المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإرث الحضاري لبلاد ما بين النهرين واستمرارية تأثيره في الحضارات العالمية الجزء الثالث


سهر الالقوشي
09-29-07, 02:33 AM
- وحتى قبل طيطيان الآشوري، في أوائل القرن الثاني الميلادي، يُثني العالم "القديس" هيباليتوس على مساهمة ثقافة ما بين النهرين في ثقافة عصره، ويشير إلى "أن الآشوريين هم الأوائل الذين قالوا بأن النفس تتألف من ثلاث كيانات، وهي في الوقت ذاته واحدة."[25] وثلةٌ هامة من علماء القرون الثلاثة الأولى – أي قبل مار آفرام (القرن الرابع) ساهموا بقوة بعلوم حضارتهم السريانية الوطنية في مجادلتهم الرومان واليونان. فالفيلسوف لوقيان السميساطي (125-192 ب م) قَدَّم نفسَه لليونان كـ "آشوري .. وما زال يتكلم البربري (الآرامي: غير اليوناني)، ويرتدي الثوب الآشوري."[26] وعالم معاصر آخر اسمه يمليخوس كتب سلسلة روايات في بابل؛ ولئن كتب باليونانية، إلا أنه أشار الى الآرامية لغته الأصلية. كما أن اسمه آرامي قح، يعني (ܝܗ ܡܠܟܝ) يه (الإله) هو ملكي؛ وقد وجد اسم العلم هذا في العهد الآشوري الإمبراطوري.[27]

ومفهوم لاهوتي آخر تأصل في اللغة الآرامية وعرفه العالم باللغة الآرامية، هو مفهوم الصالح والطالح. فالصالح (ܛܒܛܒܐ)، بحسب لاهوت بلاد النهرين، يعني "الذي يصيب الهدف بدقّة،" وما زال المعنى الايتمولوجي للكلمة نفسه موجود في قاموس اللغة السريانية اليوم. وأما الطالح (ܚܛܐ ܚܛܝܐ܆ ܣܛܐ ܣܛܢܐ) فيعني من "أخطا وزاغ عن الهدف،" وما زال المعنى الايتمولوجي للكلمة نفسه في اللغة السريانية اليوم. وكنتيجة لاهوتية، نسبت صفة (ܛܒܐ) إلى الإله الصالح، ونسبت صفة (ܣܛܢܐ) إلى الإله الطالح، وهو الشيطان (Satan) كما يلفظ في معظم لغات العالم. فما تظهره اللوحات المكتشفة في بلاد النهرين، مثل الصورة المشهورة للملك في صيد الأسود أو الحيوانات الأخرى ما هي مجرد هواية رياضية للصيد، بل تعبير ديني ولاهوتي عن كون الملك "ملك تقي وعادل" و"ابن الإله: برمارين ܒܪܡܪܝܢ،" الذي لا يخطئ الهدف.

فالادب السرياني منذ نشأته يزخر بدلائل استمرارية سيل ادب بلاد النهرين قبل الميلاد في الادب المسيحي. فأدبيات مار أفرام النصيبيني "القامشليّ" (303-373 ب م) تظهر باستمرارية الربط بين قصص الكتاب المقدس وقصص وأدبيات بلاد النهرين. مثال على ذلك، تفسير مار أفرام لقصة المجوس (متى 2)، حيث أشار إلى أن أصل المجوس آشوريون، وأنهم مختارون من قبل الله ليكونوا "عصاته" في تأديب ملوك يهودا الأشرار، وفي أنهم أول شعوب العالم من يعترف بملكية وقدسية وإلهية المسيح وهو في المهد.[29] [ لأهمية هذه النقطة، أُحيلكم إلى القصيدة 19 من قصائد الميلاد المرفقة]. وفي مكان آخر، مار أفرام يزكّي نعمان الآرامي الذي شفي من مرضه بعد إيمانه، ويطيل في مدح شعبه [وينسى مدح النبي إيليا الذي شفاه]، وهكذا يعبّر مار أفرام عن فَخره في بني شعبه وجنسه وتراثه.[30]

ومن خصائص أدب مار أفرام التي يتميز بها في الأدب العالميِ هي "أدب المناظرة" أو الحوار بين موضوعين، الذي هو بدوره من الأدب الشعبي السومري والآكادي[31] والآرامي.[32] وأهمية هذا النوع من الأدب يكمِن في أنه كان ملهماُ ومسبباً في نشوء أدب المسرح الغربي بدءاً من اسبانيا في العصور الوسطى، وعن طريق الترجمات العربية. [33] إن مساهمة حضارة الرافدين في الحضارات العالمية لم تقتصر على الأدب والدين، بل تعدَّتها لتشمل أهم مراحل التكنولوجيا، والكتابة، ثم كتابة الألف باء، والحسابات الرياضية والفلكية، وإحداث وتصميم المدن، وتنظيم إدارة المدينة والبلد والإمبراطورية وعلاقاتها ببعضها ضمن قوانين وأنظمة تشمل معظم مظاهر الحياة، وترتيب دورة السنة بفصولها الأربعة وشهورها الاثني عشر (أو الثلاثة عشر)، وأسابيعها وأيامها وفق نظام محكم، وتسمية هذه الأقسام بأسماء ما زالت مستخدمة في شرقنا إلى يومنا هذا، ثم اختراع واستخدام نظام المقاييس الوزنية والطولية.. الخ هذه بعض ما قدمته حضارة ما بين النهرين هدية لثقافات وحضارات العالم، والتي ما زالت هذه "الهدية" تشكِّل محوراً أساسياً في الحياة الحضارية واليومية لشعوب العالم إلى يومنا هذا.

ـ أمثلـــة:

اختراع الدولاب (3500 ق م) واستخداماته المتعددة في الحياة اليومية، هل يمكن لأي شعب الاستغناء عنه.

اختراع الكتابة (4 ق م) وتطّورها من الكتابة الصوَريّة والنقطية إلى المسمارية والمسمارية المتطورة، وبها سُجّلت مختلف الإخبار والعلوم والأدب. وكانت الكتابة الوسيلة الفعّالة في حفظ ما أنتجه وأنجزه الإنسان في تاريخه ومن ثم نقل هذا الإنجاز إلى الآخرين وإلى الأجيال المتعاقبة.

وحتى اليوم، هل يمكن لأي شعب حضاري الاستغناء عنه.

اختراع الألف باء، هل يمكن لأي شعب حضاري الاستغناء عنه.

اختراع الكتابة الموسيقية "النوط"، هل يمكن لأي شعب حضاري الاستغناء عنه.

5. وضع القانون، هل يمكن لأي شعب حضاري الاستغناء عنه.

6. علم الحساب واكتشاف رموز وأرقام له، هل يمكن لأي شعب حضاري الاستغناء عنه.

7. الطبوغرافيا والخرائط، هل يمكن لأي شعب حضاري الاستغناء عنه.

8. تصميم وبناء المدن، فمدينة أورك كمثال، قُدّر عدد سكانها في الألف الثالث قبل الميلاد ب 50,000 نسمة، واحتوائها أسواق تجارية ومراكز للكتابة. هل يمكن لأي شعب حضاري الاستغناء عنه.

- الخلاصـــة:

حقيقة الأمر هي انه كما أَثرت وتفاعلت حضارة شعب ما بين النهرين، شعبنا، (ونحن الموجودون هنا أحفادهم) بالحضارات الأخرى، هي بالتالي تأثرت أيضاً بالحضارات والثقافات المحيطة بها: الفارسية، اليونانية، الرومانية، البيزنطينية، الساسانية، العثمانية وطبعاً العربية. كلٌ من هذه الثقافات تركت بصمات على ثقافة شعب ما بين النهرين، لتخلص إلى ثقافة جديدة مختلفة عمَّا كانت عليه منذ خمس آلاف سنة. ولكن مثل هذا التغيّر والتطور (أو الانحسار في بعض الأحيان) حدث لكافة الثقافات القديمة؛ فالثقافة الفارسية/ الإيرانية اليوم، على سبيل المثال، ليست كالثقافة الفارسية في العصور القديمة. أما النقطة المحورية هنا هي أن شعب النهرين بكل تسمياته البابلية، الآشورية، الكلدانية والآرامية، والذي خَلُصَ إلى التسمية السريانية ( في اللغة السريانية على الأقل)، هذا الشعب ما زال محافظاً على هويته الاثنية والثقافية واللغوية رغم مرور آلاف السنوات، وما زال تراثه في موقع المُسَاهِم الفَعَّال في ثقافة العصر. والنقطة الثانية هي أن هذه الحضارة والثقافة أَثرت في الثقافة العربية وتأثرت بها لمدة تزيدُ عن ألف عام لتصبح جزءاً لا يتجزأ من النسيج الحضاري لهذا البلد (سوريا). وختاماً أقول أن التراث السرياني القابع على رفوف جامعات الغرب والمتناثر في المكتبات السريانية الخاصة ما زال بحاجة ماسة لإعادته للحياة وتفعيله مع ثقافة بلدنا وإغنائه؛ أمنية نرفعها إلى المسؤولين في الدولة، ولذوي الإمكانيات الأكاديمية والمالية الذين يهمهم هذا التراث. ففي جامعتي، مثلاً، ربع مليون وثيقة سريانية ما زالت غير مدروسة ولا مطبوعة تحوي عينة هامة من تراثنا الزاخر بمجمل الموضوعات الثقافية المتعددة والتي يعود تاريخها إلى حقبة تمتد من القرن الرابع الميلادي حتى الرابع عشر. وأقولُها: إن كان بإمكان الخليفة العباسي السابع، المأمون (813 م)، أن يتبنى ويرعى تفعيل الثقافة السريانية ونقلها إلى العربية، وعن طريقها إلى العالم أجمع، فأنه بإمكان المسؤولين عن الثقافة في بلدنا أن يتبنوا ويرعوا تفعيل وإحياء الثقافة السريانية، لإغناء الثقافة العربية اللتان تشكلان معاً ثقافتنا الوطنية في عصر الانفتاح هذا الذي ننعم به اليوم. هذه أمنية نأمل أن تتحقق قريبا، وللحديث صلة.

عذراء
10-12-07, 01:22 AM
شكراً عيوني على الموضوع الجميل

سهر الالقوشي
10-12-07, 01:27 PM
تدللين وردة
مشكورة عل المرور
منورة التجمع