ذهبوا ؟.
***************
عندما عدت إلى البيت لاحظت بقلق أن حراس المبنى المجاور والذي تحتله شركة اجنبية قد تركوا المكان.
وتذكرت ما حدث في صلاة الفجر في نفس اليوم –المؤذن- خارج باب الحرم
كان أبو داود واقفاً مع مجموعة من الشباب لم استطع تبينهم بسبب الظلام الدامس، بعد قليل جاء أبو داود وقال كالمعتذر عن تأخره في اقامة الصلاة : أنهم مجموعة من الموقوفين في مبنى وزارة الداخلية، لقد تركها الجميع وجاء احد رجال الأمن ليفتح لهم الابواب عند منتصف الليل. قال لهم لم يبق أحد فاذهبوا أنتم ايضاً..
لم يكونوا من بغداد.. ولم يعرفوا أين هم بالضبط ولا أين يذهبون سمعوا صوت الاذان فعلموا أن هناك حياة، ودخلوا ليسألوا عن الطريق.. كان الأمر كله مقلقاً جداً..ومشوشاً جداً..
.. لم يطل الأمر. ساعات فقط، وسينجلي المزيح المتراكم من الظلم والاستبداد والفقر والاحباط والتمييز والقهر – ليكون باروداً متفجراً يطيح بكل المؤسسات المدنية المقامة على اسس هشة.. ساعات فقط، وتسقط الاقنعة، وتنكشف الكذبة، وتزاح مساحيق التجميل والتمدن..
ساعات فقط، وسنكتشف اننا قد عدنا إلى عصر الجاهلية الاولى، والناس بدو رحل غاروا على قافلة في الطريق، سلبوا بضائعها وانتهبوا ركابها.. سبوا نساءها واطفالها..
ساعات فقط، وسنكتشف أن في الاعماق لايزال رجل الكهوف قابعاً متربصاً، يترصد الفرصة المناسبة ليثبت أن هراوته اقوى من كل النظريات، وأن كهفه أمتن من كل البيوت الفارهة..
ساعات فقط، ويستيقظ مارد الجاهلية النائم : بلا قيم . بلا حلال. بلا حرام..
ساعات فقط، ونرى ذلك في الشوارع : مذهولين. مدهوشين. مرعوبين. اين كنا اذن؟. كيف لم نلاحظ ذلك المارد القابع؟. كيف لم نلاحظ ذلك المزيج الموشك على الانفجار؟. كيف لم ننتبه أن كل شيء يوشك على الانهيار ؟؟..
ساعات فقط. ونرى ذلك. وترون ذلك. ويرى العالم اجمع ذلك..
ابكي في سري، عندما اذكر أني حرصت على أن ابدو متحفظاً امام طاقم الجزيرة حتى لايتملكهم التصور أني اود اجراء مكالمة هاتفية.. (حرصاً على صورة العـراقــي..).
آه يا صـورة العراقــي..
.. فخلال ساعات فقط، ستلتقط ابشع صورة، اسوء صورة، واخشى أن اقول أنها ليست أكذب صورة. عن ذلك الشخص الذي سيروج على أنه "العراقــي" – بالاطلاق المعتاد..
ساعات فقط – تفصلنا عن كل ما كان.
****************
لم يكن في دخول قوات الغزو، من ذلك الحي الشرقي الفقير المكتظ بالسكان في بغداد – فائدة عسكرية مباشرة على ما اظن..
لكن كان هناك تكتيكاً وراء ذلك. كان هناك تخطيطاً واضح المعالم.
كان ذلك الحي، الذي يسكنه مليونان وأكثر، يتكدسون بالعشرات في بيوت صغيرة الحجم، بالكاد تكفي لربع العدد من السكان، وخالية من ابسط الشروط الصحية – كان لديهم حس بالاضطهاد غذته ونمته ظروف اضطهاد حقيقية مروا بها وعانوا منها..
لم يكن هناك وعي؟. بالتأكيد. لم يكن هناك من يهتم بتوعيتهم، او تربيتهم أو ترقية اوضاعهم..
كانوا قنبلة موقوتة ومعرضة للانفجار في أي وقت..، ولم تكن هناك أي خطة لأبطالها.. كانت الحلول دوماً تتراوح بين القمع والمزيد من القمع إلى الابادة..
.. لم تكن هناك أي محاولة لتعميق الشعور بالمواطنة عندهم. لقد كان الوطن بالنسبة لهم تلك المفرمة التي سحقت مئات الالوف منهم في حروب حمقاء ولا معنى لها.. كان الوطن هو اداة التمييز التي طالما غصوا بها وخنقتهم : كان الوطن هو بيوتهم المظلمة وشوارعهم غير المبلطة والمليئة بالمياه الآسنة – مقابل بيوت فارهة في احياء اخرى نظيفة وصحية و واسعة..



يتبع

Romantic Flower
, Wed, 17 Oct 2007 13:55:48 +0200
لم يكن هناك هدف عسكري مباشر واضح، استدعى أن تقتحم قوات الغزو ذلك الحي وتجول في انحائه وشوارعه..
لكن، كان هناك تكتيك، خطة، ستؤدي إلى دمار يوازي أن لم يكن يفوق ذلك الدمار الذي احدثه قصف الطائرات والصواريخ عابرة القارات..
.. قامت الدبابات بتدمير بعض رموز السلطة واوثانها : صور وتماثيل وانصاب، لذلك الذي استولى على الوطن وعلى كل شيء فيه، - تعرفون أن في كل تمثال، داخل كل تمثال توجد دبابة امريكية مختبئة..-
رأى الناس تلك الرموز وهي تدمر وهم غير مصدقين. كانت جاثمة على صدورهم واذهانهم وبصائرهم وابصارهم منذ ما يعتقدون أنه الازل..
كانت تلك الرموز دعامة من دعامات انضباطهم – اساساً من اساسات حياتهم.. لم يكن هناك فهم للقانون إلا عبر العقوبة – واقصى العقوبة..
ولم يكن هناك من تذكير بالعقوبة – بأقصــى العقوبــة- إلا بصورة ذلك الرمز الجاثم على الاذهان والصدور.. تمثاله.. او وثنه..
.. وعندما رأوا الرمز وهو يدمر من قبل الدبابات الامريكية، تهاوى كل شيء في داخلهم..
وانطلق ذلك الغول، استيقظ ذلك المارد الجاهلي : السلاب النّهاب..، عاد ذلك البدوي قاطع الطريق، القادم من الجاهلية الاولى – من حيث لا حلال ولا حرام- تبادل سكان الكهوف صرخاتهم عبر الجبال، هاتوا هراواتكم وابتعونا..
.. وانتشر ذلك بأسرع مما تتصور حتى واضعو تلك الخطة.. انطلقت تلك الفئران التي حرموها من آدميتها لتصير وحوشاً كاسرة تعبث فساداً في كل مبنى أو مؤسسة حكومية، امنية أو خدمية أو ادارية.. لا فرق في ذلك بين مستشفى أو معتقل. بين وزارة أو مدرسة . بين قصر رئاسي فاره،او متحف اومحض مركز للشركة..
.. انطلق كل اولئك المحرومين – محرومي الوعي والعقل والصواب والمواطنة قبل أن يكونوا محرومي الغذاء والكساء- انطلقوا ليدمروا ويسرقوا ويحرقوا..
لقد تحولوا – في محض ساعات- من سردين بشري مذعور ومحاصر داخل الجحور، إلى جرذان مفترسة تنافس غيلان الاساطير..
سيقول علماء الاجتماع أن الجرذ المفترس كان دوماً هناك، متجاهلين أنه أنما ينمو بالظلم.. بالقهر.. بالاستبداد.. بالأبادة.. ستقولون أنها محاولة بائسة لتبرير ما فعله هؤلاء ؟ ستقولون أن لاشيء، مهما كان، يبرر ما فعله هؤلاء بوطنهم..؟
اقول لكن، عندما يعم البؤس والظلم – تصير الشعارات بائسة.. ولا معنى لها..
أنني اقول هُذا وأنا لا اؤمن به شخصياً، لكني لم اعش حياتي كما فعل هؤلاء في جحر مفرغ من الهواء والوعي، ولم امر بتراكم الظلم والاظطهاد الذي مروا به..
من يدري ؟. ربما لو كنت نشئت هناك، ربما لو كنتم انتم نشئتم هناك – حيث الفقر والجوع والعوز والجهل وغياب الوعي- لكنا عدنا إلى تلك الجاهلية الاولى، -كما فعل اولئك- حيث لا حلال ولا حرام..
اقول ذلك، كي استطيع أن ارفع رأسي وانظر في وسط اعينكم، دون أن أموت من خجلي..


************************
هذا ما حــدث!
بدء الأمر من هناك، بذلك التكتيك الذي دغدغ الجاهلية الاولى المكبوتة، المتراكمة، التي انفجرت بلا وازع ولا ضابط..
انتشر ايضاً في كل مكان احتوى ذلك التناقض الصارخ، في كل مكان كان هناك مسحوقون ومحرومون – من الوعي كما من الغذاء..
انتشرت الجرذان المفترسة من كل مكان، في كل مكان.. لم يقتصر الامر على طائفة. او عرق. أو عشيرة. او منطقة جغرافية محددة..
ابداً، يكذب من يقصر ما حدث على اناس من منطقة محددة أو فئة محددة..
.. ويكذب ايضاً من يعمم، فيقول أن الكل فعلوا، والكل سرقوا، وسلبوا ونهبوا..
.. ويكذب ثالثاً من يقول أن من قاد عمليات السلب والنهب جاء من خارج الحدود.( لم ارَ ذلك شخصياً، ولم ار أي شخص رأى ذلك..)
أنه الظلم أيها السادة .الاستبداد، والحرمان. والقهر.. والتمييز.. والفقر.. سيحدث ذلك في كل مكان من عواصكم التي تتخيلونها آمنة، ومحافظة على تقاليدها وخلاقياتها..
.. ولو كانت هناك عاصمة من عواصكم، من مدنكم، خالية من تلك الطبقة المختبئة الكامنة التي تعاني من الضغط والقهر والاستبداد والتمييز.. فارموا بغداد بحجر .. والقموني بآخر..

رغم ذلك. اعترف، أن الأمر أكثر وأسوء في بغداد منها في أي عاصمة اخرى..
الضغط اكبر في بغداد.. القهر أكثر.. الاستبداد اشد..


وايضاً، لاازال مصراً، ولا ازال اعني ما اقول : التدين.. في بغــداد اقل..
–لأسباب مرّ ذكرها..-
بغداد هي الاسوء حظاً، بين شقيقاتها العواصم الاخرى..
ولأنها الأسوء حظاً، فقد بدت صورتها اسوء، ذلك اليوم، والايام التالية..
لكن، في كل مدينة من مدنكم، هناك شيء من بغداد..
فلا تتسرعوا بالحكم..
انظر اليكم في وسط اعينكم واحذركم من أن تتسرعوا بالحكــم..
*****************
..وكان هناك ايضاً اللصوص المحترفون – وقد اطلقهم النظام من سجونهم قبل الحرب بعدة اشهر في مبادرة عفو تقع من منطقة ما بين الغبــاء منقطـع النظير والمؤامــرة شديدة الذكــاء..
وجد هؤلاء انفسهم في مدينة هجرتها سلطاتها وشرطتها وقضاتها..
لديهم كل الخبرات. لديهم كل الدوافع..
.. ولا توجد –ابــداً- أي روادع..
واختلط المحترفون بالهواة، والمجرمون والمنفلتون بالمكبوتين.. اختلطوا جميعاً وامتزجوا في ذلك المشهد المروع الذي شاهدتموه : العشرات وهم يدخلون مباني المؤسسات ويسلبون اثاثها ومحتوياتها، حتى البسيط التافه الذي لا قيمه له منها..
رأينا ذلك على الشاشات.. غرقنا في عرق الخجــل.. أهؤلاء هم ابناء وطنـي؟. أهؤلاء هم العراقييــن ؟.
اعترف : عــار الخجـل كان حتى اشد وطأة من عارالاحتــلال..
شاهدتم ذلك كما شاهدناه نحن، لكن لم تشاهدونا عندما كنا نشاهد. لم تشاهدوا وجوهنا عندما ذللت، لم تشاهدونا نغرق في الخجل، ونتخبط في الخجل، ونموت اختناقاً في الخجل..
ولقد سمعنا تعليقاتكم – لن تصدقوا ذلك طبعاً- لكننا سمعناها، نقلت إلينا ليس عبر الاقمار الصناعية، ولكن بقوى آخرى، غير مرئية وغير معروفة، وسمعناها وهي تصرخ في آذاننا.. تخرق اغشية طبلات آذاننا – تلك التعليقات الجارحة، تلك التعليقات الحارقة..
تذكرونها طبعاً..
ولن ننساها نحن..
*********************
حوالي الساعة الحادية عشر، من ذلك اليوم الذي بدا كما لو أنه لن ينتهي.. بدءت القنوات الفضائية تنقل، بما اتصور انه بثاً مباشراً، صور السلب والنهب والفوضى التي عمت في جانب الرصافة من بغداد – الجانب الذي اسكن فيه..
لا ادري أي قناة كانت السبّاقة في ذلك ،بالنسبة لي بدء الامر مع البي بي سي. لكن الجميع تسابقوا في نقل تلك الصور. لا غضاضة في ذلك. لا اشعر بأي رغبة في اتهام احد، او سب احد، او التعريض بأحد..
لقد حدث فعلاً – فكيف يحق لنا أن نؤاخذهم أنهم نقلوا ما حدث فعلاً – بل كيف يحق لهم أن لا ينقلوا ويصوروا ما حدث .
دعونا لا نهرب من مواجهة شيء. لم يعد ينفع. الهرب لم يعد ينفع. الرمل –ورؤوسنا فيه- لم يعد ينفع..
لقد حدث ذلك فعلاً، وليس من واجب هؤلاء الاعلاميين أن يفسروا او يبرروا أو يحاولوا التخفيف علينا..
ليس من واجبهم أن يتركوا الحدث الساخن النادر الحصول، حيث العامة والدهماء تسلب وتنهب ولا تستتر ولاتبالي بأن صورها تظهر على الشاشات في كل مكان..
ليس من واجبهم أن يتركوا المهرجان هناك، ويأتوا إلى بيوتنا ليصوروننا قائلين "انظروا إلى هؤلاء أنهم عراقيين ايضاً.. لكنهم جالسين في بيوتهم. لا يجرءون حتى على الخروج. أنهم لا يسرقون ويستنكرون ما يحدث. بل أنهم خجلون مما يحدث. انظروا اليهم، هؤلاء هم العراقيون الحقيقيون..-
هراء . ما كان ذلك ليحدث. ولو حدث لكان مجاملة لا أكثر..
.. لقد حدث فعلاً هُذا الذي شاهدتموه، رغم أن الاغلبية المكممة .. كانت قد قفلت على نفسها في البيوت وهي لا تكاد تصدق ما يدور..
لكنه دار حقاً..
***************************
ثلاث صور – مبكرة جداً من صور السلب والنهب التي اجتاحت بغــداد- لا اظنني سأنساها ابداً..
التقطت كلها في مبنى اللجنة الاولمبية – غير بعيد عن منزلي- أو ربما وزارة الداخلية المجاورة للمبنى الاول..
.. كانت الصورة الاولى لشخص شديد القبح. شديد الدمامة.. اقول ذلك رغم أنه
–ربمــا- لا يعني شيئاً محدداً..


يتبع


لكنه كان قبيحاً جداً. شخص ممتلئ، شديد السمرة.. كان يسرق سيارة من السيارات الحكومية المركونة في المرآب. لم يحاول أن يوقف التصوير، أو يخفي وجهه، أو يضع يده على عدسة الكاميرا، ابداً، لم يحاول ذلك – لم يكن ذلك في باله ابداً. وبدلاً من أن يهرب من الكاميرا ويحاول اخفاء هويته، بدا أكثر قبحاً ووقاحة عندما واجه الشاشة ليعلن – على طريقته ترحيبه بالغزاة.. أنه يسرق سيارات الحكومة.. كان يصرخ، ويكرر، ويحرك يديه بحماسة : نحن U.s.a ، نحن U.s.a ، نحن U.s.a ..
لا اشك لحظة واحدة أنه من اولئك المحترفين، اولئك الذين اطلقهم النظام أما بغباء منقطع النظير أو بمؤامرة شديدة الخبث..
.. ولا اشك لحظة واحدة ايضاً، أنه كان محقاً فيما قال، عن كونه U.s.a، نعم، هو وامثاله، المجرمين المحترفين، اصحاب السوابق واللواحق، ينتمون إلى الـ U..s.a، وأن لم يعلموا، وأن لم يعلنوا، وأن لم يشاهدوها او يطأوا بأقدامهم اراضيها..
أنه محق، أنه U.s.a في الجوهر .. لأن جوهر تلك الحضارة كان مبنياً على سلب ونهب ما للغير، وابادتهم.. تكرر ذلك كله بصور مختلفة – عبر تاريخها كله..
نعـم. أنه محق جداً. أنـه U.s.a ..
حتى لو كان شديد القبح. بعيد تماما عن الشقرة الامريكية
أنه U.s.a ..!
***************************
.. في المرآب نفسه، صورة ثانية – مبكرة ايضاً- حوالي الساعة الحادية عشر..
شخص ما، تافه المظهر، تافه المنظر، واراهن أنه تافه المضمون.. في المرآب حيث تقف تلك السيارات الحكومية التي تتعرض للسرقة. لا تشك لحظة واحدة في أنه هنا لا ليحميها ولا ليتفرج عليها – ولكن ليأخذ ما يعتقد أنه (حقــه) منها..
مع ذلك، وجد ذلك الشخص الهزيل الوقت ليلتفت إلى الكاميرا التي تصوره وهو يسرق، ويقول بالانكليزية، ربما الكلمة الوحيدة التي يتقنها No – ويتبعها بأسم الطاغية..
.. ويكرر ذلك..
يكرر ذلك – (سوف يتحول تكراره هُذا إلى فاصل في "الجزيرة")
.. سوف نتأمله.. وتتأمل تلك الـno التي يكررها..
أنه واحد من المصفقين دوماً. أنه واحد من المهللين دوماً. أنه من الالوف الذين كانوا يهتفون ويقفزون للطاغية عندما كان في قوته..
"لاءه" التي يكررها الآن ليست "لا" حقيقية – أنها وجهها الآخر دائماً- أنها "نعـم" للمنتصر اياً كان "نعــم" للغالب مهما كان.
أنها "نعــم" الجاهزة على الدوام، الكامنة على الدوام – الثابتة على الدوام- الذي يتغير فقط هو الكلمة التي تليها.. تستبدل دوماً حسب نتائج الصراع، حسب نتائج المعركة..
وتلك الـ "نعــم" توجه دوماً للمنتصر..
*****************
.. الصورة الثالثة، لم تكن في مرآب اللجنة الاولمبية، بل امام بابها الخارجي المطل على شارع فلسطين..
كانت الصورة لرجل متقدم في السن، سيعرف لاحقاً أنه "أبـو تحسيـن" .. كان يحمل في يده صورة كبيرة للطاغية. لا ادري من أين اتى بها. في يده الاخرى كان يحمل حذاءه.. ويهوي به على الصورة بحرقة. بمرارة. بحقد دفين لاحدود له، وآن له، الآن فقط، وعبر الحذاء أن ينفس عن نفسه..
"لو تعلمون ماذا فعل بنا هُذا يا ناس" "لو تعلمون ماذا فعل باولادنــا.."
"لو تعلمــون مــاذا فعـل بالعــراق..".
ليس سوى الحذاء، با أبا تحسين، ليس سوى الحذاء في يدك، تهوي به على صورة الطاغية..
.. سيظل أبو تحسين واقفاً هناك. لن يدخل. لن يسرق. لن يسلب أو ينهب. سيمر به السلاّبون والنهابون، سيدخلون ويخرجون، في ايديهم المسروقات، وفي يد أبي تحسين الحذاء يظل يهوي به على الصورة..
تتأمل، وتفكر من ؟ من يا أبا تحسين ؟. هل أعدم تحسين ؟. أم لعله عم تحسين ؟.. أو لعله خال تحسين..
ستهز رأسك بتفهم. نعـم. لابد أنه واحد منهم. أو ربما كلهم أجمعون..
لست في سلة واحدة، يا أبا تحسين، مع اولئك السَّراق، حتى لو بدوت معهم في صورة واحدة. لكنك لست منهم..
ظل أبو تحسين مكانه. كل القنوات صورته، وظهر على كافة الشاشات هو وحذاؤه يهوي به على الصورة. كان مصراً على ذلك، حاول أحد السّراق العابرين أن يمزق الصورة – لكنه انتفض وسحبها.. كان يريدها كاملة. كان يريد الصورة الكاملة- ليمعن بها ضرباً واهانة..
.. صوته غطى الشاشات. "لو تعلمــون.. لو تعلمـون ماذا فعل بنــا.." في صوته كان الصدق ولاشيء غيره. كان يختزن في حنجرته ذاكرة شعب كامل عانى من الظلم والقهر والاستعباد والاستبداد..
"لـو تعلمـــون.." ظل يصيــح !




لو تعلم أنت، يا أبا تحسين، أن معظم العراقيين كانوا يودون أن يفعلوا ما فعلت.. لكنهم احجموا عن ذلك – رغم أن عمق الجرح في داخلهم مساو لعمق الجرح في داخلــك- ربما لم يفعلوا ذلك لأنهم وجدوا انفسهم محرجين أن يفعلوا ذلك تحت ذات المظلة التي سلطت الطاغية عليهم ودفعته لأن يذبح ابناءهم ويستحيي نساءهم..
لا ملامة، يا أبا تحسين، لا ملامــة.. لست أنت منهم – رغم أنك بدوت في الصورة معهم..
********************
.. في ذات الوقت تقريباً، سمعت صوت كثيف لنيران متبادلة، فيما بدا أنه مكان قريب جداً..
هل هو صوت مقاومة يا ترى ؟.. هل حاول الغزاة اقتحام مكان ما، وفاجئهم كمين ما؟؟..
سألت . وصدمني الجواب..
لا. ليس الغزاة. لكنها مقاومة ايضاً، بطريقة ما..
أنهم الموظفين والحراس في وزارتي التربية والتعليم المجاورتين، يقاومون اللصوص، يطلقون النار عليهم وقد تدفقوا من كل مكان..
.. بعد قليل، ربع ساعة لا أكثر، ستخبو النيران.. لن تسمع صوتها.. لاول مرّة سيبدو صوت النيران اكثر اشعاراً للآمان من الصمت الذي تلاها.. الصمت سيقول لك : أنتهى.. لقد قضـي الأمــر..
تذكرت المركز الذي أعمل فيه. كنت قد اجبرت على عدم الذهاب منذ ثلاثة ايام – منذ وصل الغزاة إلى السيدية..
تذكرت الاجهزة الحديثة غالية الثمن، وتذكرت الملفات والسجلات التي ارهقت نفسي و وقتي ومالي في اعدادها – تذكرت كتبي الخاصة، الملقاة هناك..
تذكرت، كما تذكر ربما كل موظف في الدولة العراقية، أن المؤسسات والدوائر الحكومية التي نعمل فيها، هي بيوتنا ايضاً –بطريقة أو بآخرى.. وكما معظمهم – تذكرت ذلك- دون أن أفعل شيئاً..
نعم. لقد ذهبت لأنام. هل تصدقون ذلك ؟.
ليس النوم ترفاً. أنه في احيان كثيرة، هروب، دفن آخر لرأس آخر، في نفس الرمال..
لقد هربت من الصمت. من العار. هربت من تلك الصور المتلاحقة. هربت من شعوري بالخجـل..
.. هربـت ؟. لقــد لـذت بالفــرار..
******************************
.. عندما استيقظت، حوالي الرابعة عصراً، هرولت لأشغل المولد الكهربائي.. لأعرف ماذا يدور..
عندما فتحت التلفاز، على الجزيرة طبعاً، كان هناك على الشاشة ذلك المشهد الذي اعدت ادواته بدقة وحذق..، لقد قصف الغزاة مكاتب الصحفيين المتفرقة أمس من اجل هُذا المشهد، من أجل أن يأتوا جميعاً إلى هنا، بالذات، وليس مهماً من يموت من يموت، وأن يتيتم من يتيتم، ليس مهماً أن سالت دماء، او دموع.. المهم فقط أن يتم المشهد بارشادات المخرج الامريكي..
ساحة الفردوس امام فندق فلسطين، بالضبط حيث كنت صباحاً.. من أجل القميص !
في المشهد كان هناك الجنود الامريكان ودباباتهم وقد انتشروا في محيط الفندق والساحة، وكانوا يتصرفون كما لو أنهم قد فتحوا عكــا – رغم عدم وجود أي قطعات عسكرية، أي متاريس، أي اكياس رمل حتى..
.. ورغم أن المسافة بين المكان الذي "فتحــوه" – والمكان الذي كانوا فيه أمس- عند جسر الجمهورية، هي مسافة بسيطة جداً، واستطيع اجتيازها ركضاً –رغم كرشـي- في عشر دقائق..
كانت المسافة قصيرة، وخالية من أي مظاهر عسكرية، مع ذلك انتظر الغزاة يوماً كاملاً قبل أن يقتحموا المكان..
كانوا يريدون أن يتجمع الصحفيون والمراسلون كلهم هنا، في هُذا المكان.. كانوا يريدون من كل الشاشات – فـي العالــم- أن تتوحد لتنقل صورة واحدة موحدة..
.. (كنتم أنتم الهدف في ذلك كله. أكثر مما كنا نحن . كانوا يريدونكم انتم – كانوا يقصدون اذلالكم أنتم، لقد اسرونا واذلونا وانتى الأمر – لكن هُذا المشهد كان يستهدف اذلالكم انتم – طيلة الاسابيع الثلاثة الماضية كانت عيونكم مصوبة نحونا، كانت قلوبكم مصوبة نحونا، كانت دعواتكم، وآمالكم واحلامكم تنصب علينا- لم تكونوا تتوقعون النصر المطلق طبعاً – لكنكم، مثلنا تماماً، كنتم- على الاقل تودون رؤية الوحش الكاسر وقد كسر صلفه، وتحطم أنفه..
كنتم قد حلقتم عالياً عندما رأيتم المقاومة، وكبرتم عندما سقطت طائرة وهللتم عندما طلب الغزاة المزيد من الامدادات، وبدا عليهم الترنح والتخبط لعدة مرّات..
كان لديكم أمل بأنه هناك ثمة أمل.
.. وحتى ذلك كان كثيراً على ما يبدو. ويجب –حسب الخطة- أن لا يكون لديكم أي شيء منه..




يتبع





لقد خفقت قلوبكم عندما رأيتم نقطة – مجرد نقطة على الحدود- تصمد لمدة أسبوعين، وانتشيتم عندما رأيتم البصرة تقاوم – والناصرية تضمد جراحها وتظل تحارب..
صار لديكم – خلال الثلاثة اسابيع الماضية- احلاماً، وآمالاً، وتوقعات.. وصلتم إلى قمة عالية،.. وجستم انفاسكم ترقباً، عندما وصل الغزاة إلى بغداد – وصلتم أنتم إلى أعلى نقطة من الترقب : لقد صمدت نقطة الحدود ولقنت الغزاة درساً، لابد أن بغداد –بغــداد !- ستقاوم أكثر، وستلقى الغزاة درساً أكبر..
وحبستــم انفاسكــم..
حسناً. اليكم الآن هُذا المشهد. وكلما كانت القمة التي وصلتم إليها مرتفعة أكثر، كلما كان ارتطامكم اشد ايلاماً.. وأكثر ايذاءً..
اليكم هُذا المشهد. سيحبطكم مائة عام او أكثر.
اليكم هُذا المشهد. أنه معد بأتقان من أجلكم وأجل آمالكم..)
جمعوا الصحفيين والمراسلين هنا. وجمعوكم أنتم حول الشاشات، وانتظروا حتى الساعة الرابعة عصراً –الواحدة بتوقيت غرينتش- حيث عدتم جميعاً من اماكن عملكم وكلياتكم ومدارسكم، إلى بيوتكم، ولم تخرجوا بعد منها..
نعم.. جمعوكم من اجل هُذا المشهد.. فراقبوه جيداً..
افتحوا عيونكم جيداً، واستسلموا للمشهد.. ولحقائق المشهد. هل قلتم أن لديكم أمل ؟. هل قلتم أن لديكم حلم ؟..
هُذا المشهد سيتكفل بكم : مرّة واحدة وإلى الأبد.
انظروا ما ستفعله بغــداد الآن. بغـدادكم. بغــداد عاصمة خلافتكم. بغـداد الرشيد والمأمون..
انظروا إليها جيداً. الحقيقة هي ماترون لا ما تسمعون. وما سترون هو هُذا المشهد الذي يغطي كل الشاشات، كل القنوات..
انظروا إلى ما سيفعله العراقيون. هؤلاء هم. هؤلاء هم الذين وضعتم آمالكم عليهم. فانظروا اليهم جيداً.
.. وموتوا بعدها لألــف عــام..
**************************
.. كان هناك في الساحة بعض العراقيين، ظهروا فجأة لا ادري من اين..
اود كثيراً لو اصدق أنهم ليسوا عراقيين. اود لو أصدق انهم مجرد كومبارس مأجورين من أجل متطلبات المشهد، مثل اولئك الاطفال المغاربة الذين اجروا من قبل البريطانيين من أجل أن يقوموا بدور اطفال عراقين وهم يلوحون بايديهم للمحررين..
اود لو اصدق انهم جاءوا اصلاً مع قوات الغزو – عراقيون او غير عراقيون- كما هو شائع ومتداول كمسكن للألم يتناوله الذين يؤلمهم ما حصل..
.. اتمنى لو استطيع تناوله انا ايضاً، اصدق و أنهي الأمر.. ..
.. اصدق أنهم عراقيون، وأسجل تحفظي فقط على تجمعهم هناك. المنطقة ليست سكنية اصلاً. والكثافة السكانية فيها –مســاءاً- قليلة اصلاً حتى في الاوقات العادية. فكيف والوقت حرب ؟. وكيف وقد كانت المنطقة خالية صباحاً ؟..
.. من أين جاء هؤلاء ؟ كيف علموا بما يدور وجاءوا ؟ لا ادري.. المهم أنهم جاءوا، ها هنا إلى ساحة الفردوس في قلب بغداد..
.. في طرف الساحة نصب، تمثال، قلت لكم أني طالما تحاشيت النظر إليه.. واقول لكم الآن أني قبل شهر واحد فقط –شهر واحد بالضبط- - 9/3- وقفت انا وبعض الاصدقاء والتقطنا الصور هناك في الساحة، كنا حريصين تماماً على أن لايظهر التمثال في الصور. لم يكن يمثل بالنسبة لنا إلا كل ما نكره، كل ما نريد أن نتحاشى، كل ما نريد أن نزيل، ونحطم..
لكــن ابداً ابــداً ليس تحت مظلة الغزاة-
.. وعندما ظهرت الصور، بدت ساحة الفردوس بلا ذلك التمثال، بلا ذلك الوثن، كما هي عقولنا.. كما هي قلوبنأ..
كانت الحرب على وشك البدء – بدءت بعدها بعشرة ايام وكل ذلك الضغط النفسي الذي مارسته الحرب الاعلامية كان هدفه أن ننزلق جميعاً- وقد انزلق البعض فعلاً – إلى واحد من خيارين : أما إلى جانب التمثال، الوثــن، ضم الطاغية المنصوب في كل مكان. وإما إلى جانب الغزاة..
نعــم. كانوا هم، يروجون لخيار كهُذا، من أجل أن ينتصر خيار الغزاة على الخيار الآخر..
وكان هو، ايضاً، الطاغية وتمثاله، يروج لخيار مماثل، يختلط فيه الوثن بالوطن، والتمثال بالعراق، من اجل أن ينتصر خيار الوطن – المشـوش بالصنـم- على خيار الغزاة.. كانا معا يسيران بخط واحد – بأتجــاه واحــد.. ، اتجاه يشغلنا عن خيار ثالث – خيـار آخر..
لا غــزاة ولا طغــاة..
خيـار يتجـه نحـو الوطــن..
للأسف، كثيرون وقعوا في المطب وتصوروا الخيار محصوراً بين ذلك التمثال القبيح – وبين اولئك الغزاة القبيحين..


وكثيرون تحرجوا من الاختيار عندما رأوه كذلك. وفضلوا الانتظار السلبي، على الاختيار المر..
البعض أنجر إلى الدفاع عن الوثن – متصوراً أنه يدافع عن الـوطــن..
والبعض سقط إلى جانب الغزاة مهاجماً الوثن – جاهلاً، او متجاهــلاً أو لا مباليـاً- أنه سيخسر الوطن..
هُذهِ هي حقيقة المشهد.. يوم السقوط..
اغلبية صامتة، مكممة، سالبة، تفضل الانتظار على الاختيار.. متجنبة عبء الاختبار –لأنها تعرف أن خيارها الاصلــي والحقيقــي غير مطــروح..
.. واقلية جاهلة – خلطت بين الوطن والوثن تماماً، واندفعت تدافع عن التمثال – الصنم..
.. واقلية جاهلة اخرى، اقر أنها اكبر عدداً من سابقتها، كانت قد اختارت اولئك الذين نصبوا الوثن وسلطوه، واختاروا الآن لسبب او لآخر أن يزيحوه، او يستبدلوه..
على هُذهِ الاقلية، التي اشدد أني لا ادري كيف علم بعض افرادها وجاءوا إلى ساحة الفردوس على هؤلاء ستركز العدسات وتصوب الانظار.. يوم السقوط، وسيقولون لكم، معممين : هؤلاء العراقيــون..
******************
كان من المفترض، حسب السيناريو المرسوم بدقة، أن الصورة ستغني عن التعليق..
وكان من المفترض أن يكون السيناريو صامتاً. فقط بعض الهتافات التشجيعية من الكومبارس – الأجيــر أو المتطــوع-.. ( لا فـرق كبير في النهايــة..).
.. وإذا كان لابد من تعليق، فلابد أن يكون على نمط التعليق على مباريات البسيبول الامريكية، مجرد تشجيع..
.. لكن، كان لابد للجزيرة، أن تشاغب.. كعادتها..
*****************
يقال أن الصحفيين ساديون بالفطرة.
اقول، خصوصاً اذا كانوا من"الجزيرة".
وعلى تفاصيل ذلك المشهد، انطلق ماهر ليعلق، بسادية مفرطة الحنان، مفرطة الفهم، مفرطة الهدوء..
انطلق ماهر، وصوته يعمل كمعول هدم – لا، بل كحفّار يغوص في اعماقك، ينكأ الجروح، ينكش الوساوس.. ويعرضها عليك في عمق عينيك – في عين الشمس- في قلب العراء..
.. كان ذلك المشهد سريالياً جداً، غريباً جداً، مليئاً بالرموز والدلالات.. وكان ماهر يعمل كمرشد سياحي، يفسر، ويؤرخ، وينظر..
.. كان سادياً بالفطرة.
.. وسادياً بالخبــرة.
*******************
.. في تفاصيل السيناريو، يقوم افراد من الكومبارس (الاجير أو المتطوع، قلنا لا فرق) بتسلق ذلك التمثال.. لغرض تحطيمه.. أو لغرض آخر غير معروف بعد.
.. الهدف من هُذا التفصيل هنا، هو أن تعلموا أنتم، كم هم اغبياء العراقيون..
.. انهم يحاولون تسلق التمثال الشاهق الارتفاع – الذي من الواضح تماماً أنهم لن يستطيعوا تسلقه..
-لكن سيأتي الحل من الغزاة.. بالصـدفة !-
كان عندهم بالصدفة طبعاً – ولاشيء غير الصـدفة- سلماً عالياً ليتسلق عليه اولئك العراقيون الذين لايعرفون ماذا يفعلون .
-ماذا كانوا سيفعلون لولا امريكا ؟– وحــده الله يعلـم- لكن ماذا يفعل هُذا السلم عند الافراد الاوائل من قوات الغزو ؟
أوه ! لعلهم فكروا أنهم سيحتاجونه في هُذا العمل أو ذاك. ربما فكروا أنهم سيبدأوا باصلاح اعمدة النور المعطوبة فور دخولهم إلى بغداد – أو ربما تصوروا أنهم سيجدون قطاً، أو كلباً أو طفلاً – فـي اسوء الحـالات- عالقاً في الطابق الثالث من عمارة ما، وسيساعدهم السلم هذا على انقاذه..
نعم، هُذهِ هي الاغراض التي من اجلها يوجد سلَّم مع تلك الكتيبة التي اقتحمت وسط بغـداد..
ربما لهم فيه مآرب أخــرى ؟؟
نعــم. ربما. لكن لا تسرحوا بعيداً في خيالاتكم التآمرية، التقليدية. تفرجوا فقط وكونوا مهذبين وتستطيعون أن تخفضوا الصوت أذا كان ماهر يشوش عليكم بتعليقاته..
.. السلَّم اذن،من تلك الدبابة التي ستبدوا فجأة مثل قبعة الساحر فيها كل ما يحتاجه المرء عندما يكون في قلب مشهد سينمائي كهذا
يتسلق على السلم اثنان من العراقيين. ثم يكملان تسلقهما – بالصعود واحد فوق الآخر- وصولاً إلى القمة- إلى الهاويــة .. إلى ادنى درجة في ادنى درك في الهاويـة..
رأس الطاغيــة..



يتبع

Romantic Flower
, Wed, 17 Oct 2007 13:56:56 +0200
ستحبسون انفاسكم ترقباً. كما لو كنتم تشاهدون فلماً من افلام السيرك، في اللحظة الحاسمة، عندما يتعلق اللاعبان ببعضهما البعض –عنـد ذلك الحبـل الرفيـع- والاسود تحت قد فتحت افواهها..
.. لكن، لماذا الترقب ؟.. ماذا عساه أن يحدث ؟.. وماذا سيفعل هؤلاء وايديهم عزلاء..
سيقول هنا ماهر ما لن تنساه، رغم قسوته، ستصادق على قوله، ستهز برأسك موافقاً..
سيقول، بطريقة اقسى ما فيها برودها، بسادية اذكى ما فيها هدوءها، بطريقة عادية تماماً.. عن هؤلاء المتعلقين بعنق الصنم، انهما – الآن وحالاً لو مرَّ الطاغيـة – بشحمــه ولحمــه- امامهما، امام الحشود، لهتفا له وناديا بحياته، واكدا، عبر الهتافات والاهازيج، انهما سيفديانه.. بالــروح .. وبالــدم ..
كان ذلك صحيحا إلى حد بعيد جداً. أنها النفسية التي نعرفها جيداً، التي وخبرناها جيداً..، أنها نفسية التصفيق لكل منتصر.. ونفسية الهتاف لكل غالب، نفسية النعيق مع كل ناعق..
لكن الطاغية لم يمر. لا بشحمه ولا بلحمه.. ولا بظله.. لم يكن ذلك جزءً من خطة السيناريو المرسوم بدقة..
لكن السيناريو كان يتجه بأتجاه آخر..
ففي اللحظة الحاسمة، عندما وصل واحد من المتسلقين إلى رأس التمثال، وحبسَ المشاهدون من امثالكم انفاسهم ترقباً لما سيحدث.. ستمتد يد من ايدي الجنود الغزاة، وهي تحمل العلم الامريكي، هناك قريباً من رأس الطاغية..
و وضعها على رأس التمثال…
سيذهلك المشهد. قد يبهرك. قد يجرحك. قد يصدمك. وقد يسيل دموعك..
لكن، عندما يلتف رأس الطاغية، بذلك العلم الامريكي، ويقف الصنم مشدوداً قائماً وقد غطى العلم الامريكي ملامح وجهه.. ستفهم للمرّة الاولى، الحقيقة في كل ما جرى..
ستفهم –ربما- للمرّة الاولى، أن كل تلك الوجوه التي ارتداها الطاغية لم تكن سوى اقنعة، وانه للمرة الاولى يستعد وجهه الحقيقي الذي لم تظن قط أنك ستراه بهذه الصراحة. بهُذا الوضوح.
.. كان الأمر دوماً مجرد تحليل. مجرد استنتاج. مجرد خبر متسلل من وثيقة استخباراتية هنا أو هناك..
أما الآن، فالامر صريح وواضح، وها هو الطاغية يرتدي هويته الاصلية.. ويظهر بوجهه الحقيقي – بعيداً عن كل الاقنعة.. بعيداً عن كل الشعارات.. ستكون لحظات دهرية خاصة. لحظات تكشف الحجب الحقائق والاسرار..
ستتذكر، أن تقاليد الغزاة في مراسيم دفن قتلاهم وشهدائهم تقضي بأن يلتفوا بالعلم الامريكي..
وستحاول أن تذكر، هل رأيت مرّة اخرى، احداً آخراً، يلتف بالعلم الامريكي، ما لم يكن عسكرياً امريكياً قضى حياته في خدمة ذلك العلم ؟
ابداً. أنها طريقتهم في التعامل بأحترام وتوفير وتبجيل مع موتاهم ،مع شهدائهم..
لماذا العلم يلف تمثال الطاغية اذن ؟
لا غرابة. أنه شهيدهم ايضاً بطريقة ما. ولم يحدث قط أن خدم هُذا العلم جنرال، كما فعل هُذا الطاغية.. لقد اوصلهم إلى هنا، إلى قلب بغداد، إلى عاصمة الخلافة، حيث تنظرون، حيث كنتم تنتظرون..
لكنه لم يمت بعد.. لماذا يعاملونه كشهيد ؟.
نعم. انه شهيد ايضاً بطريقة ما. لقد انتهى دوره بعدما وصلوا إلى هنا. من الصعب جداً آن يجدوا له دوراً آخراً في السيناريو.
لقد انتهى . احترق. وريثما يجدون له تصريفاً مناسباً، سيعاملونه –امامكم، أمام اعينكم، واثقين من غبائكم- كشهيد..
لكن للحظات فقط.
بعدها، ستمتد يد لتزيل العلم الامريكي. انهم يعرفون حساسيتكم المفرطة من الاعلام، يعرفون اهميتها بالنسبة لكم، أنكم مولعون بأحراقها في التظاهرات ومن ثم تقومون بسحقها باقدامكم كما لو كنتم تصدقون انكم سحقتم الدول التي تمثلها..
نعم. الاعلام مهمة بالنسبة لكم. ولا داعي لرفع العلم الامريكي الآن، لقد جاءوا محررين لامحتلين كما تعلمون – وهُذا العلم المرفوع قد يشوه ويشوش على هُذهِ المعلومـة.. فلا داعي له..
سيقولون، عن رفع العلم الامريكي فوق التمثال، أنه خطأ غير مقصود –كما قالوا سابقاً عندما صرحوا أنها "حــرب صليبيــة" – أنهم واثقون أنكم طيبون وستصدقون تفسيراتهم بأنها مجرد زلة لسان. بأنه مجرد خطأ غير مقصود. في الحقيقة أنهم واثقون أكثر بأنكم لا تقرأون ولا تفهمون ولا تعلمون أن زلات اللسان – والاخطـاء غير المقصودة- هي في حقيقتها دلالات نفسية جوانية شديدة العمق. شديدة العمد.. وشديدة الصراحة..




أنه خطأ غير مقصود.. لكن لا بأس أن تفهموا، أن فهمتم، وأن تعوا، أن وعيتم، أنه العصر الجديد وقد جاء إليكم – وأن عصر الطغاة المستبدين قد انتهى، وأن عصراً آخراً، هو عصر الاستبداد الامريكي قد جاء، وهُذا –للحظات- صنمه.. ورمزه.. وتمثاله..
للحظات سيبدو التمثال-بوجهه الجديد –الحقيقي،و هو يتحدث اليكم ،يقول لكم، انا امريكا، انا ربكم الاعلى..
للحظات فقط.تكفيكم ان تفهموا ، اذا كنتم ستفهمون..
و اذا لم تفهموا وقتها،فلديكم متسع من الوقت لتفهموا
(اعماركم كلها..)
إزيل العلم الامريكي اذن..
وأنت غارقة‘’ في الدهشة، سيخرج واحد من المتسلقين العراقيين، علماً عراقياً، من جيبه، وسط التصفيق والتهليل الجماهيري..
حسناً !،ستتفهم أن يحمل الغزاة علمهم عندما يقتحمون عاصمة ما، لقد حملوه معهم حتى عندما وصلوا القمر، وعملوا على اداء بعض الخدع من أجل أن يبدو كما لو كان يرفرف هناك –مع العلم أن لا هواء في القمر كان سيجعله يرفرف- لكن ضرورات جماهيرية سينمائية جعلت العلم الامريكي يرفرف بشدة على القمر..
نفهــم ذلـك..
لكن ماذا يفعل العلم العراقي، بنسخته القديمة، في جيب هُذا المواطن العراقي، الذي يفترض أنه جاء بطريقة عفوية إلى هنا ؟..
علم بلادك قد يكون في قلبك. في عقلك. قد يكون في ضميرك وفي دفاتر اولادك. لكن أن يكون في جيبك ؟. وبنسخته القديمة التي مضى عليها أكثر من عشر سنوات ؟.
أنه أمر لم يحدث معي . ولا معكم. على ما أظن..
لكن دعونا نصدق أنه قد حدث. وأن هناك هُذا المواطن وقد خرج ليتمشى من منزله، ربما بعدما شرب الشاي، عصر ذلك اليوم، وفي تلك الحالة شديدة الحراجة من الناحية الأمنية، وقبل أن يخرج، تذكر أن يضع ذلك العلم – بنسخته القديمة- في جيبه.. لعله ينفع..
هل تصدق ذلك ؟ ولم لا؟. مصادفات كهذهِ تحدث في الحياة. كما تحدث في الافلام الهندية. والافلام العربية. وايضاً الافلام الامريكية. وحياتنا اليوم فلم امريكي. فلم لا نصدق؟..
هل تشمون رائحة مؤامرة ما؟. أوه، بالتأكيد . المشكلة في انوفكم. أنها تشم المؤامرة في كل شيء. تشم المؤامرة خلف كل حدث. وماذا لو كان هُذا المواطن لديه بالصدفة علم في جيبه، وبالصدفة كان هُذا العلم بالنسخة القديمة – دونما تلك الاضافة التي اضافها الطاغية قبل أكثر من عشر سنوات.. لا تصدقون ذلك. تلك مشكلتكم وسواء صدقتم، او لا ، فهذا ما يحدث..
ماذا ؟هل تقولون ان وسائل الاعلام نقلت صورة واحد من هؤلاء المتسلقين-و هو يقف كحارس شخصي لواحد من زعماء المعارضة الذين وصلوا العراق قبل يومين فقط..؟
انتم متطرفون و تتابعون وسائل اعلام متطرفة..
تقولون انها السي.ان.ان و ليست الجزيرة؟
السي ان ان متطرفة ايضا .و انتم لا فائدة منكم. شاهدوا و انتم ساكتون..
.. ها هو العلم العراقي، بنسخته القديمة، يعلو تمثال الطاغيـة..
لا. ليس يعلو بالضبط. لسبب ما، لن يغطي العلم وجه الطاغية، فقط يلتف حول عنقه-بارتخــاء..
سيعلق ماهر عن كون العلم يبدو كما لو كان ربطة عنق !..
سيبدو الأمر هزلياً. الشهيد الامريكي وقد ارتدى العراق، كربطةٍ في عنقه..
بعدها سيحاول المتسلقون، أن يربطوا ذراع التمثال، وجزء من جذعه بحبال – لا تدري أي صدفة جلبتها لهم- وسيحاولون جادين.. سحب التمثال..
سيستغرق ذلك وقتاً غير قصير. سيتكالبون ، عراقيون على الاغلب، على السحب والربط.. دون جدوى..
سيأتي صوت ماهر ليعلق على نواحي الركاكة والضعف في محاولات الإسقاط اليائسة..
ستنقل الشاشات ذلك بكل تفاصيله. انظروا إلى العراقيين. أنهم غير واقعيين. غير ملمين بالحقائق. انهم خياليون. غير مدركين لحجم امكانياتهم ولا لحجم العوائق التي تواجههم..
أنهم جاهلون، يتصورون أن بأمكانهم ازاحة ذلك التمثال الضخم –هائل الحجم- المثبت على منصة عملاقة، بمحض ايديهم.. بمحض حبال مهترئة – لابد من مساعدتهم. لابد من القيام عنهم بأعمالهم بدلاً منهم..
ستشاهدون ذلك. وستشهدون على ذلك..
العراقيون لايمكنهم فعل شيء. لابد لأحد أن يساعدهم..
وستأتي تلك الرافعة العملاقة –الامريكيــة طبعا- خارجة من نفس الدبابة القادرة على اداء كل الحيل السينمائية، لتقوم بما فشل به اولئك الفاشلين..
هل تشككون بتلك الدبابة و بطريقة مجيئها ؟ -أي صدفة جلبتها في تلك الساعة، مع تلك الكتيبة التي يفترض أنها كانت ستواجه بمقاومة عسكرية ضارية ؟.




يتبع







لا تزالون ترون المؤامرة في كل مكان ؟! ابقوا كما أنتم ! ابقوا بهذهِ العقلية ! أنتم ايضاً فاشلون. انتم ايضاً اغبياء. لا أمل فيكم – لا جدوى منكم. كفوا عن التساؤل والتفكير وتفرجوا على ما تشاهدون ولا تفسدوا هُذا المشهد نادر الحدوث والسيناريو المرسوم بدقة..
سيقول هنا ماهر، شيئاً دامياً، شيئاً سادياً مروعاً، سيقول، والرافعة الامريكية تكاد تنجز في لحظات، ما عجز عنه العراقيون في عقود
"يبدو أن العراقيين لم يفشلوا في اسقاط الطاغية وحسب. ولكنهم فشلوا حتى في اسقاط تمثاله، واحتاجوا إلى الامريكين حتى في ازاحة تمثاله".. صحيح يا ماهر. صحيح. ما قلته، رغم ساديته، رغم صلفه، رغم ما يبدو أنه وقاحته، لكنه صحيح..
ولكن، آه يا ماهر لو تعلم. آه، لو تعلم –وربما كنت تعلم- كيف حصل هُذا الفشل، وكم جرَ هُذا الفشل، وكم دفع العراقيون ثمناً لهذا الفشل.. آه، يا ماهر .. لعلك كنت تعلم.. أو لعلك لا تعلم.. لكن ذلك الفشل في ازاحة الطاغية كان دوماً –بطريقة أو بأخرى- لأنهم هم انفسهم،الذين يزيلونه الان، قامــوا بحمايتـه..
آه يا ماهر، هل ستصدق ؟ هم الذين زرعوه، وقووه واسندوه.. هُذا الصنم هم الذين نصبوه –وراقبوه من بعيد وهو يدمر البلاد و يستعبد العباد..
ثم، لسبب او لآخر، قرروا أن يزيحوه، فازاحوه.. ودمروا البلاد واستعبدوا العباد في خضم ذلك..
لكنك محق يا ماهر، أنت محق، لقد فشلنا في الازاحة. الطاغية كذلك.. وتمثاله..
وها نحن مقبلون على دفع ثمن باهظ لهذا الفشل..
.. في لحظات، كانت تلك الرافعة تنجز العمل..
لن يسقط التمثال. بل سينكسر قرب ساقيه. وسيبدو مجوفاً من الداخل. لن يدهشك ذلك. ابداً. لقد كنت تعلم دوماً أنه فارغ من الداخل وأنه هش رغم صلابته المظهرية..
وبينما ستسحب الرافعة جثة التمثال، والجماهير ستنفس عن مشاعرها عبره..
سينبهك ماهر إلى شيء ربما لم تنتبه له بقية الكاميرات.
سينتبه إلى الساقين الغاطستين في المنصة، وسيقول شيئاً سادياً – كالعــادة- سيقول، ربما ستكون جذور الطاغية عميقة في الاسمنت العراقي..
.. أنه ماهر فعلاً، هُذا الماهر، ماهر في انتقاء الكلمات. في نكش الجروح، في تعرية السيناريو المرسوم بدقة، كما في الافلام..
أنه ماهر حتى في انتقائه للصمت.. عندما يكون الصمت كلام..
لن يجاري مهارته في الكلام. إلا مهارته .. في الصمــت..
**************
لكنك مع ذلك مخطئ، يا ماهر..
جذور الطاغية لن تكون عميقة في الاسمنت العراقي – كما تتصور، أنها في الحقيقة، عميقة فيما هو أعمق بكثير من مجرد الاسمنت..
جذور الطاغية – هي جذور أي طاغية سابق ولاحق- هي جذور الطغيان والاستبداد العميقة عبر العصور، العريقة عبر القرون..
جذور الطاغية يا ماهر، هي نفسها دوماً، جوهرها على الاقل ثابت دوماً، تتغير التفاصيل تتجدد الاساليب.. لكن الطغيان يبقى محتفظاً بثوابته.. بجوهره..
تستطيع أن تسأل بغــداد عن ذلك يا ماهر. أنها خبيرة في ذلك. تاريخها كله يحكي ذلك. لا تصدق ابداً أنه كان هناك عهد بلا طغيان. لا. فقط كانت هناك عهود.. تبدو بالمقارنة مع سابقاتها او لاحقاتها أقل طغياناً..
.. ولعلك لاتعرف، يا ماهر، أننا نحن الذين نصنع من طغاتنا ما هم عليه من طغيان..
أنهم يبدءون عادة طغاة صغار. لن انكر انهم مؤهلون لذلك. لكن طغيانهم يكبر عندما يواجهون خنوعنا، خضوعنا، استسلامنا وسلبيتنا..
نعم. ليس الطغيان قصة استفراد الطغاة بشعوبهم فقط – لكنه ايضاً قصة استسلام الشعوب لذلك..
تلك هي المعادلــة يا ماهـر..
وتلك هي القصة التي تكررت على مر العصور في تاريخنا. اياك أن تتصورها حكراً على بغداد. اياك أن تتصورها حكراً على أسم الطاغية.
أنها ثابت شديد التكرار. أنها عامل مشترك أكبر.
..وبغــداد –عاصمة الخلافــة- كانت مجرد رمز لكل وكل ذلك –تمر به كل المدن، من المحيط إلى الخليج- من الجرح إلى الجرح.. من الوريد إلى الوريد..
.. ليس الاسمنت العراقي فحسب. ولكن اسمنت التاريخ الذي ورثناه، اسمنت المفاهيم المتراكمة البالية التي اوصلتنا إلى ما وصلنا إليه..
أسمنت الارث العريض من السلاطين ووعاظهم وفتاويهم ومنابرهم وجرائمهم المبررة طبعاً بفتاوي الاستبداد..
اسمنت الكرب والبلاء.
اسمنت طاعة اولي الأمر. مهما كانوا. اسمنت الدعاء لأولي الأمر. مهما كانوا. اسمنت الدعاء للسلطان الغالب. والدعاء على السلطان المغلوب..
اسمنت التصفيق للمنتصر. والسحل للمهزوم..




اسمنت الالقاب الرنانة : من ظل الله على الارض، إلى الحاكم بأمره، إلى الملك المفدى، إلى الزعيم الاوحد، إلى القائد الضرورة..
أنه الاسمنت القابع في نفسياتنا جميعاً.. أنه موجود فيك، كما هو موجود في، كما موجود في المشاهدين –اولئك الذين صدقوا الوثن وآمنوا به، و اولئك الذين آمنوا أن لن يزيحه إلا الغزاة..
.. الجذور فينا جميعاً يا ماهر.. عميقة فينا –عريقة فينا – وهو أمر لن يغيره إلا شيء في داخلنا. شيء يتبع من اعماقنا. شيء يفهم تاريخنا ويفقه تعقيدات تضاريسنا..
أنه شيء، لن تستطيع دبابة – حتى لو كانت امريكية- أن تفعله، هُذا إذا افترضنا جدلاً أنها تكترث أن تفعله..
أنه شيء علينا أن نواجهه بأنفسنا.. ونتحمل نتائجه بأنفسنا..
ولا شيء غير هُذا..
*******************
سقط التمثال ؟..
فألى الجحيم اذن. إلى اسفل درك في غياهب الجحيم. مصحوباً بلعناتنا، مصحوباً باسوء دعواتنا..
كل ما فعلته من سوء، ياسيدي الطاغية، - وكل افعالك سيئة بالمناسبة- كان في كفة، لكن ما فعلته الآن، عندما سلمتنا، كان في كفة اخرى..
الناس، ياسيدي الطاغية، في بلدك –اقصد البلد الذي تحكمت بمصائر ناسه واستعبدتهم لعقود- ناس طيبون. لقد تعودوا المغفرة، تعودوا النسيان. تعودوا التعود على الطغيان..
اكثر من ذلك، وقد تعتبر جنابك أن تلك بلاهة ما بعدها بلاهة، انهم تعودوا أن يترحموا على طغاة ليست في قلوبهم قطرة رحمة، وأنهم تعودوا أن يبكوا على طغاة طالما ابكوهم..
ناسك ياسيدي الطاغية، وانت لم تتسنى لك أي فرصة لتعرفهم – كانوا مستعدين دوماً لأن يغفروا لك- ولسواك من الطغاة.. لقد تعودوا على ذلك. تقولبوا على ذلك. جبلوا على ذلك..
كان يمكن لرعاياك أن يغفروا ثراءك الفاحش. رغم فقرهم المدقع .. كانوا سيقولون أنها هيبة الدولة.. وهيبة مسئولي الدولة..
.. وكان يمكن لرعاياك أن يغضوا النظر ولو بصعوبة عن قوافل المعدومين .. المظلوميــن..
اولئك الذين اختطفتهم زبانيتك واودعوهم قاعات التعذيب من ثم ساحات الاعدام.. احياناً، من أجل لا شيء، فقط من أجل أنهم –ربمــا- ضحكوا على نكتة تمس قداستك..
نعم، رعاياك كان يمكن أن يغضوا البصر – ولـو بصعوبــة- عن ذلك، كان هناك من سيغص .. ويتجرع العلقم.. ويقول .. أنها سياسة دولة..
.. رعاياك كان يمكن أن يتظاهروا أنهم نسوا تلك المقابر الجماعية – وحروب الابادة التي مارستها ضدهم- كانوا سيفضلون الستر. كانوا سيجزون على اسنانهم ويختارون الستر..
.. نعم، كان يمكن لرعاياك أن يبرروا كل فظائعك واخطائك، كل حماقاتك.. حتى حروبك الحمقاء التي دفع الملايين حياتهم ثمناً لها.. ستجد من رعاياك، بالذات من المكتوين بنارها – من يقول أنها ظروف دولية جرتك إلى ما فعلت، وأنه فخ نصبوه لك.. الخ .. الخ..
كل شيء. كان رعاياك مستعدون لتبرير كل شيء.
لكن الشيء الذي فعلته، هو أنك اوغلت في كل شيء، إلى أن اوصلت شعبك إلى ما وصلوا إليه..
الشيء الذي لن تنساه الرعية، ولن تغفره الرعية –ابــداً- انك اوصلتها، اوصلت بعضها على الاقل إلى الترحيب بالغزاة..
.. الشيء الذي لن ينساه الشعب، ابداً، انك –أنــت- أنت وليس غيرك.. من أوصل الغزاة إلى هنا.. قلــب بغــداد.. ساحة الفردوس..
كل شيء في كفة.
وهُذا في كفة اخــرة.
..ولا تــوازن..
***********************
بالمناسبة، قل لي ياسيدي الطاغية، بكم، ياترى، بعتنا ؟. بكم يا ترى بعت الرعية ؟.
بعتنا بنجاتك ؟. بعتنا بحياتك ؟. بقصر في مشتى سويسري فاره. أم بجزيرة غامضة استوائية الملامح ؟.
بكم بعت شعبك الطيب المسكين، شعبك الذي اوصلته إلى ما وصل إليه، شعبك الذي ابدت واستعبدت واذللت – اظنك ستشتاق إليه – بكم بعتــه ؟.
بارصدةٍ سرية ما، في بنك ما – في دولةٍ ما ؟؟..
أم بكل تلك الوثائق، والسكوت عما فيها ؟؟..
لا أدري..
ولا اظنك إلا قد بعتنا بثمن ما. (بثمن بخس. دراهم معدودة)


يتبع

Romantic Flower
, Wed, 17 Oct 2007 13:59:52 +0200
.. ولا ادري كيف امنت لهم ؟.
اعني كيف امنت من غدرهم – وأنت سيد العارفين، وأنت سيد الغادرين، هل غدر بك ذكاؤك وتصورت أنهم سيتركون دليلاً ما على جريمتهم ؟.
ابداً، في تفصيل من تفاصيل الخطة، سيغدرون بك. وسيتخلصون منك – دون أن يجعلوك شهيــداً. لن يمنحوك هُذا الشرف. انهم يعلمون أن رعيتك الطيبة الساذجة تقدس الشهداء..، لذلك لن يمنحوك هُذا الشرف..
بطريقة ما سيتخلصون منك..
ريثما يحدث هُذا، اقول لك : تبــاُ لك..،و لتمثالك..
.. ولكن ايضاً، تبــاُ لنـا..،لأننا خضعنا لأمثالك..
**********************
عندما سقط التمثال، وانتشر خبر سقوطه في المدينة، سقطت معه كل هيبة لسلطة أو قانون أو حتى عرف..
كان هناك ذلك الترابط المتعاقب الذي رسخ لعقود سابقة في نفوس الجماهير، القانون هو العقوبة – والعقوبة هي ذلك الرجل الذي حكم بالحديد والنار- وتمثاله رمز لسلطته الجاثمة على الصدور والاذهان..
.. وما أن سقط التمثال، حتى انهارت معه توابعه.. لا عقوبة.. إذن لا قانون..
.. سقط التمثال، وسقطت معه المدينة في وحل السلب والنهب. تفتقت الجدران والشقوق والانفاق عن الوف الجرذان وهي تفترس كل شيء في المدينة – كـل شيــئ..
انطلقت الجرذان الادمية لتنهب وتسلب وتحرق كل ما تصل إليه. لم يبق حجر على حجر في مبنى أو مؤسسة أو منشأة حكومية – لا فرق ذلك بين مستشفى او مدرسة او وزارة.. لا فرق في الاشياء المسلوبة بين ما خف حمله وغلا ثمنه وبين ما ثقل حمله ولم يكن له أي ثمن او قيمة..
.. ساعات تلو ساعات.. يوم تلو يوم، والمباني تتعرى من أثاثها، من اجهزتها الكهربائية، من سجادها، ثم من سقوفها الثانوية، من الزجاج، من النوافذ، من الاسلاك الكهربائية، من مواسير المياه.. حتى من الحديد في الاساس..
هل تتصورون أني بالغت عندما قلت لم يبق حجر على حجر ؟. ابداً. بعض المباني سرق حتى الحجر. حتى البلاط. حتى حديد الاساس. بعض المباني تمر امامها ولا تعرفها، تقف وتحاول أن تتذكر، ماذا كان هناك، عبثاً، ليس سوى ذلك الهيكل المتداعي وقد تعرى من جدرانه واثاثه ونوافذه..
.. وبعض المباني، التي نجت من القصف والتدمير، حرقت مراراً وتكراراً حتى انهارت تماماً كما لو كانت قد قصفت باشد انواع الصواريخ تدميراً..
.. ولقد فتح الغزاة افواههم فاغرين من الدهشة. لم يتوقعوا ذلك. أو أنهم توقعوه ولكن ليسَ إلى هذهِ الدرجة. كانوا يريدون مشاهد سينمائية تسوق نصرهم وتروج ذلنا –وتحبطكم بالمرة- لكننا اعطيناهم ما ارادوا وأكثر بكثير.. لم يصدقوا أننا نفعل ما نفعل. وقفوا مصدومين، مصعوقين..، هل يحدث هُذا حقاً ؟.. هل نعطيهم هُذهِ المشاهد ليسوقوها، ويروجوها ويذلوكم ويحبطوكم بها.. هؤلاء هم العراقيون اذن. هؤلاء هم المسلمون اذن. فليأت الكل ليتفرج. فليأت الكل ليتقزز. هل هناك من أحد لايزال عنده أمل.. هل هناك من أحد لا يزال لم يرفع الراية البيضاء. أنهم لم يهزموا فقط. ولم يرحبوا فقط، ولكن انظروا إلى ما يفعلون..
.. وستطيب لهم الهدية التي منحناهم اياها. وسيعلمون اذن على تكريسها وتطويرها. ربما لم يكن السلب والنهب في خطتهم الاساسية. لكنهم قاموا بتعديلها..، وصار السلب والنهب اساساً في الخطة، صاروا يقومون –بمدرعاتهم- بتحطيم ابواب المؤسسات التي لم تطالها ايدي السلب والنهب ويتركونها مفتوحة لتدخل الجرذان الآدمية وتقرض كل شيء فيها..
وقال من قال منهم – من كبار مسئوليهم- أن العراقيين أنما يعبرون عن فرحتهم بسقوط الطاغية.. – وكانوا يريدون أن يكرسوا تلك الصورة التي روجت عنا : أنما العراقيين يعبرون عن انفسهم – عن حقيقتهم- عن بعدهم عن أي تحضر، أي تخلق، أي تدين..
.. و وقفنا نحن أيضاً، فاغري الافواه، مدهوشين، ونحن لا نكاد نصدق ما يدور، لا اقول أننا لم نكن قد توقعنا ما حدث، لكن ابداً ابداً ليس الى هُذا المدى من الانحطاط..
.. سنغرق مرة بعد مرة في خجلنا. لن نعرف بأي شيء نداريه. يأتي تراب ندفن انفسنا. سنغلق على انفسنا الابواب. واحدة تلو الاخرى. وسنغلق النوافذ. ونسدل الستائر. لا نريد أن نرى احداً. لا نريد لأحد أن يرانا. لا نريد أن نسمع ما يدور في الخارج. ولا نريد أن نرى ما يدور. نريد أن تسدل اجفاننا على عيوننا – ولا نفتح ابداً. ابــداً.
نشك بالجميع. وربما الجميع يشك بنا ايضاً. كل شيء ينقلب رأساً على عقب، عدة مرات. لا مقياس واضح في رؤية الامور. بعض أفقر الفقراء ينأون بأنفسهم عن أخذ اتفه الاشياء. وبعض اغنى الاغنياء يصدمونك بأنهم لايستترون من سرقة اتفه الاشياء –جهاراً ونهاراً- امام عينيك.. أمام اعين الجميع.. امام الله.
لا تفهم لماذا. لاتفهم كيف. لا نفهم لماذا وصلنا إلى هُذا الدرك . ولا كيف لني يفيد الفهم بكل الاحوال. لن تنجح نظريات علم الاجتماع ولا فلسفات علم النفس التي ستسفح لتفسير الظاهرة – في التخفيف عن كاهلك- في التخفيف من خجلك..




.. وعندما ستسمع للمرة اولى شخصاً يقولها –صراحة- أنه يخجل لأنه عراقي، ستؤلمك جرأته وصراحته. ستؤلمك الكلمة كسكين في خاصرتك. كموس جارح عالق في قصباتك..
سيؤلمك أكثر أنك تشعر بهُذا الذي يشعر به. لكن يؤلمك أن تقوله..
.. وعندما ستسمع ثانياً وثالثاً من يقولها ستصاب بردة فعل عكسية من هُذا الخجل
–لماذا نخجل- إذا كنا لم نسرق، وإذا كان كل اقربائنا واصدقائنا وكل الذين نعرفهم – لم يسرقوا.. فلماذا الخجل ؟..
ستسأل نفسك – إذا كانت أنت نفسك قد سقطت في التعميم، وشعرت بالخجل من كونك عراقي.. فماذا عن الآخرين، في الخارج، اولئك الذين تكون عقولهم تلك الشاشات.. وعلى تلك الشاشات صور ابناء شعبك.. وهم يفرغون المؤسسات من كراسيها.. من بلاطها.. من كل متاع فيها.. على الشاشة صور حتى النسوة، من المحجبات وباللباس التقليدي، وهن يحملن ما سرقته من اجهزة..
.. إذا كنت قد سقطت في هُذا الفخ الذي نصبته الشاشات، وشعرت بالخجل، فماذا يشعر به الآخرون نحوك غير الاحتقار ؟؟.
*************************


صباح الاحتلال الاول : تجربة لا أتمنى لأحد أن يمر بها.
صباح الاحتلال الاول، تفتح عينك على ما تتمنى أن يكون كابوساً وانتهى، تفتح عينيك وأنت تتذكر حوادث الامس و تتمنى أنها كلها لم تحدث. كلها كانت مجرد كابوس وانتهى بمجرد أن تفتح عينيك.. للأسف لا. ستنتظر أن يصحح دماغك ما تشعر به، ويقول لك : لقد كان مجرد كابوس..
ابداً. لااحد يصحح لك شيئاً. أنه حقاً صباح الاحتلال الاول. ماذا ستفعل ؟. هل ستقول : صباح الخير ايها الاحتلال ؟..
ربما ستغلق عينيك من جديد، ترغب في النوم مرّة اخرى –ترغب في الهروب وتعطي فرصة لأن يكون كل شيء قد تغير عندما تفتح عينيك مجدداً. قد تنجح في النوم – لكن ستفشل في الهروب : وعندما تفتح عينيك، ستجد الاحتلال لايزال جاثماً.. ستجده لايزال قائماً، ولم يستفد من تلك الفرصة التي منحته اياها..
.. نعم. أنه الاحتلال . وبلدك بلد‘’ محتل . وأنت تنتمي لشعب محتل..
.. وهُذا هو يومك الاول فيه. تستطيع أن تعد الايام أن شئت..



يتبع




.. ولعــل العــد سيطــول..


ستقول لنفسك لا، لعله لن يطول، لعلهم لن يطيلوا البقاء..، ويخرجون.. وينتهي هُذا الكابوس..
ستهمس نفسك لنفسك، لعل سكان القدس قالوا لأنفسهم شيئاً كهذا – في صباح الاحتلال الاول- الذي مرّوا به – ثم انظر إليهم. لايزالون يعدّون الايام حتى اليــوم..
سيؤلمك هُذا الربط بين بغداد والقدس. سيجعلك تشعر بأنه ليس من أمل. ليس من جدوى. سيزيد من احباطك احباطاً ويأساً..
(.. وايضاً ستشعر بالخجل من طرف خفي.. لم يتصرف ابداً سكان القدس كما تصرف بعض سكان..)
.. ستحاول النهوض. سيدهشك كم هو صعب الأمر. سيدهشك كم تحتاج من جهد. هل زاد وزنك ؟. ابداً. لقد خف. لقد اصبحت بلا وزن ولا قيمة. انما الثقل من تلك الاغلال والسلاسل التي تقيدك من قدميك، من ساقيك، كفيك، من اذنيك.. حتى من عينيك..
.. ستكون محبطاً ولن تقوى حتى على سماع الاخبار. ستشعر أن الأمر انتهى. انتهى. وأن سماعك الاخبار لن ينفع – فضلاً عن أن تجد خبراً يهمك أو يثير حماستك أو أي نبض من حياة في عروقك..
لن تتوقع –ابــداً- أني يظهر على الشاشة المذيع ليعتذر عن الخطأ الذي حدث أمس، "ولقد اتضح أن بغــداد لم تسقـط بعــد"..
بـل سقطت .. سقطت .. سقطــت..
يقولون لي، أن اشغل المولد الكهربائي، من أجل مشاهدة الاخبار. اتساءل : أي أخبـار ؟– أي خبر سيكون مهماً بعد سقوط بغداد .؟
يردون عليَّ بان الاعظمية لم تسقط بعد. وماذا عساها أن تفعل الاعظمية يا ترى ؟. وماذا عساها أن تفعل غير بعض الاطلاقات هنا أو هناك – يرد عليها بأحسن منها.. ثم ينتهي الأمر..
لقــد انتهى الأمــر..
أنه الاحتلال. وهُذا هو صباحه الأول..
صباح اليأس ايها الاحتلال. صباح الاحباط، صباح الغثيان ايها الاحتلال المرير.
*******************
اشغّل المولد الكهربائي. يدهشني أنني احتاج إلى مولد يبث الكهرباء في داخلي اكثر بكثير مما تحتاج الاسلاك الميتة.. أحتاج إلى الطاقة. إلى الوقود.. احتاج إلى شيء يبعث الروح في داخلي..
اتساءل مع نفسي اذا كنت قد مت ولم ينتبه أحد للأمر.. اتساءل إذا كنا قد متنا جميعاً –دون أن ننتبه جميعاً للأمر..
لاشيء في الاخبار. لا شيء غير التكرار والاعادة والصقل. لاشيء يقول شيئاً جديداً. او حتى شيئاً غير جديد..
بلى . هناك شيء جديد..
كانت معظم القنوات التي خصصت مساحات اوقاتها لمتابعة اخبار الحرب، تضع، على طرف شاشاتها ما يشبه المفكرة الصغيرة، تستبدل رقماً كل يوم، يزيد طبعاً، مع مسير الايام..
اليوم، صباح اول يوم من الاحتلال – اختفت هُذهِ المفكرات، من طرف تلك الشاشات، في دلالة رمزية، على أن كل شيء انتهى. انتهى.
.. نعم. لا مفكرة بعد اليوم على طرف الشاشات التي تتابع..
لكن هناك مفكرة اخرى، ستنتصب على طرف حياتك، سترتسم على جانب روحك.. ستزيد ارقامها يوماً بعد آخر..
.. ستؤرخ للاحتلال. وهُذا هو صباحه الاول..
***************
كانت بعض القنوات، المصرية خصوصاً، تبث اغانٍ وطنية. بعضها قديمة ومألوفة ونحبها منذ عهود طفولتنا الغابرة.. بعضها رافقتنا في رحلة الحلم والكابوس والامل واليأس والصعود والانهيار والانتصار والانكسار..
رافقتنا تلك الاناشيد في رحلاتنا المدرسية. وفي صفوفنا – في مقاعدنا المدرسية. في دفاترنا. وفي اقلامنا الملونة- وفي الساحة عندما يرتفع العلم . (آه.. العلــم..)
رافقتنا تلك الاغاني في تكويننا. بل ساهمت في تشكيلنا، في خلق جزء من وعينا، من ذهننا، من ذلك الشيء المعقد الغامض المركب الذي يسمونه : حــب الوطــن..
تواجهك تلك الاغاني في صباح الاحتلال الاول. تصدمك. أمس لم تقدر على البكاء. كنت لاتزال غير مصدق. والذي لايصدق لا يقدر على البكاء..
.. ومن ثم كنت محبطاً وميتاً – والموتى لايقوون على البكاء..
تتقدم تلك الاغاني بوخزة صغيرة، تفجر في داخلك كل المخزون من البكاء. من الاجهاش بالبكاء.. من النحيب..
ترى طفلاً صغيراً يجوب في تلك الاغاني. تتأمله بدهشة : انه أنت. نعم، هُذا أنت في طفولتك : غضاً بريئاً لم تثقل كاهله الهموم بعد. لم يُشل والده بعد. لم يتلوث بعد..
.. ولم يعرف بعد، لم يعرف بعد..





تحاول أن تمسكه، تحاول أن تلحقه وهو يتراكض داخل طرقات المدرسة وباحاتها مع اقرانه. تحاول أن تتكلم معه. ماذا ستقول له يا ترى ؟. هل ستخبره عما حدث أمس ؟ هل ستخبره أنه يومك الاول في الاحتلال ؟. هل ستحذره ؟. هل ستنصحه ؟. هل ستقول له أن لا يحفظ تلك الاغاني جيداً – ولا يحبها- ولا يتعلق بها- حتى لا تفعل به ما فعلته بي عندما اكتسحتني في الصباح الاول للاحتلال..
هل ستخبره أن لايصّدق، حتى يكون الالم –على الأقـل- أقل..، هل ستخبره أن لا يحلق عالياً، حتى يكون ارتطامه بالارض –عندما يسقط- أقل ايذاءاً..هل ستنصحه ان يبحث له عن بلد آخر و جواز سفر آخر و تراب آخر يدس نفسه فيه و ينسى ..و ينسى ..ينسى
.. لكن لا. لا اعتقد أنك ستقول له أي شيء من هُذا . لن تقدر لن تقدر على الكلام. ربما، اذا امسكته، ستحتضنه، ستحاول الاختباء داخله.. ستحاول الاختفاء داخل براءته وصفائه ونقاء سريرته.. وستجهش بالبكاء..
كما أفعل أنا ، الآن..
*********************
من بين الاغاني، ذلك الصباح الاول للأحتلال، كانت هناك اغنية واحدة امعنت في تعذيبنا، امعنتت في نكش جروحنا، في ايقاظ دموعنا، من بين كل تلك الاغاني، هناك واحدة امسكت بتلابيبنا. القت القبض علينا.. تلبستنا والبستنا القيود..
من بين كل تلك الاغاني هناك واحده مرغتنا في الوحل. مرغتنا في البكاء.. واجهتنا بكل الحقائق المرّة التي كنا نهرب منها. واجهتنا بحقيقة ما انتهينا إليه. ما النا إليه..
واجهتنا بالحقيقة التي نحن عليها، منذ اشرقت الشمس على صباح اول يوم للاحتلال: مجرد سبايا. مجرد عبيد رخيص وبائر. مجرد رقيق سيتناقله النخاسون في الاسواق، ويقلبه المشترون دونما اهتمام، دونما احترام، دونما ادنى رغبة في الشراء. فقط للفرجة..
.. تلك الاغنية، لا اظن مؤلفها –تصور يوم كتبها- ربما في الاربعينات أو قبل –أن الامور ستئول إلى ما آلت اليه، واننا سننتهي الى هُذا البكاء المرير- على تلك الاغنية بالذات، بعد حوالي ستين او سبعين عاماً من تأليفها..
*******************
حاولت أن اغني مع الاغنية. لكني فشلت. فشلت في اخراج صوتي من حنجرتي. فشلت حتى في ايجاد حنجرتي.. – لم يكن في داخلي غير الدموع، .. ولم يكن عندي سوى يدي اخفي بهما دموعي، حفاظاً –امام اولادي- على بقايا كرامة لأب مهزوم، لوطن مهزوم، لأمة مهزومة..
كان النشيج خافتاً. ولم يكن من الممكن خفضه اكثر او التحكم به. كان لا ارادياً، عميقاً، جماعياً..
كان النشيج متناغماً – إلى حد عجيب- مع ذلك النشيد.. كان صوت البكاء يعمل على خلفية ذلك النشيد.. على نفس ايقاعاته..
وجدت صوتاً في داخلي يغني بكلمات الاغنية، لم اكن متأكداً أنه صوتي، ربما نعم وربما لا، ربما كان صوتي القديم وأنا طفل أو صوتي المستقبلي وانا كهل، المهم أنه كان صوتاً اسمعه بوضوح.. وكان يقول، ببطء، تلك الكلمات الموجعة المؤلمة التي تؤلف نسيج الاغنية..
("مـوطنــي.. موطنــي.."
الجلال والجمال والسناء والبهاء في رباك..
والحياة والنجــاة والهناء والرجــاء في هـواك"
هـل اراك ؟.. في عـلاك.. سـالمــاً منعمــاً وغانما مكرمــاً..
هـل اراك في عـلاك : تبلـغ السماك.. تبلغ السمـاك
هــل اراك ؟.
موطني ...موطني
"الشباب لن يكل.. همه أن يستقيـــل أو يبيـــد.."
أو يبيد ,,,او يبيد
نستقــي من الـردى ولن نكــون للعــدا
كالعبيــــد..
كالعبيــــد..
"مـوطنــي … مــوطنـــي.."..
لا نريـد، لا نريـد .. ذلنـا المؤبــد و عيشنــا المنكــدا..
لا نريــد .. بـل نعيـــد..
مجــدنا التليـد ، مجدنــا التليـد، مـوطنـــي".
مـوطنــي … مـوطنـــي..)
الذي حصل شيء لن تتصوروه. ولن تفهموه. الغرفة تغطس في سحابة من النشيج والنحيب. ونحن لا نملك، لهُذا الذي نبكي من اجله – مـوطنــي- غير هُذا النشيج. هُذا الاجهاش بالبكاء..
.. لن تفهموا هُذا الذي احسسنا به. والذي مررنا به، إلا إذا اجتزتم ما اجتزناه..


يتبع



إلا إذا سمعتم تلك الاغنية، موطني، صباح اليوم الاول لاحتلال موطنكم..
************************
.. لن انسى منظر خالتي.. تلك الساعة.
كانت قد جلست على ارض –أمر لم تكـن تفعلـه كثيراً..- كانت غارقة في النحيب –مثلنا جميعاً- لم اراها ابداً على هذهِ الحالة. لا عندما مات والدها ولا في أي مناسبة حزينة اخرى.
(بالتأكيد لم ارها، في حالة مشابهة – فهذا هو أول يوم في الاحتلال..)
كان حجمها كله قد تقلص. انكمش فجأة. زادت التجاعيد في وجهها السبعيني.. تساءلت مع نفسي أن كان الأمر نفسه قد حدث لي، وأن كنت ساذهب للمرآة لاشاهد كهلاً في السبعين من عمره..
.. كانت خالتي جالسة على الارض، وقد اسندت ظهرها إلى الحائط، كقروية ذبحوا ابنها للتو، امام عينيها.. كمحكوم بالاعدام، اسندوه إلى الحائط، واعدموا كل زملائه.. وتركوه ينتظر دوره امعاناً في تعذيبه..
كانت خالتي تقول دوماً أنها لاتخاف الموت. كانت تقول ذلك منذ عرفتها (وقد عرفتها منذ فترة طويلة، فهي خالتي..)، كانت مولعة بذكر عمرها –للدلالة على الخبرة التي خاضتها، أو للتذكير بأنها اكتفت من كل شيء- بل أنها كانت تذكر عمرها اعتماداً على ميلادها بالتقويم الهجري، والذي يمنحها ثلاث سنوات اضافية، بسبب الفرق بين التقويميين..
ذلك الصباح، بدت خالتي أنها لم تكتف. بدت أنها تريد شيئاً واحداً، بين دموعها، بين نحيبها، سمعتها تقول بحسرة ،أنها لا تعتقد أن في عمرها متسعاً لتراهم وهم يخرجون..
**************
.. سأكون كاذباً كبيراً لو قلت أن الكل تعاملوا مع الاحتلال كما تعاملنا.. سأكتفي هنا بالقول، أن قطاعاً كبيراً. شعر بمرارة لا حدود لها، عندما استيقظ ليجد وطنه قد احتل..
ما ادهشني أن التعامل مع هُذهِ الحقيقة المزدوجة : الاحتلال ومرارته، كان مختلفاً ومحتوياً على طرق متعددة. لقد راقبت الاحتلال – وهو ينعكس في نفوس الناس- ليورث اختلالاً في موازينهم، ومقاييسهم، وآلياتهم في التفكير. حتى لا أقول اختلالاً في عقلياتهم..
نعم، كانت الصدمة الاولى للاحتلال قوية على معظم الناس، واورثت اختلالاً في نفسياتهم –اختلالاً تصوراً من خلاله أنه سيمكنهم من التكيف مع الوضع الجديد الذي سقطوا اسارى له..
.. كان الحل – عبر هُذا الاختلال- هو الهروب. الهروب من الحقيقة عبر اساليب متنوعة.
هروب. تهرب. دفن للرؤوس في الرمال.. من أجل أن لا تشعر بتلك المرارة التي تغص بها..
مــرارة الاحتــلال !
***************
أول شيء سيفعله البعض، ليتغلبوا على تلك المرارة وذلك الذل، هو الانسياق وراء قول لا يصدق، سيجبرون أنفسهم على تصديقه، ربما سيصدقونه فعلاً، ليتمكنوا من المواصلة بلا ألم..
سيقولون : احتــلال ؟. لا طبعاً. لايوجد احتلال. هناك تحرير فقط. ستفتح عينيك ولن تصدق انهم يقولون ما يقولون فعلاً. ربما هم انفسهم لم يصدقوا انفسهم عندما قالوها للمرة الاولى "تحـريــر". ربما اضطروا إلى الوقوف امام المرآة وتكرار تلك الكلمة "تحـرير" "تحـريـر" لمائة او ألف مرّة. من أجل أن يقتنعوا بها..
.. وهل سيقتنعون بها ؟. وكيف، والغزاة انفسهم قد نفوا تهمة التحرير وتبرءوا منها، واصدروا قراراً دولياً اممياً ينصبهم ويرسمهم كقوة احتلال..
ربما . لكن ليس بالنسبة لهؤلاء الذين تؤذيهم الكلمة.
مع الاحتلال الهواء أقل أوكسجيناً، والماء أكثر مرارة و الاستمرار اصعب.. فلنسم الاشياء باسماء اخرى، الطف، أكثر انعاشاً، حتى لو كنا لا نصدقها، حتى لو كانت غبية ومزيفة مثل "الاحتــلال"..
سيكون ذلك بمثابة مرض نفسي – لم يصل لدرجة الوباء، لكنه سينتشر خصوصاً في اوساط المثقفين- سيكون محاولة شبه مرضية للتكيف النفسي عبر خلق وهم ينزلق المريض إلى التصديق به..
يذكرني ذلك بشكل غامض، بالنسوة نصف المتعلمات اللواتي لايجروءن على ذكر كلمة "سـرطـآن" كي لا يستجلبن شره، ويستعضن عن ذلك –عند الضرورة- بكلمات اخرى، مفهومة تماماً، مثل "ذاك المرض" – أو ما شابه..
يذكرني ذلك ايضاً، بأن تغيير اسم السرطان، لا يخفف من نسبة الاصابة به..
وأن استبدال اسم الاحتلال، لن يلطف من حقيقته..
رغم ذلك، فهم يصرون، ويعيدون ويكررون : تحـرير .. تحـرير..
ستتفهم ذلك. لن ترفع الشعارات وتوزع الاتهامات بالعمالة والخيانة، كما تعودنا لعقود..
انهم انما يمارسون آلية الدفاع عن النفس ضد الاصابة بالكآبة، أنهم يمارسون هُذا "الانكار" حتى لا يقعوا فريسة هُذا الواقع.

يتبع




نعم. ليس كلهم عملاء. ليس كلهم خونة. معظمهم طيبون. مصدومون، وقد هربوا من هُذا الواقع الذي سقطوا في حبائله بخلق وهم لابد أنهم سيستيقظون منه..
إمنحهم وقتاً: ستة اشهر فقط. أو سنة .. للحالات المستعصية !.
*****************
آخرون سيقولون بصراحة اكبر، وشجاعة أكثر : احتلال . نعم. احتلال.
ولكن إلم يكن النظام السابق، نظام احتلال ايضاً ؟..
ماذا يريد الاحتلال ؟.. سيسألون.
منابع النفط ! سيردون على انفسهم.( واهمين..)
ماذا حصلنا من النفط وقت النظام السابق ؟. لاشيء. كان يذهب كله للطاغية وقصوره وملذاته وملذات اولاده وحروبه الحمقاء الغبية..
.. ولو اعطانا الاحتلال، نسبة عشرة بالمائة من واردات النفط.. لكان ذلك خيراً وبركة.
هروب ايضاً. انكار ايضاً. محاولة للتكيف مع الواقع بخلق وهم آخر.
لقد افترضوا، واهمين، عامدين، واعين أو غير واعين، أن الاحتلال قد جاء –حصــراً- من أجل منابع النفط..
- وافترضوا، انهم سيمنحونا تلك النسبة التي قالوا عنها.و قارنوا مع -من لا منافس له في السوء- مع نظام الطاغية، ثم قالوا : خير وبركة.
.. أنه الوهم المبني على فرضيات متهاوية.. أنه الانكار المبني على حقائق مغلوطة..
أنه محاولة للتكيف مع الواقع البغيض بابتكار اوهام جميلة (نسبياً)..
امنحهم الوقت. بعض الوقت فقط، لتتبين لهم نوايا الاحتلال..
واهدافه .. الابعد بكثير، والاعمق بكثير.. من مجرد منابع النفط..
**********************
سيقول آخرون، أنه لايوجد استقلال تام للدول في عصر العولمة الذي نعيشه، وبالتالي، لايوجد احتلال – أنها العولمة التي تسيطر على العالم اجمع.. فهل العالم كله محتل؟.
يبلع الوهم المثقفون منهم –ويمضغونه ببطء، متلذذين به، أنه يخفف مرارة الشعور بالاحتلال..
.. سيشير آخرون إلى دول مجاورة، تملك قواعد لقوات امريكية، ولا يبدو على أهل تلك البلدان أنهم يشعرون بالمرارة..
سيقولون : مالفرق – بين وجود قواعد- ووجود القوات ؟..
كله احتلال. حالنا حالهم. والاستياء لايبدو عليهم.. فلماذا يبدو علينا ؟
*********************
.. سيقولون آخرون : بغداد اصلاً لم تسقط. الذي سقط هو النظام..
أما بغداد، فهي أعلى ، وأجل، وأقوى.. من أن تسقط..
بغداد لم تسقط. الذي سقط هو الطاغية، وتمثاله.. وازلامه.
لكــن بغــداد لم تسقــط..
كيف تسمي كتابك بهذا الاسم ؟. "ليلة سقوط بغــداد" .. وبغداد اصلا لم تسقط ؟.
**************
آخرون : لم ننهزم. صدقونا لم ننهزم. أننا اصلاً لم نحارب. ولهذا لم ننهزم. الذي حارب هو النظام وزبانيته. والذي انهزم هو النظام.
أما نحن.. فلا.. أننا لم نحارب. ولذلك لم ننهزم.
.. لو أننا كنا حاربنا، لكنتم رأيتم شيئاً آخراً غير الذي رأيتموه. لكانت امريكا رأت شيئاً آخراً .
أننا فقط فضلنا أن لا نحاربها الآن.
نحــن لم ننهـزم!
******************

فذلكات. الفاظ. مصطلحات. كلها تلف وتدور من أجل تلك الاوهام الجميلة التي ينزلق إليها الناس من أجل أن يهربوا من واقعهم المرير المؤلم الذي سقطوا في براثنه..
انهم ليسوا سذجاً او اغبياء كما قد يبدو للوهلة الاولى..
انهم يمارسون – بلا وعي – هروباً جماعياً من واقع الاحتلال. انكاراً جماعياً لحقيقة الدبابة الامريكية الجاثمة امامهم –على ناصية الشارع.. ليسوا خونة. ولا عملاء. انهم وطنيون على طريقتهم..
امنحوهم الوقت. وسيستيقظون على الانكار وهو لايجدي نفعاً بمواجهة المرارة التي يشعرون بها..
امنحوهم الوقت: ليستوعبوا الصدمة. ليعبروا الاختلال الذي اورثه اياهم الاحتلال..
فقط بعض الوقت. وبعده ترون.
***********************
.. لقد خيبنا آمالكم. اعترف.
كنتم تتخيلون أي شيء، غير هذا الذي حدث منا.




كنتم تتخيلوننا "مشاريع استشهاد دائمة" – ستنفجر في وجوه الغزاة واجسادهم ومدرعاتهم فور دخولهم بغداد..
(..كنا نتخيل ذلك ايضاً. لقد خيبنا آمالنا بأنفسنا)
كنتم تتخيلون أننا لن ننام على الموضوع. لن نستطيع أن نغلق الابواب على انفسنا والغزاة يدنسون الشوارع..
لم نتصور نحن ذلك ايضاً قبل حدوثه. وعندما حدث لم نكن نصدقه..
..لقد خيبنا آمالكم
كنتم تتوقعون أي شيء. إلا أن نواجه الأمر بهذا الذي واجهه البعض به..
بالانكار. بالهروب. بالتكيفات النفسية.. بردود افعال نفسية تكاد تكون جزءً من مرض نفسي..
نعــم. خيبنا آمالكــم..
كنتم تريدون أن نحدثكم عن بغداد أخرى، بغداد مقاومة، بغداد صامدة، بغداد مقاتلة، بغداد التي ترفع رؤوسكم.. وبغداد التي تحقق شعاراتكم..
نحن ايضاً كنا نريد ذلك. أن نرفع رؤوسكم. ونحقق بعضاً – على الاقل- من شعاراتكم..
كنا نريد أن تظهر بغداد بصورة اخرى، غير التي ظهرت بها غداة السقوط، غير صورة السلب والنهب، وذلك الترحيب المذل الذي اظهره البعض للغزاة..
كنا نريد لبغداد أن تدخل التاريخ في سجل الصمود. في سجل المدن التي تدافع عن نفسها كما تدافع القطة عن اولادها – بأظافرها.. بأظافرهــا..
لكن ما المدن، في النهاية، غير ابنائها؟. ما المدن، في البداية والنهاية، سوى ناسها؟. وماذا تفعل المدينة – اولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً، غير ما يفعله ابناؤها..
..كنتم تريدون أن احدثكم عن بغداد ترضى طواويسكم – وتنفخ غروركم، وتجعلكم تشعرون بالاطمئنان إلى أن حصونكم منيعة، وأن دوركم في الغزو لايزال بعيداً..
كنتم تريدون أن تحارب بغداد بالنيابة عنكم. وأن يموت الاطفال فيها، بدلاً أن يموتوا عندكم، و أن تهدم بيوتنا علينا – بدلاً من أن تهدم عليكم..
(حدث هُذا كله طبعاً. ولكن ليس للدرجة التي كنتم ترغبون بها).
كنتم تريدون أن احدثكم عن بغداد تفديكم، وتعيد بناء عزكم، واساطير مجدكم، كنتم تريدون بغداد، أن تداوي جروحكم – وتعيد بث الأمل في نفوسكم..
للأسف.. وسط كل الملابسات التي سقطنا فيها: لم يكن ثمة أمل في أن تفعل بغداد ذلك.
بدلاً من بغداد التي تريدون، وبغداد التي نريد، هناك بغداد اخرى، هي بغداد الناس الحقيقيين، لا بغداد – الشعارات والعقائد..
بغداد الاخرى – بغداد الناس الذين يمشون في الشوارع ويأكلون في الاسواق، هي بغداد التي لامفر من مواجهتها والتعامل معها، وفهمها والتفاهم معها – بغداد الاخرى، هي التي يمكن، فيما بعد، أن تدهشكم فيما ستفعله، أن ترفع رأسكم حقاً، أن تكون لكم مثلاً، وتكون بيوتها سوراً حصيناً لبيوتكم.. ويكون ناسها – اولئك الذين احتقرتموهم وقلتم عنهم ما قلتم- قدوة لكم..
بغداد الاخرى.. بغداد الناس الحقيقيين، هي المحك الحقيقي – هي التي الرهان عليها، هي التي العين عليها..
.. بغداد الاخرى، هي التي ستضع النقط على الحروف.. وتملأ الفراغات بما يناسبها. وتحل احجية الكلمات المتقاطعة..
.. وتضع نقطة، نهاية السطر..
بغــداد – الناس الحقيقين – سـاحدثكــم عنهـا
*******************
ربما ساحدثكم عن جار لي ، لم اتصور قط يوماً ما، أني ساذكره فضلاً عن أن اكتب عنه..
أسمه أحمد، واكن لم يبلغ العشرين عندما وضع حداً لحياته قبل الحرب بشهر أو أكثر..
كان لطيفاً ودائم الابتسام – لكن اتضح أن تلك الابتسامة لم تكن سوى قناع يخفي وجهاً كثير الدموع..
هل تقولون أن المراهقين – ينتحرون في كل مكان في العالم ؟
نعم. وبنسب أكبر. لكن أحمد كان مثالاً لذلك الجيل المحبط الذي تدخلت السياسة ومؤامراتها في حياته بشكل شخصي..
كان عمره خمسة سنوات، أو ستة؟، عندما اندلعت حرب الخليج الثانية. مات ابوه في يومها الاول. اذكر جيداً انهم لم يتمكنوا من اقامة مجلس عزاء له.. واذكر أن والدته انجبت بنتاً بعد عدة اشهر، وأن ذلك الطفل الجميل فقد قدرته على النطق بشكل صحيح، وظل يتعثر في الكلام لمدة طويلة، كبر ذلك الطفل مع السنين.
اذكر أني كلما عدت من صلاة العيد. كنت اجد أمه وقد اتشحت بسوادها الذي لم تغيره قط، ومعها اولادها الثلاثة – وهو اوسطهم- كانوا يذهبون صباح كل عيد للمقبرة.. من اجل والدهم..


يتبع

Romantic Flower
, Wed, 17 Oct 2007 14:00:51 +0200
.. بقوا في البيت ولم يتركوه. وظل عمه يرعاهم. لكن، تعرفون كيف هي الطبيعة البشرية. الحرارة التي جعلته يتعهد بالتكفل بابناء اخيه الشهيد، خفتت مع الوقت. هو ايضاً لديه اعباءه واولاده.. ولابد أن التذمر بدء يظهر عليه..
اضطرت الأم لجعل اولادها يتركون المدارس مبكراً – ويعملون من اجل كسب رزقهم. كنت اراهما سوية، هو وشقيقه الذي يكبره بسنة أو اثنتين، وقد خرجا مبكراً لعملهما وهما يحملان معهما طعاماً اعدته امهما لهما – أكل البيت أنظف وأكثر اماناً- كلي ثقة أن أمه كانت تقول ، لهما، لنفسها، ولزوجة عمه ايضاً
لكن أكل البيت أرخص ايضاً. دون أن تقول..
كانا يعملان معاً في منطقة صناعية لتصليح السيارات، في وسط كان من الصعب عليه تقبل ذلك المراهق كثير التأتأة..
لم أكن ادري أي وجه يخفي قناع الابتسام – لم نكن ندري أي قروح، أي دموع، أي دمامل كانت على وشك الانفجار..
ولم ندر إلا بعد فوات الآوان. عندما احترق القناع، ولكن احترق معه الوجه، والرأس.. احترق ايضاً حتى العظم.. حتى النخاع..
.. كنت قد عدت يوماً متأخراً من عيادتي، وانتبهت إلى وجود رائحة حرق خاصة، ظننت أن احدهم قد أحرق بعض النفايات.. ولم أعر الأمر اهتماماً كبيراً..
لم أعرف أن الرئحة كانت رائحة أحمد، وقد تفحم تماماً، عندما أختار امسية ذلك اليوم –قبل الحرب بشهر أو أكثر- أن ينهي حياته بتلك الطريقة.
لم نعرف أي وجه كان يخفي القناع إلا تلك الليلة..
لقد أحب –ككل المراهقين. وصدم ، ربما ايضاً ككل المراهقين..
لكن، ليس ككل المراهقين، ايقظته صدمته على حقيقة حياته..
على حقيقة مستقبله، على انعدام فرصه..
كان قد خسر الدنيا منذ فترة طويلة. ذلك المساء، اختار أن يخسر الآخرة ايضاً..
****************************
ارتعبت ابنتي الصغيرة مما حدث. كانت قد شاهدت أحمد وقد تحول إلى شيء متفحم ومحترق. كانت مشوشة بسبب حالة ترقب الحرب التي كنا نعيشها ونتحدث عنها طوال الوقت. ظلت تسأل بألحاح : هل ابتدءت الحرب ؟. هل هُذهِ هي الحرب ؟
نعم. كانت هذهِ هي الحرب. الحرب التي ابتدءت قبل اكثر من عشر سنوات. الحرب التي لم تنته رغم وقف اطلاق النار. الحرب التي لا تضع اوزارها قط. بل تستمر الاوزار.. ويحملها الاولاد.. وهم يكبرون.. ويخسرون.. ويحيطون.. ويهزمون..
نعم. أنها الحرب.. وهُذا هو جيلها الذي يختار احياناً أن يخسر الآخرة..
بعد ما خسر الدنيا..
********************
.. ربما سأحدثكم عن أم سجى، امرأة على مشارف عقدها السادس، عملت كمساعدة تمريض في عيادة عملت بها. قضت عمرها في الركض وراء الرزق منذ أن كانت في الثالثة عشر، لتعيل ثمانية من اخواتها الصغار، كلهم ذكور.. وكانت تتصور أنهم سيكونون سنداً لها. تعرفون كيف هي العادات، وكيف تكون الدنيا زاهية عندما نكون صغاراً ونحلم : كانت تقول، بسخرية مريرة، كنت اتفاخر بين صديقاتي : عندي ثمان اخوة !
لم تكن تدري، أنها ستكون هي المعيل الوحيد لكوم من الايتام. هم ايتام اربعة من اخوتها – عدا عن ايتامها الشخصيين، الخاصين بها..
خمسة من اخوتها الثمانية سيموتون مبكراً، تقول عنهم أنهم الخمسة الأفضل، لم يبق إلا العاطلين عن العمل. تقولون أنها نسبة مرتفعة ؟. ربما. واحد منهم فقط سيموت في حادث سير. الاربعة الباقون سيموتون في تلك الحروب الغبية. ثلاثة منهم –لحسن حظ أم سجى- سيكونون متزوجين، ولديهم اطفال. بمعدل ثلاثة لكل واحد.. وستجد أم سجى نفسها في خضم ذلك الماراثون اليومي من أجل لقمة ودواء وكساء.. أما والد بناتها الثلاثة فسيموت –ويا للعجــب- بسكتة قلبية اعتيادية..
لن تصدقوا كم هي طيبة النفس ونقية السريرة. وكريمة اليد ايضاً ولا تجلس ابداً. أين هي ؟. أنها هنا. أنها هناك. تعمل في الصباح في مستشفى. وبعد الظهر في عيادة. وبين هُذا وذاك، وبعد هُذا وذاك تركض هنا أو هناك. تزرق ابرة ، تبدل ضماد، تحصل على نزر يسير من كل مكان. لكنها تقول إن القليل يجمع..، والقليل الذي تجمعه لاتبخل به على اولئك الايتام الذين في البيت – وهـم كثيـرون..
أنها بغداد – الاخرى، بغداد الحقيقية. لم تسرق ولم تشارك في النهب والسلب. ولكن اغلقت على نفسها وطلبت الستر لها ولبناتها. . أنها الوجه الآخر الذي لم تروه، أنها الصبر والتعلق بسيارات النقل الرخيصة المتعبة من اجل الركض وراء لقمة الرزق..
لن تروها في الفضائيات. أنها مجرد وجه عادي. لن يقابلها أحد. لن يستجوبها أحد. ليست سيدة صالون. وليست متحدثة لبقة. ولا تحمل شهادة الدكتوراه في أي اختصاص. ستنزلق الكاميرا عليها دون اهتمام.. لكنها هي .. بغــداد التي ستدهشكم فيما بعد.. ولو بعد حيــن..
أم سجى، واسمها الاصلي جوهرة، ودوماً يخطأ المراجعون فيستبدلون اسمها باسماء مقاربة : جواهر . ياقوتة..




اسماها والدها بُهذا الاسم لأنه كان في عربة الحنطور عندما اخبروه بولادتها وأمامه كانت هناك لوحة اعلانية لفيلم قديم اسمه جوهرة – بطولة مطربة كانت معروفة في الاربعينات والآن بالكاد يذكرها أحد، نور الهدى –مصادفة ؟ لكن خير من ألف ميعاد-.
وسيتفتق هُذا الاسم –الذي اختير بما يبدو أنه مصادفة- عن جوهر حقيقة هُذهِ المرأة. عن جوهرة نادرة – موجودة هناك، خبيئة في الاعماق..
أنها بغـداد الحقيقية، خلف كل الاقنعة، تحت كل الوجوه، توجد جوهرة شديدة الندرة، عظيمة القيمة– في الاعماق..
**************
.. وربما احدثكم عن أبي عامر. بقال لا اعرف كم عمره بالضبط. يبدو في الستين، ولكن الحياة التي عشناها علمتنا أن المظاهر خدّاعة. قد يكون في الاربعين – لكن الحياة التي عاشها تضيف إليه ما يجعله يبدو أنه في الستين..
أبو عامر، بالكاد يفك الخط. لكنه يتقن العمليات الحسابية البسيطة التي يستوجبها عمله. لا يحتاج إلى ورقة ولا قلم ولا حاسبة. بل يحسبها بدماغه. أنه بقال ممتاز بالمناسبة. وبضائعه طازجة دوماً. والناس تأتي اليه قاصدة من كل مكان..
ذهبت إليه امرأة من معارفنا بعد انتهاء الحرب. كيف حالك يا "أبو عامر" ؟. .. اجابها بشرود : الحمــد لله..
كان لديه اولاد كثيرون. بعضهم ، في الجيش، كما تذكر تلك المرأة. سألته مرة اخرى، وقد لاحظت شروده : هل كلكم بخير ؟. هل كل اولادك بحال جيدة ؟. هل حصل شيء لأحد منهم ؟.
قال أبو عامر، نعم. لقد حصل.
قالت تلك المرأة، بلهفة الامهات اللواتي يخشين على اولاد الغير كما يخشين على اولادهن : مــن ؟. مـن يا أبـو عامـر؟.
أطرق بصمت. بدا عليه أنه يريد أن يستجمع شجاعته وقوته ليقول "مــن". بدا عليه أنه قد ينفجر فجأة بالبكاء. جرَّ نفساً من الهواء، قبل أن يختنق .. في عينه اليسرى، في طرفها بالذات، التمعت دمعة حزينة، عندما استطاع أن يقول.. "بغــداد".
**************
.. وربما احدثكم عن سيدة اخرى، لا اعرفها، ولكن سمعت عن هُذا الذي فعلته..
جاءت منظمة نسوية عالمية لأستطلاع احوال النسوة في العراق. تعرفون كيف أن احوال المرأة تشكل موضوعاً ساخناً..
كانت المنظمة تنتقل بين الاحياء، تريد اجوبة مثيرة، لاسئلة من نوع : مـا هي مشاكلكــن ؟.
كانت المنظمة تريد قضايا من نوع الضرب و الاغتصاب و الزواج القسري والتعذيب والاهانة والمنع من الدراسة والعمل. لم تحصل على الكثير. اكثر النسوة شكين من الوضع الامني السئ الذي احدثه الاحتلال. بعض تكلمن ايضاً عن الوضع الاقتصادي..
قامت واحدة من النسوة، قالت بهدوء شديد، أن لديها مشكلة واحدة. لا تتعلق بالوضع الامني والاقتصادي. ولا بأي شيء من هُذا القبيل .. قالت أن لديها مشكلة واحدة تنغص عليها عيشها : وجود دبابة امريكية وجنود امريكان عند ناصية الشارع الذي تسكن فيه.
.. قالت ان لك هو اكبر همومها.. وأعظم مشاكلها. وان ذلك يجعلها عملياً حبيسة منزلها، لأنها تتجنب الخروج من المنزل حتى لا تشاهد الامريكان..
قالت ذلك بهدوء. بلا شعارات. ولا تشنج.. ولا صراخ..
قالته لأنه كان حقيقة. ولأن وجود تلك الدبابة على ناحية الشارع كان فعلاً قد نغص عليها حياتها..
******************
ولكن ايضاً ساحدثكم عن غيث، طبيب اسنان شاب اشرفت على تدريبه سابقاً. مؤدب ولطيف ودائم الابتسام. ويختم كلامه دوماً بأبتسامة شديدة الود، كما يفعل المذيعون..
بعد انتهاء الحرب بفترة وجيزة، شاهدت غيث و اوصلته بسيارتي إلى مكان ما، وعندما مرّت من امامنا دورية امريكية، فاجئني غيث بما فعله، لقد لوح بيديه لهم..
احبطني ذلك وصحت به عما يفعله، قال لي، بمرارة، يا دكتور، لقد ارجعوا لنا بيتنا.
كانت الحكومة السابقة، بواحد من قراراتها الطائشة، قد صادرت بيتهم – واسكنت فيه واحد من زبانيتها- وجعلتهم يضطرون للعيش في شقة مؤجرة في منطقة في اطراف بغداد، وقد كان بيتهم المصادر في زيونة، واحدة من ارقى مناطق بغداد..
.. وعندما سقط التمثال. عرف ذلك الذي احتل البيت أنه لم يعد له مكان. فحزم اغراضه ورحل دون ضجيج. واتصل الجيران بغيث وأهله : أن عودوا، فقد رحل الدخيـل..
هل كان يمكن لغيث إلا أن يلوح للغزاة – الذي ارجعوا له بيته.؟
سكت بمرارة . كل ما كنت سأقوله كان سيبدو موعظة بليدة وفي غير موضعها. لقد ارجعوا له بيته . لو كنت قلت له : أنهم ارجعوا بيتاً واخذوا بلداً بكامله – لو كنت قلت له أن كل اوراق الطابو ومستندات الملكية التي بحوزتنا لم تعد لها قيمة ما دام البلد قد احتل –فماذا كان سيكون رد فعله ؟.. غير اللامبالاة ؟.
لقد ارجعوا له بيته !.



يتبع






سكتت.
وعندما هبط من السيارة قلت له : ستة اشهر ونتحدث بالامر. ستة اشهر فقط.
لكن الامر لم يستغرق ستة اشهر. بل اقل. خلال ثلاثة اشهر رأيته على التلفاز. لم يبدو عليه الامتنان، لأنهم ارجعوا البيت واخذوا البلد – وهو يسير في مظاهرة ضد الاحتلال..
.. لكن ابتسامته كانت لاتزال شديدة الود.
***********************

.. وهل احدثكم عن نفسي، أم أن ذلك سيكون منحازاً ومخالفاً لقواعد التأثير..، هل احدثكم عن نفسي، أنا الذي لا يزال قلبي يغوص عميقاً كلما رأيت دبابة أو مدرعة امريكية في الشارع. أنا الذي لا ازال انظر إلى الاسفلت الذي تدوس عليه المجنزرات الامريكية كما لو كنت انظر إلى اشلاء اولادي وقد مزقتها عجلات الدبابات..
أنا الذي لم اتعود بعد. ولايبدو عليَّ أني سأتعود في أي وقت .. أنا الذي لا ازال اتحاشى النظر – واتجنب أن يقع بصري على أي من جنود الغزو. أو دباباتهم.. أو عرباتهم..أو حتى أحذيتهم.. لو فتحنا هُذا الملف، لما انتهينا ابداً..
لكني ساحدثكم عني – في موقف واحد، اجهشت فيه بالبكاء علناً كما لايليق بي من كل النواحــي..
تلك الامسية، كانت تقام فيه حفلة تخرج لأبني من الروضة. اصرت زوجتي –والتي هي مديرة الروضة- أن يقام الحفل –رغم كل الظروف- كنت معها في ذلك. بعد كل شيء، استمرارية الحياة هي اشد انواع المقاومة قوة.. كنت متأخراً بسبب ارتباطي بعملي في العيادة. اخذت سيارة اجرة وطلبت من سائقها أن يتخذ اقصر الطرق – وعندما مررنا بمنطقة شبه مهجورة،- وقد كانت في وقتها ياما كانت، وقد هدمت مبانيها بعدما مرت بمراحل القصف والسلب والنهب والحرق والتدمير حتى الارض. حتى الارض..
بينما كنا هناك، حدث اطلاق كثيف للنار من مكان قريب، أو ربما أننا احسسنا أنه قريب جداً لأن الصدى كان عالياً في مكان مهجور كالذي كنا بالقرب منه..
ضغط السائق على مدوس البنزين. كان يريد الافلات مما تصور أنه ممكن أن يتحول إلى حادثة سلب أو قتل مجاني – كما يحدث في كل مكان- افلتت من فمه شتيمة. قال، بالحرف، بغــداد "الغبرة".
نعم، لقد قال: بغداد الغبرة !.
اذن اصبحت "غبرة" يا بغداد..
اذن اصبح سكانك يضيقون ذرعاً لك، ويعدونك غبرة، ويعدونك مكاناً غير آمناً..
آه، يا حلوة، يا بغــداد – ماذا فعلوا بك ؟. بل ماذا فعلنا نحن بك؟. كيف نافسناهم في تدميرك ؟. في ذبحك ؟. في جعلك غبرة ؟؟
.. آه ، يا بغــداد، يـا أمــي – يا اصيلـة ، يا حنونــة، كيف سمحنا لهم
-ولأنفسنا- أن يفعلوا هُذا الذي فعلوه بك، هُذا الذي شاركناهم فعله..
"دمبلـة" •وانفجرت!.
اجهشت بالبكاء. لم الق بالاً لأي شيء. لم احاول الاستتار. فقط دموع صامتة تهبط من عيني وتغرق عدسات نظارتي، تشوش مجال الرؤية..
اردت أن اقول، بل قلت فعلاً، بين دموعي ، بل بغداد الحلوة، بغداد الحلوة.
كان ذلك غير موضوعياً وقتها. ولكن، هل يكون وجه الام إلا جميلاً – إلا حنوناً- حتى لو هدمته الهموم، والمشاكل، حتى لو هزمه الزمان، .. حتى لو اكل جلده السرطان؟.
هل يمكن أن يكون وجه أمك –اغبــراً- حتى لو كان عليه غبار ؟.
.. وقال ذلك السائق، ذلك المساء الذي سيتخرج أبني من روضته : بغداد الغبرة !.
.. وعندما وصلت، كنت قد استنفذت كل طاقة على الفرح أو الحزن أو أي شيء.
لكن عندما سلّم ابني راية الروضة – لطفل آخر يصغره بسنة- سيخلفه في الصف المنتهى، امتلأت بروحي بذاك الشيء الغامض الذي لا اسم له و الذي يجعل الموتى (نظرياً) يواصلون الحياة.
امتلأت روحى، كل ذرة منها – إذا كانت الروح تقسم إلى ذرات- بتلك الرغبة السماوية التي تجعل من الطين انساناً..
امتلأت بارادة غامضة، لعلها ما يسمونه ارادة الحياة – بأن يكبر أبني من اجل بغـداد اخرى..
بغــداد حلــوة.
************************* لكني كنت احسن حظاً من قريب لي. لم تمتلئ روحه بارادة الحياة..
لم يكن في بغداد، عندما قامت الحرب، وعندما انتهت ايضاً.
كان قد ذهب و اهله الى الموصل..
.. وعندما عاد – كان قد سمع بالخراب والدمار الذي لحق بها. لكن أن تسمع غير أن ترى..





خاصة عندما تكون في السبعين من العمر. وتكون مريضاً بالقلب.. (.. وتكون تحب بغداد)
.. دخل بغداد فوجد الخراب وقد فاق كل ما سمع به كل ما تخيله – وجد الدمار وقد تسرب إلى ذكرياته وذاكرته- وجد كل حياته واحلامه وهمومه وقد صارت ركاماً لاسبيل لأعادة اعماره – بكل مليارات الدنيا..
.. لم يصل إلى بيته ابداً. لم يصل حتى إلى جانب الرصافة حيث يقيم.. قبل أن يصل إلى جسر الجمهورية –نفس الجسر الذي وقفت عليه تلك الدبابة يوم كان ما كان-..
وضع يده على قلبه، كما لو كان يريد أن يقلب الصفحة. كما لو كان يريد أن يسدل الستار..
مات، قبل أن يصل المستشفى..
كان انساناً حقيقياً، قريبي هُذا، لم اسمع عنه قط أن يتداول الشعارات، أو يعتنق النظريات والعقائد..
كان انساناً بسيطاً، احب مدينته ووطنه. وهو أمر على بساطته، يصعب التعبير عنه..
ولم تكن بغداد مسقط رأسه، فقد ولد وشب في الموصل، وجاء إلى بغداد وهو شاب، لكن بغداد لديها تلك الخاصية، أنها تظل تتبنى من يأتي إليها، وتحتضنهم وتظل تقول هل من مزيد ؟..
وفجأة، يجد اولئك الذين اتوا اليها، أنها صارت مدينتهم هم، بغدادهم، يجدون أنها صارت امهم، وقد خلفوا مدينة اخرى، كانوا يظنونها مدينتهم الام.
وضع يده على قلبه. واغلق عينيه .. لم يكن يريد أن يرى اكثر ما حلَّ بأمه.. ببغداد..
****************
وهل احدثكم عن أحمد مثنى، زميل لأبني في روضته، تخلف عن الحضور في حفل التخرج.. لم يتخرج.. و استطيع ان اقول أنه لن يتخرج قط..
لن اقول أنه كان أجمل طفل في صفه، فكل الاطفال في سنه جميلون، لكن زوجتي تقول أنه اذكاهم بالتأكيد. وأكثرهم نباهة. تستطيعون أن تثقوا بما تقول زوجتي. فأبنها في نفس صف أحمد مثنى، ولو كان هناك مجال للمقاربة، لفضلت ابنها- بالتأكيد..
لكن زوجتي تقول أن احمد مثنى هو الاذكى..
لكنه الاجمل ايضاً بالنسبة لوالديه، لأمه وابيه، الذي عندما عاد من حفر الباطن، في حرب الخليج الثانية، فرح الجميع لعودته سالماً. او هكذا تصوروا..
لم يعلم أحد، أنه لم يعد سالماً بالضبط، وانه التقط شيئاً من ذلك اليورانيوم الذي استخدمه الغزاة المتحضرون. وأن الأمر لن يظهر إلا فيما بعد، في ابنه الذي سيولد بعد ذلك بفترة طويلة. والذي سيكون اذكى طفل في صف ابني..
.. فجأة سيتخلف أحمد مثنى عن الحضور. انه محموم. أنه مزكوم. انه يسعل اليوم.
سيتكرر غيابه.. وسيطول . كيف وهو الحريص على الحضور ؟.
ستذهب زوجتي لتستطلع الأمر. لن يفيد الهاتف المعتاد. تفتح جدته الباب لها. أين احمد؟. أين أمه ؟. أنهما في المستشفى ؟. ما الأمر ؟. ستجهش الجدة بالبكاء..
أنه السـرطان.!
لن يستسلم اهله. سيحاولون مع العلاج باهظ التكاليف. سيبيع والده السيارة. وهو على استعداد لبيع المنزل ايضاً. لكنه يتساءل، مع نفسه، ماذا عن اخوته الآخرين ؟.
.. سيذهب اطفال الصف إلى احمد في المستشفى . لايزال اذكاهم. يحير الاطباء بأسئلته الذكية. يتهجى اسماءهم واسماء ابائهم والقابهم كما مكتوبة على "الباجات" المعلقة فوق صدورهم. يسأل الاطباء عن عمره، يسكتون، يقارنون بأبنائهم، وابناء اخوتهم، ثم يعلقون آسفين: أنه ذكي جداً، هُذا الولد.
تعود زوجتي وعيناها متورمتان من البكاء. وتقضي يومين آخرين في البكاء والاتصال بالمعارف من اجل أن يحصل أحمد مثنى، على مساعدة من بعض المنظمات الانسانية. لكن كل المنظمات على وشك الانسحاب. أنها الحرب على الابواب.
بعد أن تنتهي الحرب، تسأل زوجتي عنه. يقال لها بأقتضاب: لقد تدهورت حالته اثناء الحرب، ولم يستطع احد أن يفعل شيئاً، كانت المستشفيات في حالة فوضى.. حاول الجميع بأقصى ما يستطيعون . لكّن السرطان هزم اذكى طفل في صف ابني..
آه يا أحمد مثنى، وآه يا أم "أحمد مثنى" ويا أباه المكلوم المهزوم ..، ربما سينسى الاطفال في الصف ابنكم. محظوظون هم إذا نسوا. لكن من يدري أن حظهم سيكون دوماً أفضل.؟ من يدري أي مستقبل ينتظرون، والغزاة الذين حكموا على أحمد مثنى بالاعدام سلفاً قبل أن يولد، قد جاءوا الآن إلى باب روضتهم ؟
آه يا اهل احمد مثنى.. هل ستأتون لاستلام تلك الشهادة المتروكة في درج مكتب زوجتي أم انكم ستهربون من تلك الصورة الملصوقة عليها..؟
صورة أحمد مثنى وهو يبتسم للكاميرا. قبل أن يظهر السرطان..؟
اقول لكم : جربوا النسيان. حاولوه. لن تفلحوا، إذا فشلتم حاولوا التذكر بدلاً عنه . امعنوا فيه. وتذكروا بالذات أنه قد صار طيراً بين طيور الجنة..
..واراهن أنه سيكون، كعادته، الاذكى، بين تلك الطيور..




يتبع

Romantic Flower
, Wed, 17 Oct 2007 14:01:50 +0200
***********************
أنني ابكي الان. ربما انتم ايضا..
لكن البكاء ليس كل ما املكه..
.. واحمد مثنى قد مات، نعم، لكن في الصف ايضاً اطفال آخرون ،اذكياء ايضا، لايزالون على قيد الحياة.
.. وبغداد قد سقطت. نعم. لقد سقطت. لكن هُذا لا يعني أنها لن تنهض بعد..
أنني محبط، نعم، ومهزوم، نعم. ومحاصر ، نعم. لكني لم ارفع الراية البيضاء بعد. لم استسلم بعد.
أنني انزف. جسدي مثخن بالجراح. وروحي مثخنة اكثر بالطعنات و الاصابات. لكنني لا ازال حياً. لم امت بعد..
قد تتصورون أنني احتضر. ربما اتصور انا ذلك احياناً..
لكن لا. لم احتضر. لم أمت..
على الأقل : ليس بعد..


اتمنى لكم قراءة ممتعة


وانتهى كتاب ليلة سقوط بغداد

مع الشكر الجزيل لكاتبه وناشره

للسماح لي بنشره اينما اردت



ودمتم بحفظ الله ورعايته

العاني
, Sun, 21 Oct 2007 04:45:34 +0200
شكرا لك على الموضوع