سهر الالقوشي
09-29-07, 02:11 AM
خمسة آلاف سنة من العطاء الحضاري لبلاد ما بين النهرين يصعب التكلم عنها في مدة محددة ب خمسين دقيقة ما لم نحدد كلامنا عن منظور محدد فقط. هذا المنظور سيكون العناصر الثقافية الباقية من هذه الحضارة العريقة، مهد الحضارات البشرية. بدأ تدوين حضارة النهرين منذ لحظة اختراع الكتابة الأولية في الألف الرابع قبل الميلاد ـ وما اختراع الكتابة إلا إحدى عطاءات هذه الحضارة.
منذ ذلك الحين، عرفنا عن هذه الحضارةـ حضارتناـ الكثير الكثير إلى بلوغها قمة العطاء الإنساني في القرن السادس قبل الميلاد. أما بعد القرن السادس، فقد قضي على الوجود السياسي المتمثل بالإمبراطورية الآشورية، ثم الإمبراطورية البابلية الجديدة (أو الكلدانية) حيث انتقل الحكم إلى شعوبٍ متعددة مختلفة عن شعب النهرين اثنياً ولغوياً وحضارياً وثقافياُ: الفرس (6 ق م)، اليونان (4 ق م)، الرومانِ/ البيزنط (1 م/ ب م)، الساسانيين (3 ب م)، وكان آخرهم المغول وبني عثمان الذين حكموا البلاد إلى مطلع القرن العشرين. خلال هذه الحقبة الطويلة من الزمن، تغيرت معالم المنطقة سياسياً وديمغرافياً ودينياً وثقافياً، وبرغم هذا التغيّر الكبير فان عناصر وافرة من حضارة ما بين النهرين بقيت فعَّالة وبقوة في الحياة اليومية ليس فقط لشعوب المنطقة بل أيضاً لشعوب العالم الحضاري بأكمله.
ومع بدء الكلام، أوضح بأن تعبير "حضارة بلاد النهرين" تفيد حضارة الحقب السومريةـ الأكادية، الأكادية، البابلية، الآشورية، الكلدانية والآرامية (وكل هذه التسميات انتهت إلى التسمية السريانية فيما بعد) كل هؤلاء ساهموا في إبداع حضارة متكاملة راقية، سنلقي بعض الأضواء على بعض الجوانب الثقافية الخالدة والتي ما زالت تفعل فعلها في الحضارات العالمية كافة.
ـ سقوط الكيان السياسي واستمرارية ثقافة ما بين النهرين:
بعد سقوط بابل على أيدي الفرس في منتصف القرن السادس ق م، زال الكيان السياسي لشعب ما بين النهرين كلياً. ومعه تلاشت طموحات ملك آشور، تغلث فلصر (1100 ق م) وطرحه لنفسه بأنه "ملك العالم، ملك آشور، ملك أربع أصقاع المعمورة." وما حدث إثر سقوط نينوى (612 ق م) كان حرق مدن هامة في البلاد وسلبها ونهبها بصورة ليست غريبة وبعيدة عمَّا شاهدناه على شاشة التلفيزيون قبل عام ونصف يوم سقوط بغداد على أيدي الجيش الأمريكي. ولكن إمبراطورية النهرين كانت واسعة شاسعة، هائلة ومأهولة؛ فبعد انقشاع غبار المعركة، عاد أهلها إلى دورة حياتهم الثقافية والحضارية بشكل طبيعي مع بعض التحوّل التدريجي للتكيّف مع كل غازٍ جديد في حلّه وترحاله.
ـ استمرارية حضارة وثقافة الرافدين وتأثيرها على حضارة وثقافة الفرس:
بعد سقوط نينوى ثم بابل، قُسّمت آشور إلى مقاطعتين يفصل بينهما نهر دجلة: مقاطعة غربي دجلة سميت آثورا، ومقاطعة شرقي دجلة سميت مادا.[1] لقد فُرِضَ على الآشوريين (التجمعات الآشورية) في كلا المقاطعتين دفع جزية سنوية وتأمين عمّال للفرس، الحكّام الجدد، بالمقابل يضمن الفرس للآشوريين آمان مدنهم وأعيانهم ومؤسساتهم وحرياتهم الدينية. ومرّت أجيال طويلة على حكم الفرس، لكن الثقافة الآشورية (ثقافة النهرين) بقيت الثقافة السائدة في حياة السكان وفي تعاملهم اليومي مع بعضهم ومع الحكام الجدد. وبواقع ذلك العصر، لم يرى مواطنو الإمبراطورية العاديين في تغيّر حكامهم الآشوريين بالفرس أكثر من تغيير في العائلة المالكة؛ بينما استمر الصرح الثقافي والديني والتشريعي الآشوري الأصيل بفاعليته كما كان في الأجيال السابقة. وهنا لا نخفي حقيقة تأثير ثقافة الحكام الفرس في شؤون الإمبراطورية الخاضعة لهم، ولكن بالمقارنة مع قوة تجذّر الثقافة الآشورية في المنطقة جعل تأثير ثقافة فارس على بلاد ما بين النهرين طفيفاً لا يذكر. فمثلاً، بعد أن دانت بلاد ما بين النهرين كلها إلى حكم الفرس، استمرت اللغة الآرامية لغة سائدة في كافة مرافق الحياة في البلاد، بل أصبحت اللغة الآرامية اللغة الرسمية للإمبراطورية الفارسية. إضافة إلى اللغة، استمر شعب النهرين بممارسة عقائدهِ الدينية وعبادة آلهته الخاصة، مع بعض التطور في مفاهيمه اللاهوتية؛ ليس هذا فحسب، بل إن مفاهيم آلهة الفرس تأثرت كثيراً بلاهوت آلهة بلاد النهرين. فالإله الأعظم عند الفرس، على سبيل المثال، إله أهرا مزدا، أصبح يتمثل بالقرص المجنح للإله آشور. كذلك الآلهه (الأم) الفارسية، اناهيدا، تبنت لاهوت وأشكال آلهة ما بين النهرين، عشتار. وهذا ما حدث أيضاً لإله مثرا، الذي تبنى لاهوت إله نابو ونينورتا، المتمثل ب "ابن الاله الأعظم والإله المخلص" عند الآشوريين.
إن ثبات وحيوية ثقافة بلاد النهرين وتأثيرها الدائم في الثقافات الأخرى، جعل المؤرخ والجغرافي اليوناني سترابو (قرن 1 ق م) يكتب عن دور الثقافة الآشورية عندما تطرق إلى وصف ما بين النهرين. ورغم أن البلاد في القرن الأول كانت تحت الحكم البارثي (الفارسي)، أَكّدَ سترابو انه "ما زالت عادات سكان الإمبراطورية (البارثية) مثل عادات الآشوريين القدامى."[2] أقدم من سترابو كان المؤرخ اليوناني هيرودوت (قرن 5 ق م) الذي زار بلاد النهرين بعد سقوط بابل بقرن من الزمن، ودوّن ما لاحظه عن مهارة العمّال الآشوريين في بناء الصروح وعن خبرتهم العسكرية وخدماتهم للحكام الفرس.[3]
إن استمرار ثقافة ما بين النهرين في أرجاء الإمبراطورية السابقة واستمرارية حيويتها وتأثيرها في ظل حكم الفرس يرجع إلى حقيقة إن الفرس والميديين كانوا لأجيال طويلة كيانات خاضعة وتابعة للامبرطورية الآشورية، وبالتالي كانوا خاضعين لقوانينها ومتأثرين وعاملين بأنظمتها منذ عهود خلت.[4] وبالتالي كان العمل بالأنظمة الآشورية خيارهَم الوحيد. كان انتشار وسيادة ثقافة ما بين النهرين كنتيجة لسياسة مدروسة ومنظمة نفذتها الإمبراطورية الآشورية بهدف توحيد وتماسك أجزاء إمبرطوريتهم المترامية الأطراف. وكما كان للآكاديين قصب السبق في إحداث كيان سياسي متوحد ومتين لبلاد ما بين النهرين (على يد سركون الآكادي)، هكذا فعل الآشوريون بخلق وحدة ثقافية مترابطة في البلاد. ففي مطلع القرن الثاني عشر قبل الميلاد، امتدت سلطة الإمبراطورية السياسية إلى ما وراء منطقة الفرات لتشمل مناطق البحر المتوسط. وقتئذٍ، كان الملك الآشوري تغلث فلصر (1100 ق م) الذي لقب نفسه "بملك العالم" يدون طموحاته وانجازاته ويذكر بان حملاته قادته إلى اجتياز نهر الفرات ثمان وثلاثين مرة. ومن أجل تعزيز عناصر الوحدة ومتانة الإمبراطورية من الداخل، شجعت السلطات المركزية عملية التنقل وإعادة الاستيطان من وإلى المدن الرئيسة في البلاد. مثل هذه السياسة، سياسة التنقل وإعادة الاستيطان، فرضت بشكل قسري على "الممالك المتمردة." وهكذا، آلاف من السكان رُحِّلوا، وفي عملية إعادة استيطانهم، أعيد تنظيم مواقعهم الجديدة بحسب النظام المركزي الموحد.[5] وكان من عناصر توحيد الثقافة: نظام موحد للضرائب، والخدمة العسكرية الإلزامية، ونظام موحد للمقاييس والأوزان، ومن ثم جعل اللغة الآرامية وكتابتها لغة البلاد الرسمية[6].
ثقافة ما بين النهرين تستمر بحيويتها في فترة فرض الثقافة اليونانية
في آواخر القرن الثاني ق م، هَزم الفرثيون (الفرس) الدولة السلوقية واحتلوا القسم الشرقي منها، أي شرقي الفرات، وبينما ضم القسم الغربي أي غربي الفرات إلى روما، وبقيت تسمية سوريا على القسم الغربي فقط.[11] أما في القسم الشرقي، فقد ظهرت فيه ممالك آشورية\ آرامية شبه مستقلة، تحت نفوذ الدولة الفرثية الفتيّة؛ هذه الممالك هي اسروعينا (ܥܣܪܐ ܥܝܢ̈ܐ) أي الرها، ومملكة حدياب، ومملكة حترا، ومملكة آشور. استمر الاستقلال النسبي لبعض هذه الممالك حتى القرن الثالث الميلادي، خلالها، انتعشت ثقافة الرافدين مجدداً، ونشطت العبادات الدينية والتراثية وآدابها اللاهوتية والفلسفية.[12] في هذه الفترة أُعيدَ بناء هيكل الإله آشور وعدد من المسلات. كان أحد نتائج هذا الانتعاش الثقافي قبولهم وتفاعلهم السريع مع التعاليم المسيحية الباكرة.
منذ ذلك الحين، عرفنا عن هذه الحضارةـ حضارتناـ الكثير الكثير إلى بلوغها قمة العطاء الإنساني في القرن السادس قبل الميلاد. أما بعد القرن السادس، فقد قضي على الوجود السياسي المتمثل بالإمبراطورية الآشورية، ثم الإمبراطورية البابلية الجديدة (أو الكلدانية) حيث انتقل الحكم إلى شعوبٍ متعددة مختلفة عن شعب النهرين اثنياً ولغوياً وحضارياً وثقافياُ: الفرس (6 ق م)، اليونان (4 ق م)، الرومانِ/ البيزنط (1 م/ ب م)، الساسانيين (3 ب م)، وكان آخرهم المغول وبني عثمان الذين حكموا البلاد إلى مطلع القرن العشرين. خلال هذه الحقبة الطويلة من الزمن، تغيرت معالم المنطقة سياسياً وديمغرافياً ودينياً وثقافياً، وبرغم هذا التغيّر الكبير فان عناصر وافرة من حضارة ما بين النهرين بقيت فعَّالة وبقوة في الحياة اليومية ليس فقط لشعوب المنطقة بل أيضاً لشعوب العالم الحضاري بأكمله.
ومع بدء الكلام، أوضح بأن تعبير "حضارة بلاد النهرين" تفيد حضارة الحقب السومريةـ الأكادية، الأكادية، البابلية، الآشورية، الكلدانية والآرامية (وكل هذه التسميات انتهت إلى التسمية السريانية فيما بعد) كل هؤلاء ساهموا في إبداع حضارة متكاملة راقية، سنلقي بعض الأضواء على بعض الجوانب الثقافية الخالدة والتي ما زالت تفعل فعلها في الحضارات العالمية كافة.
ـ سقوط الكيان السياسي واستمرارية ثقافة ما بين النهرين:
بعد سقوط بابل على أيدي الفرس في منتصف القرن السادس ق م، زال الكيان السياسي لشعب ما بين النهرين كلياً. ومعه تلاشت طموحات ملك آشور، تغلث فلصر (1100 ق م) وطرحه لنفسه بأنه "ملك العالم، ملك آشور، ملك أربع أصقاع المعمورة." وما حدث إثر سقوط نينوى (612 ق م) كان حرق مدن هامة في البلاد وسلبها ونهبها بصورة ليست غريبة وبعيدة عمَّا شاهدناه على شاشة التلفيزيون قبل عام ونصف يوم سقوط بغداد على أيدي الجيش الأمريكي. ولكن إمبراطورية النهرين كانت واسعة شاسعة، هائلة ومأهولة؛ فبعد انقشاع غبار المعركة، عاد أهلها إلى دورة حياتهم الثقافية والحضارية بشكل طبيعي مع بعض التحوّل التدريجي للتكيّف مع كل غازٍ جديد في حلّه وترحاله.
ـ استمرارية حضارة وثقافة الرافدين وتأثيرها على حضارة وثقافة الفرس:
بعد سقوط نينوى ثم بابل، قُسّمت آشور إلى مقاطعتين يفصل بينهما نهر دجلة: مقاطعة غربي دجلة سميت آثورا، ومقاطعة شرقي دجلة سميت مادا.[1] لقد فُرِضَ على الآشوريين (التجمعات الآشورية) في كلا المقاطعتين دفع جزية سنوية وتأمين عمّال للفرس، الحكّام الجدد، بالمقابل يضمن الفرس للآشوريين آمان مدنهم وأعيانهم ومؤسساتهم وحرياتهم الدينية. ومرّت أجيال طويلة على حكم الفرس، لكن الثقافة الآشورية (ثقافة النهرين) بقيت الثقافة السائدة في حياة السكان وفي تعاملهم اليومي مع بعضهم ومع الحكام الجدد. وبواقع ذلك العصر، لم يرى مواطنو الإمبراطورية العاديين في تغيّر حكامهم الآشوريين بالفرس أكثر من تغيير في العائلة المالكة؛ بينما استمر الصرح الثقافي والديني والتشريعي الآشوري الأصيل بفاعليته كما كان في الأجيال السابقة. وهنا لا نخفي حقيقة تأثير ثقافة الحكام الفرس في شؤون الإمبراطورية الخاضعة لهم، ولكن بالمقارنة مع قوة تجذّر الثقافة الآشورية في المنطقة جعل تأثير ثقافة فارس على بلاد ما بين النهرين طفيفاً لا يذكر. فمثلاً، بعد أن دانت بلاد ما بين النهرين كلها إلى حكم الفرس، استمرت اللغة الآرامية لغة سائدة في كافة مرافق الحياة في البلاد، بل أصبحت اللغة الآرامية اللغة الرسمية للإمبراطورية الفارسية. إضافة إلى اللغة، استمر شعب النهرين بممارسة عقائدهِ الدينية وعبادة آلهته الخاصة، مع بعض التطور في مفاهيمه اللاهوتية؛ ليس هذا فحسب، بل إن مفاهيم آلهة الفرس تأثرت كثيراً بلاهوت آلهة بلاد النهرين. فالإله الأعظم عند الفرس، على سبيل المثال، إله أهرا مزدا، أصبح يتمثل بالقرص المجنح للإله آشور. كذلك الآلهه (الأم) الفارسية، اناهيدا، تبنت لاهوت وأشكال آلهة ما بين النهرين، عشتار. وهذا ما حدث أيضاً لإله مثرا، الذي تبنى لاهوت إله نابو ونينورتا، المتمثل ب "ابن الاله الأعظم والإله المخلص" عند الآشوريين.
إن ثبات وحيوية ثقافة بلاد النهرين وتأثيرها الدائم في الثقافات الأخرى، جعل المؤرخ والجغرافي اليوناني سترابو (قرن 1 ق م) يكتب عن دور الثقافة الآشورية عندما تطرق إلى وصف ما بين النهرين. ورغم أن البلاد في القرن الأول كانت تحت الحكم البارثي (الفارسي)، أَكّدَ سترابو انه "ما زالت عادات سكان الإمبراطورية (البارثية) مثل عادات الآشوريين القدامى."[2] أقدم من سترابو كان المؤرخ اليوناني هيرودوت (قرن 5 ق م) الذي زار بلاد النهرين بعد سقوط بابل بقرن من الزمن، ودوّن ما لاحظه عن مهارة العمّال الآشوريين في بناء الصروح وعن خبرتهم العسكرية وخدماتهم للحكام الفرس.[3]
إن استمرار ثقافة ما بين النهرين في أرجاء الإمبراطورية السابقة واستمرارية حيويتها وتأثيرها في ظل حكم الفرس يرجع إلى حقيقة إن الفرس والميديين كانوا لأجيال طويلة كيانات خاضعة وتابعة للامبرطورية الآشورية، وبالتالي كانوا خاضعين لقوانينها ومتأثرين وعاملين بأنظمتها منذ عهود خلت.[4] وبالتالي كان العمل بالأنظمة الآشورية خيارهَم الوحيد. كان انتشار وسيادة ثقافة ما بين النهرين كنتيجة لسياسة مدروسة ومنظمة نفذتها الإمبراطورية الآشورية بهدف توحيد وتماسك أجزاء إمبرطوريتهم المترامية الأطراف. وكما كان للآكاديين قصب السبق في إحداث كيان سياسي متوحد ومتين لبلاد ما بين النهرين (على يد سركون الآكادي)، هكذا فعل الآشوريون بخلق وحدة ثقافية مترابطة في البلاد. ففي مطلع القرن الثاني عشر قبل الميلاد، امتدت سلطة الإمبراطورية السياسية إلى ما وراء منطقة الفرات لتشمل مناطق البحر المتوسط. وقتئذٍ، كان الملك الآشوري تغلث فلصر (1100 ق م) الذي لقب نفسه "بملك العالم" يدون طموحاته وانجازاته ويذكر بان حملاته قادته إلى اجتياز نهر الفرات ثمان وثلاثين مرة. ومن أجل تعزيز عناصر الوحدة ومتانة الإمبراطورية من الداخل، شجعت السلطات المركزية عملية التنقل وإعادة الاستيطان من وإلى المدن الرئيسة في البلاد. مثل هذه السياسة، سياسة التنقل وإعادة الاستيطان، فرضت بشكل قسري على "الممالك المتمردة." وهكذا، آلاف من السكان رُحِّلوا، وفي عملية إعادة استيطانهم، أعيد تنظيم مواقعهم الجديدة بحسب النظام المركزي الموحد.[5] وكان من عناصر توحيد الثقافة: نظام موحد للضرائب، والخدمة العسكرية الإلزامية، ونظام موحد للمقاييس والأوزان، ومن ثم جعل اللغة الآرامية وكتابتها لغة البلاد الرسمية[6].
ثقافة ما بين النهرين تستمر بحيويتها في فترة فرض الثقافة اليونانية
في آواخر القرن الثاني ق م، هَزم الفرثيون (الفرس) الدولة السلوقية واحتلوا القسم الشرقي منها، أي شرقي الفرات، وبينما ضم القسم الغربي أي غربي الفرات إلى روما، وبقيت تسمية سوريا على القسم الغربي فقط.[11] أما في القسم الشرقي، فقد ظهرت فيه ممالك آشورية\ آرامية شبه مستقلة، تحت نفوذ الدولة الفرثية الفتيّة؛ هذه الممالك هي اسروعينا (ܥܣܪܐ ܥܝܢ̈ܐ) أي الرها، ومملكة حدياب، ومملكة حترا، ومملكة آشور. استمر الاستقلال النسبي لبعض هذه الممالك حتى القرن الثالث الميلادي، خلالها، انتعشت ثقافة الرافدين مجدداً، ونشطت العبادات الدينية والتراثية وآدابها اللاهوتية والفلسفية.[12] في هذه الفترة أُعيدَ بناء هيكل الإله آشور وعدد من المسلات. كان أحد نتائج هذا الانتعاش الثقافي قبولهم وتفاعلهم السريع مع التعاليم المسيحية الباكرة.